أزمة «إيرباص» تربك قطاع الطيران عالمياً

توقف مئات الطائرات لتصحيح خلل برمجي بعد استدعاء حوالي 6 آلاف من طراز «إيه 320»

ركاب في مطار إلدورادو في بوغوتا حيث أعلنت شركة «أفيانكا» الكولومبية تأثر 70 % من أسطولها (أ.ف.ب)
ركاب في مطار إلدورادو في بوغوتا حيث أعلنت شركة «أفيانكا» الكولومبية تأثر 70 % من أسطولها (أ.ف.ب)
TT

أزمة «إيرباص» تربك قطاع الطيران عالمياً

ركاب في مطار إلدورادو في بوغوتا حيث أعلنت شركة «أفيانكا» الكولومبية تأثر 70 % من أسطولها (أ.ف.ب)
ركاب في مطار إلدورادو في بوغوتا حيث أعلنت شركة «أفيانكا» الكولومبية تأثر 70 % من أسطولها (أ.ف.ب)

شهد قطاع الطيران العالمي اضطراباً في جداول الرحلات مع نهاية الأسبوع، حيث سارعت شركات طيران حول العالم لإجراء إصلاح برمجي إلزامي على طائراتها واسعة الاستخدام من عائلة «إيرباص إيه 320».

جاء هذا الإجراء بعد استدعاء الشركة الأوروبية المصنّعة لنحو 6 آلاف طائرة، أي أكثر من نصف الأسطول العالمي لعائلة «إيه 320» بعدما كشف تحليل لها أن «الإشعاع الشمسي الشديد» قد يفسد بيانات حيوية لأنظمة التحكم في الطيران، وهو ما يُعتقد أنه ساهم في حادث هبوط مفاجئ تعرضت له طائرة «جيت بلو» الشهر الماضي، أسفر عن إصابة 15 راكباً.

يُعد هذا الإجراء الطارئ، الصادر لـ350 مشغلاً، من أكبر عمليات الاستدعاء في تاريخ «إيرباص» الممتد 55 عاماً.

طائرة «إيرباص إيه 320» تابعة لطيران «لاتام» على مدرج مطار إلدورادو في بوغوتا (أ.ف.ب)

وقد أمرت هيئات الطيران التنظيمية حول العالم، بناء على طلب الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران، شركاتها بمعالجة المشكلة البرمجية التي تتحكم في المصاعد والجنيحات قبل استئناف الرحلات.

وانضمت إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية إلى الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران في مطالبة شركات الطيران بمعالجة المشكلة عبر تحديث برمجي جديد، مشيرة إلى أن هذا الأمر قد يسبب «اضطراباً قصير الأجل» في جداول الرحلات.

أفاد خبراء بأن الإصلاح، الذي يتضمن العودة إلى برامج قديمة، يستغرق حوالي ساعتين فقط ويمكن إجراؤه بين الرحلات أو أثناء فحص الطائرة الليلي، ولكنه إلزامي قبل تحليق الطائرات مجدداً. إلا أنه يأتي في توقيت غير مثالي، حيث عطلة عيد الشكر المزدحمة في الولايات المتحدة.

وقد تسبب هذا الإجراء في اضطرابات واسعة النطاق، خاصة في عطلة عيد الشكر المزدحمة بالولايات المتحدة.

اليابان والهند

في اليابان، ألغت شركة «إيه إن إيه هولدينغز»، وهي أكبر شركة طيران، 65 رحلة جوية يوم (السبت)، وتُعد الشركة، إلى جانب شركات تابعة لها مثل «بيتش أفييشن»، أكبر مشغل في اليابان لطائرات «إيرباص» أحادية الممر بما في ذلك «إيه 320».

ركاب يصطفون أمام مكتب إلغاء الرحلات التابع لشركة طيران «أول نيبون» بعد أن ألغت الشركة رحلاتها (رويترز)

بينما في الهند، تأثرت 338 طائرة، وتعمل شركتا «إنديغو» و«طيران الهند» على قدم وساق لإكمال عملية إعادة الضبط البرمجي بحلول يوم الأحد، محذرتين من تأخيرات. وفي الولايات المتحدة، أعلنت «الخطوط الجوية الأميركية»، التي تعد أكبر مشغل لـ«إيه 320»، أن 340 من أصل 480 طائرة لديها تحتاج إلى الإصلاح.

