فرنسا تسعى لتعزيز شراكتها مع الصين رغم التباينات الاستراتيجية والاقتصادية

باريس ترفض الانجرار وراء الصراع بين واشنطن وبكين... وتريد «دوراً صينياً» لإنهاء حرب أوكرانيا

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والصيني شي جينبينغ مع زوجتَيهما بـ«الإليزيه» في مايو 2024 (إ.ب.أ)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والصيني شي جينبينغ مع زوجتَيهما بـ«الإليزيه» في مايو 2024 (إ.ب.أ)
TT

فرنسا تسعى لتعزيز شراكتها مع الصين رغم التباينات الاستراتيجية والاقتصادية

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والصيني شي جينبينغ مع زوجتَيهما بـ«الإليزيه» في مايو 2024 (إ.ب.أ)
الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والصيني شي جينبينغ مع زوجتَيهما بـ«الإليزيه» في مايو 2024 (إ.ب.أ)

يتوجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الصين بين 3 و5 ديسمبر (كانون الأول)، في رابع زيارة له منذ وصوله إلى قصر الإليزيه في ربيع عام 2017.

وتعود آخر زيارة له لشهر أبريل (نيسان) من عام 2023، في حين أن نظيره الصيني شي جينبينغ زار باريس في مايو (أيار) من العام الماضي. وترتقي الزيارة هذه المرة إلى «زيارة دولة»، وهي الأعلى في الترتيب البروتوكولي. وأكدت مصادر الإليزيه في معرض تقديمها للزيارة أنّها «تتماشى مع رغبة ماكرون في الحفاظ على حوار دائم ومتطلب مع بكين»، وأنّها تُوفر الفرصة للرئيس الفرنسي لـ«بحث القضايا الكبرى للشراكة الاستراتيجية بين البلدين، إضافة إلى عدد من الملفات الدولية الكبرى ومجالات التعاون للتعاطي مع التحديات العالمية في عصرنا الحاضر».

وتحمل أبرز هذه الملفات طابعاً اقتصادياً، فبحسب «الرئاسة الفرنسية» سيحمل ماكرون في جعبته «أجندة للتعاون وتحقيق التوازن (مع الصين) في المجالين الاقتصادي والتجاري» المختلّ تاريخياً لصالح الصين، علماً أن هذا الطموح «سيكون في صلب الرئاسة الفرنسية لـ(مجموعة السبع) في عام 2026».

قضايا استراتيجية

تقول المصادر الرئاسية إن الزيارة ستُوفّر الفرصة للطرفين الفرنسي والصيني لـ«مناقشة القضايا الكبرى للشراكة الاستراتيجية بين فرنسا والصين، فضلاً عن عدد من الملفات الدولية الرئيسية ومجالات التعاون الرامية إلى حلّ التحديات العالمية في عصرنا».

الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون بقصر الإليزيه في مايو 2024 (إ.ب.أ)

ويُعدّ ملف الحرب في أوكرانيا، التي تلج بعد أقل من شهرين عامها الرابع، رئيسياً بالنسبة لفرنسا التي دأبت على طرحه على طاولة المفاوضات لدى كل اجتماع مع الجانب الصيني. وترى باريس أن اللحظة الراهنة التي تشهد حراكاً دبلوماسياً مكثفاً وانخراطاً أميركياً كبيراً في البحث عن مخارج للصراع، أكثر أهمية مما سبق بالنسبة للدور الذي يمكن أن تلعبه الصين بفضل علاقاتها المميزة مع روسيا.

وقالت مصادر رئاسية إن باريس «تتمنى أن تتمكن الصين من إقناع روسيا والتأثير عليها، وتوجيهها نحو وقف إطلاق النار في أسرع وقت ممكن، وترسيخه».

