إسرائيل تقابل الانفتاح الدبلوماسي اللبناني بغارات على الجنوب

تفصل بين مسارَي التفاوض والقصف

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت منطقة النبطية في مايو 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت منطقة النبطية في مايو 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تقابل الانفتاح الدبلوماسي اللبناني بغارات على الجنوب

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت منطقة النبطية في مايو 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت منطقة النبطية في مايو 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

حسمت إسرائيل، الخميس، التضارب في مواقف مسؤوليها حول «الجو الإيجابي» جراء المفاوضات المدنية مع لبنان، أو عزلها عن المسار العسكري؛ إذ ردّت الخميس بأربع غارات تلت إنذارات إخلاء، واستهدفت أربعة منازل في جنوب لبنان، أحدها شمال الليطاني، بعد أقل من 24 ساعة على اجتماع «الميكانيزم».

وبدا التصعيد الإسرائيلي رداً على نتائج الجلسة؛ إذ سربت وسائل إعلام لبنانية أن مهمة السفير سيمون كرم، وهو رئيس الوفد التفاوضي مع إسرائيل، تمثلت في بحث وقف الأعمال العدائية، وإعادة الأسرى، والانسحاب من الأراضي المحتلة، وتصحيح النقاط على «الخط الأزرق». وأفادت قناة «الجديد» المحلية بأن رئيس الجمهورية جوزيف عون «أكد أن لبنان لم يدخل لا تطبيعاً ولا عقد اتفاقية سلام».

وخلال جلسة الحكومة اللبنانية مساء الخميس عرض الرئيس اللبناني جوزيف عون موضوع تكليف السفير سيمون كرم برئاسة لجنة الوفد اللبناني في «الميكانيزم»، و«ذلك بعد مشاورات بيني وبين الرئيس نبيه برّي والرئيس نواف سلام، حول ضرورة حصول مفاوضات في الناقورة وتطعيم اللجنة بشخص مدني»، حسبما قال، معتبراً أنه «من البديهي ألا تكون أول جلسة كثيرة الإنتاج، ولكنها مهدت الطريق لجلسات مقبلة ستبدأ في 19 من الشهر الحالي»، مشدداً على أن «تسود لغة التفاوض بدل لغة الحرب».

وفي الجلسة نفسها، قدّم قائد الجيش العماد رودولف هيكل تقريره الشهري حول تنفيذ قرار الحكومة بـ«حصرية السلاح»، مستعرضاً أهم المهمات التي نفذها الجيش اللبناني في جنوب الليطاني.

وفي هذا السياق، قدم لبنان خطوة إضافية في مسار تنفيذ «حصرية السلاح»؛ إذ تحدثت وسائل إعلام محلية عن أن الجيش صادر، برفقة «اليونيفيل»، صواريخ لـ«حزب الله» من منطقة جنوب الليطاني.

آليات للجيش اللبناني و«اليونيفيل» في منطقة البويضة قرب مرجعيون (أ.ف.ب)

وفيما يراهن لبنان على توسيع النافذة الدبلوماسية لخفض منسوب التوتر ومنع أي اندفاعة إسرائيلية نحو حرب واسعة، ظهر خطابان إسرائيليان متضاربان؛ تلقف الأول الخطوة اللبنانية بعد تعيين السفير سيمون كرم رئيساً للوفد التفاوضي اللبناني، في حين يفصل الآخر بين المسار التفاوضي والمسار العسكري، وعدم منح هذا المسار السياسي والدبلوماسي أي أثر ميداني.

وتكرس هذا الموقف الإسرائيلي العازم على فصل المسارات، وإلزام لبنان بمفاوضات تحت النار، حين أصدر المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، تحذيراً لسكان قرى محرونة وبرعشيت والمجادل (جنوب نهر الليطاني) وجباع (شمال الليطاني) بإخلاء تلك المناطق إلى مسافة لا تقل عن 300 متر؛ كون الجيش «سيهاجم على المدى الزمني القريب بنى تحتية عسكرية تابعة لـ(حزب الله) في أنحاء جنوب لبنان».