أما في كوريا الجنوبية وهونغ كونغ وماكاو وتايوان، فقد صدرت توجيهات للناقلات المحلية بمعالجة الخلل فوراً لإعادة الطائرات المتأثرة إلى الخدمة، وتقليل أي اضطراب محتمل في الجداول الزمنية.

شركات الطيران الخليجية والعربية

وسارعت شركات الطيران الخليجية والعربية والإقليمية، لاستيعاب تداعيات أزمة «إيرباص» المفاجئة، عبر تنفيذ إجراءات فنية عاجلة وتعديلات في رحلاتها المحلية والدولية.

تشغّل دول الخليج عدداً من طائرات عائلة «إيه 320» ضمن رحلاتها الداخلية والدولية. وأبدت الشركات في بيانات متفرقة أنها بدأت إجراء الإصلاح البرمجي العاجل للطائرات، وأعلنت جاهزيتها لاستيعاب تداعيات الأزمة.

وقالت الخطوط الجوية السعودية، إن فرق الصيانة باشرت التعديلات فور صدور التوجيه الفني، مع الحفاظ على تشغيل كامل للرحلات، والاستفادة من تعدد الأسطول لتخفيف أي ضغط محتمل.

وبدورها، أكدت شركة «ناس» السعودية، أن جميع الطائرات خضعت أو ستخضع للتحديث خلال فترة زمنية وجيزة، موجهة تنبيهاً للمسافرين بإمكانية حدوث تعديلات طفيفة في المواعيد.

بدورها، أعلنت «طيران أديل»، المنخفضة التكلفة، أن عدداً من طائراتها سيتأثر بالتوجيهات الصادرة من شركة «إيرباص» بما يتعلق بطائرات «إيه 320».

وقالت «طيران أديل» في بيان أنها استكملت التحديثات المطلوبة «بنجاح».

الإمارات

من جهتها، نفذت «العربية للطيران» تحديثات لعدد كبير من الطائرات خلال 48 ساعة، وأعادت جدولة بعض الرحلات قصيرة المدى لتفادي الضغط على الأسطول، مؤكدة أن العمليات مستمرة دون إلغاء واسع للرحلات.

وأعلن «طيران الخليج» في بيان أن عمليات طائراته من طراز «إيرباص إيه 320» تسير بشكل طبيعي بعد استكمال التحديث البرمجي الإلزامي.

من جهتها، أعلنت «الخطوط الجوية الكويتية» أنها نجري التحديثات لأجهزة البرمجة لطائرات «إيه 320» بالتنسيق مع إيرباص، موضحة أنها تتوقع تأخيراً في عدد من الرحلات.

أما «طيران الجزيرة» الكويتية فقالت إنها لا تتوقع أي تأثير كبير على عمليات أسطولها أو جدول شبكتها بعد توجيهات «إيرباص».

كما أعلنت وزارة الطيران المدني المصرية تنفيذ التحديثات البرمجية اللازمة بالتنسيق مع «إيرباص» دون تأثير على انتظام جدول الرحلات.

بريطانيا

وقالت وزيرة النقل البريطانية هايدي ألكسندر، إن استدعاء شركة «إيرباص» لطائراتها من طراز «إيه 320» لإجراء إصلاحات فورية لن يكون له تأثير كبير على شركات الطيران البريطانية.

وأضافت في بيان: «إننا على علم بالمشكلة الفنية التي تؤثر على بعض الطائرات، والمخاوف بشأن كيفية تأثير ذلك على الركاب، والرحلات الجوية هذا المساء».

وتابعت: «الخبر السار هو أن التأثير على شركات الطيران البريطانية يبدو محدوداً، حيث يتطلب عدد أقل من الطائرات تغييرات أكثر تعقيداً تتعلق بالبرمجيات، والأجهزة».