والحال أن هذا الطلب ليس جديداً؛ فقد سبق لماكرون، فردياً، ولـ«مجموعة السبع»، جماعياً، أن طالبا مراراً بكين بالقيام بدور جدي في دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لوضع حد للحرب في أوكرانيا، لا بل ذهبت بعض الأطراف الغربية لاتّهام الصين بدعم روسيا عسكرياً، وهو ما دأبت بكين على نفيه بقوة.

كذلك، يريد الغربيون منع تزويد موسكو بالتقنيات مزدوجة الاستخدام مدنياً وعسكرياً. ويقوم موقف بكين التي لم تندّد قَطّ بالحرب الروسية على أوكرانيا، على تأكيد احترامها لـ«سلامة وسيادة كافة الدول على أراضيها». وتردّد استعدادها للعب دور «بنّاء» سياسياً ودبلوماسياً للتوصل إلى سلام دائم في أوروبا، لا بل إنها اقترحت بنية أمنية «متوازنة» لأوروبا.

وسبق للصين أن قدمت في عام 2023 خطة سلام بقيت من غير متابعة. وفي المقابل، فإن السنوات الثلاث الأخيرة شهدت تعزيزاً للعلاقات الروسية - الصينية، وبالتالي ليست ثمة توقعات بأن تؤثر زيارة ماكرون على النهج الصيني بخصوص الحرب الأوكرانية.

الصراع الصيني - الأميركي

ثمة ملف آخر يُهمّ باريس مباشرة في علاقتها مع الصين، وهو يشمل كذلك الأوروبيين. فباريس، التي لديها مصالح رئيسية في منطقة المحيطين «الهندي والهادئ» والعواصم الأوروبية الأخرى، تحرص على تجنّب الانجرار إلى الصراع الأميركي - الصيني؛ إذ لفرنسا وأوروبا مصالح خاصة تحرصان على الدفاع عنها، ولا تريدان ارتهانها للمزاج الأميركي.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والصيني شي جينبينغ بـ«الإليزيه» في مايو 2024 (رويترز)

ولذا، فإن الأوروبيين لا يريدون الارتباط بالعربة الأميركية. وزيارة ماكرون الجديدة تُبيّن بوضوح الرغبة في بناء وتعزيز العلاقة مع الصين، بغضّ النظر عن سياسة الأخيرة إزاء أوكرانيا أو تنافسها مع واشنطن. وفي نظر باريس، فإنه يتعين على الصين أن تنظر إلى الاتحاد الأوروبي على أنه «شريك كبير ومهم»، وبالتالي يتعين عليها أن تأخذ بعين النظر كافة مصالحه المشروعة.

رغم ما سبق، فإن باريس لا تخفي قلقها إزاء نزوع بكين لتكثيف انتشارها العسكري متعدد الأشكال في منطقة جنوبي المحيط الهادئ، وما يثيره من مخاوف لدى دول شريكة لفرنسا. كذلك، لا تكتم باريس قلقها في ما يخصّ التوتر الذي حصل مؤخراً بين الصين واليابان بشأن جزيرة تايوان. باختصار، يُعزى التصعيد الحالي بين الصين واليابان قبل كل شيء إلى التطورات الأخيرة في السياسة اليابانية تجاه تايوان، والتي تراها بكين تهديداً مباشراً لسيادتها. أما ردّ الفعل الصيني - الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري - فيُظهر تحوّل قضية تايوان إلى «نقطة اللاعودة» في العلاقات الصينية - اليابانية.

وبالنظر لهذا التطور المقلق، فقد قالت المصادر الرئاسية إن باريس تدعو إلى «التحلّي بضبط النفس» و«التهدئة» و«احترام الوضع القائم» في ما يتعلق بوضع جزيرة تايوان.

الملف الاقتصادي والتجاري

يقول قصر الإليزيه إن ماكرون سيحمل خلال هذه الزيارة «أجندة للتعاون وتحقيق التوازن في المجالين الاقتصادي والتجاري، وهو طموح سيكون في صلب الرئاسة الفرنسية لـ(مجموعة السبع) عام 2026».