وبالفعل، نفذ الجيش الإسرائيلي هجماته، وقال إنه استهدف مستودعات تقع داخل مناطق سكنية مدنية، معتبراً أن ذلك يُعدّ مثالاً على «استخدام الأبنية المدنية لأغراض عسكرية»، وفق تعبيره.

عنصر في «الدفاع المدني» يقف على ركام منزل استهدفته غارة إسرائيلية في بلدة جباع (رويترز)

فصل حاد بين الطاولة والميدان

وتكشف هذه الرسائل أنّ إسرائيل تتعامل مع المفاوضات بوصفها قناة تقنية تتعلق بإدارة النزاع لا بمساره؛ فاستمرار التحليق المكثّف للمسيّرات فوق بيروت، وتوجيه إنذارات جديدة في الجنوب، توازياً مع الحديث عن «أجواء إيجابية»، تشي بأنّ إسرائيل ترغب في تثبيت الميدان على قواعده الحالية، ومنع التفاوض من التحول إلى أداة لخفض التصعيد.

وقال النائب أشرف ريفي لـ«الشرق الأوسط» إنّ المشهد الأمني والسياسي في لبنان «لا يزال محفوفاً بالمخاطر، رغم الارتياح الظاهر الذي يواكب المفاوضات الجارية، والجهود اللبنانية لمنع أيّ عملية عسكرية واسعة». وأكد أنّ الرسائل الصادرة عن الإعلام والقيادة الإسرائيلية «تُظهر بوضوح أنّ مسار التفاوض لا يعني تلقائياً وقف استهداف الحزب أو سلاحه»، مشيراً إلى أنّ احتمال التصعيد «لا يزال وارداً بقوة».

عناصر من قوى الأمن اللبنانية يوفرون الحماية لموكب البابا ليو الرابع عشر في بيروت الاثنين الماضي (مديرية التوجيه)

وأوضح ريفي أنّ إسرائيل «تمتلك مشروعاً استراتيجياً واضحاً يقوم على إنهاء الوجود الإيراني في المنطقة العربية كلها»، وقال: «إذا رأت إسرائيل أنّ الدولة اللبنانية عاجزة عن نزع سلاح (حزب الله)، فهي قد تلجأ إلى ضربات عسكرية. هذا الأمر ليس جديداً، وهو جزء من نظرتها للواقع الإقليمي». وأضاف: «نحن نعيش منذ عقود تحت ما سُمّي مشروع الفوضى الخلّاقة، واليوم تُهيَّأ المنطقة لما يمكن اعتباره شرق أوسط جديداً». كما توقّف عند عودة الطائرات المسيّرة الإسرائيلية إلى سماء بيروت، قائلاً: «هذا دليل على أن لبنان ما زال داخل دائرة الاستهداف».

دائرة الخطر

ورداً على سؤال عمّا إذا كانت المفاوضات قادرة على خفض التصعيد، قال ريفي: «يُفترض أن تؤدي المفاوضات إلى خفض التوتر. ويُحسب لرئيس الجمهورية الانخراط الجدي في هذا المسار لإنقاذ لبنان من ضربة مدمّرة»، لكنه استدرك: «حتى الآن لا يمكن الاطمئنان إلى النوايا الإسرائيلية. فالاستهداف قد يستمر رغم المفاوضات؛ لأنّ المشروع الدولي – الإقليمي الكبير واضح: لن يُسمح للوجود الإيراني بالبقاء كما هو».

واعتبر ريفي أنّ «لبنان لا يزال في دائرة الخطر. ونزع السلاح لم يعد مسألة مرتبطة بجنوب الليطاني فقط، بل جزء من مقاربة دولية أشمل. نحن أمام مرحلة حساسة جداً، ويجب أن نكون واقعيين؛ لأنّ القرار الكبير ليس بيدنا وحدنا».

