حصة الفصائل تؤخر حكومة العراق... واسم رئيسها «ليس المشكلة»

دورة حياة «العصائب» تكتمل في 2030... والأميركيون يتفرغون لـ«الحشد»

قادة أحزاب تحالف «الإطار التنسيقي» في العراق يعلنون «الكتلة الأكثر عدداً»... (فيسبوك)
قادة أحزاب تحالف «الإطار التنسيقي» في العراق يعلنون «الكتلة الأكثر عدداً»... (فيسبوك)
TT

حصة الفصائل تؤخر حكومة العراق... واسم رئيسها «ليس المشكلة»

قادة أحزاب تحالف «الإطار التنسيقي» في العراق يعلنون «الكتلة الأكثر عدداً»... (فيسبوك)
قادة أحزاب تحالف «الإطار التنسيقي» في العراق يعلنون «الكتلة الأكثر عدداً»... (فيسبوك)

من بعيد، تبدو الانتخابات العامة التي أُجريت أخيراً في العراق علامة إضافية على رسوخ تقاليد تداول السلطة، لكنها عن قرب لا تتعدى تنافساً بين مؤثرين في السياسة والمال على تدوير السلطة، بينما لا تمثل لعبة اختيار الأسماء المنشودة سوى واجهة تنافس أكثر تعقيداً.

في ندوة للمعهد الملكي البريطاني «تشاتام هاوس»، الأربعاء، ظهر عباس راضي وهو الرجل الذي بات يُوصف بـ«حافظ أسرار» تحالف «الإطار التنسيقي»، منشغلاً بزيادة منسوب التشويق الذي يطغى على الرأي العام بخصوص مرشحي رئاسة الحكومة. لوح بملف برتقالي كان يحمله طوال الأسبوع الماضي، إذ يضم أسماء قيادات شيعية قد تتولى إحداها منصب رئيس الحكومة.

قال راضي: «هناك تسعة مرشحين وسنعرف النهائي الأسبوع المقبل». وفي وسائل الإعلام المحلية أُعيد نشر الأسماء مراراً، وبطرق وتسلسلات مختلفة، لكن الجديد بحسب راضي هو استبعاد مرشحين طلبوا الترشيح عبر الهاتف، «قلنا لهم هذه مسألة محصورة بالقيادات».

جانب من ندوة «تشاتام هاوس» عن مرحلة ما بعد الانتخابات العراقية

المرشحون التسعة

على مدار ساعتين كان راضي، وهو «الأمين العام» للتحالف الشيعي، يعزز الانطباع لمتحدثين آخرين في الندوة، مثل هوشيار زيباري وزير الخارجية العراقي الأسبق، وفيكتوريا تايلور، المساعدة السابقة لوزير الخارجية الأميركي لشؤون العراق وإيران، بأن الأجندة السياسية الجديدة للعراق في منطقة ملتهبة ستبقى سراً أيضاً. قال إن فريقاً يحمل اسم «إدارة المخاطر» أعد برنامج الحكومة سيراعي عموماً «المصلحة العراقية»، والتوازن بين اللاعبين الإقليميين.

وأوحى راضي بأن الفاعلين الشيعة الذين فازوا في الانتخابات الأخيرة منشغلون في المفاضلة بين الأسماء التسعة، والبحث عن أيهم أقرب للتوازن بين القبول المحلي والدولي.

تقول مصادر خاصة، لـ«الشرق الأوسط»، إن الانشغال الحقيقي للقوى الشيعية ينصب حالياً ليس على الأسماء، بل على تشكيل حكومة تضمن مشاركة «آمنة» لجماعات مسلحة تصنفها الولايات المتحدة إرهابية، فازت بعدد وازن من المقاعد في البرلمان الجديد.

لذا، تبدو مسألة الاسم المحفوظ في الملف الأصفر محاولة لكسب الوقت، وفسح المجال أمام ضبط التمثيل الفصائلي في المؤسسات التنفيذية دون مشكلات مع الأميركيين مستقبلاً. تقول مصادر، إن الحكومة لن ترى النور قبل ضمان هذا الأمر.

لا ولاية للسوداني

أنهت فيكتوريا تايلور جولة في العراق، بوصفها خبيرة تستفيد من منصبها السابق ما بين يوليو (تموز) 2023 ويونيو (حزيران) 2025. لقد أجرت في بغداد وأربيل ودهوك، جولة اجتماعات مع مجموعة متنوعة من القادة، بعضهم من «الإطار التنسيقي»، ومن أحزاب سنية، وبالطبع «أصدقاؤها الكرد أيضاً».

كان لافتاً بالنسبة لها، أنها «سمعت إجماعاً حقيقياً داخل النخبة الشيعية حول كيفية اختيار رئيس الوزراء المقبل، وما الرؤية لهذا الرئيس»، لكن «الشخص الوحيد الذي ربما لم يكن جزءاً من هذا الإجماع هو رئيس الوزراء محمد شياع السوداني».

على عكس متحدثين شيعة من أحزاب مثل «الحكمة» التي يقودها عمار الحكيم، فإن تايلور «سمعت من الجميع اتفاقاً واسعاً بأنه لن تكون هناك ولاية ثانية، وأن الإطار التنسيقي كان يشعر بقوة أن رئيس الوزراء لا ينبغي أن تكون له ولاية ثانية، وأنه لا ينبغي أن يمتلك حزباً سياسياً خاصاً به، وأن عليه أساساً أن يُقدّم تعهداً والتزاماً بأنه لن يشكّل حزباً سياسياً».

رغم ذلك، حاول عباس راضي تغيير هذه المقاربة إلى أن «الإطار التنسيقي» لا يشترط على رئيس الحكومة عدم تشكيل حزب سياسي، بل عدم استغلاله لموارد الدولة انتخابياً.

مع أن الحياة السياسية في العراق قائمة على الأدوار التي يقوم بها الأفراد وليس الأجندات السياسية وتفاعل المجموعات أو الأحزاب، لكن «الإطار التنسيقي» يخوض حوارات قد تكون غير واقعية عن «رئيس وزراء يجلس على كرسي متحرك، يُجرى التحكم به عن بُعد»، وهناك لجنة تنظر في مرشحين مناسبين.