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس الصيني شي جينبينغ خلال محادثاتهم بـ«الإليزيه» في مايو 2024 (أ.ف.ب)

ويأمل ماكرون، الذي سيستضيف قمة «مجموعة السبع» في مدينة إيفيان المطلة على بحيرة «ليمان» عام 2026، التعاون مع الصين من أجل «نمو قوي ومستدام يعود بالنفع على الجميع». كما يأمل على المستوى الثنائي «مواصلة تطوير العلاقات الفرنسية - الصينية». أما على المستوى الجماعي، فإن ما تطمح إليه باريس عنوانه «خفض الاختلالات الاقتصادية الكبرى» القائمة مع الصين ولصالحها.

ويرغب الأوروبيون في اجتذاب مزيد من الاستثمارات الصينية. ووفق الإليزيه، فإنه «بعد 30 عاماً من العولمة التي سمحت إلى حدّ كبير للصين بالنمو والابتكار (...) يمتلك الصينيون اليوم تكنولوجيات متقدّمة يمكن مشاركتها مع شركائهم الموثوقين، ولا سيما الأوروبيين». ويشكو الأوروبيون من «غزو» المنتجات الصينية أسواقهم، بما في ذلك المنتجات بخسة الأثمان كالتي تصنعها شركة «شين». كما توفر الزيارة فرصة لتوقيع مجموعة من الاتفاقات، خصوصاً في قطاعَي النقل والطاقة، وفق ما أفاد الإليزيه من دون مزيد من التفاصيل.

وتعتبر باريس أنه «من الضروري أن تستهلك الصين أكثر وتُصدّر أقل (...)، وأن تنتج الولايات المتحدة أكثر وتستهلك وتستورد أقلّ (...)، وأن يدّخر الأوروبيون أقل وينتجوا أكثر».


مقالات ذات صلة

أين سيختبئ ماكرون إذا اقتحم المتظاهرون قصر الإليزيه؟ كتاب يكشف التفاصيل

أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب) p-circle

أين سيختبئ ماكرون إذا اقتحم المتظاهرون قصر الإليزيه؟ كتاب يكشف التفاصيل

كشف كتاب جديد أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يمتلك مخبأً سرياً خارج باريس، يمكنه اللجوء إليه في حال اقتحم محتجون قصر الإليزيه.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تحليل إخباري صورة لمضيق هرمز التقطت من الجانب العماني للمشرق في 3 نوفمبر (رويترز)

تحليل إخباري قراءة فرنسية في وضع «اللاحرب واللاسلم» بين أميركا وإيران

قراءة فرنسية في وضع «اللاحرب واللاسلم» بين أميركا وإسرائيل وباريس تفضل العودة إلى مفاوضات تقوم على «أسس صلبة» مع إيران

ميشال أبونجم (باريس)
تحليل إخباري لاغارد تتحدَّث مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال قمة أوروبية في بروكسل (أ.ب)

تحليل إخباري هل عجّلت لاغارد رحيلها تحسباً لصعود اليمين في فرنسا؟

لم يكن إعلان كريستين لاغارد مغادرتها رئاسة البنك المركزي الأوروبي قبل انتهاء ولايتها بنحو 9 أشهر مجرد تقديم لموعد تسليم المنصب.