فرصة لـ«فرملة» الانزلاق نحو حرب

في مقابل هذا المنحى التحذيري، قدّم عضو «كتلة اللقاء الديمقراطي» (الحزب التقدمي الاشتراكي)، النائب أكرم شهيّب، مقاربة أكثر اعتماداً على المسار السياسي، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنّ «السؤال الجوهري اليوم هو ما إذا كانت إسرائيل تؤمن فعلاً بالسلام، في ضوء الجرائم المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، رغم الاجتماعات الدولية الأخيرة في شرم الشيخ». ورأى أنّ «العودة إلى تطبيق صيغة هدنة عام 1949، إذا أمكن، ستكون مكسباً كبيراً للبنان رغم كل الصعوبات»، مذكّراً بأنّ التفاوض مع إسرائيل «ليس جديداً، كما حصل في محادثات عامَي 2021-2022 وصولاً إلى الاتفاق البحري».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام (أ.ف.ب)

وأشار شهيّب إلى أنّ «دخول السفير سيمون كرم إلى المفاوضات ضمن آلية (الميكانيزم)، يشكّل خرقاً مهماً». وأكد أنّ هذا المسار «يحمل جزءاً من رؤية الرئيس اللبناني، ويحظى بتوافق الرؤساء، من الرئيس برّي إلى الرئيس سلام، عبر إعطاء فرصة حقيقية للاستفادة من الضغط الأميركي والعربي والأوروبي لوقف الانزلاق نحو الحرب». وقال: «بمبادرة رئيس الجمهورية وتعيين السفير سيمون كرم، أصبحت المعادلة هي: (جيش وشعب ومفاوضات)، علّها تكون بادرة خير للبنان».

وأوضح شهيّب أنّ الشعب اللبناني «ينزف يومياً بشكل أو بآخر، وأنّ الحديث الإسرائيلي عن عملية عسكرية أوسع أو دخول بري في مناطق جديدة، يزيد المخاطر، خصوصاً في ظلّ الواقع الأليم الذي نعيشه بعد الحرب، وما أدّت إليه من احتلال أجزاء واسعة من أرضنا، وما يجري في سوريا من عمليات إسرائيلية تمتدّ من الجنوب إلى الجولان وجبل الشيخ».

وأضاف أنّ الانفتاح الحاصل واللقاءات الدبلوماسية الجارية «يشكّلان فرصة للحدّ من الانحدار نحو مواجهة أوسع»، معتبراً أنّ جوهر المشكلة يبقى في «العودة إلى النقطة المركزية؛ أي القرار (1701)، وبسط سلطة الدولة بأن يكون هناك جيش واحد وعلَم واحد وسلاح واحد». وقال: «اتفاق الطائف يؤكد ذلك، وقرارات مجلس الوزراء تؤكد ذلك، وخطاب قسم رئيس الجمهورية يؤكد ذلك أيضاً». وشدّد على ضرورة «عدم منح إسرائيل الفرصة لاجتياح جديد»، داعياً «كل الذين يرفضون اليوم أي نقاش حول السلاح إلى اتّقاء الله وحماية ما تبقّى من الدولة اللبنانية».


مقالات ذات صلة

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

المشرق العربي أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ  الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» والعودة إلى الدولة

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي»، الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي ناخبة تدلي بصوتها بمنطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

القوى السياسية اللبنانية مطالبة بخطوات عملية لإجراء الانتخابات في موعدها

التعميم الذي أصدره وزير الداخلية العميد أحمد الحجار بفتح الباب للترشح للانتخابات النيابية لا يعني أن الطريق معبّدة سياسياً وقانونياً أمام إنجاز الاستحقاق.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية يواكب انطلاق تقديم الترشيحات للانتخابات النيابية (وزارة الداخلية)

لبنان: مرشحو الانتخابات النيابية يقدمون طلباتهم... ومصير اقتراع المغتربين مجهول

مع إعلان رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أنه لن يدعو إلى جلسة لتعديل قانون الانتخاب، وأن الانتخابات ستُجرى في موعدها وفق القانون الحالي، يحتدم السجال السياسي...

بولا أسطيح (بيروت)

الجيش السوري يعلن بدء الانسحاب من محيط مدينة الحسكة تطبيقاً للاتفاق مع «قسد»

مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
TT

الجيش السوري يعلن بدء الانسحاب من محيط مدينة الحسكة تطبيقاً للاتفاق مع «قسد»

مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)

أفادت هيئة العمليات في الجيش السوري، اليوم الثلاثاء، بأن قوات الجيش بدأت الانسحاب من محيط مدينة الحسكة في شمال شرق البلاد، تطبيقاً للاتفاق المبرم بين الحكومة و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد.