كان واضحاً للدبلوماسية الأميركية أن «دور رئيس الوزراء في هذا التصور هو أن يكون منفّذاً لسياسات الإطار التنسيقي، وليس مطوّراً لتلك السياسات. كانت الرؤية لرئيس وزراء مدير عام».

وقالت تايلور: «أعتقد أن الإطار التنسيقي ربما كان يعتقد أن الشخص الذي اختاروه في البداية، وتقصد السوداني، هو الشخص نفسه الذي يبحثون عنه اليوم، لكن بالطبع هذا ليس ما حدث في النهاية».

عباس راضي الأمين العام لتحالف «الإطار التنسيقي»... (تشاتام هاوس)

مسار معقد

لوح راضي بالملف الأصفر مرة أخرى، وقال إنه «لم يبح بكل الأسرار بعد». بالنسبة لرئيس الوزراء المنتظر فإنه «يجب أن يحترم القبول الوطني، بحيث لا يكون شخصاً مسيئاً أو مستفزاً للكرد والسنة والجهات الأخرى، وأن يحقق المصلحة الدولية بمعنى أنه لا ينبغي أن تكون له مشكلات مع المجتمع الدولي».

يضيف راضي: «لسنا مع فرض شروط تأتي من الخارج، بل هي معادلة أن يكون رئيس الوزراء فعالاً ولديه رؤية للتعاون الخارجي، وألا يكون عدائياً للبيئة الدولية».

من وجهة نظره، فإن العملية التي يراقبها راضي عن قرب داخل مطبخ الإطار التنسيقي ستكون سريعة، لكن المعلومات تفيد بأن تشكيل الحكومة الحالية يمر بمسار معقد وطويل نسبياً.

لكن مصادر خاصة تقول إن «على القوى الشيعية، أولاً، أن تجد حلاً لتكييف وضع الفصائل المعاقبة أميركياً داخل الحكومة الجديدة؛ حتى تضمن مشاركتها من دون عواقب». وتضيف: «بعد ذلك، تأتي الخطوات اللاحقة، تمرير المرشح والصفقة على اللاعبين الآخرين، النجف، والتيار الصدري، وإيران، قبل اكتشاف ردود الفعل الأخرى».

فيكتوريا تايلور المساعدة السابقة لوزير الخارجية الأميركي لشؤون العراق وإيران (تشاتام هاوس)

دورة حياة «العصائب»

لكن «السؤال الكبير»، من وجهة نظر فيكتوريا تايلور، هو مدى استعداد الولايات المتحدة لفرض شرط بأن الجماعات المرتبطة بهذه التنظيمات لن تكون جزءاً من عملية تشكيل الحكومة.

تميل الدبلوماسية الأميركية إلى الاعتقاد أن «عصائب أهل الحق، التي حققت نتائج ممتازة في الانتخابات، هي الجماعة التي تمثل المشكلة الكبرى في هذا السياق»، لكنها تعترف بأنه «من الصعب على الإطار التنسيقي استبعاد حزب لديه هذا المستوى من النجاح وما يزال مؤثراً سياسياً».

لم تكن تايلور متأكدة إلى أي «مدى ستكون الولايات المتحدة مستعدة لفرض مثل هذا الشرط على عملية تشكيل الحكومة»، لكن مصادر موثوقة تشير إلى أن «المفاوضين داخل الإطار التنسيقي الذين لا يرغبون بالتخلص أبداً من قيس الخزعلي ويقدمون له خدمات سياسية تساعده على التحول من زعيم ميليشيا إلى رئيس حزب سياسي، يعملون بجد على إنضاج صيغ تجنب العصائب مفاجآت ترمب».

تقول المصادر إن «الصيغة الأكثر ترجيحاً بالنسبة لوضع العصائب هي توكيل حصصهم في الحكومة إلى أشخاص مستقلين يعملون لدى الحركة مقاولين»، هذه العملية بالنسبة للخزعلي ليست جديدة عليه، لكنها تغطي ما تبقى من الفترة الانتقالية التي يحتاج إليها لإكمال دورة التحول من ميليشيا إلى شيء آخر. يقول مقربون منه إنه يفكر الآن «بانتخابات 2030، إذ ستكتمل دورة حياة الفصيل بوصفه حزباً مكتمل النمو».

وزير الخارجية العراقي الأسبق هوشيار زيباري (تشاتام هواس)

برلمان الفصائل المسلحة

«لقد رأيتُ هذا الفيلم من قبل»، يقول وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري ليخالف توقعات عباس راضي المتفائلة عن «سرعة العملية». بالنسبة للرجل فإن «الكثير من التقلبات تأتي في الطريق، وهناك مفاجآت».

تبدو مطالب الكرد مكررة؛ «الموازنة، قانون النفط والغاز، إصلاح قانون الانتخابات، حكومة اتحادية جديدة مستندة إلى الدستور». وعن قضايا أخرى مثل «تطبيع الوضع في قضاء سنجار (شمال غربي الموصل)، ملف المفقودين، والمناطق المتنازع عليها»، يمكن أن تذهب إلى لجان ثنائية.

ويأمل زيباري تشكيل «حكومة جيدة، مقبولة، ببرنامج عملي، كي يتمكّن العراق من تجاوز هذه الصعوبات». لكنه لا يرى المسار سهلاً. يقول إنه «أكثر تعقيداً بكثير، لأننا نعيش في منطقة تشهد تصعيداً إقليمياً متزايداً، والعراق جزء من هذا».

يقول زيباري: «الولايات المتحدة سترسل وفوداً رفيعة المستوى إلى العراق قريباً، وكذلك إلى إقليم كردستان. بالتأكيد، هم لا يريدون الانخراط مباشرة في تشكيل الحكومة، فهذا شأن عراقي بحت، لكن رأيهم يظل مهماً للجميع، دون أن ننسى رأي إيران أيضاً».