هلا صغبيني (الرياض)
أوروبا متظاهر يرفع العلم الفرنسي خلال احتجاج على ارتفاع تكاليف المعيشة في ليون بفرنسا يوم 24 أكتوبر 2026 (أ.ب)

احتدام السجال السياسي في فرنسا قبل 6 أشهر من انتخابات الرئاسة

يتصاعد التوتر في المشهد السياسي الفرنسي قبل 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية، وسط احتدام المواجهات داخل البرلمان والمظاهرات الجديدة المرتقبة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد (أ.ف.ب)

ماكرون يشيد بأداء لاغارد ويدعو لانتقال منظم في رئاسة «المركزي الأوروبي»

أشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، بما وصفه بـ«الالتزام الأوروبي» و«العمل الحازم» لكريستين لاغارد على رأس البنك المركزي الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (باريس)

تغريم كبير موظفي مكتب زيلينسكي لتحدثه باللغة الروسية خلال مهام رسمية

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
TT

تغريم كبير موظفي مكتب زيلينسكي لتحدثه باللغة الروسية خلال مهام رسمية

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

تحدّث رئيس مكتب الرئاسة الأوكرانية، كيريلو بودانوف، باللغة الروسية في أثناء أداء مهامه الرسمية، واضطر إلى دفع غرامة بسبب ذلك، وفقاً لما أعلنته مفوضة حماية اللغة الرسمية، أولينا إيفانوفسكا، عبر موقع «فيسبوك»، اليوم (السبت)، دون أن تذكر اسم بودانوف صراحة.

وكتبت أن الشخص المتهم اعترف بالمخالفة، وأنه سيدفع الغرامة في الموعد المحدد. وينص قانون اللغة الأوكرانية على فرض غرامات تتراوح بين 3400 و8500 هريفنيا (ما يعادل 75 إلى 187 دولاراً) في حالة ارتكاب المخالفة للمرة الأولى.

ولم يصدر بودانوف أي تعليق على الواقعة حتى الآن.

احتجاجات أمام سجن عسكري مؤقت

ومع ذلك، أشارت إيفانوفسكا إلى الواقعة التي تحول خلالها رئيس مكتب الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى التحدث باللغة الروسية.

ويوم الاثنين، تظاهر عدة مئات من الأشخاص أمام سجن عسكري مؤقت في إحدى ضواحي كييف، للاشتباه في أن «الحرس الوطني» يسيء معاملة الجنود المتهمين بالفرار من الخدمة العسكرية والمحتجزين هناك. وقد حظيت الواقعة باهتمام دولي.

ويحقق القضاء الأوكراني فيما إذا كان أفراد من القوات العسكرية قد تجاوزوا صلاحياتهم، كما ينظر في الشبهات المتعلقة باحتمال تعمّد التحريض على أعمال الشغب.

وكان بودانوف، وهو جنرال سابق في جهاز الاستخبارات، قد حاول تهدئة الأوضاع. ويُظهر مقطع فيديو له وهو يتحدث مع أحد المتظاهرين المصابين (14 عاماً)، مستخدماً الأوكرانية في بعض الأحيان والروسية في أحيان أخرى. كما رد باللغة الروسية على شقيقة الفتى المصاب عبر الهاتف، وأصدر تعليمات باللغة الروسية أيضاً.

ومع ذلك، فإن هذا الموقف الحواري يُعد أمراً شائعاً في كييف، حيث يتنقل كثير من السكان بين اللغتين الأوكرانية والروسية في حياتهم اليومية. وحتى داخل المؤسسة العسكرية، تُعدّ الأوكرانية لغة الأوامر الرسمية، لكن العديد من الجنود يتحدثون الروسية فيما بينهم.

وبفضل عملياته الاستخباراتية الجريئة، يتمتع بودانوف بسمعة البطل في أوكرانيا.

لكن على مواقع التواصل الاجتماعي، وُجهت إليه اتهامات بالتحدث بلغة «العدو»، أي اللغة الروسية. ولا يحظر قانون اللغة على المسؤولين الحكوميين التحدث بالروسية في حياتهم الخاصة، لكنه يُلزمهم باستخدام لغة الدولة الرسمية، وهي الأوكرانية، في أثناء أداء مهامهم الرسمية.


