أزمة «إيرباص» تربك قطاع الطيران عالمياً

توقف مئات الطائرات لتصحيح خلل برمجي بعد استدعاء حوالي 6 آلاف من طراز «إيه 320»

ركاب في مطار إلدورادو في بوغوتا حيث أعلنت شركة «أفيانكا» الكولومبية تأثر 70 % من أسطولها (أ.ف.ب)
ركاب في مطار إلدورادو في بوغوتا حيث أعلنت شركة «أفيانكا» الكولومبية تأثر 70 % من أسطولها (أ.ف.ب)
TT

أزمة «إيرباص» تربك قطاع الطيران عالمياً

ركاب في مطار إلدورادو في بوغوتا حيث أعلنت شركة «أفيانكا» الكولومبية تأثر 70 % من أسطولها (أ.ف.ب)
ركاب في مطار إلدورادو في بوغوتا حيث أعلنت شركة «أفيانكا» الكولومبية تأثر 70 % من أسطولها (أ.ف.ب)

شهد قطاع الطيران العالمي اضطراباً في جداول الرحلات مع نهاية الأسبوع، حيث سارعت شركات طيران حول العالم لإجراء إصلاح برمجي إلزامي على طائراتها واسعة الاستخدام من عائلة «إيرباص إيه 320».

جاء هذا الإجراء بعد استدعاء الشركة الأوروبية المصنّعة لنحو 6 آلاف طائرة، أي أكثر من نصف الأسطول العالمي لعائلة «إيه 320» بعدما كشف تحليل لها أن «الإشعاع الشمسي الشديد» قد يفسد بيانات حيوية لأنظمة التحكم في الطيران، وهو ما يُعتقد أنه ساهم في حادث هبوط مفاجئ تعرضت له طائرة «جيت بلو» الشهر الماضي، أسفر عن إصابة 15 راكباً.

يُعد هذا الإجراء الطارئ، الصادر لـ350 مشغلاً، من أكبر عمليات الاستدعاء في تاريخ «إيرباص» الممتد 55 عاماً.

طائرة «إيرباص إيه 320» تابعة لطيران «لاتام» على مدرج مطار إلدورادو في بوغوتا (أ.ف.ب)

وقد أمرت هيئات الطيران التنظيمية حول العالم، بناء على طلب الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران، شركاتها بمعالجة المشكلة البرمجية التي تتحكم في المصاعد والجنيحات قبل استئناف الرحلات.

وانضمت إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية إلى الوكالة الأوروبية لسلامة الطيران في مطالبة شركات الطيران بمعالجة المشكلة عبر تحديث برمجي جديد، مشيرة إلى أن هذا الأمر قد يسبب «اضطراباً قصير الأجل» في جداول الرحلات.

أفاد خبراء بأن الإصلاح، الذي يتضمن العودة إلى برامج قديمة، يستغرق حوالي ساعتين فقط ويمكن إجراؤه بين الرحلات أو أثناء فحص الطائرة الليلي، ولكنه إلزامي قبل تحليق الطائرات مجدداً. إلا أنه يأتي في توقيت غير مثالي، حيث عطلة عيد الشكر المزدحمة في الولايات المتحدة.

وقد تسبب هذا الإجراء في اضطرابات واسعة النطاق، خاصة في عطلة عيد الشكر المزدحمة بالولايات المتحدة.

اليابان والهند

في اليابان، ألغت شركة «إيه إن إيه هولدينغز»، وهي أكبر شركة طيران، 65 رحلة جوية يوم (السبت)، وتُعد الشركة، إلى جانب شركات تابعة لها مثل «بيتش أفييشن»، أكبر مشغل في اليابان لطائرات «إيرباص» أحادية الممر بما في ذلك «إيه 320».

ركاب يصطفون أمام مكتب إلغاء الرحلات التابع لشركة طيران «أول نيبون» بعد أن ألغت الشركة رحلاتها (رويترز)

بينما في الهند، تأثرت 338 طائرة، وتعمل شركتا «إنديغو» و«طيران الهند» على قدم وساق لإكمال عملية إعادة الضبط البرمجي بحلول يوم الأحد، محذرتين من تأخيرات. وفي الولايات المتحدة، أعلنت «الخطوط الجوية الأميركية»، التي تعد أكبر مشغل لـ«إيه 320»، أن 340 من أصل 480 طائرة لديها تحتاج إلى الإصلاح.