ويرصد زيباري «إشارات تحذيرية في هذه الانتخابات، إذ يتخوف بعض الأصدقاء (إشارة إلى الأميركيين) من تركيبة البرلمان الجديد».

بالفعل، حققت الكتل الشيعية عموماً طفرة نسبية في عدد المقاعد، لكن فصائل مسلحة مثل «كتائب حزب الله» و«عصائب أهل الحق» و«منظمة بدر» ضاعفت تمثيلها التشريعي إلى أكثر من 50 مقعداً.

الحال، أن فيكتوريا تايلور سمعت في بغداد «اعترافاً أوسع من أي وقت مضى بأن رئيس الوزراء المقبل سيحتاج لاتخاذ خطوات أكثر حسماً تجاه الفصائل». وترى أن «القادة الشيعة لا يزالون يأخذون في الاعتبار العلاقة بالولايات المتحدة».

ثنائية الحشد والفصائل

تتوقع الدبلوماسية الأميركية «وجود فهم لخطوط واشنطن الحمراء، ورغبة في اختيار مرشح يكون مقبولاً لكل من الولايات المتحدة وإيران، وقادراً على تنفيذ سياسة خارجية توازن بين هاتين القوتين».

لكن الاهتمام بمسألة سلاح الفصائل، فهو من وجهة نظر تايلور «يعود إلى الضغط الذي مارسته إدارة ترمب منذ توليها السلطة، والذي جعل هذه القضية حاضرة بقوة في الوعي العراقي العام، بعدّها أمراً سيحتاج لمعالجة من قبل الحكومة المقبلة ورئيس الوزراء المقبل».

مع ذلك، لم تسمع تايلور «أي توضيح واضح لكيفية معالجة ذلك، وكيف سيجري التمييز بين الحشد الشعبي ككل، وتلك الفصائل داخله التي تُوصف بأنها ميليشيات خارجة عن القانون، والتي صنفتها الولايات المتحدة جماعات إرهابية»، لكنها مسألة ستكون أولوية كبرى في الفترة المقبلة.


مقالات ذات صلة

اقتراع تاريخي لانتخاب أول برلمان بمنطقة حكم ذاتي مسلمة في الفلبين

آسيا فلبينية تقف أمام عدسات المصورين بعد الإدلاء بصوتها في إحدى بلدات إقليم بانغسامورو جنوب الفلبين الاثنين (أ.ب)

اقتراع تاريخي لانتخاب أول برلمان بمنطقة حكم ذاتي مسلمة في الفلبين

شهد إقليم بانغسامورو، المسلم المتمتع بالحكم الذاتي في الفلبين، إدلاء الناخبين بأصواتهم الاثنين في اقتراع تاريخي لانتخاب أول برلمان.

«الشرق الأوسط» (ماراوي (الفلبين))
أوروبا مؤيدون للمرشحة الرئاسية مارين لوبن قبل خطاب انتخابي في هينان - بومون - شمال فرنسا 13 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

استطلاع: الفرنسيون متشائمون ويتوقعون «تغييراً حقيقياً» تنتجه انتخابات الرئاسة

قبل 7 أشهر من الانتخابات الرئاسية، أعرب الفرنسيون عن تشاؤمهم حيال وضع البلاد، وأكدوا أنهم يتوقعون «تغييراً اجتماعياً وسياسياً حقيقياً» عبر الانتخابات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ أشخاص يتجمعون أمام مبنى محكمة اتحادية عقب جلسة استماع في دعوى قضائية بهدف منع تنفيذ الأمر التنفيذي الذي أصدره ترمب لتشديد القواعد المتعلقة بالتصويت عبر البريد (رويترز)

قاضٍ ثانٍ يعرقل مسعى ترمب لتقييد التصويت عبر البريد

 اتخذ قاضٍ اتحادي ثانٍ قراراً يمنع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من تنفيذ قاعدة جديدة من هيئة البريد تهدف إلى تشديد شروط التصويت البريدي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس يجلس على مقاعد الحكومة في «البوندستاغ» الألماني أثناء مداولات الميزانية الفيدرالية لعام 2027 (د.ب.أ)

حزب المستشار الألماني يفوز بانتخابات سكسونيا السفلى و«البديل» يحل ثالثاً

أصبح الحزب المسيحي الديمقراطي، الذي يتزعمه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، مجدداً أقوى قوة في انتخابات المحليات بولاية سكسونيا السفلى.

«الشرق الأوسط» (هانوفر )
أوروبا ملصق للحزب الاشتراكي الديمقراطي أمام البرلمان السويدي قبيل الانتخابات العامة في استوكهولم (رويترز)

السويد تجري انتخابات قد تفتح المجال لوصول اليمين المتطرف إلى الحكومة

يصوِّت السويديون، اليوم (الأحد)، في انتخابات من شأنها إما أن تدخل حزباً من اليمين المتطرف إلى الحكومة للمرة الأولى، أو أن تعيد البلاد إلى مسار الليبرالية.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم )

وزير التربية السوري لمجلس الشعب: لدينا خطتان للتعليم... طارئة واستراتيجية

جلسة مجلس الشعب الأحد توافق على استقالة عضو المجلس مضر حمدان (صفحة المجلس)
جلسة مجلس الشعب الأحد توافق على استقالة عضو المجلس مضر حمدان (صفحة المجلس)
TT

وزير التربية السوري لمجلس الشعب: لدينا خطتان للتعليم... طارئة واستراتيجية

جلسة مجلس الشعب الأحد توافق على استقالة عضو المجلس مضر حمدان (صفحة المجلس)
جلسة مجلس الشعب الأحد توافق على استقالة عضو المجلس مضر حمدان (صفحة المجلس)

استأنف مجلس الشعب السوري، الاثنين، جلسته الثالثة بالاستماع لوزير التربية محمد تركو والرد على أسئلة الأعضاء المتعلقة بملف التعليم، كما كان مقرراً، وقال تركو إن لدى وزارته خطتين؛ طارئة لتأمين التعليم لكل طفل في سوريا، وخطة استراتيجية ‏لتطوير منظومة التعليم. ‏

