المخرجة اللبنانية لين الصفح: وثّقت ذاكرة عائلتي في «تيتا وتيتا»

فازت بجائزة أفضل فيلم قصير في «القاهرة السينمائي»

أعادت لين الصفح اكتشاف عائلتها من خلال الفيلم (الشركة المنتجة)
أعادت لين الصفح اكتشاف عائلتها من خلال الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

المخرجة اللبنانية لين الصفح: وثّقت ذاكرة عائلتي في «تيتا وتيتا»

أعادت لين الصفح اكتشاف عائلتها من خلال الفيلم (الشركة المنتجة)
أعادت لين الصفح اكتشاف عائلتها من خلال الفيلم (الشركة المنتجة)

تذهب المخرجة اللبنانية لين الصفّح بفيلمها القصير «تيتا وتيتا»، الحاصل على جائزة «أفضل فيلم قصير» بالنسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي» إلى أعمق نقطة في الذاكرة العائلية، كأنها تُحاول أن تُعيد ترتيب الألم بقدر ما تُعيد ترتيب الصور، منذ البداية.

وتقول لين لـ«الشرق الأوسط» إنها لم تكن تُخطط لفيلم عن الجدّتين من الأساس، بل كانت «تُحاول فقط أن تفهم لماذا تظل بعض القصص معلّقة في البيت، لا تقال كاملة ولا تُنسى تماماً»، مؤكدة أن «العمل لم يبدأ فكرةً مكتملةً، بل بدأ تساؤلاً ظل يرافقها طويلاً حول العلاقة الملتبسة بينها وبين ذاكرة عائلتها».

وأضافت أنها شعرت لسنوات بأنّ هناك جزءاً غامضاً في تاريخ النساء اللاتي شكّلن البيت الذي نشأت فيه، وأنّ هذا الجزء لم يُحكَ لها بشكل مباشر، بل وصلها عبر إشارات ومشاهد متقطعة، فكان الدافع الأول لها هو الرغبة بالإصغاء، وأن تعطي صوتاً لامرأتين ظلّتا طوال حياتهما في خلفية المشهد.

وتُشير لين الصفّح إلى أنّ «عملية تصوير الجدّتين كانت أشبه بامتحان للقرب، لأنها تعرف أن لكل منهما طبقات من الحكايات التي لا تُقال بسهولة، ولم تكن تبحث عن سرد خطّي، ولا عن إجابات جاهزة، بل عن مساحة تسمح لهما بالظهور كما هما، بكل التردّدات والتوقفات والانفعالات الصغيرة التي تعبّر عمّا لا تستطيع الكلمات حمله».

المخرجة الشابة لين الصفح (الشرق الأوسط)

وتشرح أنها منذ أيام التصوير الأولى لاحظت أنّ الذاكرة ليست مادة يمكن استخراجها مباشرة، بل شيء يتطلّب وقتاً وثقة كي يخرج إلى الضوء، لافتة إلى أنها «أدركت مبكراً أنّ الصمت سيكون عنصراً أساسياً في الفيلم، لأن لحظات التوقف بين كلمة وأخرى كانت بالنسبة إليها جزءاً من السرد نفسه».

وتقول المخرجة اللبنانية الشابة إنّها لم تكن ترغب في دفع الجدّتين إلى البوح أو توجيههما نحو موضوعات محددة؛ بل تركت الحوار يتنقّل تلقائياً بين تفاصيل الحياة اليومية، والذكريات الحزينة، والمواقف التي أثّرت في تكوين شخصيتيهما، لافتة إلى أنّ لحظات الارتباك والابتسامة الخجولة والعودة المفاجئة إلى ذكرى ضائعة كانت بالنسبة لها أهم من أي خطاب جاهز.

وتكشف المخرجة عن أنّ العمل دفعها إلى التفكير في طبيعة الإرث العائلي غير المكتوب، وكيف تنتقل مشاعر الخوف أو الشجاعة أو الصبر عبر الأجيال من دون أن يلاحظ أحد، فحين كانت تستمع إلى الجدّتين، تشعر أحياناً بأنها تستمع إلى ما تبقّى من زمن كامل، لا إلى سيرة فرد واحد، فالفيلم مكّنها من فهم الطريقة التي شكّلت بها تلك التجارب شخصيتها هي أيضاً، وكيف أن علاقة الأحفاد بالجدّات لا تقوم على المعرفة الكاملة، بل على الإحساس بما بقي من أثرهن.

مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

وتوضح الصفّح أنّها واجهت تردداً شخصياً كبيراً عندما وجدت نفسها مضطرة للظهور في بعض مشاهد الفيلم، فهي تعدّ أنّ ظهور المخرج داخل عمل عن العائلة خطوة حساسة، لكنّها تؤكد أنّ «الامتناع لم يكن ممكناً لأن موضوع الفيلم يلامسها مباشرة، لذلك تعاملت مع ظهورها بوصفه جزءاً من الحوار لا محوراً له، وبوصفه محاولة لتوضيح أنّ العلاقة مع الماضي ليست موضوعاً خارجياً، بل جزء من تكوينها الشخصي».

وتتحدث عن التفاصيل البصرية للعمل، فتقول إنّ اختيار الأماكن داخل البيت لم يكن بحثاً عن جماليات تقليدية، بل كان سعياً لرؤية العالم كما عاشته الجدّتان طيلة حياتهما، الأشياء التي احتفظتا بها، الأبواب التي فُتحت وأُغلقت مئات المرات، الضوء الذي يتغيّر على الجدران مع مرور النهار، فهذه التفاصيل شكَّلت خلفية ضرورية لتكوين المزاج الداخلي للفيلم، لأنها تحمل جزءاً من الذاكرة التي لا تُقال بالكلمات، وفق تعبيرها.

المخرجة اللبنانية محتفلة بالجائزة (مهرجان القاهرة السينمائي)

وعند سؤالها عن شكل السرد، تشرح الصفّح أنها لم تسعَ إلى بناء حكاية ذات بداية ونهاية، لأن الذاكرة العائلية لا تُبنى بهذه الطريقة، بل تتكوّن من فصول مفتوحة تربط بينها المشاعر أكثر مما يربطها المنطق، لذلك اعتمدت على إيقاع بطيء يسمح للحاضر بأن يتداخل مع الماضي، وللقصص الصغيرة بأن تكشف عن أسئلة أكبر تتعلق بتكوّن الهوية، وبالطريقة التي ترى بها الأسر نفسها عبر الزمن.

وترى المخرجة أنّ أهمية «تيتا وتيتا» لا تكمن في الحكاية بحدّ ذاتها، بل في القدرة على إعادة وضع النساء في مركز السرد، بعد أن ظللن لسنوات طويلة على الهامش، لافتة إلى أن الفيلم قدَّم لها فرصة لفهمهن بطريقة أعمق، وفهم الطريقة التي يختزن بها الجيل الأكبر تجارب لا يصل صداها إلى الأجيال اللاحقة إلا حين يُفتح المجال للكلام، ما يجعلها تعدّ أن الفيلم ليس عملاً عن الماضي، بل عن أثر الماضي في الحاضر، وعن تلك المنطقة التي تلتقي فيها السيرة الشخصية بالتاريخ العائلي.

الملصق الدعائي للفيلم (الشركة المنتجة)

لا تخفي لين الصفح أنّ الفيلم ساعدها على الاقتراب من جذور لم تكن قادرة على لمسها من قبل، وأنه أعاد ترتيب نظرتها إلى العلاقة بين الأجيال في عائلتها، مؤكدة أنّها خرجت من التجربة بإحساس أعمق بما يعنيه الإرث العاطفي.


مقالات ذات صلة

هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

سينما «الفتوّة» (أفلام العهد الجديد)

هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده في مجمل أعماله؟

في 30 أغسطس (آب) الحالي، تكون قد مضت 20 سنة على وفاة نجيب محفوظ. عاش اسماً كبيراً ورحل محتفظاً بمكانته الرفيعة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
سينما لقطة من فيلم «بعيداً عن الأشجار» (ملف مهرجان لوكارنو)

شاشة الناقد: لقاءات قريبة مع الذكريات والطبيعة ووحوش الأمس

«بعيداً عن الأشجار» فيلم مهرجانات على نحو مؤكد. نعم، سيُعرض في صالات منتقاة في أوروبا، وربما في بعض دول أميركا اللاتينية، غير أن هذا لن يعني انتشاره

محمد رُضا (بالم سبرينغز)
يوميات الشرق عُرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)

ماري - إلسا سغوالدو: «الثورة الصامتة» يبرز بطولات نسائية خلال الحرب العالمية

ترى سغوالدو أن قوة الفيلم تكمن في التفاصيل الصغيرة والحياة اليومية، وفي ما يبدو عادياً لأول وهلة، لكنه يكشف عن حجم القيود التي كانت تواجهها النساء...