أما في كوريا الجنوبية وهونغ كونغ وماكاو وتايوان، فقد صدرت توجيهات للناقلات المحلية بمعالجة الخلل فوراً لإعادة الطائرات المتأثرة إلى الخدمة، وتقليل أي اضطراب محتمل في الجداول الزمنية.

شركات الطيران الخليجية والعربية

وسارعت شركات الطيران الخليجية والعربية والإقليمية، لاستيعاب تداعيات أزمة «إيرباص» المفاجئة، عبر تنفيذ إجراءات فنية عاجلة وتعديلات في رحلاتها المحلية والدولية.

تشغّل دول الخليج عدداً من طائرات عائلة «إيه 320» ضمن رحلاتها الداخلية والدولية. وأبدت الشركات في بيانات متفرقة أنها بدأت إجراء الإصلاح البرمجي العاجل للطائرات، وأعلنت جاهزيتها لاستيعاب تداعيات الأزمة.

وقالت الخطوط الجوية السعودية، إن فرق الصيانة باشرت التعديلات فور صدور التوجيه الفني، مع الحفاظ على تشغيل كامل للرحلات، والاستفادة من تعدد الأسطول لتخفيف أي ضغط محتمل.

وبدورها، أكدت شركة «ناس» السعودية، أن جميع الطائرات خضعت أو ستخضع للتحديث خلال فترة زمنية وجيزة، موجهة تنبيهاً للمسافرين بإمكانية حدوث تعديلات طفيفة في المواعيد.

بدورها، أعلنت «طيران أديل»، المنخفضة التكلفة، أن عدداً من طائراتها سيتأثر بالتوجيهات الصادرة من شركة «إيرباص» بما يتعلق بطائرات «إيه 320».

وقالت «طيران أديل» في بيان أنها استكملت التحديثات المطلوبة «بنجاح».

الإمارات

من جهتها، نفذت «العربية للطيران» تحديثات لعدد كبير من الطائرات خلال 48 ساعة، وأعادت جدولة بعض الرحلات قصيرة المدى لتفادي الضغط على الأسطول، مؤكدة أن العمليات مستمرة دون إلغاء واسع للرحلات.

وأعلن «طيران الخليج» في بيان أن عمليات طائراته من طراز «إيرباص إيه 320» تسير بشكل طبيعي بعد استكمال التحديث البرمجي الإلزامي.

من جهتها، أعلنت «الخطوط الجوية الكويتية» أنها نجري التحديثات لأجهزة البرمجة لطائرات «إيه 320» بالتنسيق مع إيرباص، موضحة أنها تتوقع تأخيراً في عدد من الرحلات.

أما «طيران الجزيرة» الكويتية فقالت إنها لا تتوقع أي تأثير كبير على عمليات أسطولها أو جدول شبكتها بعد توجيهات «إيرباص».

كما أعلنت وزارة الطيران المدني المصرية تنفيذ التحديثات البرمجية اللازمة بالتنسيق مع «إيرباص» دون تأثير على انتظام جدول الرحلات.

بريطانيا

وقالت وزيرة النقل البريطانية هايدي ألكسندر، إن استدعاء شركة «إيرباص» لطائراتها من طراز «إيه 320» لإجراء إصلاحات فورية لن يكون له تأثير كبير على شركات الطيران البريطانية.

وأضافت في بيان: «إننا على علم بالمشكلة الفنية التي تؤثر على بعض الطائرات، والمخاوف بشأن كيفية تأثير ذلك على الركاب، والرحلات الجوية هذا المساء».

وتابعت: «الخبر السار هو أن التأثير على شركات الطيران البريطانية يبدو محدوداً، حيث يتطلب عدد أقل من الطائرات تغييرات أكثر تعقيداً تتعلق بالبرمجيات، والأجهزة».

نيوزيلندا

أعلنت «طيران نيوزيلندا» أن استدعاء «إيرباص» لطائراتها من طراز «إيه 320» سيؤدي إلى تعطل «عدد» من رحلاتها يوم السبت، ومن المتوقع أيضاً إلغاء بعض الرحلات.

