«خيال بلون الدم»... من أين جاءت وحوش غييرمو ديل تورو؟  

رحلة في ذاكرة مُخرج صاغ كوابيسه بلغة سينمائية متفرّدة

كائنات لا اسم لها تخرج من ذاكرة ديل تورو (فيسبوك)
كائنات لا اسم لها تخرج من ذاكرة ديل تورو (فيسبوك)
TT

«خيال بلون الدم»... من أين جاءت وحوش غييرمو ديل تورو؟  

كائنات لا اسم لها تخرج من ذاكرة ديل تورو (فيسبوك)
كائنات لا اسم لها تخرج من ذاكرة ديل تورو (فيسبوك)

يُقدّم وثائقي «خيال بلون الدم» (Sangre del Toro) رحلة حميمة في ذاكرة أحد أكثر مخرجي السينما المعاصرة فرادةً، المكسيكي غييرمو ديل تورو. السرد محاولة لفتح الأبواب الخلفيّة لعالمه الداخلي، من الطفولة «الكابوسية»، إلى الهواجس الدينية، وافتتانه بالوحوش والأشباح والأجساد الناقصة، وكلّ ما صاغ خياله بلون الدم والظلال.

منذ اللحظات الأولى، يضع ديل تورو نفسه داخل صورة رمزية يُلخّص بها حياته. يقول إنه لا يزال في «متاهته الروحية» التي تُشكِّل عبوره المُتدرِّج نحو المصير. المتاهة عنده فضاء يكتشف فيه المرء ذاته. فبدل أن يسير في طريق واضح ومستقيم، يسير وهو يُفكّر، يتعثَّر بالأسئلة، ويختبر الشكوك على طول المسار. من هنا يُعلن أنّ الفنان الحقيقي لا يصنع أفلامه من أجوبته، وإنما من شكوكه. فالأجوبة نهائية ومُغلَقة، فيما السينما فعل بحث لا ينتهي.

خطوة داخل عالم يصنع فيه ديل تورو وحوشه كما يصنع الآخرون أحلامهم (بوستر الوثائقي)

الوثائقي (نتفليكس) تفكيك لهذه المتاهة. يعود ديل تورو إلى طفولة يعدُّها «أسوأ مرحلة» في حياته. طفولة مُثقلة بالكوابيس، بالخوف المُبكر من المرض والموت والشيخوخة، وبهاجس دائم بأنَّ النهاية قريبة. تعلَّم أن يرى العالم بعيون طفل مُطوَّق بالرعب، لكنه في الوقت نفسه مفتون بالخيال. هنا يُقدّم واحدة من أفكاره المفصلية، فيرى أنّ المسافة بين «بياض الثلج» وقصص الرعب قصيرة جداً، والرعب يمكن أن يغدو شاعرياً وجميلاً إذا رأيناه بعين الطفل. لا بعين الراشد المذعور.

في هذه الرؤية يُقيم عشقه للوحوش. يراها صدى لِما يعتمل في الداخل، ويقول إنها تسكن أذهاننا وأرواحنا. لذا يذهب في أفلامه إلى الأعماق ليقينه بأنّ هذه الكائنات تعيش في داخلنا قبل ظهورها على الشاشة. فمنذ طفولته كان «مهووساً بالوحوش»، يشتري أشكالها البلاستيكية والكائنات الغريبة، يجمعها كأنه يجمع أجزاء من عالمه الداخلي، ويُربيها مثل مَن يُربّي خوفه. أراد أن يكون «صانع وحوش» قبل أن يكون مخرجاً، كأنَّ مهمّته في الحياة أن يمنح هذه الكائنات شكلاً وصوتاً ومعنى.

سينما ديل تورو تولد من الشقوق التي تركها الزمن في الروح (فيسبوك)

يأخذنا الوثائقي إلى متحفه الخاص في مدينة غوادلاخارا، حيث يتجاور مصّاصو الدماء والأشباح والكائنات المُشوَّهة. هناك، تحتضن الرفوف والممرّات مُجسّمات ووجوهاً وعيوناً زجاجية وأعضاء مبتورة، تبدو كأنها خرجت من كوابيسه لتستقرَّ في مكان واحد. هذا المكان يختزل النقطة التي انطلقت منها شخصية ديل تورو الذي هرب إلى الخيال لينجو من الخوف، فحوَّل الرعب إلى مادة ملموسة يمكن ترتيبها وتزيينها ووضعها في صناديق زجاجية. الفنّ، كما يُكرّر، هو «السحر الوحيد القابل للإثبات».