وأضافت هيئة عمليات الجيش في بيان نشرته قناة «الإخبارية السورية» التلفزيونية أن قوى الأمن الداخلي انتشرت في المناطق التي انسحبت منها قوات الجيش.

وذكر الجيش أن «قسد» تلتزم بتطبيق الاتفاق «وتقوم بخطوات إيجابية»، مضيفاً: «نقوم بالمراقبة والتقييم لتحديد الخطوة التالية».

وأعلنت الحكومة السورية و«قسد» أواخر الشهر الماضي توصلهما لاتفاق شامل لوقف إطلاق النار والدمج التدريجي للقوات والهياكل الإدارية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية.

ويتضمن الاتفاق، الذي تم التوصل إليه بعد أن انتزعت قوات الحكومة السورية السيطرة على مساحات كبيرة من شمال وشرق سوريا من «قسد»، دخول قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي اللتين كانتا خاضعتين لسيطرة «قسد».


فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
TT

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)

ثلاث رسائل رئيسية نقلها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، إلى السلطات السورية خلال جولته التي قادته إلى دمشق وبغداد وأربيل وبيروت والتي كان منطلقها الرئيسي، في المحطتين الأوليين، التحديات التي تطرحها مواصلة الحرب على «داعش» وإدارة التحولات التي شهدها الشمال الشرقي في سوريا بالنظر للمخاوف الفرنسية بشأن مصير الأكراد ومستقبل «قوات سوريا الديمقراطية».

وقالت مصادر دبلوماسية في باريس، إن فرنسا تعتبر أن «أولوية الأولويات» تتمثل في منع بروز «داعش» مجدداً وأن ثمة حاجة لقيام تنسيق ضروري وجدي بين «قسد» التي كانت تتولى سابقاً مسؤولية حراسة السجون ومراكز الاعتقال وبين القوات السورية التي انتقلت إليها مسؤولية الإشراف على عدد من هذه السجون. كذلك ترى باريس أن المهم الاستفادة من الخبرات التي تراكمت لدى «قسد» التي حظيت برعاية واهتمام فرنسيين كبيرين فيما يخص محاربة الإرهاب. ولذا، فإن من الأهمية بمكان ألا تذهب هذه الجهود سُدى.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً إلى الصحافة في مقر إقامة سفير بلاده في بيروت (أ.ف.ب)

ووفق القراءة الفرنسية، فإنه من المجدي أن تتم الاستفادة من هذه القدرات في إطار اندماج «قسد» في الجيش السوري. وتنظر فرنسا بإيجابية لما تراه من انخراط السلطات الجديدة في محاربة «داعش» ورغبتها بالتنسيق مع الأسرة الدولية، خصوصاً بعد أن انضمت دمشق رسمياً إلى التحالف الدولي لمحاربة «داعش».

وفي اللقاءات التي عقدها بارو مع المسؤولين في دمشق وبغداد، كان همه الأول التركيز على أهمية منع «داعش» من «التشتت» أو «التبعثر»، خصوصاً بصدد عملية نقل إرهابييها من مناطق «قسد» سابقاً إلى السجون العراقية. وحصل الوزير الفرنسي على تعهدات سورية وعراقية بخصوص أن أمراً كهذا لن يحصل.

رغم أهمية ما سبق، فإن باريس حريصة على أن يتم الوفاء بالتعهدات التي قدمت للوزير الفرنسي وأن توفر لذلك القدرات اللازمة لتنفيذها. وقلق باريس ليس مرتبطاً برغبة السلطات السورية وإرادتها السياسية، بل بخصوص القدرات المتوافرة لديها؛ انطلاقاً من مبدأ أن تأمين هذه المواقع التي آل الإشراف إليها إلى القوات السورية الرسمية ليس بالأمر السهل. ولذا، فإن باريس تبدو مستعدة اليوم للعمل مع هذه القوات كما عملت سابقاً مع «قسد» لرفع جاهزيتها وقدراتها بما يضمن مواصلة محاربة «داعش» من جهة وضمان أن تكون الرقابة على السجون ومواقع الاحتجاز مضمونة تماماً.