وأشار الوزير إلى أنه قبل التحرير كان عدد الطلاب 4 ملايين و300 ألف، والعام الماضي ‏وصل العدد إلى 5 ملايين و300 ألف طالب، متوقعاً وصول عدد الطلاب في العام الحالي ‏إلى 6 ملايين.‏ وأرجع الزيادة إلى عودة اللاجئين وعودة المتسربين إلى ‏المدارس.‏

 

ويواجه قطاع التعليم تحديات معقدة، ترتبط بخصوصية كل منطقة من المناطق السورية، وفق ما كشفت عنه مداخلات أعضاء المجلس، ففي حين يعاني المعلمون في اللاذقية سوء توزيع في الكادر التدريسي تعاني الرقة غياب تجهيزات المدارس والكتاب المدرسي، في حين تعاني الحسكة المشكلات الناجمة عن الدمج، ودير الزور دماراً كاملاً في البنية التحتية للمدارس.

 

وفي مناطق أخرى، هناك معاناة من التسرب المدرسي، وعدم القدرة على الاستيعاب في المدارس، ويقدر عدد المتسربين بمليوني طالب، لأسباب اقتصادية ‏واجتماعية، إضافة إلى عدم توفر المدارس في عدد من المناطق.‏ وفق الوزير.

وخلال العام الحالي، تم افتتاح 134 مدرسة في حلب، و50 مدرسة في إدلب، ونستعد ‏لفتح 37 مدرسة في حماة.‏ كما تم ترميم 3857 مدرسة، وحالياً يجري ترميم 704 مدارس، وفي هذا ‌‏العام تم إدخال 212 مدرسة جديدة إلى المنظومة التعليمية.

 

اجتماع المكتب الرئاسي لمجلس الشعب والموافقة على جلسة استماع وزير الطاقة (صفحة المجلس)

في شأن آخر، فرضت الاحتجاجات الشعبية على رفع أسعار المحروقات في سوريا نفسها على الجلسة الثالثة ضمن الدورة الاستثنائية لمجلس الشعب، وطلب أكثر من خمسين عضواً من رئاسة المجلس الاستماع إلى وزير الطاقة لتوضيح حيثيات قرار رفع أسعار المحروقات، وأعلن المجلس، الاثنين، أنه وافق على عقد جلسة استماع لوزير الطاقة الخميس المقبل.

 

صورة متداولة للاحتجاجات على رفع أسعار مشتقات النفط في إدلب (فيسبوك)

وتحت ضغط الانتقادات الحادة الموجهة للحكومة عقدت لجنة الطاقة في مجلس الشعب اجتماعاً، الأحد، وخلصت إلى طلب جلسة الاستماع إلى وزير الطاقة لمناقشة نشرة أسعار المشتقات النفطية ‏الجديدة والظروف والانعكاسات التي رافقتها؛ وذلك استناداً إلى المادة (30) من الإعلان ‏الدستوري، وعملاً بأحكام المادة (168) من النظام الداخلي لمجلس الشعب.‏

وكانت وزارة الطاقة، قد أكدت أن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية في سوريا، «مؤقت»، لضمان استمرار الإمدادات ‌‏وتوافر المادة في السوق ‏المحلية، موضحة أن الارتفاع سببه ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين عالمياً بسبب الأحداث الإقليمية، بالتزامن مع عَمرة ‌‏مصفاتي بانياس وحمص.

وكانت أعمال مجلس الشعب السوري، الأحد، قد بدأت بمناقشة طلب استقالة النائب المعين عن اللاذقية مضر حمدان، وقال نائب رئيس لجنة الشؤون الدبلوماسية نوار نجمة لـ«الشرق الأوسط»، إن المجلس وافق على الاستقالة مع التحفظ على جمل ومفردات وردت في طلب الاستقالة، كما تمت مناقشة موازنة المجلس.

 

جلسة مجلس الشعب الأحد توافق على استقالة عضو المجلس مضر حمدان (صفحة المجلس)

وقدم النائب عن اللاذقية مضر حمدان طلب استقالته في أغسطس (آب) الماضي، بعد موجة استياء واسعة أثارها تعيينه ضمن حصة رئيس الجمهورية؛ وذلك لاتهامه بتمجيد النظام السابق ومناهضة الثورة السورية.

وكان من المتوقع مناقشة المجلس لمشاريع ثلاثة قوانين تتعلق بمحكمة الإرهاب والأحكام الصادرة عنها، والتي تمت إحالتها من رئاسة الجمهورية، حسب جدول أعمال الجلسة الثالثة، إلا أن مشاريع القوانين الثلاثة أحيلت إلى اللجنة المختصة للتدقيق. وفق نوار نجمة.

وتتضمن مشاريع القوانين، إلغاء قانون في عهد النظام السابق، وهو إحداث محكمة مختصة بقضايا الإرهاب رقم /22/ لعام 2012، واقتراح تولي مجلس القضاء الأعلى إلغاء مفاعيل الأحكام الصادرة عن محكمة قضايا الإرهاب، بما في ذلك رد الممتلكات المصادرة بموجبها، مع حفظ الدعاوى القائمة أمامها أو إحالتها إلى المرجع القضائي المختص، حسب الحالة.

ومن المشروعات التي تنتظر المناقشة، مشروع قانون إعفاء الأشخاص الذين استعادوا أموالهم التي سبق وتمت مصادرتها بموجب أحكام قضائية صادرة عن محاكم الإرهاب والمحاكم العسكرية، منذ 2011 حتى إطاحة النظام السابق 2024، من الضرائب والرسوم والتكاليف المترتبة على عملية إعادة نقل الملكية إليهم.

وذلك بالإضافة إلى مشروع تعديل المادة /1/ من القانون رقم /20/ لعام 2012، المتعلقة بتسريح وحرمان كل عامل من حقوقه التقاعدية متى ثبتت إدانته بحكم قضائي بأي عمل إرهابي. واقتراح إبقاء على عقوبة التسريح في حال صدور حكم قضائي قطعي بالإدانة، مع حذف النص المتعلق بحرمان المدان من حقوقه التقاعدية، إضافة إلى إلغاء المادتين الثانية والثالثة من القانون.