وقالت الشركة في منشور على موقع «إكس» إن جميع طائرات «إيه 320» ستتلقى تحديثاً برمجياً قبل رحلتها التالية لنقل الركاب، مما يؤدى إلى عدد من الانقطاعات، والإلغاءات في أسطولها.

أستراليا

قالت شركة طيران «جيت ستار»، الذراع الاقتصادية لشركة «كانتاس»، الناقل الوطني الأسترالي، اليوم، إنها تأثرت بعملية استدعاء طائرات «إيرباص إيه 320» التي شملت أكثر من نصف أسطولها العالمي.

وذكر متحدث باسم «جيت ستار» في بيان أن «(جيت ستار) تأثرت بمشكلة في برمجيات أسطول طائرات (إيرباص)، والتي تؤثر على جميع مشغلي عائلة (إيه 320) في جميع أنحاء العالم».

وأضاف المتحدث باسم الشركة: «استجابة لإجراء احترازي من شركة (إيرباص)، ألغينا بعض رحلات طيران (جيت ستار)».

وتستحوذ «كانتاس» وذراعها منخفضة التكلفة «جيت ستار» معاً على نحو 65 في المائة من السوق المحلية الأسترالية، بينما تمتلك «فيرجن»، أكبر منافس محلي لها، حصة 35 في المائة.


مقالات ذات صلة

«السعودية للشحن» و«طيبة للمطارات» توقِّعان شراكة لتعزيز الخدمات

مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي في المدينة المنورة (واس)

«السعودية للشحن» و«طيبة للمطارات» توقِّعان شراكة لتعزيز الخدمات

وقَّعت «السعودية للشحن» و«طيبة للمطارات» مذكرة تفاهم تهدف إلى تعزيز الشحن الجوي والخدمات اللوجستية في مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي في المدينة المنورة.

«الشرق الأوسط» (المدينة المنورة )
الاقتصاد إحدى طائرات «طيران الرياض» (الشركة)

«طيران الرياض» تستعد لاستلام أولى طائرات «بوينغ 787 - 9 دريملاينر» خلال أسابيع

أعلنت «طيران الرياض»، طرح تذاكر رحلاتها للضيوف المسافرين بين الرياض ولندن ابتداءً من 1 يوليو (تموز)، بالتزامن مع قرب وصول أولى طائراتها الجديدة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد طائرة لحظة تزويدها بالوقود (رويترز)

أزمة مضيق هرمز تدفع بأستراليا لاستيراد وقود الطائرات من الصين

أعلن رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، أن بلاده ستستورد ثلاث شحنات من وقود الطائرات من الصين بإجمالي 600 ألف برميل؛ما من شأنه أن يضاعف المخزونات.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد مسافرون عبر صفوف الحواجز في صالة المغادرة بمطار الملك خالد الدولي في الرياض (أ.ف.ب)

مطارات السعودية تحلِّق بـ141 مليون مسافر في 2025... وقفزة تاريخية لأسطولها الجوي

كشفت نشرة إحصاءات النقل الجوي الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء لعام 2025 عن ارتفاع إجمالي أعداد المسافرين عبر مطارات السعودية ليصل إلى 140.9 مليون مسافر.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق طائرة تابعة لـ«كانتاس» (أ.ف.ب)

رجل يعضّ أحد أفراد طاقم طائرة أسترالية متجهة إلى الولايات المتحدة

اضطرت شركة «كانتاس» الأسترالية للطيران إلى تغيير مسار رحلة كانت متجهة إلى الولايات المتحدة؛ بسبب راكب أثار الفوضى.

«الشرق الأوسط» (ملبورن)

مؤشر السوق السعودية يغلق على ارتفاع هامشي وسط تباين الأداء

مستثمر يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)
مستثمر يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)
TT

مؤشر السوق السعودية يغلق على ارتفاع هامشي وسط تباين الأداء

مستثمر يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)
مستثمر يمر أمام شعار السوق السعودية (أ.ف.ب)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية (تاسي) جلسة الأربعاء على ارتفاع بنحو 3 نقاط ليغلق عند 10986 نقطة، بتداولات بلغت قيمتها نحو 5.3 مليار ريال.