لا يبتعد الفيلم عن جذوره المكسيكية. يؤكّد ديل تورو أنّ المرء لا يستطيع أن يتجرَّد من هويته، فهي تسكنه مهما سافر وتنوَّعت أساليبه. «يمكن للفنان أن يعبُر بأسلوبه بلدان العالم، لكنه يظلُّ يحمل بلده معه في العمق». يتحدَّث عن المكسيك بوصفها بلاداً «مفتونة بالموت»، لا تخشاه لكنها أيضاً ليست مُحصَّنة ضدَّ العنف. في هذا التوتّر بين الألفة مع الموت وشراسة العنف، تتشكَّل حساسيته تجاه الألم والظلم. من هنا تأتي قناعته بأنّ المعاناة تُعلّم الإنسان أكثر من الراحة. فالراحة تجعله جاهلاً، بينما يوقظه الألم ويجعله أكثر وعياً تجاه ذاته والعالم.

تحضُر خلفيته الكاثوليكية في الوثائقي. يُخبر أنّ جدّته كانت تروي له الأساطير، ونتعرَّف إلى علاقته المُبكرة بالأيقونات والرموز والكنائس، وإلى «دفع ثمن الخطيئة بالألم» بكونها جزءاً من التكوين الروحي. هذه الخلفية هي المصدر الأول لافتتانه بالطراز القوطي. بالجدران العالية. بالظلال. بالتماثيل. بالأجساد المصلوبة. هذا كلّه سيُصبح لاحقاً جزءاً من جمالياته السينمائية، من «شكل الماء» إلى «فرنكنشتاين».

صنع وحوشاً كي يفهم نفسه (فيسبوك)

أكثر ما يكشف عنه «خيال بلون الدم» هو ولع ديل تورو بالجسد من الداخل، بما لا نراه عادةً. بالأجنّة، والأعضاء غير المُكتمِلة، والأشياء غير المولودة والأشياء المولودة على نحو خاطئ، والسوائل التي تتسرَّب ثم تنفجر. يعترف بأنّ لديه «افتتاناً مرضيّاً باللحم»، لكنه يربط هذا الافتتان بسؤال أعمق يتعلّق باستطاعة هذه الأشياء أن تُمثّلنا، وكيف يصبح الجنين غير المولود أفضل اختزال للروح، رغم كونه احتمالاً مُعلّقاً وحياة لم تُكتب بعد.

يتحدَّث عن المخرج الإسباني لويس بونويل، ويقرّ بأنّ بعض أفلامه لا تحتمل التفسير. ويشير إلى فنانين مكسيكيين أثّروا فيه، يرون في السينما مساحة للالتباس والدهشة. وفي إحدى محطّات الوثائقي، يعود إلى رواية «فرنكنشتاين» لماري شيلي. يعدُّها أهم ما قرأ، وقد حوَّلها إلى فيلم يرى فيه امتداداً مباشراً لروحه. يقول إنّ هذه الروح «اهتزَّت مع روح الكاتبة بانسجام تام»، وأسئلة الرواية والنسخة الفيلمية التي يُقدّمها تدور حول الظلم والألم والمعرفة التي تجلب معها المعاناة، لكنها معرفة لا يمكن التخلّي عنها. طوال حياته ظلَّ يتساءل عن مصدر روح المخلوق، وهل هي في الرئتين أم في العينين أم في الدماغ؟ سؤال يختصر هاجسه الأساسي عن إنسانية تتجسَّد في كائن مصنوع أو مكسور أو منبوذ.

«خيال بلون الدم» سفر في ذاكرة مُخرج يُقدّم لنا كيف يرى الحياة والسينما معاً، وكيف جعل من طفولته وذاكرته ومتاهته الروحية لغة بصرية متفرّدة. فنان حوَّل خوفه إلى خيال، ورأى في الوحوش رفقاء طريق، وفي الرعب وسيلة لقول الحقيقة بطريقة لا تقولها الأنوار الساطعة.


مقالات ذات صلة

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

يوميات الشرق الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «صوت هند رجب» الأفضل عربياً في استفتاء «نقاد السينما المصريين» (الشركة المنتجة)

«نقاد السينما»: «أبو زعبل 89» و«صوت هند رجب» و«خاطئون» أفضل أفلام 2025

أعلنت جمعية نقاد السينما المصريين، برئاسة الناقد أحمد شوقي، فوز الفيلم الوثائقي المصري «أبو زعبل 89» للمخرج بسام مرتضى بوصفه أفضل فيلم مصري.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

«وقائع زمن الحصار» يرصد معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال

يطرح الفيلم الجزائري «وقائع زمن الحصار» للمخرج والكاتب الفلسطيني عبد الله الخطيب، رؤية سينمائية تنحاز إلى الإنسان العادي في قلب المأساة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

في فيلمه الروائي القصير «نيير»، المشارك ضمن قسم «أجيال» بالدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي. يراهن المخرج على الصمت والمراقبة.