إلى جانب الجلسة الرئيسية، عقد مكتب مجلس الشعب الاجتماع الأول مع رؤساء اللجان الدائمة في المجلس، بحضور رؤساء اللجان الست والعشرين؛ لبحث آليات العمل البرلماني وتنظيم مهام اللجان خلال المرحلة المقبلة. وجرى الاتفاق على جدول وآلية العمل، وتنظيم مسار استقبال مشاريع ومقترحات القوانين، ودراستها ومناقشتها وإحالتها إلى المجلس وفق الأصول المعتمدة.


وقف تزويد الوقود يزيد آلام القطاع الصحي في غزة

خدّج في مستشفى «الشفاء» بغزة أُخرجوا من الحضانات بعد انقطاع الكهرباء في نوفمبر 2023 (رويترز)
خدّج في مستشفى «الشفاء» بغزة أُخرجوا من الحضانات بعد انقطاع الكهرباء في نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

وقف تزويد الوقود يزيد آلام القطاع الصحي في غزة

خدّج في مستشفى «الشفاء» بغزة أُخرجوا من الحضانات بعد انقطاع الكهرباء في نوفمبر 2023 (رويترز)
خدّج في مستشفى «الشفاء» بغزة أُخرجوا من الحضانات بعد انقطاع الكهرباء في نوفمبر 2023 (رويترز)

صُدم القائمون على إدارة عدد من منشآت القطاع الصحي في غزة، بإبلاغهم رسمياً من قبل منظمة الصحة العالمية بوقف تزويد المستشفيات والمراكز الصحية بالوقود، بسبب نقص التمويل، ليضاف ذلك إلى أزمات طرأت مؤخراً بفعل نقص الزيوت والفلاتر المستخدمة للمركبات ومولدات الكهرباء.

وقال منير البرش مدير عام وزارة الصحة بغزة، خلال تصريح صحافي مقتضب، إنهم تلقوا إشعاراً رسمياً من قِبل «الصحة العالمية»، بوقف تزويد أكثر من 20 مستشفى ومركزاً صحياً بالوقود، بدءاً من التاسع عشر من الشهر الحالي، مشيراً إلى أن الرسالة أشارت إلى «نقص في التمويل» تعاني منه المنظمة الأممية.

وأكد محمد أبو عفش، مدير الإغاثة الطبية في قطاع غزة، تلقيهم الرسالة نفسها من منظمة الصحة العالمية، مشيراً إلى أن القرار يشمل 13 مستشفى، و7 مراكز صحية. مبيناً أن ذلك سيضاعف من خطورة الأوضاع الصحية مع بداية فصل الشتاء الذي ينذر بكوارث بيئية وصحية وانتشار للأمراض في ظل تفاقم أزمات النفايات وتلوث المياه، وتضرر مراكز الإيواء والخيام.

ولفت أبو عفش في إفادة لصحافيين محليين بغزة خلال لقاء لاطلاعهم على الأوضاع، إلى أن الاستمرار في تقييد الإمدادات سواء بالوقود أو إدخال الزيوت وقطع الغيار والمولدات الكهربائية لمدة أطول، يهدد بتوقف كامل للخدمات الصحية، وشلل المنظومة الطبية بالقطاع.

نازح فلسطيني يجلس على الرمال بين بقايا خيمته التي دُمّرت عقب غارة جوية إسرائيلية استهدفت مستودعاً للإمدادات والمستلزمات الطبية والأدوية بالقرب من مستشفى «شهداء الأقصى» في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة في الأول من أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

وبيّن أن المؤسسات الصحية والمستشفيات، بما فيها مراكز الإغاثة الطبية السبعة والعيادات المتنقلة المنتشرة في غزة وشمالها وجنوبها، تعتمد بشكل كامل على المولدات لتدبير احتياجاتها الكهربائية.

وأكد أبو عيش أن أسعار هذه المستلزمات في الأسواق، إن وُجدت، باتت خيالية ومستحيلة الشراء؛ ما أدى لتعطل كثير من المولدات، وتقليص الخدمات الصحية للمواطنين.

وفي السياق نفسه، حذرت وزارة الصحة في قطاع غزة من كارثة إنسانية تتهدد المنظومة الصحية في أعقاب القرار الجديد لمنظمة الصحة العالمية، مشيرةً إلى أن القرار يستهدف 13 مؤسسة صحية أهلية تعد شريكاً وركيزة أساسية للمنظومة الصحية في ظل استمرار حالة الطوارئ.

وأوضح مدير عام الشؤون الإدارية في الوزارة. محمود حماد، بتصريح صحافي له، أن هذا القرار ينعكس بشكل خطير ومباشر على تقديم خدمات الرعاية الصحية، لا سيما الخدمات الحيوية والمنقذة للأرواح التي تقدمها هذه المؤسسات، وفي مقدمتها خدمات الجراحة والولادة ورعاية الجرحى والمصابين الذين يتم تحويلهم ونقلهم إليها باستمرار؛ ما ينذر بوقوع كارثة إنسانية محققة في قطاع غزة.

وشدد حماد على أن حماية واستدامة عمل هذه المؤسسات هو حق كفلته القوانين والأعراف الدولية، داعياً المنظمات الدولية والجهات المعنية إلى التدخل الفوري والتراجع عن هذا الإجراء لمنع تدهور الأوضاع وحماية أرواح المرضى والمصابين من خطر الموت المحقق.

وقف المواصلات

يأتي ذلك على وقع إعلان نقابة أصحاب شركات الباصات «الحافلات» العامة في قطاع غزة، عن تعليق خدمة نقل الأطباء والممرضين والكوادر الطبية، يوم الأربعاء المقبل، إلى جميع أماكن عملهم في المستشفيات والمراكز الطبية، بما فيها الحكومية والدولية، احتجاجاً على استمرار عدم الاستجابة لمناشدات النقابة لتوفير قطع غيار الحافلات، بما فيها الإطارات والزيوت ومواد الصيانة الأساسية، وبعد استنفاد جميع الإمكانات المتاحة لضمان استمرار الخدمة.