نيوزيلندا

أعلنت «طيران نيوزيلندا» أن استدعاء «إيرباص» لطائراتها من طراز «إيه 320» سيؤدي إلى تعطل «عدد» من رحلاتها يوم السبت، ومن المتوقع أيضاً إلغاء بعض الرحلات.

وقالت الشركة في منشور على موقع «إكس» إن جميع طائرات «إيه 320» ستتلقى تحديثاً برمجياً قبل رحلتها التالية لنقل الركاب، مما يؤدى إلى عدد من الانقطاعات، والإلغاءات في أسطولها.

أستراليا

قالت شركة طيران «جيت ستار»، الذراع الاقتصادية لشركة «كانتاس»، الناقل الوطني الأسترالي، اليوم، إنها تأثرت بعملية استدعاء طائرات «إيرباص إيه 320» التي شملت أكثر من نصف أسطولها العالمي.

وذكر متحدث باسم «جيت ستار» في بيان أن «(جيت ستار) تأثرت بمشكلة في برمجيات أسطول طائرات (إيرباص)، والتي تؤثر على جميع مشغلي عائلة (إيه 320) في جميع أنحاء العالم».

وأضاف المتحدث باسم الشركة: «استجابة لإجراء احترازي من شركة (إيرباص)، ألغينا بعض رحلات طيران (جيت ستار)».

وتستحوذ «كانتاس» وذراعها منخفضة التكلفة «جيت ستار» معاً على نحو 65 في المائة من السوق المحلية الأسترالية، بينما تمتلك «فيرجن»، أكبر منافس محلي لها، حصة 35 في المائة.


مقالات ذات صلة

وكالة سلامة الطيران الأوروبية تقلص نطاق تحذيرها بشأن المجال الجوي للخليج

الخليج إحدى الطائرات التابعة لشركة «طيران الإمارات» تستعد للإقلاع في مطار دبي الدولي (وام)

وكالة سلامة الطيران الأوروبية تقلص نطاق تحذيرها بشأن المجال الجوي للخليج

مددت وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي تحذيرها الموجّه إلى شركات ​الطيران بتجنب المجال الجوي فوق مياه الخليج في البحرين والكويت وقطر والإمارات.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
يوميات الشرق طائرة تستعد للإقلاع من مطار سوباديو الدولي في إندونيسيا (رويترز)

العثور على جثة مجهولة الهوية داخل حجرة عجلات طائرة قادمة من اليابان

عُثر على جثة مجهولة الهوية داخل حجرة عجلات طائرة في مطار كوالالمبور، بعد هبوطها قادمة من اليابان.

«الشرق الأوسط» (كوالالمبور)
الولايات المتحدة​ الطائرة الهليكوبتر «مارين 1» خلال الهبوط في مهبط البيت الأبيض (رويترز)

طاقم هليكوبتر ترمب لم يتصل بمراقبي الحركة الجوية قبل واقعة تتعلق بالسلامة

لم يتصل طاقم طائرة هليكوبتر عسكرية كانت تقل الرئيس دونالد ترمب، واقتربت أكثر ‌من اللازم من ‌طائرة ​ركاب، ⁠بمراقبي الحركة الجوية قبل الإقلاع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق موظف يقود مركبة تحمل أمتعة في مطار سوباديو الدولي في إندونيسيا (رويترز)

أمام المسافرين والموظفين... طائرة تصدم عاملاً في مطار مونتريال وترديه قتيلاً

في حادث مأساوي وقع أمام مسافرين وموظفين، لقي عامل في مطار مونتريال ترودو الدولي في كندا مصرعه أثناء تأدية مهامه.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
يوميات الشرق الأمير البريطاني هاري وزوجته ميغان ماركل (أ.ب)

12 ألف دولار في الساعة... كم كلّفت رحلة هاري وميغان الخاصة إلى بريطانيا؟

بعد نحو 6 سنوات على مغادرتهما المملكة المتحدة، عاد الأمير البريطاني هاري وزوجته ميغان ماركل إلى بريطانيا، لكن هذه المرة على متن طائرة خاصة فاخرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الشتاء يختبر أمن الطاقة الأوروبي... والجزائر تتقدم إلى الواجهة