وارتفع سهم «مصرف الراجحي» بأقل من 1 في المائة عند 67.10 ريال.

وقفز سهم «دار البلد - دي بي إس» في أولى جلساته في «تاسي» بنسبة 28 في المائة عند 12.50 ريال، مقارنة بسعر الإدراج البالغ 9.75 ريال، وسط تداولات بلغت نحو 37 مليون سهم بقيمة تجاوزت 440 مليون ريال، تمت عبر نحو 62 ألف صفقة.

وارتفع سهما «أنابيب السعودية» و«البابطين» عند 54 ريالاً (بارتفاع 1 في المائة للأول) و66.10 ريال (بارتفاع 2 في المائة للثاني)، عقب الإعلان عن توزيعات نقدية على المساهمين.

في المقابل، تراجع سهم «أرامكو السعودية» بأقل من 1 في المائة عند 27.86 ريال.

وأغلق سهما «سلوشنز» و«بنك ساب» عند 218.80 ريال و18.86 ريال (بتراجع 4 في المائة لكل منهما)، عقب نهاية أحقية توزيعات نقدية.

وتصدر سهم «تسهيل» قائمة الأسهم المتراجعة بنسبة 8 في المائة.

وفيما يخص الصناديق العقارية المتداولة، أغلق صندوق «بنيان ريت» عند 9.77 ريال (بتراجع 4 في المائة)، عقب نهاية أحقية توزيعات.


بريطانيا تمدد خفض ضريبة الوقود حتى نهاية العام في مواجهةٍ لتداعيات الحرب

قارب يبحر أمام «جسر البرج» في لندن (أ.ب)
قارب يبحر أمام «جسر البرج» في لندن (أ.ب)
TT

بريطانيا تمدد خفض ضريبة الوقود حتى نهاية العام في مواجهةٍ لتداعيات الحرب

قارب يبحر أمام «جسر البرج» في لندن (أ.ب)
قارب يبحر أمام «جسر البرج» في لندن (أ.ب)

أعلنت الحكومة البريطانية، الأربعاء، عن تمديد خفض ضريبة وقود السيارات بمقدار 5 بنسات للتر الواحد حتى نهاية العام الحالي، في خطوة عاجلة تهدف إلى تخفيف الضغوط المتصاعدة لتكاليف المعيشة الناجمة عن النزاع في الشرق الأوسط.

وكان مقرراً انتهاء العمل بهذا الإجراء في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، إلا إن القفزة الكبيرة التي شهدتها أسعار النفط العالمية جراء حرب إيران دفعت رئيس الوزراء، كير ستارمر، إلى اتخاذ قرار التدخل الفوري، حيث صرّح في بيان رسمي بأن كثيراً من المواطنين يشعرون بضغط تكاليف الطاقة والوقود، ويساورهم القلق بشأن تأثير الصراع الجيوسياسي على شؤونهم المالية، مؤكداً أن حكومته تتدخل لحماية ملايين السائقين.

وإلى جانب تمديد خفض ضريبة الوقود، أعلنت لندن عن حزمة تدابير موازية لمساندة قطاع النقل، شملت إعفاء شركات الشحن والنقل البري من ضريبة الطرق لمدة 12 شهراً؛ مما يوفر نحو 912 جنيهاً إسترلينياً (نحو 1222 دولاراً) لكل مركبة، فضلاً عن خفض ضريبة الديزل الأحمر المخصص للمعدات والآليات المستخدمة خارج الطرق، بنسبة تتجاوز الثلث لتصل إلى 6.48 بنساً للتر الواحد، وهو أدنى مستوى تسجله هذه الضريبة منذ أكثر من عقدين.

ورغم أن التكلفة الإجمالية للتمديد الأخير لم تتضح بعد، فإن البيانات الرسمية تشير إلى أن هذا الخفض الذي أُقر لأول مرة في عام 2022 وجرى تمديده 5 مرات متتالية، قد كلّف الخزانة نحو 2.4 مليار جنيه إسترليني بناءً على تقديرات مطلع العام، في حين ترفد ضريبة الوقود الخزانة العامة بنحو 24 مليار جنيه إسترليني سنوياً، علماً بأن مستواها الأساسي ثابت دون تغيير منذ عام 2011 لحماية المستهلكين من تقلبات الأسعار.

