أطراف ليبية تستعد لإبرام اتفاق الصخيرات وسط اعتراضات مجلس النواب وبرلمان طرابلس

معارك جديدة بين الميليشيات المسلحة.. وحفتر يلتقي كوبلر للمرة الأولى

القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق خليفة حفتر خلال  لقائه مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا مارتن كوبلر في بلدة المرجة بضواحي بنغازي (أ.ف.ب)
القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق خليفة حفتر خلال لقائه مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا مارتن كوبلر في بلدة المرجة بضواحي بنغازي (أ.ف.ب)
TT

أطراف ليبية تستعد لإبرام اتفاق الصخيرات وسط اعتراضات مجلس النواب وبرلمان طرابلس

القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق خليفة حفتر خلال  لقائه مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا مارتن كوبلر في بلدة المرجة بضواحي بنغازي (أ.ف.ب)
القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق خليفة حفتر خلال لقائه مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا مارتن كوبلر في بلدة المرجة بضواحي بنغازي (أ.ف.ب)

بينما تستعد الأطراف المتصارعة على السلطة منذ عامين في ليبيا للتوقيع اليوم بمنتجع الصخيرات بالمغرب، برعاية بعثة الأمم للمتحدة، على اتفاق سلام يمهد لإنشاء حكومة وفاق وطني جديدة، اندلعت معارك عنيفة بين ميليشيات مسلحة في العاصمة الليبية طرابلس.
وأدت الاشتباكات لإغلاق بعض الطرق المؤدية إلى مطار طرابلس المغلق منذ العام الماضي، حيث انتشر مسلحون تابعون للميليشيات في حي الأكواخ بمنطقة أبو سليم بالعاصمة. ووقعت الاشتباكات بعد مقتل شخص واحد على الأقل إثر هجوم شنه مسلحون لإحباط عملية تسليم سجين للنيابة العامة، وأغلقت آليات عسكرية الطريق المؤدي إلى المطار الدولي المغلق بالمدينة التي تسيطر عليها ميليشيات «فجر ليبيا» المتطرفة منذ العام الماضي بقوة السلاح.
وشن الجيش الليبي عدة غارات جوية ضد مواقع تابعة لما يسمى «مجلس شورى ثوار أجدابيا» في الحي الصناعي في مدينة أجدابيا التي تتأهب على ما يبدو لمعارك حاسمة ضد المتطرفين. وقالت وكالة الأنباء الرسمية إن شباب بعض الأحياء وضعوا الحواجز بالطرق لمنع العناصر الإرهابية من التغلغل إلى وسط المدينة، وسط انتشار لقوات الجيش استعدادا لمواجهة الميليشيات الإرهابية.
وأعلن ناصر الحاسي، الناطق الرسمي باسم «عملية الكرامة» التي يشنها الجيش ضد المتطرفين شرق البلاد، أن طائرات حربية نفذت أول من أمس خمس طلعات جوية استهدفت مواقع تنظيم داعش في مدينة بنغازي. ولم تمنع هذه التطورات العسكرية المتلاحقة القائد العام للجيش الوطني الليبي، الفريق خليفة حفتر، من الاجتماع مع مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا مارتن كوبلر، بالتزامن مع إعلان بعثة الأمم المتحدة، في مذكرة للصحافيين تلقت «الشرق الأوسط» نصها، أن مراسم توقيع الاتفاق السياسي الليبي ستتم اليوم في مركز الملك محمد السادس الدولي للمؤتمرات، بمنتجع الصخيرات في المغرب.
وفى أول لقاء من نوعه بين الطرفين، التقى حفتر مع كوبلر بمقر قيادة الجيش الليبي في مدينة المرج شرق ليبيا، في ثاني زيارة من نوعها للمبعوث الأممي منذ تسلمه مهام عمله الشهر الماضي. وتأجل إلى اليوم التوقيع على الاتفاق السياسي في مدينة الصخيرات، رغم رفض رئيسي برلماني ليبيا المتنافسين اتفاق سلام برعاية الأمم المتحدة، مما يسلط الضوء على الانقسامات الغائرة التي تمثل تحديا للجهود الدولية لوقف القتال.