أنابيب في منشآت وصول خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 1» إلى اليابسة في لوبمين بألمانيا (أرشيفية - رويترز)
أنابيب في منشآت وصول خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 1» إلى اليابسة في لوبمين بألمانيا (أرشيفية - رويترز)
TT

الشتاء يختبر أمن الطاقة الأوروبي... والجزائر تتقدم إلى الواجهة

أنابيب في منشآت وصول خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 1» إلى اليابسة في لوبمين بألمانيا (أرشيفية - رويترز)
أنابيب في منشآت وصول خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 1» إلى اليابسة في لوبمين بألمانيا (أرشيفية - رويترز)

تدخل أوروبا موسم الشتاء هذا العام وهي تواجه معادلة غاز أكثر تعقيداً من الأعوام السابقة: مخزونات أدنى من المعتاد، وأسعار ارتفعت إلى مستويات لم تشهدها السوق منذ سنوات، وإمدادات قطرية معطلة بفعل الحرب في الشرق الأوسط، فيما تمضي بروكسل قدماً في التخلص من الغاز الروسي. وفي قلب هذه المعادلة تبرز الجزائر كأحد أهم البدائل المتاحة، خصوصاً للدول الأوروبية المطلة على المتوسط، بينما تتحرك ألمانيا للمرة الأولى بجدية أكبر للحصول على عقود طويلة الأجل من الغاز الجزائري.

ولا تبدو المشكلة في أوروبا نقصاً فورياً في الغاز بقدر ما تتمثل في ضيق هامش الأمان قبل دخول موسم التدفئة؛ فمخزونات الاتحاد الأوروبي بلغت نحو 64.7 في المائة في بداية سبتمبر (أيلول)، وهي نسبة منخفضة بالنسبة إلى هذا الوقت من السنة، فيما تقف ألمانيا عند مستويات أكثر ضعفاً. وفي الوقت نفسه، ارتفع سعر الغاز القياسي الهولندي «تي تي إف» إلى نحو 69.90 يورو لكل ميغاواط/ساعة، وهو أعلى مستوى منذ يناير (كانون الثاني) 2023، مع تصاعد المخاوف بشأن إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الخليج.

وتزداد حساسية الوضع لأن السوق الأوروبية لا تحتاج فقط إلى ملء الخزانات قبل الشتاء، بل تحتاج إلى القيام بذلك في وقت تنافس فيه آسيا على الشحنات نفسها من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي نقص إضافي في المعروض أكثر تكلفة.

الجزائر تدخل دائرة الضوء

في هذه البيئة، تتقدم الجزائر إلى واجهة المشهد الأوروبي بوصفها مورداً قريباً وقادراً على توفير الغاز عبر خطوط الأنابيب، إلى جانب شحنات الغاز الطبيعي المسال.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، خلال زيارته الجزائر الثلاثاء، إن بلاده تريد التفاوض على عقود طويلة الأجل للغاز مع الجزائر، مؤكداً أن تنويع مصادر الإمدادات أصبح ضرورة، وأن الجزائر تمثل مصدراً موثوقاً يمكن أن يساعد في ملء مخزونات ألمانيا.

ولا تأتي الخطوة الألمانية من فراغ؛ فقد وقّعت شركة «في إن جي» الألمانية وشركة «سوناطراك» الجزائرية في يوليو (تموز) الماضي، عقداً جديداً لتوريد الغاز، على أن تبدأ الإمدادات في 2027، في إطار توسيع وتنويع محفظة الشركة الألمانية من مصادر الغاز.

كما أكدت ألمانيا والجزائر في يوليو أهمية شراكتهما في مجال الطاقة، وأبدتا اهتماماً بزيادة إمدادات الغاز، إلى جانب التعاون في مشروع «ممر الهيدروجين الجنوبي»، بما يعكس محاولة بناء علاقة طاقة تتجاوز تأمين الإمدادات قصيرة الأجل.