وأكدت النقابة أن هذا الإجراء اضطراري وخارج عن إرادتها، نتيجة عدم توفر مستلزمات التشغيل والصيانة اللازمة لضمان سلامة الحافلات واستمرار الخدمة.

وقالت وزارة الصحة بغزة، إن هذا التوقف المفاجئ يشكل تهديداً مباشراً للخدمات الصحية داخل المستشفيات، نظراً لتعذر وصول الأطباء والممرضين والفنيين إلى أماكن عملهم؛ ما ينعكس على جودة ورعاية المرضى، ويضاعف الضغط على الطواقم الموجودة حالياً؛ ما ينذر بتوقف أقسام حيوية خدماتها المنقذة للحياة.

مرضى فلسطينيون في مستشفى بخان يونس ينتظرون إجلاءهم من قطاع غزة فبراير الماضي (أ.ف.ب)

وأشارت إلى أن شح المواصلات العامة، وارتفاع تكاليف التشغيل الفردي يجعلان من المستحيل استدامة وصول الموظفين بجهود شخصية، مطالبةً جميع المؤسسات الدولية، والجهات المعنية، والمنظمات الإنسانية بالتدخل الفوري لتوفير الزيوت، وقطع الغيار، والوقود اللازم لإعادة تشغيل أسطول النقل الطبي دون أي تأخير. وقالت: إن الاستهتار بالمتطلبات التشغيلية البسيطة للمنظومة الصحية هو حكم مباشر بالإعدام على الرعاية الصحية المقدمة للمواطنين.

ورأت أن استمرار أزمة نقص زيوت المولدات الكهربائية في المستشفيات يزيد صعوبة استمرار تشغيلها لتغطية الاحتياج اليومي من الكهرباء، مبينةً أن ما سُمح بإدخاله من كميات محدودة من الزيوت خلال الفترة الماضية، هي ضمن كميات إسعافية لا تلبي إجراءات التشغيل والمتابعات الفنية المطلوبة، مشيرةً إلى أن كثيراً من المولدات الكهربائية في المستشفيات بحاجة عاجلة إلى تغيير الزيوت، والتأخير في ذلك يعرضها إلى تعقيدات فنية وميكانيكية قد تؤدي إلى توقفها.

وبينت أن الاحتياج الشهري من زيوت المولدات الكهربائية يصل إلى 2500 لتر، مشيرةً إلى أن الأيام القليلة الماضية شهدت توقف عمل عدد من المولدات الكهربائية نتيجة عدم توفر الزيوت وقطع الغيار وكميات الوقود الكافية، وأن ما تبقى من مولدات كهربائية في المستشفيات يعمل على مدار الساعة في ظروف فنية وميكانيكية صعبة لا تستطيع تغطية احتياج الأقسام الحيوية والمنقذة للحياة.

وتأتي هذه الأعباء على واقع قطاع الصحة، في ظل ظروف ميدانية معقدة مع استمرار العدوان الإسرائيلي على القطاع. وأعلن عن انتشال جثة فلسطيني بعدما أصابته آليات إسرائيلية عند الخط الأصفر جنوب خان يونس، مساء الأحد.

فلسطيني يحمل طفلاً أصيب بغارة إسرائيلية قتلت والديه في مستشفى «شهداء الأقصى» بدير البلح وسط قطاع غزة في 15 يوليو 2026 (رويترز)

وأصيب 10 فلسطينيين، ظهر الاثنين، إثر غارة جوية من طائرة مسيرة إسرائيلية استهدفت خيمة في مخيم للنازحين بالقرب من مستشفى الوفاء وسط مدينة غزة، بينما أصيب غزي بقصف سطح منزل قرب مجمع «الشفاء» الطبي بالمدينة نفسها، وسبق ذلك بوقت قصير، استهداف شابين بشكل مباشر قرب مدخل الزوايدة وسط القطاع؛ ما أدى لإصابتهما بجروح خطيرة، نُقلا على إثرها لمستشفى «شهداء الأقصى»، بينما أصيب 8 آخرون على الأقل في غارة سبقت ذلك، واستهدفت خيمة في مواصي خان يونس جنوب القطاع، ووُصفت بعض الإصابات بأنها حرجة وخطيرة من قبل المصادر الطبية الرسمية.


رسائل أردنية مشفّرة في مواجهات استفزازات إسرائيلية مستمرة

فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

رسائل أردنية مشفّرة في مواجهات استفزازات إسرائيلية مستمرة

فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

عاد مصطلح «الأردن أولاً» إلى لسان الرسميين الأردنيين، وذلك أمام استفزازات إسرائيلية مستمرة، وتهديد مستمر بدفع خيار تهجير سكان من الضفة الغربية نحو الأردن، وهو ما كانت عمّان قد اعتبرته سابقاً بـ«بمثابة إعلان حرب». ويأتي ذلك في وقت تثير فيه دعوات اليمين المتطرف في إسرائيل إلى أن يكون الأردن «وطناً بديلاً للفلسطينيين» قلقاً بين الرسميين في الأردن حيال مستقبل العلاقة مع دولة الاحتلال. وفي هذا الإطار تقول مصادر مطّلعة تحدثت إليها «الشرق الأوسط» إن استمرار اعتداء المستوطنين على الفلسطينيين العُزّل في الضفة يُعتبر أداة إسرائيلية من أدوات «التهجير الناعم، أو الطوعي».

وفي تصريحات غير مسبوقة لشخصية أمنية بوزن مدير المخابرات الأردنية، قال اللواء أحمد حسني، السبت الماضي، إن «الملك عبد الله الثاني يؤمن بكل فرد أردني، وإن كلمة الملك في كل المواضيع الأردن أولاً». وفي مواجهة حملات تستهدف «الوحدة الوطنية»، وتسعى إلى بث التفرقة عبر حسابات مجهولة على منصات التواصل الاجتماعي، شدد حسني على دور العشائر الأردنية التي وصفها بأنها «أساس المرحلة الأولى من بناء المملكة»، مضيفاً أنه «لا تزال تُشكل، بعاداتها وقيمها، قدوة للأردنيين».