وألقى رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بظلال على إمكانية التوقيع اليوم، حيث أعلن غداة لقائه في مالطة مع نوري أبو سهمين، رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان) السابق والمنتهية ولايته والموجود في العاصمة طرابلس، أنه لا يوجد أحد مكلف من قبلهم أو من المؤتمر الوطني المنتهية ولايته بالتوقيع.
وقال عقيلة: «نريد تشكيل حكومة وفاق وطني، لكننا لا نريدها أن تكون مفروضة من الخارج، هذه الحكومة يجب أن يتوافق عليها كل الليبيين، ونطمئن شعبنا بأننا نتفق جميعا على محاربة الإرهاب، وسنشكل لجانا في أسرع وقت ممكن لتتولى دراسة هذا الأمر والوصول إلى نتائج طيبة».
وطالب عقيلة بعثة الأمم المتحدة بتأجيل طرح أسماء مرشحي حكومة الوفاق الوطني حتى يكون هناك توافق ليبي حولها. وقال عقيلة، رئيس مجلس النواب المنتخب، الذي يعمل من الشرق، للصحافيين: «تقابلنا لإيجاد حل لأزمة ليبيا، ولكي نقول للعالم إننا قادرون على حل مشاكلنا بأنفسنا»، مضيفا: «لا يوجد شك في أننا نحتاج لمساعدة المجتمع الدولي، لكننا نرفض أي ضغط من الخارج. لا أحد يستطيع الضغط علي أنا شخصيا أو تغيير ما أفكر فيه».
من جهته، اعتبر نوري أبو سهمين، رئيس برلمان طرابلس غير الشرعي، أن توقيع أعضاء في برلماني السلطتين المتنازعتين اليوم كما هو مقرر بالمغرب على اتفاق السلام الذي ترعاه الأمم المتحدة «باطل» و«خارج إطار الشرعية».
وقال أبو سهمين، في كلمة أمام مقر برلمان طرابلس بعد عودته من مالطة، إن «الموضوع الجوهري هو أن ما بني على باطل فهو باطل»، لافتا إلى أن «من لم يفوض، ولم يمنح أي تفويض من المؤتمر الوطني بالتوقيع سواء بالأحرف الأولى، أو بالتوقيع النهائي، أو بعقد اتفاقيات، فإن الأمر الذي يباشره يبقى دائما خارج إطار الشرعية».
وكان أبو سهمين قد قال خلال مؤتمر صحافي مع عقيلة في مالطة إن «الاستعجال بالإعلان عن حكومة وتحديد رئيسها دون مراعاة تمثيلها التمثيل الصحيح والفاعل والذي يمثل إرادة الليبيين في الشرق والغرب والجنوب يجعل من ذلك ربما سببا في تفاقم مشاكل أكثر». وقال إن رئيسي البرلمانين سيبحثان بنودا من اتفاق الأمم المتحدة، لكنه طلب من المجتمع الدولي اعتبار اجتماعهما وسيلة إلى توافق ليبي.
لكن كوبلر تجاهل هذه الاعتراضات، وقال في بيان وزعه أمس إن التوقيع على الاتفاق السياسي الليبي سيتم اليوم، لافتا إلى أن عددا كبيرا من الفرقاء الليبيين والمسؤولين الدوليين رفيعي المستوى، بمن في ذلك العديد من وزراء الخارجية، سيشاركون في مراسم التوقيع. وتابع: «أنا ممتن للمملكة المغربية على استضافة هذا الحدث في الصخيرات»، مشيرا إلى أنه أحيط علما بالاجتماع الذي تم في مالطة بين رئيسي البرلمان الحالي والسابق. وأضاف «تشجع الأمم المتحدة جميع الجهود الليبية لإنهاء الانقسامات الحالية من خلال الحوار الشامل، وسأستمر في المشاركة بنشاط مع جميع الليبيين لتحقيق هذه الغاية».