أحمد عدلي (القاهرة)

تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
TT

تمارين قصيرة لعلاج نوبات الهلع

البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)
البرنامج الرياضي تضمَّن تمارين إطالة عضلية (جامعة هارفارد)

كشفت دراسة سريرية برازيلية أن ممارسة تمارين رياضية قصيرة ومتقطعة عالية الشدة يمكن أن تُعد علاجاً فعالاً لنوبات الهلع، دون الحاجة إلى أدوية.

وأوضح الباحثون من جامعة ساو باولو، أن هذه التمارين تتفوق في نتائجها على بعض الأساليب التقليدية المستخدمة في العلاج النفسي، ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Frontiers in Psychiatry».

ونوبات الهلع هي نوبات مفاجئة من خوف شديد وحاد، تظهر دون إنذار واضح، وتبلغ ذروتها خلال دقائق قليلة، وتترافق مع أعراض جسدية قوية، مثل تسارع ضربات القلب، وضيق التنفس، والتعرُّق، والدوار، وألم الصدر، إلى جانب إحساس بفقدان السيطرة أو قرب الموت.

ويُقدَّر أن نحو 10 في المائة من الأشخاص في العالم يمرون بنوبة هلع واحدة على الأقل خلال حياتهم، بينما يعاني ما بين 2 و3 في المائة من السكان من نوبات متكررة وشديدة، تصل إلى حد اضطراب الهلع، وهو حالة نفسية مُنهِكة.

ويعتمد العلاج القياسي لاضطراب الهلع على العلاج السلوكي المعرفي، وقد يرافقه أيضاً مضادات الاكتئاب.

أُجريت الدراسة على 102 رجل وامرأة بالغين تم تشخيصهم باضطراب الهلع، في تجربة سريرية محكومة استمرت 12 أسبوعاً. وقُسِّم المشاركون إلى مجموعتين، خضعت كل منهما لثلاث جلسات أسبوعياً، دون استخدام أي أدوية طوال فترة التجربة.

ومارست المجموعة التجريبية تمارين تضمنت إطالة عضلية، ثم 15 دقيقة مشياً، ثم من 1 إلى 6 فترات للجري عالي الشدة لمدة 30 ثانية، تتخللها فترات تعافٍ نشط، مع إنهاء الجلسة بالمشي.

أما المجموعة الضابطة فخضعت لتمارين استرخاء عضلي موضعي، تُستخدم عادة في العلاج السلوكي المعرفي. وارتدى جميع المشاركين أجهزة لمراقبة المؤشرات الحيوية في أثناء التمارين.

واعتمد الباحثون على مقياس الهلع (PAS) كمؤشر أساسي لقياس التغير في شدة الأعراض خلال 24 أسبوعاً، إضافة إلى مقاييس القلق والاكتئاب، وتقييم ذاتي لتكرار وشدة نوبات الهلع، مع تقييم مستقل من طبيب نفسي لا يعرف نوع العلاج الذي تلقاه كل مشارك.

وأظهرت النتائج تحسناً في كلتا المجموعتين، ولكن التحسُّن كان أكبر وأسرع لدى مجموعة التمارين المكثفة، سواء من حيث انخفاض شدة الأعراض، أو تقليل عدد نوبات الهلع وحدَّتها. كما استمرت الآثار الإيجابية لمدة لا تقل عن 24 أسبوعاً.

وخلص الباحثون إلى أن التمارين القصيرة عالية الشدة تمثل وسيلة أكثر فاعلية من تمارين الاسترخاء في علاج اضطراب الهلع، مع ميزة إضافية هي ارتفاع تقبُّل المرضى واستمتاعهم بها، ما يعزز الالتزام بالعلاج.

وقال الدكتور ريكاردو ويليام موتري، الباحث الرئيسي للدراسة بجامعة ساو باولو: «تظهر دراستنا أن برنامجاً من التمارين المكثفة القصيرة والمتقطعة لمدة 12 أسبوعاً، يمكن استخدامه كاستراتيجية فعالة للتعرُّض الداخلي في علاج مرضى اضطراب الهلع».