مركبات عسكرية أميركية ترافق حافلات تنقل معتقلي تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق في مدينة القامشلي السورية - 8 فبراير 2026 (رويترز)

ثمة تساؤل طُرح بمناسبة زيارة بارو ويتناول عدم لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع. وثمة من اعتبر أن ذلك مرده إلى الانتقادات الفرنسية لكيفية التعامل مع «قسد» التي كانت باريس وما زالت أحد الداعمين الرئيسيين لها. لكن الجهات الفرنسية تنفي هذه المزاعم وتربط عدم حصول الاجتماع لتضارب في الأجندات بين الشرع وبين الرئيس الفرنسي، وتذكر أن زيارة بارو إلى دمشق لم تدم سوى ثلاث ساعات.

تنظر باريس بـ«إيجابية» إلى ما تحقق حتى اليوم من العمل بالاتفاق الأخير المبرم بين دمشق و«قسد» رغم أنها، في الأساس، كانت مستاءة من لجوء السلطات السورية إلى القوة العسكرية للتوصل إلى هذه النتيجة.

قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ولاحقاً، أكدت فرنسا أنها لعبت دوراً فاعلاً في الدفع باتجاه الاتفاق المذكور. لكن النظرة الإيجابية لا تلغي تماماً بعض «المخاوف» الفرنسية لجهة تطبيق مضمون الاتفاق، باعتبار أن «الشيطان يكمن في التفاصيل» أكان في كيفية دمج مقاتلي «قسد» في صفوف الجيش السوري أم بشأن تسمية شخصيات كردية في مناصب مدنية وعسكرية.

والأهم من ذلك أن هناك تخوفاً لدى الأكراد من تراجع الاهتمام الدولي بقضيتهم ما قد يدفع النظام إلى التشدد في التعامل معهم. لذا، فإن باريس ترى أن زيارة بارو كانت بالغة الأهمية لأنها تعكس جانباً من الاهتمام الدولي لمتابعة مصير الاتفاق المبرم ووضعه موضع التنفيذ.

وبكلام آخر، فإن زيارة بارو تعد، بشكل ما، رسالة «طمأنة» للأكراد. وأثار بارو في لقاءاته حاجة الأكراد إلى مواصلة جهودهم على المستوى السياسي ليكونوا قادرين على إثبات حضورهم والمشاركة الكاملة في بناء سوريا الجديدة.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يعقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع رئيس إقليم كردستان العراق في أربيل 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أما في الملف العراقي، فإن قلق باريس مرده المخاوف من انعكاس حرب جديدة بين الولايات المتحدة وإيران على العراق في حال لم تنجح المفاوضات بين الطرفين الإيراني والأميركي. ولذا، فإن الرسالة الرئيسية التي حملها بارو إلى بغداد تحث القادة العراقيين على العمل لمنع انجرار العراق إلى هذه الحرب الممكنة بسبب ما قد تقوم به بعض الميليشيات المرتبطة إلى حد بعيد بإيران.

ونقل عن مسؤولين عراقيين إشارتهم إلى هذه المخاوف التصعيدية التي يسعون لمنع حصولها، فيما أفضت التدخلات الأميركية في موضوع تسمية رئيس للوزراء في العراق إلى تشنج سياسي واضح. وإذ تشدد باريس على عدم رغبتها في التدخل في الشؤون الداخلية للعراق، فإن الامتناع لا يردعها عن الإشادة برئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، الذي تؤكد أنها عملت معه بشكل جيد وأنه نجح في تثبيت استقرار العراق وإطلاق عجلته الاقتصادية.


نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
TT

نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)

نشرت اللجنة المكلفة بصياغة دستور لدولة فلسطينية، الثلاثاء، المسودة الأولى لدستور مؤقت ليتسنى للجمهور الاطلاع عليها، وإبداء الملاحظات قبل الصياغة النهائية، وذلك في إطار إصلاحات قانونية ودستورية تجريها السلطة الفلسطينية، عقب اعتراف دول غربية كبرى، العام الماضي، بدولة فلسطينية، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكلّف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لجنة من الخبراء والسياسيين في أغسطس (آب) الماضي، لصياغة دستور مؤقت. وتقول اللجنة في منصتها الإلكترونية إنها مكلفة بصياغة دستور مؤقت «للانتقال من السلطة إلى الدولة».