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ملتقياً الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (د.ب.أ)

لماذا الجزائر تحديداً؟

تكتسب الجزائر أهمية متزايدة في معادلة أمن الطاقة الأوروبية، ليس فقط باعتبارها مورداً رئيسياً للغاز، وإنما أيضاً بفضل ثقلها في سوق النفط؛ فهي عضو في منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» منذ عام 1969، وتنتج نحو مليون برميل يومياً من النفط الخام، بما في ذلك خام «صحارى» عالي الجودة. وإلى جانب ثروتها النفطية، تمتلك الجزائر نحو 4.5 تريليون متر مكعب من احتياطيات الغاز الطبيعي المؤكدة، ما يعزز موقعها باعتبارها أكبر منتج للغاز في أفريقيا، ويمنحها قاعدة موارد قادرة على دعم دورها كونها مورداً طويل الأجل للأسواق العالمية.

وتتضاعف أهمية الجزائر بالنسبة إلى أوروبا بفعل موقعها الجغرافي القريب من أسواق القارة وامتلاكها بنية تحتية قائمة للتصدير، تشمل خطوط الأنابيب وشبكات الغاز الطبيعي المسال. وتمنح هذه المزايا الجزائر قدرة على الاستجابة لتحولات الطلب الأوروبي بسرعة أكبر، مقارنة بموردين يحتاجون إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية جديدة قبل زيادة إمداداتهم.

وتكشف ضخامة السوق الأوروبية حجم الفرصة والتحدي أمام الجزائر في آن واحد؛ فقد بلغ استهلاك الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي نحو 339 مليار متر مكعب في 2025، بينما لم يتجاوز الإنتاج المحلي 33 مليار متر مكعب، ما أبقى القارة معتمدة بدرجة كبيرة على الواردات. ومع توقع تراجع الطلب الأوروبي بأكثر من 2 في المائة في 2026، لا تتمثل المشكلة في نمو الاستهلاك بقدر ما تتمثل في تأمين الإمدادات وتنويع مصادرها، خصوصاً مع استمرار أوروبا في تقليص اعتمادها على الغاز الروسي.

وتؤدي الجزائر بالفعل دوراً محورياً في إمدادات جنوب أوروبا، ولا سيما إيطاليا وإسبانيا، فيما تسعى ألمانيا إلى الحصول على حصة من الإمدادات الجزائرية أيضاً، في إطار جهودها لتنويع مصادر الغاز وتقليص الاعتماد على الموردين التقليديين. وتكشف حركة التدفقات الجزائرية إلى أوروبا عن مرونة في توجيه الصادرات وفق احتياجات الأسواق؛ فبينما تراجعت بعض التدفقات إلى إيطاليا، ارتفعت الإمدادات المتجهة إلى إسبانيا، بما يعزز دور الجزائر في موازنة السوق الأوروبية.

لكن هذه الأهمية لا تعني أن الجزائر قادرة بمفردها على سد الفجوة التي خلفها تراجع الإمدادات الروسية أو أي نقص محتمل في الإمدادات القطرية. فحجم الإنتاج والقدرات التصديرية الجزائرية لا يكفي لتعويض هذه الإمدادات بالكامل. ومن ثم، فإن الرهان الأوروبي على الجزائر لا يقوم على استبدال مورد واحد بآخر، بل على إعادة تشكيل تدريجية لخريطة الطاقة الأوروبية، وتنويع مصادر الإمداد وتقليص مخاطر الاعتماد على أي مورد منفرد.

ترمب خلال زيارة لمنشأة لتصدير الغاز الطبيعي المُسال في لويزيانا بالولايات المتحدة (رويترز)

قطر... الغياب في أسوأ توقيت

المشكلة الأكبر بالنسبة إلى أوروبا أن قطر، التي كانت من أهم مصادر الغاز الطبيعي المسال في العالم، غائبة عن السوق في الوقت الذي تحتاج فيه القارة إلى كل شحنة إضافية ممكنة.

وتشير بيانات «رويترز» إلى أن صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال تراجعت بنحو 96 في المائة خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، مع انخفاض عدد الشحنات التي غادرت قطر إلى 18 شحنة فقط، مقارنة بـ509 شحنات في الفترة نفسها من العام السابق.