وبعد أربع سنوات من الإطاحة بالعقيد معمر القذافي توجد في ليبيا حكومتان وبرلمانان، إذ تعمل الحكومة المعترف بها دوليا من الشرق وتوجد حكومة معلنة من جانب واحد وتسيطر على العاصمة طرابلس بعد قتال نشب العام الماضي. وتحصل الحكومتان على دعم من فصائل مسلحة متنافسة. وقال بعض الدبلوماسيين الغربيين إن رئيسي البرلمانيين هما العقبة الرئيسية أمام دعم اتفاق الأمم المتحدة والتصويت عليه، وإن عقوبات قد تفرض عليهما إذا تم توقيع اتفاق من دونهما.
واجتمعت قوى غربية وممثلون للدول المجاورة لليبيا في روما يوم الأحد الماضي للدفع باتجاه اتفاق أملا في أن ينضم إليهم آخرون بدافع الإنهاك من الحرب ووعد بالحصول على مساعدات دولية ومواجهة خطر تنظيم داعش داخل ليبيا.
لكن هناك تساؤلات بشأن حجم الدعم الذي سيحظى به الاتفاق على الأرض بين الفصائل المسلحة الكثيرة، وكيفية تشكيل الحكومة في طرابلس، ومدى النفوذ السياسي للأطراف الموقعة على الاتفاق داخل ليبيا. واستغل مقاتلو «داعش» الفوضى الأمنية وأصبح لهم موطئ قدم في البلاد، إذ يسيطرون على مدينة سرت، مما يجتذب المزيد من المقاتلين الأجانب من معقل التنظيم في سوريا والعراق.
من جهة أخرى، طالبت وزارة العدل الليبية السلطات اللبنانية بإطلاق سراح هنيبعل نجل العقيد القذافي، معربة عن أملها في عدم تسجيل سابقة في تنقل المواطنين بين البلدين، وما يمكن أن يتبع ذلك من تداعيات سلبية على توظيف العلاقات المستقبلية بينهما. وأشارت الوزارة إلى تعاون السلطات الليبية مع لبنان، من أجل إظهار الحقيقة المتعلقة بحادثة إخفاء الإمام موسى الصدر، مشيرة إلى أنه لا توجد أي ملاحقة قانونية في حق هنيبعل القذافي، حيث سبق تجميد مذكرة الملاحقة الصادرة في حقه وفقا لبيان وزارة العدل، التي أكدت أنه من حقه التمتع بالإطار العام للحقوق والحريات الأساسية ومنها حرية التنقل والسفر.
واعتقل نجل القذافي على يد مسلحين قبل تسليمه إلى السلطات اللبنانية للتحقيق معه في قضية الصدر الذي اختفى عام 1978 مع مرافقين له في آخر ظهور علني له في العاصمة الليبية طرابلس بعد لقاء مثير للجدل مع القذافي.
وتلقت السلطات اللبنانية طلبا من دمشق لتسليمها نجل القذافي، باعتبار أنه «لاجئ سياسي» لديها، وتم خطفه على «الأراضي السورية»، حيث نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر في وزارة العدل اللبنانية «تسلم وزير العدل اللبناني أشرف ريفي من نظيره السوري طلبا لتسليم دمشق هنيبعل القذافي الذي خطف على الأراضي السورية»، مشيرة إلى أن سوريا «بررت طلبها هذا بحصول القذافي على حق اللجوء السياسي لديها». ويدرس وزير العدل اللبناني حاليا، وفق المصادر ذاتها، طلب التسليم.
واستجوب القضاء اللبناني هنيبعل القذافي قبل يومين، وأصدر بحقه مذكرة توقيف بتهمة «كتم معلومات» حول قضية إخفاء الصدر، علما بأنه ظهر في شريط فيديو وزعه الخاطفون وهو متورم العينين، مطالبا كل من لديه «أدلة» حول قضية الصدر بـ«تقديمها فورا ومن دون تلكؤ وتأخير».
وتحمل الطائفة الشيعية في لبنان القذافي مسؤولية اختفاء الصدر الذي شوهد للمرة الأخيرة في ليبيا بعدما وصلها بدعوة رسمية مع رفيقيه، لكن النظام الليبي السابق دأب على نفي هذه التهمة، مؤكدا أن الثلاثة غادروا طرابلس متوجهين إلى إيطاليا، بينما نفت الأخيرة دخولهم إلى أراضيها.
يذكر أن هنيبعل متزوج من اللبنانية الين سكاف، ومنعت السلطات اللبنانية عام 2011 طائرة خاصة كانت تقلها من الهبوط في مطار بيروت الدولي.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.