واعترفت دول غربية كبرى، بما فيها فرنسا، رسمياً بدولة فلسطينية في سبتمبر (أيلول)، في إطار ضغوط على إسرائيل لوقف حرب غزة، والرغبة في دعم حل الدولتين للصراع في الشرق الأوسط. وترفض إسرائيل فكرة إقامة دولة مستقلة للفلسطينيين.

وأصبح قطاع غزة تحت إدارة مؤقتة بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب التي استمرت عامين وألحقت دماراً هائلاً بالقطاع، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 71 ألف فلسطيني.

وهدأ القتال إلى حد كبير في غزة بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول)، في إطار خطة ترمب. واندلعت الحرب في السابع من أكتوبر 2023 بعد هجوم قادته حركة «حماس» على جنوب إسرائيل في الساعات الأولى لهذا اليوم، في هجوم أسفر عن مقتل 1200 شخص.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نوفمبر (تشرين الثاني) إن بلاده ستساعد السلطة الفلسطينية في صياغة دستور لدولة فلسطينية مستقبلية.

وعندما تأسست السلطة الفلسطينية في عام 1994، كان الفلسطينيون يأملون أن تكون نقطة انطلاق نحو إقامة دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة عاصمتها القدس الشرقية.

لكن هذا الهدف صار فيما يبدو بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى، رغم الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطينية. فقد تسارعت وتيرة بناء المستوطنات الإسرائيلية، ويرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إقامة دولة فلسطينية بوصفها تهديداً لإسرائيل.

ودائماً ما تحث الدول المانحة السلطة الفلسطينية على إجراء إصلاحات والتصدي للفساد.

وقالت لجنة الصياغة على موقعها إن نشر المسودة جاء بناء على قرار من عباس، مشيرة إلى فتح الباب لتلقي الملاحظات خلال 60 يوماً.

وجاء في ديباجة المسودة: «انطلاقاً من الحقوق الثابتة، غير القابلة للتصرف، للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وعدالة قضيته، نكتب هذا الدستور المؤقت لدولة ما زالت تحت الاحتلال، دولة تصر على أن تكتب وجودها بحبر من الصمود والأمل».

ومن أهم المواد التي تضمنتها مسودة الدستور المؤقت المادة 79 المتعلقة بتنظيم تولي منصب الرئيس في حال شغوره بسبب الوفاة أو المرض. وجاء فيها أنه «لرئيس الدولة أن يعين نائباً له، وأن يكلفه بما يراه مناسباً من مهام، وأن يعفيه من منصبه، وأن يقبل استقالته».

ونصت أيضاً على أنه «حال خلو منصب رئيس الدولة بالوفاة أو الاستقالة يحل محله رئيس مجلس النواب، وحال خلو منصب رئيس الدولة لفقدان الأهلية أو عدم قدرته على ممارسة مهامه الدستورية، يُعلن خلو المنصب بقرار من المحكمة الدستورية بناء على طلب الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، ويباشر رئيس مجلس النواب مؤقتاً سلطات رئيس الدولة».

وتوضح المادة ذاتها أنه «إذا كان مجلس النواب غير قائم، يحل رئيس المحكمة الدستورية محل رئيس مجلس النواب».

وتؤكد المادة وجوب انتخاب رئيس جديد في مدة لا تتجاوز 90 يوماً من تاريخ شغور المنصب، وأن تبدأ مدة الرئاسة من تاريخ إعلان نتائج الانتخابات.

وليس واضحاً هل في حال إقرار هذه المسودة سيُلغي المرسوم الذي أصدره عباس في وقت سابق وينص على أن يتولى نائب الرئيس منصب الرئيس المؤقت لحين إجراء انتخابات. واستُحدث منصب نائب الرئيس، العام الماضي، وأُجريت آخر انتخابات لاختيار رئيس السلطة الفلسطينية في عام 2005.

وتتضمن المسودة الجديدة تعديلاً على الفترة الرئاسية ومجلس النواب لتكون خمس سنوات بدلاً من أربع.