ولم يعد الأمر مقتصراً على اضطراب مؤقت؛ فقد مددت «قطر للطاقة» تعليق شحنات الغاز إلى شركة «إديسون» الإيطالية حتى أوائل نوفمبر (تشرين الثاني)، ما أدى إلى إلغاء خمس شحنات إضافية، ليصل إجمالي الشحنات المعلقة إلى 29 شحنة، بما يعادل نحو 3.8 مليار متر مكعب من الغاز.

وهنا تكمن المفارقة: أوروبا تدخل مرحلة إعادة ملء مخزوناتها، بينما أحد أكبر موردي الغاز الطبيعي المسال في العالم غير قادر على العودة إلى السوق بكامل طاقته.

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

روسيا تخرج... ولكن ليس بالسرعة التي تحتاجها أوروبا

وفي الجهة المقابلة، تمضي أوروبا في المسار السياسي والقانوني لإنهاء اعتمادها على الغاز الروسي. فقد اعتمد الاتحاد الأوروبي خطة تدريجية لحظر واردات الغاز الروسي، على أن يبدأ الحظر الكامل لعقود الغاز الطبيعي المسال طويلة الأجل في يناير 2027، بينما ستخضع عقود الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب للحظر في سبتمبر 2027، أو في موعد أقصاه نوفمبر من العام نفسه في بعض الحالات.

ولا يزال الغاز الروسي حاضراً في السوق الأوروبية رغم مساعي الاتحاد الأوروبي لتقليص الاعتماد عليه. فقد استوردت دول الاتحاد الأوروبي كميات من الغاز الطبيعي المسال الروسي تزيد على 16 في المائة خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بقيمة إجمالية بلغت نحو 5.96 مليار يورو (6.9 مليار دولار)، وكانت فرنسا وبلجيكا وإسبانيا في مقدمة المستوردين، وفق بيانات منظمة «أورغيفالد» (Urgewald) الألمانية غير الربحية.

وتعكس هذه الأرقام استمرار اعتماد بعض الأسواق الأوروبية على الغاز الروسي خلال المرحلة الانتقالية، حتى مع توجه الاتحاد الأوروبي نحو التخلص التدريجي من هذه الواردات وتنويع مصادر إمداداته. وهذا يكشف عن التناقض الذي تواجهه أوروبا: قرار سياسي بالتخلص من الغاز الروسي، مقابل حاجة سوقية مستمرة إلى الإمدادات قبل اكتمال البدائل.

الأسعار... السوق تسعّر الخطر

انعكست هذه المعادلة مباشرة على الأسعار. وارتفع عقد الغاز الهولندي «تي تي إف» إلى نحو 69.90 يورو لكل ميغاواط/ساعة في الأول من سبتمبر، بزيادة 4.4 في المائة في جلسة واحدة، فيما تشير بيانات السوق إلى أن أسعار الغاز الأوروبية ارتفعت بأكثر من 130 في المائة منذ بداية العام.

والأهم أن منحنى الأسعار نفسه يعكس قلقاً بشأن الشتاء؛ إذ أصبحت الأسعار القريبة أعلى من بعض أسعار العقود الآجلة، في ظاهرة تعرف بـ«الباكورديشن» Backwardation (أي سعر السلعة للتسليم الفوري أو القريب أعلى من سعرها للتسليم في المستقبل)، وهو ما يضعف الحافز الاقتصادي أمام التجار لتخزين كميات كبيرة من الغاز الآن، رغم حاجة أوروبا إليها قبل الشتاء.

وفي السيناريو الأكثر تشدداً، قد تتجاوز أسعار الغاز الأوروبية 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة إذا بقيت إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط محدودة واشتدت المنافسة مع المشترين الآسيويين.

سفينة غاز طبيعي مسال تُحمّل الغاز لسفينة سياحية في برشلونة (رويترز)

الشتاء هو الاختبار الحقيقي

لذلك لن يكون السؤال الأوروبي هذا الشتاء هو: هل يوجد غاز في السوق؟ بل: هل يوجد غاز كافٍ بالسعر الذي تستطيع أوروبا تحمله؟

فأوروبا تملك اليوم مصادر أكثر تنوعاً مما كانت عليه في أزمة 2022، مع زيادة الاعتماد على النرويج والولايات المتحدة والجزائر، وتوسع البنية التحتية لاستقبال الغاز الطبيعي المسال. لكن هذه المرونة الجديدة لم تلغِ حساسية السوق تجاه الصدمات الجيوسياسية.