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق يسرا تتوسط البطلات دُرة وياسمين رئيس ودنيا سامي في لقطة من الفيلم (الشركة المنتجة)

«الست لما»... مغامرة سينمائية جديدة ليسرا تجلب انتقادات بمصر

تعرض فيلم «الست لما» للفنانة المصرية يُسرا إلى انتقادات لاذعة بعد عرضه للمرة الأولى مساء الأربعاء في القاهرة.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق صور الفيلم في وقت قصير بسبب مشكلات التمويل (مهرجان لوكارنو)

محمد شيخ: عرض «بارني» في قريتي بالصومال لحظة استثنائية

قال المخرج الصومالي، محمد شيخ، إن فكرة فيلمه الروائي الأول «بارني» (Barni) انطلقت من رغبته في تقديم حكاية عن الشباب الذين ينتقلون من القرية إلى المدينة.

أحمد عدلي (القاهرة)

«شبح لوكربي» يعود عبر «نتفليكس»

مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)
مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)
TT

«شبح لوكربي» يعود عبر «نتفليكس»

مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)
مشهد من الدمار بعد التفجير الذي تعرَّضت له الطائرة الأميركية فوق قرية لوكربي الاسكوتلندية (أرشيف الشرق الأوسط)

أعاد عرض المسلسل «The Bombing of Pan Am 103» المُنْتَج بالتعاون بين هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ومنصة «نتفليكس»، شبح تفجير طائرة «بان إم» فوق بلدة لوكربي أواخر عام 1988.

وسلّط المسلسل الذي ركَّز على تفاصيل التحقيقات المشتركة بين الاسكوتلنديين والأميركيين، الضوء على فرضية «الخيط الإيراني - الفلسطيني»؛ حيث ظهرت الإشارة إلى مروان خريسات في سياق «العثور على شظايا الراديو المفخخ» ومقارنتها بالقنابل التي صمَّمها خريسات وصودرت في ألمانيا. وأعاد هذا الطرح الجدل القديم إلى نقطة الصفر: هل كان خريسات هو الصانع الحقيقي للقنبلة التي انفجرت فوق اسكوتلندا؟

وظلَّ خريسات، الذي وُصف في أدبيات الاستخبارات الغربية بـ«صانع القنابل البارع» لصالح «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة» بقيادة أحمد جبريل، لغزاً متحركاً لعقود؛ إذ اعتقلته ألمانيا الغربية ثم أطلقت سراحه، وطارده «الموساد» الإسرائيلي، قبل أن ينتهي به المطاف مكفَّناً بأسراره في العاصمة الأردنية، حيث تُوفي عن عمر ناهز الـ70 عاماً. وبعد وفاته، نفت ابنته تورطه في العملية.


«زوبعة» خريطة «إذاعة الأغاني» تؤكد تعلُّق مصريين بنجوم الطرب القدامى

خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)
خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)
TT

«زوبعة» خريطة «إذاعة الأغاني» تؤكد تعلُّق مصريين بنجوم الطرب القدامى

خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)
خريطة إذاعة الأغاني الجديدة (حساب الإذاعة على موقع «فيسبوك»)

تراجعت «إذاعة الأغاني» المصرية عن تعديل بعض فقرات خريطة بثها اليومي بعد انتقادات «سوشيالية»، كان أبرزها تعديل مواعيد الفقرات الغنائية لأم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وإذاعتها في مواعيد مغايرة لما اعتاده المستمع.

وأكدت «زوبعة» خريطة الإذاعة الجديدة، التي أُعلن عنها قبل أيام، تعلُّق عدد كبير من الجمهور المصري بنجوم الطرب القدامى، مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وشادية ومحمد عبد الوهاب ومحمد فوزي وغيرهم، والرغبة في الاستماع إليهم بشكل منتظم، من دون المساس بفقراتهم الغنائية اليومية، وفق نقاد.

ومن بين الانتقادات التي سلَّطت الضوء على الخريطة الجديدة، التي أثارت الجدل، منشورٌ للكاتب خالد منتصر عبر موقع «إكس» قبل يومين، وصف خلاله تغيير موعد فقرة أم كلثوم بأنه «عكننة» للسمّيعة، متذوقي صوت «الست».