مظاهرات جديدة في فرنسا ضد غلاء المعيشة لكنها بمشاركة أقل

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

مظاهرات جديدة في فرنسا ضد غلاء المعيشة لكنها بمشاركة أقل

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)

بدأت مظاهرات جديدة في فرنسا، السبت، «ضد غلاء المعيشة ومن أجل الشباب»، بمشاركة أقل مقارنةً بالأسابيع الثلاثة السابقة، وسط تدابير أمنية مشددة، ولا سيما في باريس.

وتسعى السلطات إلى تجنب تكرار مشاهد الشغب والنهب التي وقعت في 17 أكتوبر (تشرين الأول) خلال المظاهرات. وباستثناء باريس التي تُعدّ بؤرة الحراك، شارك نحو 7000 شخص في 68 مظاهرة حتى وقت مبكر من بعد الظهر، وهو ما يمثل تراجعاً «ملحوظاً» في حجم المشاركة، وفق أوساط وزير الداخلية.

تهدف هذه التعبئة الجديدة، التي أعقبت مظاهرات نقابية ضخمة جرت الخميس، إلى إبقاء الضغط على السلطات قبل مؤتمر دعت الحكومة إلى عقده صباح الاثنين بمشاركة النقابات وأرباب العمل، قبل لقاءات مع المنظمات الطلابية بعد الظهر.

رئيس الحكومة سيباستيان لوكورنو (يسار) ووزير التربية إدوار جيفري خلال جلسة استماع في الجمعية الوطنية في 4 نوفمبر (أ.ف.ب)

وقد أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو عقد مؤتمر يوم الاثنين بمشاركة النقابات العمالية واتحادات أصحاب الأعمال لمناقشة القدرة الشرائية والأجور. وأشارت الحكومة إلى عزمها على رفع الحد الأدنى للأجور، كما تعهدت بتوفير المزيد من الكوادر التعليمية في المدارس وزيادة التمويل المخصص لها، فيما دعت اتحادات تمثل طلاباً ومعلّمين إلى إضراب الثلاثاء المقبل، لمواصلة الضغط على الحكومة من أجل زيادة الإنفاق على التعليم، في إطار تحركات تتواصل منذ أسابيع وتشمل إغلاق مدارس واحتجاجات.

وقالت هذه الاتحادات في بيان مشترك، السبت، إن «حراكنا في موقع قوة، بينما الحكومة في موقع ضعف وبدأت ترضخ»، مضيفة: «حان الوقت لتوسيع نطاق التحركات الاحتجاجية ومواصلة الضغط على الحكومة».

رؤساء جامعات أو ممثلون عنهم يتظاهرون في باريس الجمعة للمطالبة بإيلاء الجامعات والمدارس مزيداً من الاهتمام الحكومي (أ.ف.ب)



وبدأت الأزمة بحركة لتلامذة الثانويات احتجاجاً على وضع التربية الوطنية، قبل أن تضاف إليها مطالب بشأن غلاء المعيشة واحتجاجاً على ماكرون الذي يغادر الرئاسة في مايو (أيار) بعد عشر سنوات في السلطة.

وأكد لوكورنو في رسالة وجهها الجمعة إلى الشركاء الاجتماعيين أنه يستمع إلى «التطلعات التي يتم التعبير عنها بشأن الأجور والقدرة الشرائية» و«هواجس» أرباب العمل، مؤكداً أن المؤتمر «سيسمح بعرض الردود الملموسة على تطلعات الفرنسيين». ودعا اتحاد النقابات الشبابية والنقابات المحلية إلى التظاهر السبت «ضد غلاء المعيشة ومن أجل الشباب» ضمن مسيرة مرخص لها تتوجه من ساحة لا ريبوبليك في قلب باريس إلى ساحة لا ناسيون. وقرابة الساعة الثالثة بعد الظهر كانت المسيرة تتقدم في هدوء.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

من جانبها، دعت تنسيقية «السترات الصفراء» إلى تجمع منفصل حظرته السلطات في ساحة الكونكورد بالقرب من مقر الجمعية الوطنية. وتجمّع نحو 100 منهم في المكان بعد ظهر السبت. وأفادت مراسلة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بأن الشرطة سارعت إلى تطويق المتظاهرين الذين كان معظمهم لا يرتدون «السترات الصفراء»، كما تم توقيف أحد قادة الحراك أمام الجمعية الوطنية. وتعتزم «السترات الصفراء» أن تنظم نحو 120 تحركاً السبت في مواقع مختلفة من فرنسا، بعدما نظمت نحو 1700 تحرك في 17 أكتوبر.