ويرى مراقبون في عمّان أن رسالة مدير المخابرات موجهة للخارج بالدرجة الأساسية. فهي تأتي وسط تحديات أمنية على الحدود الشمالية مع سوريا، والشرقية مع العراق، والغربية مع دولة الاحتلال، وبالتزامن مع حرب حسابات إلكترونية تقودها على الأرجح إسرائيل، وتستهدف «دق أسافين» داخل المملكة، والغمز من قناة الأصول، والمنابت، والحقوق، والواجبات داخل التركيبة الاجتماعية. وخلاصة القول في الرسالة الأردنية «المشفرة» تتمثّل في استعادة شخصية شعار «الأردن أولاً»، بوصفه الشعار الذي يعيد تنظيم أولويات المملكة الأردنية في جميع المراحل، وأمام كل التحديات.

الملك عبد الله الثاني يستقبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس في عمّان في فبراير الماضي (أ.ف.ب)

و«الأردن أولاً» شعار أطلقه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بعد تسلمه سلطاته الدستورية في فبراير (شباط) عام 1999، مشكلاً لجنة سياسية عام 2002 بهدف تعريف مفهوم الأردن أولاً، وتحديد مضامينه، ومبادئه، لخدمة الوطن، وتعزيز مسيرته، ورسم خريطة إصلاحات شاملة تعكس الأولويات الوطنية، مع ضرورة الحفاظ على مبادئ «الهوية الوطنية الأردنية»، دون إغفال أولوية الحل العادل للقضية الفلسطينية على أساس إقامة الدولة الفلسطينية على ترابها الوطني، وعاصمتها القدس، وهو أمر يعتبره الأردن «مصلحة عليا» للبلاد، مشدداً على أنه لا حلول على حسابه.

وفتحت تلك المبادرة الباب على تحقيق شروط ومكتسبات المواطنة المتساوية، من وجهة نظر البعض، لكن نشأ من بين جناحي اللجنة في حينه ما عرف بتيار «الحقوق المنقوصة»، وهو تيار يتبنى مطالب بـ«الحقوق الكاملة لجميع الأردنيين من شتى الأصول، والمنابت». لكن بالتزامن أيضاً بدأت تتشكل مواقف شعبية تقول بضرورة «الاستدارة إلى الداخل»، باعتبار أن المصالح الأردنية الخالصة تتقدم على بقية الأولويات. وهذا تيار أصبح واضح المطالب، والأهداف.

وتزامن كل ذلك مع أحداث الانتفاضة الثانية في فلسطين، والتداعيات المصاحبة للاقتحام الإسرائيلي للمسجد الأقصى بقيادة رئيس الوزراء الأسبق أرييل شارون في سبتمبر عام 2000.

تهديدات إسرائيلية تأخذها عمان بجدية

بؤرة استيطانية إسرائيلية شمال جنين بالضفة الغربية يوم 12 سبتمبر (إ.ب.أ)

أمام تاريخ من العلاقات «المتوترة» بين عمّان وتل أبيب، منذ توقيع معاهدة السلام عام 1994، وانقطاع خطوط الاتصال سياسياً بين الجانبين خلال السنوات الأخيرة، ومع استمرار قنوات التواصل الأمني التي تحافظ عليها المؤسسات الأمنية الإسرائيلية مع نظيرتها الأردنية، بحسب مصادر مختلفة، فإن عمّان تتعامل بحذر مع سياسات اليمين المتطرف الإسرائيلي التي تنتهج سياسة مصادرة أراضي الفلسطينيين، وتنفذ خطط توسيع رقعة الاستيطان، وتحاول فرض أمر واقع جديد. وفي ظل ارتفاع وتيرة الاقتحامات للمسجد الأقصى، والحرم القدسي، والتضييق على الفلسطينيين عبر تقطيع أوصال الضفة الغربية بالحواجز، والسعي إلى تنفيذ سياسات تهجير الفلسطينيين طوعاً، أو قسراً، فإن الأردن الرسمي يخشى من تداعيات الإجراءات الإسرائيلية الأحادية.

وهنا تبرز قضية وجود أكثر من نصف مليون فلسطيني يقيمون في مناطق الضفة الغربية، ويحملون الجنسية الأردنية، وتهدد حكومة تل أبيب بدفعهم نحو الأردن، تحت سياسة تستهدف تأجيل خطر الانفجار الديموغرافي لصالح الفلسطينيين، والذي تخشاه إسرائيل. وتحدثت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» عن أن بنوداً من معاهدة السلام الأردنية - الإسرائيلية تمنع تل أبيب من تنفيذ أي سياسات تهجير قسري لسكان الضفة الغربية. وكان وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، قال في بداية العدوان الإسرائيلي على غزة بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 «إن معاهدة السلام مع إسرائيل هي وثيقة موضوعة على الرف يعلوها الغبار». ورغم ملاحظات أبداها أعضاء من فريق الرئيس دونالد ترمب على الصفدي على خلفية مواقفه المتشددة حيال دولة الاحتلال، فإنّ الصفدي ما زال في موقعه، وعلى مواقفه، بدعم واضح من العاهل الأردني.

وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي (د.ب.أ)

ولأن الأردن الرسمي لا يثق بالحكومة الإسرائيلية، فإن عمّان تعتبر محاولات تل أبيب فرض أمر واقع في الجنوب السوري خطراً أمنياً مضاعفاً، وسط اتهامات رسمية لقوى درزية مدعومة إسرائيلياً بأنها «ورثت خطوط إنتاج المخدرات، ومصانع كانت تحت سيطرة ميليشيات إيرانية وأخرى تابعة لـ(حزب الله) اللبناني في مناطق الجنوب السوري زمن النظام السابق». وبالفعل شهدت الأيام الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في عدد عمليات تهريب المخدرات على الحدود مع سوريا التي تحبطها قوات حرس الحدود.