وتأتي هذه الخطوات الحكومية الاستثنائية بعد أيام قليلة من تقرير أصدره «صندوق النقد الدولي»، حث فيه بريطانيا على جعل دعم الطاقة مؤقتاً وموجهاً بدقة للفئات الأكبر تضرراً بدلاً من الدعم الشامل. كما دعا «الصندوق» لندن إلى النظر في إصلاحات هيكلية أوسع على المدى الطويل، تشمل توسيع قاعدة ضريبة القيمة المضافة وإصلاح الضرائب العقارية؛ وذلك لضمان الاستدامة المالية وتجنب زيادة الضغوط على ميزانية الدولة المثقلة بالتكاليف.


قمة شي وبوتين... شراكة قوية وعوائد اقتصادية دون التوقعات

لقاء الرئيسين الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بقاعة الشعب الكبرى في بكين يوم الأربعاء (أ.ب)
لقاء الرئيسين الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بقاعة الشعب الكبرى في بكين يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

قمة شي وبوتين... شراكة قوية وعوائد اقتصادية دون التوقعات

لقاء الرئيسين الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بقاعة الشعب الكبرى في بكين يوم الأربعاء (أ.ب)
لقاء الرئيسين الصيني شي جينبينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بقاعة الشعب الكبرى في بكين يوم الأربعاء (أ.ب)

خرجت القمة الصينية - الروسية بين الرئيس شي جينبينغ، ونظيره فلاديمير بوتين، في بكين، برسائل سياسية واستراتيجية قوية، لكنها حملت اقتصادياً حصيلة أكثر تواضعاً مما كانت تأمله موسكو، خصوصاً في ملف الطاقة الذي يُعد جوهر العلاقة الاقتصادية بين البلدين منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية الواسعة على روسيا. فبينما حرص الزعيمان على إظهار عمق «الشراكة بلا حدود» بين بكين وموسكو، وتوقيع عشرات الاتفاقات والتفاهمات، فإن القمة لم تحقق الاختراق الأكبر الذي كانت روسيا تسعى إليه منذ سنوات، باتفاق نهائي بشأن خط أنابيب الغاز العملاق «قوة سيبيريا 2»، وهو المشروع الذي تعده موسكو حيوياً لإعادة توجيه صادراتها من الطاقة بعيداً عن أوروبا نحو السوق الصينية.

وقال الكرملين إن الجانبين توصلا إلى «تفاهم مبدئي» بشأن المشروع، يشمل مسار الخط وآليات بنائه، لكن لا يزال هناك غياب واضح لجدول زمني أو اتفاق نهائي حول التفاصيل الرئيسية، وفي مقدمتها تسعير الغاز.

ويمثل هذا التعثر خيبة أمل واضحة لروسيا، التي كانت تأمل في استغلال الزخم السياسي للقمة لدفع المشروع إلى مرحلة التنفيذ النهائي، خصوصاً مع استمرار تراجع صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا نتيجة العقوبات الغربية والحرب في أوكرانيا.

ويُفترض أن ينقل خط «قوة سيبيريا 2» نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً إلى الصين عبر منغوليا، انطلاقاً من حقول يامال الروسية في القطب الشمالي، ليصبح أحد أكبر مشاريع الطاقة في العالم. لكن رغم سنوات من المفاوضات، لا تزال الصين تتعامل بحذر شديد مع المشروع، مستفيدةً من حاجة موسكو المتزايدة إلى السوق الصينية لانتزاع شروط أفضل.

وفي الواقع، تكشف القمة عن أن العلاقة الاقتصادية بين البلدين، رغم قوتها السياسية، ليست علاقة متكافئة بالكامل. فالصين تدخل المفاوضات من موقع اقتصادي أقوى بكثير، بينما تجد روسيا نفسها أكثر اعتماداً على بكين منذ عزلها عن الأسواق الغربية. ولهذا، بدا واضحاً أن الصين ليست في عجلة من أمرها لتقديم تنازلات كبيرة في ملف الغاز، خصوصاً أن بكين تملك خيارات أوسع لتنويع واردات الطاقة، سواء من الشرق الأوسط أو آسيا الوسطى أو حتى الولايات المتحدة، في وقت تحتاج فيه موسكو بشكل متزايد إلى عقود طويلة الأجل وأسواق مستقرة لتعويض خسائرها الأوروبية.