وأضاف موتري عبر موقع الجامعة: «يمكن لمقدمي الرعاية الصحية استخدام التمارين المكثفة المتقطعة كوسيلة طبيعية ومنخفضة التكلفة للتعرّض الداخلي، ولا يشترط إجراؤها داخل عيادة طبية، ما يجعلها أقرب إلى حياة المريض اليومية، ويمكن دمجها أيضاً ضمن نماذج علاج القلق والاكتئاب».


هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
TT

هيلين غيريتسن: مهرجان برلين يعيد اكتشاف الأفلام الكلاسيكية

هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)
هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني» (مهرجان برلين)

في مهرجان برلين السينمائي لا تُعرض الأفلام القديمة بدافع الحنين، بل بوصفها جزءاً من نقاش مفتوح حول التاريخ والسياسة والتحولات الاجتماعية، هذا المنظور تتبناه هيلين غيريتسن المديرة الفنية لـ«السينماتيك الألماني»، ورئيسة قسمي «الاستعادات السينمائية» و«كلاسيكيات برليناله» في النسخة الـ76 من المهرجان السينمائي الذي ينطلق من 12 إلى 22 فبراير (شباط) الحالي.

وبهذا الصدد تقول هيلين غيريتسن لـ«الشرق الأوسط» إن البرنامجين ينطلقان من منطق مختلف عن فكرة الاحتفاء بالماضي لمجرد كونه ماضياً؛ فالأفلام المختارة لا تُعرض بوصفها وثائق تاريخية جامدة، بل بوصفها أعمالاً حية قادرة على الحوار مع الحاضر، وإثارة أسئلة معاصرة حول السلطة والهوية والتحولات الاجتماعية.

وأوضحت أن برنامج «كلاسيكيات برليناله» يعتمد على نظام التقديم المفتوح، حيث تستقبل إدارة المهرجان أفلاماً من مؤسسات أرشيفية ودور حفظ التراث السينمائي حول العالم، وهذه الأفلام تكون قد خضعت لعمليات ترميم حديثة، وغالباً ما تُعرض للمرة الأولى عالمياً أو أوروبياً ضمن فعاليات المهرجان، ومن ثم لا يعتمد البرنامج على فكرة واحدة أو موضوع محدد، بل يقوم على عملية مشاهدة دقيقة، واختيار لما تراه مناسباً لجمهور برلين في كل دورة.

وترفض غيريتسن التعامل مع مفهوم الكلاسيكيات بوصفه قائمة مغلقة أو متفقاً عليها مسبقاً، فبرأيها لا ينبغي النظر إلى الكلاسيكيات على أنها أفلام رسخت مكانتها، وانتهى النقاش حولها، بل ترى أن المهرجانات تلعب دوراً أساسياً في إعادة تعريف ما يمكن عده فيلماً كلاسيكيا اليوم، عبر تسليط الضوء على أعمال مهمشة أو منسية، أو لم تحصل في وقتها على التقدير الذي تستحقه.

أما برنامج «الاستعادات»، هذا العام، فينطلق من قراءة تاريخية لمدينة برلين نفسها، فالعاصمة الألمانية بالنسبة لغيريتسن ليست مجرد خلفية جغرافية، بل مدينة شكّلتها تحولات سياسية واجتماعية عميقة، ورغم أن سقوط جدار برلين يظل لحظة مركزية في تاريخها فإن التركيز في البرنامج لا يتوقف عند تلك اللحظة فقط، بل يمتد إلى العقد الذي تلاها، أي تسعينيات القرن الماضي التي تصفها بأنها «فترة مضطربة ومفصلية على مستوى العالم كله.

يشهد المهرجان اختيارات مختلفة ضمن برامجه (إدارة المهرجان)

تؤكد غيريتسن أن تلك المرحلة شهدت تحولات كبرى لم تقتصر على ألمانيا وحدها، بل شملت انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفكك أنظمة سياسية واقتصادية في مناطق واسعة من العالم، مشيرة إلى أن أكثر من 140 مليون إنسان وجدوا أنفسهم فجأة داخل واقع جديد، لكن كل مجموعة عاشت هذه التحولات من زاوية مختلفة وبشروط غير متكافئة.

ففي الغرب، ساد آنذاك اعتقاد واسع بأن الانتقال إلى اقتصاد السوق سيقود تلقائياً إلى الديمقراطية، وهو تصور تصفه غيريتسن اليوم بـ«الساذج»؛ إذ سرعان ما اتضح أن الواقع أكثر تعقيداً وأن النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب الباردة لم يحقق الوعود التي رُوّج لها، وتستحضر في هذا السياق أطروحات مثل تلك التي قدمها فرانسيس فوكوياما حول نهاية التاريخ والتي افترضت أن انتصار الرأسمالية يمثل نهاية الصراعات الكبرى.