وقبل أقل من ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية التي تتصدرها مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، لا يمكن لحكومة سيباستيان لوكورنو الاعتماد على أغلبية في الجمعية الوطنية، فيما يواجه الرئيس إيمانويل ماكرون أزمة اجتماعية جديدة يعتزم استغلالها مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون الذي تتوقع استطلاعات الرأي انتقاله إلى الدورة الثانية من الانتخابات. ويعقد ميلانشون تجمعاً ضخماً لإطلاق حملته.

ويعتزم ‌ميلونشون برفع الحد الأدنى للأجور وخفض سن التقاعد في البلاد إلى 60 عاماً، ​وذلك عند إطلاقه برنامجه لانتخابات 2027 السبت.

يُنظر إلى ميلونشون (75 عاماً) على أنه أقوى مرشح من اليسار، وأظهرت أحدث استطلاعات الرأي أنه سيصل إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في أبريل (نيسان) المقبل في مواجهة لوبان، لكنها تشير أيضاً إلى أنه سيخسر في الجولة الثانية.

يتجمع محتجون في ساحة الجمهورية (Place de la République) في باريس بفرنسا (رويترز)

ويحمل برنامجه عنوان «مستقبل مشترك»، وهو ‌النسخة الخامسة من برنامج ‌حزبه «فرنسا الأبية»، ويعيد إلى ​حد ‌كبير ⁠التأكيد ​على سياسات شكلت ⁠العمود الفقري لحملات ميلونشون السابقة للانتخابات الرئاسية.

ومن بين تعهداته الرئيسية إلغاء إصلاح نظام المعاشات التقاعدية الذي أقره الرئيس إيمانويل ماكرون، والذي رفع تدريجياً الحد الأدنى لسن التقاعد في فرنسا من 62 إلى 64 عاما ًفي محاولة لتعزيز المالية العامة. ويقول حزب «فرنسا الأبية» إنه سيعيد سن ⁠التقاعد إلى 60 عاماً لمن أسهموا في ‌النظام لمدة 40 عاماً.

كما يدعو ‌البرنامج إلى زيادة الحد الأدنى ​الصافي للأجر الشهري من نحو ‌1480 يورو إلى 1700 يورو، ويتضمن خططاً لإلغاء ‌الضريبة الموحدة على دخل رأس المال، وزيادة الضرائب على الأسر الأكثر ثراء، ووضع سقف لأسعار المواد الغذائية الأساسية.

متظاهر يرفع علماً وطنياً في ساحة الجمهورية (بلاس دو لا ريبوبليك) خلال يوم من الاحتجاجات ضد تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار الوقود (أ.ف.ب)

ويؤكد حزب «فرنسا الأبية»، كما نقلت عنه «رويترز»، أيضاً دعمه للتخلي التدريجي عن الطاقة النووية لصالح نظام كهرباء ‌يعتمد بالكامل على الطاقة المتجددة، بما في ذلك إلغاء برنامج المفاعلات النووية وعدم ⁠تمديد عمر محطات ⁠الطاقة النووية إلى ما بعد 60 عاماً.

وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية، يجدد برنامج ميلونشون انتقاده طويل الأمد لحلف شمال الأطلسي، ويدعو إلى انسحاب فرنسا التدريجي من الحلف، بدءاً بالخروج من قيادته العسكرية المتكاملة.