وتحتاج أوروبا إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال الأميركي لتعويض جانب من النقص، لكن الولايات المتحدة نفسها تواجه طلباً محلياً متزايداً على الغاز، خصوصاً مع توسع مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، فيما لا يمكن رفع صادرات الغاز الأميركية بسرعة غير محدودة. وفي يوليو، استقبلت أوروبا 4.76 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال الأميركي، مقابل 3.32 مليون طن ذهبت إلى آسيا.

مؤشر قياس ضغط الغاز في إحدى المحطات (رويترز)

الجزائر... لاعب مهم لا بديل وحيداً

ومن هنا تكتسب الجزائر أهمية استراتيجية متزايدة. فهي قريبة من أوروبا، وتملك خطوط أنابيب قائمة، ولديها خبرة طويلة في تصدير الغاز، كما أنها بدأت بالفعل في توسيع علاقاتها مع شركات أوروبية.

لكن الرهان الأوروبي عليها لا يعني أن الجزائر تستطيع وحدها سد الفجوة التي خلفتها روسيا وقطر. فالطلب الألماني الجديد على الغاز الجزائري، والعقود التي بدأت تتشكل، يعكسان اتجاهاً أوسع نحو تعدد الموردين وتقليل الاعتماد على أي مصدر واحد.

وفي النهاية، ستتحدد قدرة أوروبا على عبور الشتاء بأمان من خلال ثلاثة عوامل مترابطة: حجم الإمدادات المتاحة، وسرعة إعادة ملء المخزونات، ودرجة برودة الطقس. وإذا جمعت شتاءً بارداً مع استمرار غياب الغاز القطري وضعف الإمدادات الروسية، فقد تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى دفع أسعار أعلى لجذب الشحنات من السوق العالمية، فيما تصبح الجزائر والنرويج والولايات المتحدة ومصادر أخرى جزءاً من معركة تأمين كل وحدة إضافية من الغاز.

وهكذا، لا تبدو أزمة الغاز الأوروبية المقبلة مجرد أزمة تخزين، بل اختباراً للنظام الجديد الذي بنته أوروبا بعد سقوط نموذج الغاز الروسي؛ نظام أكثر تنوعاً، لكنه أكثر تعرضاً للأسعار العالمية والمنافسة الآسيوية والصدمات الجيوسياسية.


ارتفاع إنفاق المستهلكين بالسعودية 8 % إلى 38.6 مليار دولار في يوليو

أشخاص في سوق البلد بجدة التاريخية (واس)
أشخاص في سوق البلد بجدة التاريخية (واس)
TT

ارتفاع إنفاق المستهلكين بالسعودية 8 % إلى 38.6 مليار دولار في يوليو

أشخاص في سوق البلد بجدة التاريخية (واس)
أشخاص في سوق البلد بجدة التاريخية (واس)

ارتفع إنفاق المستهلكين في السعودية إلى 144.95 مليار ريال (38.65 مليار دولار) خلال يوليو (تموز) 2026، بزيادة بلغت 8 في المائة، مقارنة بنحو 134.51 مليار ريال (35.87 مليار دولار) في الشهر نفسه من العام الماضي، وفق بيانات البنك المركزي السعودي (ساما).

ويشمل إنفاق المستهلكين إجمالي السحوبات النقدية، ومبيعات نقاط البيع، ومبيعات التجارة الإلكترونية عبر «مدى».

وأظهرت البيانات ارتفاع قيمة مبيعات نقاط البيع بنحو 7 في المائة على أساس سنوي لتصل إلى 62.85 مليار ريال (16.76 مليار دولار) خلال يوليو، عبر 1.1 مليار عملية، ومن خلال 2.5 مليون جهاز.

أشخاص في سوق البلد بجدة التاريخية (واس)

في المقابل، انخفضت السحوبات النقدية من أجهزة الصراف الآلي بنحو 3 في المائة لتبلغ 44.47 مليار ريال (11.86 مليار دولار)، بينما بلغ عدد أجهزة الصراف الآلي 14.4 ألف جهاز، ووصل عدد البطاقات البنكية المصدرة إلى 70.12 مليون بطاقة.