وترى غيريتسن أن السينما كانت أكثر وعياً بهذه التعقيدات من الخطاب السياسي السائد آنذاك، خصوصاً في السينما المستقلة والسينما الأميركية السوداء التي عبّرت بوضوح عن خيبة أمل تجاه الوعود الاقتصادية والسياسية التي لم تنعكس على حياة الجميع، لافتة إلى أن كثيراً من أفلام التسعينيات التقطت هذا التوتر مبكرا، وسجلته بلغة سينمائية صريحة.

تحظى الأفلام الكلاسيكية بإقبال لافت في العروض بمهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولا يركز برنامج «الاستعادات» على اسم مخرج بعينه، ولا على نوع سينمائي محدد، بل على روح المرحلة نفسها، فالأفلام المختارة ليست أعمالاً تجارية أو جماهيرية، بل أفلام لمخرجين تعاملوا مع السينما بوصفها أداة لفهم الواقع وليس للهروب منه، وتشترك هذه الأعمال في اهتمامها برصد القلق والتحول والانكسار أكثر من الاحتفاء بالانتصارات أو الشعارات الكبرى.

وعن الحضور العربي داخل برنامج «كلاسيكيات برليناله» توضّح غيريتسن أن الأمر يرتبط أساساً بما يُقدَّم للمهرجان من مواد، فاختيارات البرنامج تعتمد بالكامل على أفلام تصل من مؤسسات أرشيفية وشركاء ترميم، مشيرة إلى أن التواصل التاريخي بين المؤسسات العربية و«برليناله» ظل محدوداً مقارنة بمهرجانات أخرى مثل «كان السينمائي»، حيث ارتبطت كثير من أرشيفات المنطقة بالعالم الفرنكوفوني أكثر من ارتباطها ببرلين.

وتلفت غيريتسن إلى أن السينما العربية الحديثة نسبياً ما زالت في طور بناء مؤسسات حفظ وترميم قوية، مع استثناء واضح لمصر التي تمتلك تاريخاً سينمائياً أطول، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى تطورات إيجابية في السنوات الأخيرة، من بينها استضافة مدينة الرباط مؤتمر الاتحاد الدولي للأرشيفات السينمائية، وهو ما ترى فيه خطوة مهمة نحو تعزيز حضور السينما العربية مستقبلاً.

تتوقف غيريتسن أيضاً عند العلاقة المتنامية بين الجمهور والسينما الكلاسيكية مشيرة إلى أن مهرجانات متخصصة في هذا المجال تشهد إقبالاً متزايداً، خصوصاً من جمهور شاب يبحث عن بدائل للإنتاجات المتشابهة التي تهيمن على المنصات الرقمية، مؤكدة أن السينما الكلاسيكية تقدم إيقاعاً مختلفاً ومساحة أوسع للتأمل في الزمن والشخصيات، لكنها لا تتجاهل التحديات التي تفرضها بعض الأفلام القديمة، خصوصاً تلك التي تحتوي على صور نمطية أو تمثيلات صادمة وفق معايير اليوم، سواء فيما يتعلق بالنساء أم الأقليات أم الشعوب الأخرى.


الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)
الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)
TT

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)
الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي، وفقاً لشهادة الوفاة الصادرة عن إدارة الصحة العامة في مقاطعة لوس أنجليس، والتي نشرها موقع «TMZ» أمس الاثنين.

وذكرت شهادة الوفاة أن سرطان المستقيم كان من الأسباب الكامنة للوفاة، وأن جثمانها أُحرق. وتوفيت أوهارا عن عمر 71 عاماً في 30 يناير (كانون الثاني) في منزلها بلوس أنجليس «بعد مرض لفترة قصيرة».

وفي عام 2020 فازت بجائزة «إيمي» لأفضل ممثلة كوميدية عن دورها «مويرا روز» في «شيتس كريك». كما أدّت دور والدة شخصية كولكين في فيلم «وحدي في المنزل» عام 1990، وشخصية «ديليا ديتز» في جزأين من فيلم «بيتل جوس».

وانضمت أوهارا إلى طاقم مسلسل السخرية الهوليوودي «ذا ستوديو» الذي أطلقه عام 2025 الممثل سيث روغن، مجسّدة شخصية «باتي لي»، المديرة المقالة لاستوديو أفلام في هوليوود.