وأعلن حساب «إذاعة الأغاني» على موقع «فيسبوك» مواعيدها الجديدة، التي ستبدأ الخميس، استجابة وتلبية لرغبة عدد كبير من مستمعي الإذاعة. وحسب البيان، فقد تقرر مدُّ فترة أم كلثوم حتى منتصف الليل، على أن تبدأ حفلتها الساعة 11 مساءً، وهو الموعد المحدد الذي اعتاده المستمع طوال السنوات السابقة، إلى جانب وجود فقرات لفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ومحمد فوزي، ستُذاع في مواعيدها السابقة ضمن «فترة أم كلثوم»، التي تبدأ من الساعة الخامسة مساءً.

ويرى الناقد الفني عماد يسري أن تراجع «إذاعة الأغاني» عن تعديل مواعيد فقرات نجوم الطرب القدامى، بعد الانتقادات، دليلٌ على الانتشار الواسع للإذاعة بين الجمهور المصري، الذي يتفاعل معها بشكل بارز؛ لأنها صاحبة أثر، ولأن بينها وبين المستمع ثقةً متبادلةً منذ سنوات طويلة.

«كوكب الشرق» أم كلثوم (إذاعة الأغاني على موقع «فيسبوك»)

وأوضح عماد يسري لـ«الشرق الأوسط» أن «استجابة الإذاعة لطلبات المستمعين تشير إلى أنها تسير وفق رغباتهم، وأنها ما زالت راسخة، ولها دور مؤثر وفعّال في وجدان الناس على اختلاف مراحلهم العمرية»، مضيفاً: «كل شيء عُرضة للتغيير، ولكن لا بد من وضع التفاعل وآراء الناس في الحسبان».

وتعليقاً على المواعيد الجديدة، أكدت تعليقات «سوشيالية» أن أغاني «الزمن الجميل والذكريات» لا يناسبها ضجيج النهار والانشغال بالعمل، بل تتطلب الهدوء. وأشارت تعليقات أخرى إلى أن «عودة بث أغاني أم كلثوم في الخامسة أعادتهم إلى ذكريات سبعينات القرن الماضي».

وأُنشئت «إذاعة الأغاني» مطلع الألفية الجديدة، وتحتفي بشكل خاص بنجوم الطرب القدامى، عبر إذاعة أغانيهم في مواعيد وفقرات محددة يومياً، إلى جانب وجود فترة ثابتة لأغاني أم كلثوم وحفلاتها النادرة.

مبنى الإذاعة والتلفزيون (ماسبيرو) المصري (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ويؤكد الإذاعي شريف عبد الوهاب، وكيل وزارة الإعلام ورئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، أن «إذاعة الأغاني» من أهم المحطات، حتى إنها أصبحت الملاذ الوحيد بعد اختفاء محطة «أم كلثوم» مؤخراً، لافتاً إلى أن تغيير المواعيد صدم الجمهور في بادئ الأمر؛ نظراً إلى ارتباطه بأصوات طربية في مواعيد بعينها.

وكشف شريف عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط» أن تثبيت فترة أغاني أم كلثوم من الساعة الخامسة حتى ما بعد منتصف الليل هو محاولة من «إذاعة الأغاني» لإحياء برنامج «إذاعة أم كلثوم» القديم، حسب الترتيب الذي اعتاده الناس، موضحاً أن «تثبيت البرنامج الغنائي اليومي أمر ضروري؛ لأنها محطة متخصصة، ولا بد أن تكون خريطتها اليومية معروفة مسبقاً للناس».


مروحة صغيرة حول رقبتك قد تُخفّف الحاجة إلى التكييف

قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
TT

مروحة صغيرة حول رقبتك قد تُخفّف الحاجة إلى التكييف

قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)
قليل من الهواء في المكان المناسب... والفارق يعمّ الجسد (جامعة كونكورديا)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة كونكورديا الكندية عن أنّ المراوح الصغيرة القابلة للارتداء، التي تُبرّد الوجه والرقبة، توفر راحة تضاهي تقريباً مراوح المكاتب التقليدية. وإلى جانب صغر حجمها، تستهلك هذه البدائل خفيفة الوزن طاقة أقل، وتتجنّب تيارات الهواء غير المرغوب فيها التي قد تزعج زملاء العمل القريبين.