جانب من الاجتماعات الصينية - الروسية في قاعة الشعب الكبرى بالعاصمة بكين (أ.ب)

تقدم في مجال النفط

لكن في المقابل، حققت موسكو تقدماً ملموساً في ملف النفط، الذي أصبح العمود الفقري للعلاقة الاقتصادية مع الصين. فقد أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، أن الصين أبدت اهتماماً كبيراً بزيادة وارداتها من النفط الخام الروسي وتأمين إمدادات طويلة الأجل، كاشفاً عن أن صادرات النفط الروسية إلى السوق الصينية ارتفعت بنسبة 10 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري.

وتحمل هذه الأرقام أهمية كبيرة بالنسبة إلى الكرملين، لأنها تعكس نجاح موسكو في تعويض جزء من خسائرها في الأسواق الأوروبية عبر التوسع في آسيا، خصوصاً في الصين التي أصبحت أكبر مشترٍ للنفط الروسي منذ فرض العقوبات الغربية. كما تؤكد أن بكين، رغم حذرها في ملف الغاز، لا تزال ترى في النفط الروسي مصدراً مهماً ومرناً لتأمين احتياجاتها من الطاقة بأسعار تنافسية.

وجاءت تصريحات نوفاك بعد القمة مباشرةً، في محاولة واضحة لتقديم نتائج ملموسة للزيارة، خصوصاً أن ملف الطاقة كان أحد أبرز محاور المحادثات بين شي وبوتين. كما أكد الكرملين التوصل إلى تفاهمات جديدة بشأن التعاون النفطي والطاقة، في وقت يسعى فيه الطرفان إلى تعميق الترابط الاقتصادي بعيداً عن النظام المالي الغربي.

نجاحات موازية

ورغم غياب الاختراق في ملف «قوة سيبيريا 2»، حاول الطرفان إبراز نجاحات أخرى في التعاون الاقتصادي، خصوصاً في مجالات الطاقة التقليدية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتجارة الثنائية. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين شدد خلال القمة على أن بلاده لا تزال «مورداً موثوقاً للطاقة» رغم اضطرابات الشرق الأوسط، في إشارة إلى رغبة موسكو في تقديم نفسها بديلاً مستقراً نسبياً في سوق الطاقة العالمية المضطربة بفعل الحرب الإيرانية. كما أكد أن التعاون الروسي - الصيني في قطاع الطاقة يشهد توسعاً مستمراً، سواء عبر خطوط الأنابيب القائمة أو صادرات النفط والشحنات البحرية.

لكن اللافت أن بكين، رغم تأكيدها أن التعاون في مجال الطاقة يجب أن يبقى «حجر الزاوية» في العلاقات الثنائية، تجنبت عمداً إعطاء إشارات واضحة بشأن تسريع مشروع «قوة سيبيريا 2»، مما عزز انطباع الأسواق بأن المفاوضات لا تزال بعيدة عن الحسم.

وفي المقابل، برز ملف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كأحد أهم المجالات التي حققت تقدماً خلال القمة، خصوصاً في ظل العقوبات الغربية التي دفعت روسيا إلى الاعتماد المتزايد على الصين في الحصول على الإلكترونيات والمكونات التقنية المتقدمة.

وفي هذا السياق، كشف الرئيس التنفيذي لبنك «سبيربنك» الروسي، جيرمان غريف، عن أن روسيا تأمل في تشغيل نموذج الذكاء الاصطناعي الروسي «غيغا تشات» باستخدام رقائق صينية، في خطوة تعكس التحول المتسارع نحو التكنولوجيا الصينية لتعويض القيود الغربية على وصول موسكو إلى الرقائق المتقدمة. ويمثل هذا التطور مؤشراً مهماً على زيادة عمق التعاون التكنولوجي بين البلدين، خصوصاً أن روسيا أصبحت تعتمد بشكل شبه كامل على الواردات الصينية في عدد من القطاعات الحساسة، بما في ذلك الإلكترونيات والدفاع والاتصالات.