ويزيد من المخاوف الرسمية الأردنية قدرة حكومة اليمين المتطرف، بقيادة بنيامين نتنياهو، على التأثير في القرار الأميركي من خلال العمل في الكواليس، لا سيما لجهة مصادرة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس لصالح لجنة دولية تستطيع تل أبيب من خلالها فرض سياسات جديدة تساهم في تحقيق أهداف اليمين المتطرف. وسجّلت التقديرات الرسمية في الأردن أن دولة الاحتلال دخلت في دوامات التطرف من خلال الصمت الرسمي على استهداف المستوطنين للفلسطينيين في مدنهم، وقراهم.

الحركة الإسلامية على جدول حسابات الأردن

عناصر من الجيش الأردني (رويترز - أرشيفية)

ارتدّت فكرة جدية التهديدات الإسرائيلية على مراكز القرار في عمّان، إذ تباينت مواقفها من الحركة الإسلامية (جماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة وذراعها الحزبي الذي تغيّر اسمه تحت ضغط رسمي إلى حزب «الأمة» بدل حزب «جبهة العمل الإسلامي»). فثمة اتجاهات تدعو إلى عدم التصعيد مع الحركة الإسلامية التي تستحوذ إلى حد كبير على مزاج الشارع الأردني، وذلك تحت غطاء قدرتها على الاستعراض الشعبي في رفض سياسات دولة الاحتلال، وانسجام موقف بعض قياداتها من الحمائم مع الموقف الرسمي.

وعلى عكس الاتجاه السائد، والاعتقاد بأن المرحلة فرضت تصفية التيار الإسلامي، وحل جماعة «الإخوان»، واعتبارها محظورة في البلاد، لكن آراء مؤثرة على مستوى صناعة القرار قالت بضرورة «التهدئة مرحلياً» مع حزب «الأمة»، و«تسكين» القضايا المرفوعة على قيادات بتهم وجرائم اقتصادية.

وفي حسابات المخاوف الرسمية، بحسب ما استمعت إليه «الشرق الأوسط» من مصادر مطلعة، فإن المزاج الأردني سريع التأثر بما تنشره منصات التواصل الاجتماعي، ومن دون التحقق من مصادر حسابات وهمية تسعى إلى إثارة الفتن. وتوضح هذه المصادر أن هناك خوفاً من أن يصدق بعض المواطنين إشاعات تضرب على عصب محلي حساس يتعلق ببث الفتن على أساس من الأصول، والمنابت، ومخاوف طبقات اجتماعية واسعة على مكتسبات محدودة. وتابعت أن عمّان أدركت قدرات تل أبيب على تحريك جيوش من الحسابات الوهمية لضرب المجتمعات من الداخل، وإضعاف الثقة بين الشارع والمؤسسات الرسمية.

والحركة الإسلامية في الأردن (مصطلح يطلق اختصاراً على جماعة «الإخوان»، وحزب «الأمة»)، تعرف جيداً التعاطي مع الإعلام، ولعلها الحزب الأكبر الذي يحظى بشعبية جارفة على منصات التواصل الاجتماعي. وهي بذلك قد تساهم بدور حاسم في مواجهة حسابات خارجية وهمية. وفي هذا السياق، فإن مؤثرين في مراكز صناعة القرار قالوا بفكرة «عدم التصعيد ضد الحركة الإسلامية، مع إبداء جانب من الاحتواء». فإلى جانب غياب الحديث عن قضايا تم تحريكها ضد قيادات من الحركة على خلفية اتهامات بجرائم اقتصادية، فإن مطّلعين تحدثوا عن سيناريوهات «لم تُحسم بعد» تقضي بـ«توفر فرص التقارب بين الحركة والحكومة»، وهو ما كان واضحاً خلال الدورة الاستثنائية النيابية التي انتهت مطلع الشهر الحالي. فقد قطف نواب حزب «الأمة» شعبية مضاعفة نتيجة انتقاداتهم اللاذعة لتشريعات أُقرت بنواب الأغلبية الرسمية، ما وضع النواب المحسوبين على الخط الرسمي في حَرج بعد انقلاب الحكومة على قرارات لها دعمت مواقف نواب حزب «الأمة» الـ(31) في مجلس النواب الحالي.

عزاء وتصريحات

يوم السبت الماضي وقع حادث سير على الطريق الصحراوي الذي يربط العاصمة بمحافظات الجنوب. وتسبب في وفاة أربعة من الشباب المنتسبين لخدمة العلم خلال عودتهم من معسكرات التدريب (مكلفين)، ليرتفع العدد إلى 7 يوم الاثنين، ومع أن الحادث وقع بين شاحنة وحافلة للنقل العام، وهو مشهد متكرر على الطريق الصحراوي بسبب مخالفات، وتجاوزات سائقين، لكن تعاطفاً شعبياً واسعاً قادته منصات التواصل الاجتماعي مشارِكة بالعزاء، ودعم أسر المتوفين.

وكان ولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبد الله الثاني أعلن العام الماضي عن عودة خدمة العلم ليبدأ العمل باستقبال من وقع عليهم الاختيار من الشباب مطلع العام الحالي، ضمن شروط ومعايير وضعتها القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي).

وفي عزاء أحد الشبان الأربعة أدلى مدير المخابرات الأردني اللواء أحمد حسني، وإلى جانبه رئيس هيئة الأركان المشتركة اللواء مجدي الحراسيس، بتصريحات غير مسبوقة، قائلاً إن الملك عبد الله الثاني «يؤمن بكل فرد أردني»، وإن كلمة الملك في كل المواضيع هي «الأردن أولاً»، قاصداً التذكير بتماسك الأردنيين، ووحدتهم أمام المخاطر، والتحديات التي تواجه بلدهم. والمقصود من كل الرسائل الرسمية مواجهة حملات تستهدف «الوحدة الوطنية»، وتسعى إلى بث الفتن عبر حملات مجهولة على منصات التواصل الاجتماعي.