كما ينتقد البرنامج النفوذ الألماني على السياسة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، ويصف برلين بأنها المدافع الرئيسي في أوروبا عن «الليبرالية المنظمة»، وهي فلسفة اقتصادية تقوم على قواعد صارمة للميزانية واستقرار الأسعار وسياسة نقدية مستقلة. ويدعو البرنامج إلى توفير حماية أكبر للصناعة ​المحلية، بما يشمل اتخاذ ​إجراءات لتشجيع نقل الإنتاج إلى فرنسا، ويدافع عن دور أكثر تدخلاً للدولة في الاقتصاد.


فرنسا تحقق في احتمال وقوف قوى أجنبية خلف بلاغات كاذبة عن وجود قنابل

أشخاص داخل مطار كوبنهاغن الدولي فيما تحقق الشرطة في تهديدات كاذبة بوجود قنابل أربكت الرحلات الجوية (رويترز)
أشخاص داخل مطار كوبنهاغن الدولي فيما تحقق الشرطة في تهديدات كاذبة بوجود قنابل أربكت الرحلات الجوية (رويترز)
TT

فرنسا تحقق في احتمال وقوف قوى أجنبية خلف بلاغات كاذبة عن وجود قنابل

أشخاص داخل مطار كوبنهاغن الدولي فيما تحقق الشرطة في تهديدات كاذبة بوجود قنابل أربكت الرحلات الجوية (رويترز)
أشخاص داخل مطار كوبنهاغن الدولي فيما تحقق الشرطة في تهديدات كاذبة بوجود قنابل أربكت الرحلات الجوية (رويترز)

أعلنت النيابة العامة في باريس، السبت، فتح تحقيق في بلاغات كاذبة بوجود قنابل استهدفت طائرات تحلق فوق الأراضي الفرنسية، يبحث خصوصاً في احتمال وقوف قوى أجنبية خلفها.

وقالت النيابة العامة، رداً على استفسار، إن التحقيق «يجري للكشف عن مرسلي الرسائل الإلكترونية التي تضمنت هذه المعلومات الزائفة للإيحاء بوقوع دمار خطير، وعن صلتهم المحتملة بقوى أجنبية».

شهدت أوروبا، الجمعة، سلسلة من بلاغات القنابل الكاذبة، عقب عشرات البلاغات المماثلة هذا الأسبوع، استهدفت رحلات جوية تجارية ومؤسسات إعلامية في آيرلندا، ما استدعى تحرّك قوات الأمن.

طائرة تحلق فوق مدينة دمبوفار المجرية فيما أعلن وزير الدفاع أن مقاتلات تولت حراسة طائرة من بروكسل إلى صوفيا بعد تهديدات بوجود قنابل (رويترز)

واستدعت الإنذارات في أنحاء أوروبا تحويل مسارات طائرات ومرافقتها بمقاتلات وإخلاءها وتفتيشها.

وجرى تحويل مسار طائرة تابعة لشركة «إير لينغوس» إلى مدينة إيفرو إثر تلقي إنذار بوجود قنبلة.

وأعلن مكتب رئيس الوزراء، الجمعة، عن تلقي أربعة إنذارات جديدة تتعلق بطائرات كانت تحلق فوق الأراضي الفرنسية، لافتاً إلى أن فرق إزالة المتفجرات أجرت «عمليات تفتيش أمنية» لها. وأفاد مصدر مطلع بهبوط ثلاث من هذه الطائرات في مطار أورلي، بينما هبطت الرابعة في بوردو، وجميعها هبطت بسلام.

طائرة تقلع من مطار ليوناردو دا فينشي الدولي قرب روما الخميس (أ.ب)

يأتي ذلك فيما يندد مسؤولون أوروبيون منذ أشهر بتصاعد عمليات زعزعة الاستقرار لصالح روسيا وإيران، سواء تمثلت في حملات التضليل، أو أعمال التخريب، أو الهجمات السيبرانية، وغيرها.