كما سجَّلت مبيعات التجارة الإلكترونية عبر بطاقات «مدى» نمواً بنسبة 26 في المائة لتصل إلى 37.63 مليار ريال (10.03 مليار دولار) خلال يوليو، من خلال 197.6 مليون عملية.

أحد المتاجر في حائل (واس)

وتشمل مبيعات التجارة الإلكترونية عمليات الدفع والشراء المنفذة عبر بطاقات «مدى» على مواقع وتطبيقات التسوق الإلكتروني، ولا تشمل العمليات التي تتم عبر بطاقات «فيزا» و«ماستركارد» وغيرهما من البطاقات الائتمانية.


أرباح «ساسول» ترتفع 9 % بفضل ارتفاع أسعار النفط ومبيعات الوقود

مقر شركة «ساسول» في جنوب أفريقيا (الموقع الإلكتروني للشركة)
مقر شركة «ساسول» في جنوب أفريقيا (الموقع الإلكتروني للشركة)
TT

أرباح «ساسول» ترتفع 9 % بفضل ارتفاع أسعار النفط ومبيعات الوقود

مقر شركة «ساسول» في جنوب أفريقيا (الموقع الإلكتروني للشركة)
مقر شركة «ساسول» في جنوب أفريقيا (الموقع الإلكتروني للشركة)

أعلنت شركة «ساسول»، وهي شركة جنوب أفريقية للبتروكيماويات، الثلاثاء، عن ارتفاع أرباحها السنوية بنسبة 9 في المائة، مدعومة بارتفاع أسعار النفط الخام وحجم مبيعات الوقود.

وبلغت أرباح «ساسول» الأساسية للسهم الواحد - وهو مقياس للربحية – 38.31 راند (2.38 دولار) في السنة المنتهية في 30 يونيو (حزيران)، مقارنة بـ35.13 راند في العام السابق.

وقالت الشركة، التي تستخدم الفحم والغاز الطبيعي لإنتاج الوقود الاصطناعي والمواد الكيميائية، إن ارتفاع متوسط ​​سعر خام برنت بنسبة 7 في المائة أسهم في تعزيز الإيرادات.

وشهدت أسعار خام برنت ارتفاعاً حاداً بعد بدء حرب إيران في أواخر فبراير (شباط) من هذا العام. وظلت الأسعار مرتفعة ومتقلبة؛ إذ أدى النزاع المستمر واضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز إلى تفاقم المخاوف بشأن أمن إمدادات النفط العالمية.

وتخلفت شركة «ساسول» مجدداً عن توزيع الأرباح؛ لأن صافي ديونها البالغ 3.3 مليار دولار لا يزال يتجاوز الحد الأقصى البالغ 3 مليارات دولار المحدد في سياستها لتوزيع الأرباح.

وتعدّ «ساسول» من أكثر شركات الطاقة كثافة للكربون في العالم، ويُعدّ مصنعها لتحويل الفحم سوائل في سيكوندا أحد أكبر مصادر انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في موقع واحد على مستوى العالم.

وتخطط الشركة لخفض انبعاثات الكربون من خلال تقليل اعتمادها على الفحم، وزيادة استخدام الطاقة المتجددة، وتحسين الكفاءة التشغيلية، وإدخال الغاز الطبيعي والهيدروجين الأخضر بوصفها مواد خام منخفضة الكربون في عملياتها الصناعية.

وتسعى «ساسول» إلى امتلاك قدرة توليد كهرباء متجددة تبلغ 2000 ميغاواط بحلول عام 2030، وذلك بالاعتماد بشكل أساسي على اتفاقيات شراء طاقة طويلة الأجل مع موردين مستقلين.

وأعلنت الشركة أنها تعاقدت حتى الآن على 1370 ميغاواط من إمداداتها المستهدفة من الطاقة المتجددة، منها 510 ميغاواط قيد التشغيل بالفعل؛ ما يوفر للشركة ما يصل إلى 550 مليون راند سنوياً.