وتشير نتائج الدراسة، المنشورة في دورية «ساينس إنجين»، إلى أنّ التبريد الموجّه لمنطقة التنفُّس يمكن أن يوفر راحة لكامل الجسم تضاهي التبريد الناتج عن المراوح التقليدية، ما يقدّم حلاً عملياً وموفراً للطاقة في المكاتب ذات المساحات المفتوحة من دون التأثير على شاغليها.

وقال الأستاذ المشارك في قسم هندسة المباني والهندسة المدنية والبيئية بجامعة كونكورديا، والمشارك في إعداد الدراسة، محمد عوف، في بيان، الأربعاء: «تتيح هذه المراوح تشغيل نظام التكييف المركزي مع استهلاك طاقة أقل. ويُعدّ التبريد الموجَّه مفيداً بشكل خاص في الأماكن التي يشغل فيها عدد قليل من الأشخاص مساحة واسعة، كما هي الحال في الأماكن التي تعتمد أنظمة العمل الهجينة».

تبريد الوجه والرقبة

رغم أنّ الوجه والرقبة لا يمثلان سوى نحو 5.5 في المائة من سطح الجسم، فإنهما شديدا الحساسية لدرجة الحرارة.

وقارن الباحثون نوعين من أجهزة التبريد الشخصية القابلة للارتداء، هما مروحة للوجه وأخرى للرقبة، بمراوح مكتبية ذات شفرات وأخرى من دون شفرات. ووجد الفريق أنّ توجيه تدفق الهواء إلى منطقتَي الوجه والرقبة يحقّق تحسّناً في الراحة الحرارية العامة يضاهي تقريباً ما توفّره مراوح المكتب.

واختبر الباحثون الأجهزة الأربعة في بيئة مكتبية مضبوطة على درجة حرارة 25 درجة مئوية، باستخدام نموذج تشريحي متطور يحاكي كيفية تنظيم الجسم البشري للحرارة.

وقاس النموذج، المكوَّن من 23 جزءاً، التغيرات في درجة حرارة الجلد وفقدان الحرارة والراحة الحرارية العامة، في أثناء تشغيل كلّ مروحة بسرعات مختلفة.

وكما كان متوقَّعاً، وفّرت مروحة المكتب ذات الشفرات أقوى تبريد. لكن مروحتَي الوجه والرقبة القابلتين للارتداء اقتربتا كثيراً من أداء مروحة المكتب من دون شفرات، ووفّرتا راحة مماثلة لما توفره مروحة ذات شفرات تعمل بسرعة منخفضة.

وأنتجت مروحة الوجه أكبر قدر من التبريد الموضعي، إذ زادت فقدان الحرارة من الوجه بما يصل إلى 7 واط، بينما برَّد كلا الجهازين القابلين للارتداء المستخدمين بما يكفي لإعادة الراحة الحرارية إلى النطاق الطبيعي.

ووفق الباحثين، حقَّق جهاز التبريد الأمامي ذو الشفرات غير القابل للارتداء أكبر تحسُّن في الراحة الحرارية، نظراً إلى أنّ تدفق الهواء القوي الناتج عنه يزيد فقدان الحرارة بالحمل الحراري حول منطقة التنفُّس والجذع. ورغم فاعليته عند السرعات المنخفضة، فإنّ مساحة التبريد الواسعة تزيد خطر التبريد الزائد عند السرعات العالية، ما قد يؤدّي إلى انتقال تأثير التبريد إلى محطات العمل المجاورة.

وأضاف الباحثون أنه، في المقابل، يبرّد جهازا التبريد الأمامي والخلفي القابلان للارتداء مساحة أصغر، ومع ذلك كان التحسُّن في الراحة الحرارية مماثلاً لما حققه جهاز التبريد الأمامي غير القابل للارتداء من دون شفرات.

ويتوافق ذلك مع نتائج سابقة تشير إلى أنّ الوجه والرقبة منطقتان شديدتا الحساسية للحرارة، إذ يؤدّي التبريد الموضعي البسيط إلى تحسينات كبيرة في الراحة الحرارية للجسم بأكمله.

وتشير نتائج الدراسة إلى أنّ المراوح القابلة للارتداء قد تصبح أداة عملية لتقليل استهلاك الطاقة المرتبط بتكييف الهواء في مكاتب العمل، خصوصاً عندما يشغل عدد قليل من الأشخاص مساحة كبيرة.