جانب من الاجتماعات الصينية - الروسية في العاصمة بكين (إ.ب.أ)

فجوة واضحة

لكن حتى في هذا المجال، لا تزال هناك فجوة واضحة بين القدرات الصينية والأميركية. فالرئيس التنفيذي لـ«سبيربنك» أقر بأن الرقائق الصينية المتاحة، مثل «أسند 950» من «هواوي»، لا تزال متأخرة عن رقائق «إتش 200» المتقدمة من شركة «إنفيديا» الأميركية، مما يعكس استمرار التفوق الأميركي في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.

ومع ذلك، أظهرت القمة رغبة مشتركة في بناء شراكة تكنولوجية أكثر عمقاً. فقد أكد البيان المشترك الصادر عقب محادثات شي وبوتين أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصراً أساسياً في الإصلاح الاقتصادي، ودعا إلى تعزيز التعاون الثنائي في مجالات البرمجيات مفتوحة المصدر والدفاع والتقنيات المتقدمة. كما دعم الجانبان اقتراح الصين إنشاء هيئة عالمية للذكاء الاصطناعي، مع التحذير من استخدام التكنولوجيا أداةً جيوسياسية.

ويعكس هذا التوجه رغبة موسكو وبكين في بناء نظام تكنولوجي موازٍ للنظام الغربي، خصوصاً مع تصاعد القيود الأميركية على تصدير الرقائق والتكنولوجيا المتقدمة إلى الصين وروسيا.

التجارة الثنائية

أما على مستوى التجارة الثنائية، فقد سعت القمة إلى إظهار أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين لا تزال تتوسع رغم الضغوط العالمية. وأشار الكرملين إلى توقيع نحو 20 وثيقة تعاون جديدة، إلى جانب إعلان مشترك بشأن تعزيز «التنسيق الاستراتيجي الشامل» والدعوة إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب.

مقارنة بين النتائج

لكن اللافت أن القمة عكست أيضاً حدود هذا التقارب الاقتصادي. ففي الوقت الذي كان بوتين يزور بكين، كانت الصين تؤكد رسمياً شراء 200 طائرة من شركة «بوينغ» الأميركية، وتعلن سعيها لتمديد الهدنة التجارية مع واشنطن وخفض الرسوم الجمركية المتبادلة.

وهذه الرسائل أوضحت أن بكين لا تنوي التضحية بعلاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة وأوروبا لصالح شراكتها مع روسيا، مهما بلغ مستوى التقارب السياسي بين الطرفين.

بل إن بعض المحللين يرون أن الصين تستخدم علاقتها مع موسكو ورقةً استراتيجية في مواجهة الغرب، لكنها في الوقت نفسه تحرص على عدم الارتباط اقتصادياً بروسيا إلى درجة تهدد مصالحها التجارية الأوسع مع الأسواق الغربية.

في هذا الإطار، بدت المقارنة واضحة بين قمة شي مع ترمب قبل أيام، التي ركزت على التجارة والطيران والرسوم الجمركية، وقمة شي مع بوتين التي طغت عليها الرمزية السياسية والرسائل الاستراتيجية أكثر من النتائج الاقتصادية الملموسة.

ورغم الاستعراض البروتوكولي الكبير الذي رافق زيارة بوتين، بما في ذلك جلسات الشاي الخاصة والمراسم الرسمية الواسعة، فإن الأسواق كانت تراقب في النهاية ما إذا كانت القمة ستنتج اتفاقات اقتصادية كبرى، وهو ما لم يتحقق بالكامل.

وفي المحصلة، يمكن القول إن قمة شي وبوتين نجحت سياسياً في تأكيد استمرار الشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا، لكنها اقتصادياً كشفت أيضاً عن حدود هذا التحالف.

فموسكو حققت تقدماً في تعميق التعاون النفطي والتكنولوجي والحفاظ على توسع تجارتها مع الصين، لكنها فشلت في انتزاع الاتفاق الأهم بالنسبة لها في قطاع الغاز. أما بكين، فقد استفادت من تعزيز نفوذها على روسيا دون تقديم تنازلات كبيرة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على انفتاحها الاقتصادي على الولايات المتحدة والأسواق الغربية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended