حصة الفصائل تؤخر حكومة العراق... واسم رئيسها «ليس المشكلة»

دورة حياة «العصائب» تكتمل في 2030... والأميركيون يتفرغون لـ«الحشد»

قادة أحزاب تحالف «الإطار التنسيقي» في العراق يعلنون «الكتلة الأكثر عدداً»... (فيسبوك)
قادة أحزاب تحالف «الإطار التنسيقي» في العراق يعلنون «الكتلة الأكثر عدداً»... (فيسبوك)
TT

حصة الفصائل تؤخر حكومة العراق... واسم رئيسها «ليس المشكلة»

قادة أحزاب تحالف «الإطار التنسيقي» في العراق يعلنون «الكتلة الأكثر عدداً»... (فيسبوك)
قادة أحزاب تحالف «الإطار التنسيقي» في العراق يعلنون «الكتلة الأكثر عدداً»... (فيسبوك)

من بعيد، تبدو الانتخابات العامة التي أُجريت أخيراً في العراق علامة إضافية على رسوخ تقاليد تداول السلطة، لكنها عن قرب لا تتعدى تنافساً بين مؤثرين في السياسة والمال على تدوير السلطة، بينما لا تمثل لعبة اختيار الأسماء المنشودة سوى واجهة تنافس أكثر تعقيداً.

في ندوة للمعهد الملكي البريطاني «تشاتام هاوس»، الأربعاء، ظهر عباس راضي وهو الرجل الذي بات يُوصف بـ«حافظ أسرار» تحالف «الإطار التنسيقي»، منشغلاً بزيادة منسوب التشويق الذي يطغى على الرأي العام بخصوص مرشحي رئاسة الحكومة. لوح بملف برتقالي كان يحمله طوال الأسبوع الماضي، إذ يضم أسماء قيادات شيعية قد تتولى إحداها منصب رئيس الحكومة.

قال راضي: «هناك تسعة مرشحين وسنعرف النهائي الأسبوع المقبل». وفي وسائل الإعلام المحلية أُعيد نشر الأسماء مراراً، وبطرق وتسلسلات مختلفة، لكن الجديد بحسب راضي هو استبعاد مرشحين طلبوا الترشيح عبر الهاتف، «قلنا لهم هذه مسألة محصورة بالقيادات».

جانب من ندوة «تشاتام هاوس» عن مرحلة ما بعد الانتخابات العراقية

المرشحون التسعة

على مدار ساعتين كان راضي، وهو «الأمين العام» للتحالف الشيعي، يعزز الانطباع لمتحدثين آخرين في الندوة، مثل هوشيار زيباري وزير الخارجية العراقي الأسبق، وفيكتوريا تايلور، المساعدة السابقة لوزير الخارجية الأميركي لشؤون العراق وإيران، بأن الأجندة السياسية الجديدة للعراق في منطقة ملتهبة ستبقى سراً أيضاً. قال إن فريقاً يحمل اسم «إدارة المخاطر» أعد برنامج الحكومة سيراعي عموماً «المصلحة العراقية»، والتوازن بين اللاعبين الإقليميين.

وأوحى راضي بأن الفاعلين الشيعة الذين فازوا في الانتخابات الأخيرة منشغلون في المفاضلة بين الأسماء التسعة، والبحث عن أيهم أقرب للتوازن بين القبول المحلي والدولي.

تقول مصادر خاصة، لـ«الشرق الأوسط»، إن الانشغال الحقيقي للقوى الشيعية ينصب حالياً ليس على الأسماء، بل على تشكيل حكومة تضمن مشاركة «آمنة» لجماعات مسلحة تصنفها الولايات المتحدة إرهابية، فازت بعدد وازن من المقاعد في البرلمان الجديد.

لذا، تبدو مسألة الاسم المحفوظ في الملف الأصفر محاولة لكسب الوقت، وفسح المجال أمام ضبط التمثيل الفصائلي في المؤسسات التنفيذية دون مشكلات مع الأميركيين مستقبلاً. تقول مصادر، إن الحكومة لن ترى النور قبل ضمان هذا الأمر.

لا ولاية للسوداني

أنهت فيكتوريا تايلور جولة في العراق، بوصفها خبيرة تستفيد من منصبها السابق ما بين يوليو (تموز) 2023 ويونيو (حزيران) 2025. لقد أجرت في بغداد وأربيل ودهوك، جولة اجتماعات مع مجموعة متنوعة من القادة، بعضهم من «الإطار التنسيقي»، ومن أحزاب سنية، وبالطبع «أصدقاؤها الكرد أيضاً».

كان لافتاً بالنسبة لها، أنها «سمعت إجماعاً حقيقياً داخل النخبة الشيعية حول كيفية اختيار رئيس الوزراء المقبل، وما الرؤية لهذا الرئيس»، لكن «الشخص الوحيد الذي ربما لم يكن جزءاً من هذا الإجماع هو رئيس الوزراء محمد شياع السوداني».

على عكس متحدثين شيعة من أحزاب مثل «الحكمة» التي يقودها عمار الحكيم، فإن تايلور «سمعت من الجميع اتفاقاً واسعاً بأنه لن تكون هناك ولاية ثانية، وأن الإطار التنسيقي كان يشعر بقوة أن رئيس الوزراء لا ينبغي أن تكون له ولاية ثانية، وأنه لا ينبغي أن يمتلك حزباً سياسياً خاصاً به، وأن عليه أساساً أن يُقدّم تعهداً والتزاماً بأنه لن يشكّل حزباً سياسياً».

رغم ذلك، حاول عباس راضي تغيير هذه المقاربة إلى أن «الإطار التنسيقي» لا يشترط على رئيس الحكومة عدم تشكيل حزب سياسي، بل عدم استغلاله لموارد الدولة انتخابياً.

مع أن الحياة السياسية في العراق قائمة على الأدوار التي يقوم بها الأفراد وليس الأجندات السياسية وتفاعل المجموعات أو الأحزاب، لكن «الإطار التنسيقي» يخوض حوارات قد تكون غير واقعية عن «رئيس وزراء يجلس على كرسي متحرك، يُجرى التحكم به عن بُعد»، وهناك لجنة تنظر في مرشحين مناسبين.

كان واضحاً للدبلوماسية الأميركية أن «دور رئيس الوزراء في هذا التصور هو أن يكون منفّذاً لسياسات الإطار التنسيقي، وليس مطوّراً لتلك السياسات. كانت الرؤية لرئيس وزراء مدير عام».

وقالت تايلور: «أعتقد أن الإطار التنسيقي ربما كان يعتقد أن الشخص الذي اختاروه في البداية، وتقصد السوداني، هو الشخص نفسه الذي يبحثون عنه اليوم، لكن بالطبع هذا ليس ما حدث في النهاية».

عباس راضي الأمين العام لتحالف «الإطار التنسيقي»... (تشاتام هاوس)

مسار معقد

لوح راضي بالملف الأصفر مرة أخرى، وقال إنه «لم يبح بكل الأسرار بعد». بالنسبة لرئيس الوزراء المنتظر فإنه «يجب أن يحترم القبول الوطني، بحيث لا يكون شخصاً مسيئاً أو مستفزاً للكرد والسنة والجهات الأخرى، وأن يحقق المصلحة الدولية بمعنى أنه لا ينبغي أن تكون له مشكلات مع المجتمع الدولي».

يضيف راضي: «لسنا مع فرض شروط تأتي من الخارج، بل هي معادلة أن يكون رئيس الوزراء فعالاً ولديه رؤية للتعاون الخارجي، وألا يكون عدائياً للبيئة الدولية».

من وجهة نظره، فإن العملية التي يراقبها راضي عن قرب داخل مطبخ الإطار التنسيقي ستكون سريعة، لكن المعلومات تفيد بأن تشكيل الحكومة الحالية يمر بمسار معقد وطويل نسبياً.

لكن مصادر خاصة تقول إن «على القوى الشيعية، أولاً، أن تجد حلاً لتكييف وضع الفصائل المعاقبة أميركياً داخل الحكومة الجديدة؛ حتى تضمن مشاركتها من دون عواقب». وتضيف: «بعد ذلك، تأتي الخطوات اللاحقة، تمرير المرشح والصفقة على اللاعبين الآخرين، النجف، والتيار الصدري، وإيران، قبل اكتشاف ردود الفعل الأخرى».

فيكتوريا تايلور المساعدة السابقة لوزير الخارجية الأميركي لشؤون العراق وإيران (تشاتام هاوس)

دورة حياة «العصائب»

لكن «السؤال الكبير»، من وجهة نظر فيكتوريا تايلور، هو مدى استعداد الولايات المتحدة لفرض شرط بأن الجماعات المرتبطة بهذه التنظيمات لن تكون جزءاً من عملية تشكيل الحكومة.

تميل الدبلوماسية الأميركية إلى الاعتقاد أن «عصائب أهل الحق، التي حققت نتائج ممتازة في الانتخابات، هي الجماعة التي تمثل المشكلة الكبرى في هذا السياق»، لكنها تعترف بأنه «من الصعب على الإطار التنسيقي استبعاد حزب لديه هذا المستوى من النجاح وما يزال مؤثراً سياسياً».

لم تكن تايلور متأكدة إلى أي «مدى ستكون الولايات المتحدة مستعدة لفرض مثل هذا الشرط على عملية تشكيل الحكومة»، لكن مصادر موثوقة تشير إلى أن «المفاوضين داخل الإطار التنسيقي الذين لا يرغبون بالتخلص أبداً من قيس الخزعلي ويقدمون له خدمات سياسية تساعده على التحول من زعيم ميليشيا إلى رئيس حزب سياسي، يعملون بجد على إنضاج صيغ تجنب العصائب مفاجآت ترمب».

تقول المصادر إن «الصيغة الأكثر ترجيحاً بالنسبة لوضع العصائب هي توكيل حصصهم في الحكومة إلى أشخاص مستقلين يعملون لدى الحركة مقاولين»، هذه العملية بالنسبة للخزعلي ليست جديدة عليه، لكنها تغطي ما تبقى من الفترة الانتقالية التي يحتاج إليها لإكمال دورة التحول من ميليشيا إلى شيء آخر. يقول مقربون منه إنه يفكر الآن «بانتخابات 2030، إذ ستكتمل دورة حياة الفصيل بوصفه حزباً مكتمل النمو».

وزير الخارجية العراقي الأسبق هوشيار زيباري (تشاتام هواس)

برلمان الفصائل المسلحة

«لقد رأيتُ هذا الفيلم من قبل»، يقول وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري ليخالف توقعات عباس راضي المتفائلة عن «سرعة العملية». بالنسبة للرجل فإن «الكثير من التقلبات تأتي في الطريق، وهناك مفاجآت».

تبدو مطالب الكرد مكررة؛ «الموازنة، قانون النفط والغاز، إصلاح قانون الانتخابات، حكومة اتحادية جديدة مستندة إلى الدستور». وعن قضايا أخرى مثل «تطبيع الوضع في قضاء سنجار (شمال غربي الموصل)، ملف المفقودين، والمناطق المتنازع عليها»، يمكن أن تذهب إلى لجان ثنائية.

ويأمل زيباري تشكيل «حكومة جيدة، مقبولة، ببرنامج عملي، كي يتمكّن العراق من تجاوز هذه الصعوبات». لكنه لا يرى المسار سهلاً. يقول إنه «أكثر تعقيداً بكثير، لأننا نعيش في منطقة تشهد تصعيداً إقليمياً متزايداً، والعراق جزء من هذا».

يقول زيباري: «الولايات المتحدة سترسل وفوداً رفيعة المستوى إلى العراق قريباً، وكذلك إلى إقليم كردستان. بالتأكيد، هم لا يريدون الانخراط مباشرة في تشكيل الحكومة، فهذا شأن عراقي بحت، لكن رأيهم يظل مهماً للجميع، دون أن ننسى رأي إيران أيضاً».

ويرصد زيباري «إشارات تحذيرية في هذه الانتخابات، إذ يتخوف بعض الأصدقاء (إشارة إلى الأميركيين) من تركيبة البرلمان الجديد».

بالفعل، حققت الكتل الشيعية عموماً طفرة نسبية في عدد المقاعد، لكن فصائل مسلحة مثل «كتائب حزب الله» و«عصائب أهل الحق» و«منظمة بدر» ضاعفت تمثيلها التشريعي إلى أكثر من 50 مقعداً.

الحال، أن فيكتوريا تايلور سمعت في بغداد «اعترافاً أوسع من أي وقت مضى بأن رئيس الوزراء المقبل سيحتاج لاتخاذ خطوات أكثر حسماً تجاه الفصائل». وترى أن «القادة الشيعة لا يزالون يأخذون في الاعتبار العلاقة بالولايات المتحدة».

ثنائية الحشد والفصائل

تتوقع الدبلوماسية الأميركية «وجود فهم لخطوط واشنطن الحمراء، ورغبة في اختيار مرشح يكون مقبولاً لكل من الولايات المتحدة وإيران، وقادراً على تنفيذ سياسة خارجية توازن بين هاتين القوتين».

لكن الاهتمام بمسألة سلاح الفصائل، فهو من وجهة نظر تايلور «يعود إلى الضغط الذي مارسته إدارة ترمب منذ توليها السلطة، والذي جعل هذه القضية حاضرة بقوة في الوعي العراقي العام، بعدّها أمراً سيحتاج لمعالجة من قبل الحكومة المقبلة ورئيس الوزراء المقبل».

مع ذلك، لم تسمع تايلور «أي توضيح واضح لكيفية معالجة ذلك، وكيف سيجري التمييز بين الحشد الشعبي ككل، وتلك الفصائل داخله التي تُوصف بأنها ميليشيات خارجة عن القانون، والتي صنفتها الولايات المتحدة جماعات إرهابية»، لكنها مسألة ستكون أولوية كبرى في الفترة المقبلة.


مقالات ذات صلة

أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال يؤدي اليمين الدستورية

آسيا باليندرا شاه (35 عاماً) لدى وصوله لحضور مراسم أداء اليمين لأعضاء البرلمان النيبالي المنتخبين حديثاً في البرلمان الاتحادي في كاتماندو بنيبال 26 مارس 2026 (إ.ب.أ)

أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال يؤدي اليمين الدستورية

أدى أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال اليمين الدستورية لتولي مهام منصبه، بعد شهور من إسقاط الحكومة السابقة إثر احتجاجات بقيادة متظاهرين شباب.

«الشرق الأوسط» (كاتماندو)
المشرق العربي علم العراق معلقًا فوق الأنقاض في موقع مُدمَّر داخل قاعدة الحبانية العسكرية غرب البلاد (أ.ف.ب)

التصعيد الإقليمي يحرك دعوات لحل البرلمان العراقي

طالبت جماعة ضغط عراقية بحل البرلمانين الاتحادي في بغداد والإقليمي في أربيل والذهاب إلى انتخابات مبكرة خلال 6 أشهر

فاضل النشمي (بغداد)
الولايات المتحدة​ الديمقراطية إميلي غريغوري الفائزة في انتخابات خاصة الثلاثاء في ولاية فلوريدا الأميركية (متداولة) p-circle 01:21

ديمقراطية تفوز بانتخابات خاصة في معقل ترمب بولاية فلوريدا

فازت المرشحة الديمقراطية إميلي غريغوري في انتخابات خاصة جرت الثلاثاء في ولاية فلوريدا الأميركية، لتقلب دائرة تشريعية كانت تُعد معقلاً للجمهوريين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا رئيسة وزراء الدنمارك الاشتراكية الديمقراطية ميته فريدريكسن (أ.ب)

الدنمارك: فريدريكسن «مستعدة» للاستمرار في رئاسة الحكومة رغم تراجع اليسار

قالت الاشتراكية الديمقراطية، ميته فريدريكسن، إنها «مستعدة لتولي» منصب رئيسة وزراء الدنمارك مجدداً.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
أوروبا أشخاص يقفون داخل مركز اقتراع في نوك بغرينلاند (رويترز) p-circle

انتخابات تشريعية في الدنمارك... رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن الأوفر حظاً

يُدلي الدنماركيون، اليوم (الثلاثاء)، بأصواتهم في انتخابات برلمانية يُتوقع أن تضمن لرئيسة الوزراء الاشتراكية الديمقراطية ميته فريدريكسن ولاية ثالثة على التوالي.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)

محاولات عراقية لحصر «قرار الحرب بيد الدولة»

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)
أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)
TT

محاولات عراقية لحصر «قرار الحرب بيد الدولة»

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)
أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

كشفت مصادر أمنية عراقية عن تطور لافت في مسار التحقيقات المرتبطة بهجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت مواقع دبلوماسية وأمنية في البلاد، في وقت تتصاعد فيه الضغوط السياسية والقانونية لحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة.

وقال مصدر أمني مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «معلومات بشأن مطلقي الصواريخ والمسيّرات بدأت تتوافر لدى الجهات الرسمية»، موضحاً أن هذه المعطيات «تم الحصول عليها بعد اعتقال ثلاثة عناصر ينتمون إلى أحد الفصائل المسلحة، صدرت بحقهم مذكرات توقيف».

وأضاف أن «قوة أمنية اعتقلت أيضاً مجموعة أخرى يُشتبه في ضلوعها بالهجمات التي استهدفت السفارة الأميركية في بغداد».

ورجح المصدر العراقي «صدور المزيد من مذكرات القبض بحق آخرين توافرت معلومات بشأن خرقهم للقوانين، على خلفية شن هجمات باستخدام الصواريخ والمسيرات».

تحذيرات القضاء

وبينما لم تعلن الحكومة رسمياً أسماء الجهات المسؤولة عن تلك الهجمات، فإن فصائل مسلحة دأبت على تبني عمليات مماثلة عبر بيانات أو منصات رقمية، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويضعف قدرة الدولة على ضبط السلاح خارج إطارها الرسمي.

وجاءت هذه المعلومات في أعقاب تحذير أطلق رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان من «تداعيات خطيرة» بسبب انفراد بعض الفصائل وجهات غير رسمية بقرارات ذات طابع عسكري، معتبراً أن ذلك يمثل خرقاً صريحاً للدستور ويعرّض البلاد لمخاطر العزلة الدولية والعقوبات.

وأوضح زيدان أن إعلان حالة الحرب يخضع لآلية دستورية محددة تتطلب موافقة ثلثي البرلمان بناءً على طلب مشترك من رئيسي الجمهورية والوزراء.

وتعكس هذه التطورات احتدام التوتر بين الدولة والفصائل المسلحة، في ظل مساعٍ لإعادة فرض سلطة المؤسسات الرسمية، خصوصاً مع تزايد الانتقادات الداخلية والخارجية بشأن تعدد مراكز القرار الأمني، واستمرار الهجمات التي تهدد البعثات الدبلوماسية وتفاقم الضغوط على العراق في محيطه العربي والدولي.

وفي سياق أوسع من التحديات التي يواجهها العراق، وصف مسؤولون ما يجري بانخراط غير مباشر في «جغرافية الحرب» الإقليمية، مع تكرار الهجمات على مواقع مرتبطة بالوجود الأميركي، سواء في بغداد أو أربيل، بالتوازي مع ضربات جوية استهدفت مواقع عسكرية داخل البلاد.

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تستهدف هجمات تتبناها فصائل عراقية المصالح الأميركية. وتنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية إيرانية معارضة موجودة في شمال العراق، فيما تتعرّض مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات تنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل.

حريق مشتعل خارج محيط سفارة الولايات المتحدة في المنطقة الخضراء المحصنة ببغداد في 17 مارس 2026 (أ.ف.ب)

قرار الحرب

سياسياً، تتصاعد الدعوات داخل العراق لتأكيد حصرية قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الدستورية. وأكد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أن الحكومة «هي الجهة الوحيدة المخولة بهذا القرار»، رغم أنها تعمل حالياً بصفة تصريف أعمال بعد التغيرات البرلمانية الأخيرة.

وأكدت وزارة الخارجية العراقية رفض الحكومة القاطع لأي اعتداء أو استهداف يطول دول الخليج، مشددة على تضامنها الكامل مع الدول الشقيقة، وحرصها على أمنها واستقرارها، انطلاقاً من أن أمن الخليج «لا يتجزأ من الأمن القومي العراقي»، وأن استقرار المنطقة يمثل مصلحة مشتركة لجميع شعوبها.

وكانت السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر والأردن قد أدانت الاعتداءات التي تشنها فصائل مسلحة موالية لإيران من العراق على دول في المنطقة ومنشآتها وبنيتها التحتية، مما يشكل خرقاً للقوانين والمواثيق الدولية.

جانب من الدمار جرّاء غارة على مستوصف عسكري في غرب العراق (أ.ف.ب)

سلاسل الطاقة

إلى ذلك، جدد رئيس الجمهورية عبد اللطيف جمال رشيد، الجمعة، موقف البلاد الرسمي الرافض للحرب، معرباً عن بالغ القلق من اتساع دائرة الصراع في المنطقة، وحثّ على الوقف «الفوري» للأعمال العسكرية، واعتماد الحوار سبيلاً لحل الأزمات بين الأطراف المتنازعة.

وشدّد الرئيس العراقي، في اتصال هاتفي أجراه مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، على أن استمرار الحرب لا يخدم مصالح أي من دول المنطقة، بل يهدد الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

وأشار إلى أن العراق، شعباً وحكومةً، يدعو إلى السلام، ويعبّر عن تضامنه مع الشعب الإيراني الصديق، مثمّناً صموده في مواجهة «الاعتداءات».

وفي جنيف، جددت ممثلية جمهورية العراق لدى مكتب الأمم المتحدة، الجمعة، التأكيد بأن توسيع رقعة النزاع الدائر في المنطقة سيؤدي إلى تعميق الأزمات، وتقويض الاستقرار فيها.

وحذر جعفر محمد، السكرتير الثاني للممثل الدائم لجمهورية العراق لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف، من التداعيات الاقتصادية جراء عرقلة سلاسل إمداد الطاقة عبر مضيق هرمز، وتأثيرها على بلدان العالم بأسره.


«حزب الله» يعلن اشتباكه مع قوات إسرائيلية داخل قريتين في جنوب لبنان

لبناني يشاهد دماراً لحق بأحد المنازل في السكسكية بجنوب لبنان (أ.ب)
لبناني يشاهد دماراً لحق بأحد المنازل في السكسكية بجنوب لبنان (أ.ب)
TT

«حزب الله» يعلن اشتباكه مع قوات إسرائيلية داخل قريتين في جنوب لبنان

لبناني يشاهد دماراً لحق بأحد المنازل في السكسكية بجنوب لبنان (أ.ب)
لبناني يشاهد دماراً لحق بأحد المنازل في السكسكية بجنوب لبنان (أ.ب)

أعلن «حزب الله» اللبناني، الجمعة، خوضه اشتباكات مباشرة مع قوات إسرائيلية في قريتين بجنوب لبنان قرب الحدود مع إسرائيل، التي تواصل شنّ غارات على مناطق عدة أوقعت ستة قتلى على الأقل، وفق وزارة الصحة.

وطالت الحرب في الشرق الأوسط لبنان في 2 مارس (آذار) بعدما أطلق «حزب الله» صواريخ على الدولة العبرية، رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في أول أيام الهجوم الأميركي الإسرائيلي. وتردّ إسرائيل بشنّ غارات واسعة النطاق على لبنان وتوغل قواتها في جنوبه.

وأورد «حزب الله»، في بيان، أن مقاتليه اشتبكوا «مع قوات جيش العدو الإسرائيلي في بلدتي البياضة وشمع من مسافة صفر بالأسلحة الخفيفة والمتوسّطة»، تزامناً مع تبنيه تنفيذ هجمات على مواقع وبلدات إسرائيلية حدودية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

جندي إسرائيلي يقف بجوار مدفع هاوتزر ذاتي الحركة في الجليل الأعلى قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

وتقع بلدة البياضة الساحلية المجاورة لشمع على بُعد ثمانية كيلومترات من الحدود مع إسرائيل.

وتتوغل القوات الإسرائيلية داخل العديد من البلدات في جنوب لبنان، حيث أعلن مسؤولون إسرائيليون عزمهم إقامة منطقة أمنية تمتد حتى نهر الليطاني، أي لمسافة ثلاثين كيلومتراً من حدودها، من أجل إبعاد مقاتلي «حزب الله» وحماية سكان مناطقها الشمالية.

وشنّت إسرائيل، الجمعة، سلسلة غارات على مناطق عدة خصوصاً في جنوب لبنان، وفق ما أوردت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية في لبنان. وأسفرت إحداها على بلدة السكسكية في قضاء صيدا عن مقتل «أربعة مواطنين وإصابة ثمانية بجروح» في حصيلة أولية، أوردتها وزارة الصحة.

وكانت إسرائيل قد استهدفت فجراً منطقة تحويطة الغدير في ضاحية بيروت الجنوبية، من دون إنذار مسبق، ما أسفر عن مقتل شخصين، وفق وزارة الصحة.

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي آفي دفرين، الجمعة، إن «(حزب الله) ما زال ينشط ويشن هجمات من جنوب لبنان» بخلاف ما أعلنته الحكومة اللبنانية في وقت سابق عن نزع سلاحه.

وأضاف: «إذا لم تنزع الحكومة اللبنانية سلاح (حزب الله)، فسيفعل الجيش الإسرائيلي ذلك».

وبعد نحو أربعة أسابيع من الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل، حذّر المدير الإقليمي للجنة الدولية للصليب الأحمر نيكولاس فون أركس، الجمعة، من أن «الوضع الإنساني يزداد سوءاً، والمدنيون، كالعادة، يدفعون الثمن الأغلى» في لبنان.

وقال بعد لقائه الرئيس اللبناني جوزيف عون: «يجب حماية المدنيين أينما كانوا، سواء بقوا في منازلهم أو أُجبروا على الفرار».

وأجبرت الحرب أكثر من مليون شخص على النزوح من منازلهم، وفق السلطات، التي أحصت مقتل أكثر من ألف شخص منذ بدء الحرب.


إسرائيل تدير سياسة ترحيل للفلسطينيين في الضفة الغربية على طريقة دير ياسين

فلسطينيون يتفقدون منزلاً متضرراً في قرية الفندقومية بالضفة الغربية جنوب جنين بعد هجوم المستوطنين الإسرائيليين 22 مارس 2026 (إ.ب.أ)
فلسطينيون يتفقدون منزلاً متضرراً في قرية الفندقومية بالضفة الغربية جنوب جنين بعد هجوم المستوطنين الإسرائيليين 22 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تدير سياسة ترحيل للفلسطينيين في الضفة الغربية على طريقة دير ياسين

فلسطينيون يتفقدون منزلاً متضرراً في قرية الفندقومية بالضفة الغربية جنوب جنين بعد هجوم المستوطنين الإسرائيليين 22 مارس 2026 (إ.ب.أ)
فلسطينيون يتفقدون منزلاً متضرراً في قرية الفندقومية بالضفة الغربية جنوب جنين بعد هجوم المستوطنين الإسرائيليين 22 مارس 2026 (إ.ب.أ)

بعد تفاقم اعتداءات ميليشيات المستوطنين اليهود على المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية، وذلك في ظل حماية الجيش الإسرائيلي وفي بعض الأحيان بمشاركة جنوده، كشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن الإدارة الأميركية توجهت باحتجاج رسمي.

وقالت مصادر مطلعة إن نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، بنفسه أثار هذا الموضوع، وأجرى مكالمة ساخنة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حول الموضوع.

وأكدت المصادر لصحيفة «يسرائيل هيوم» اليمينية، أن السفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل لايتر، أبلغ وزارة الخارجية بأن اعتداءات المستوطنين باتت موضوعاً أساسياً في المجتمع الأميركي، وتثير غضباً وانتقادات واسعة ضد إسرائيل في الولايات المتحدة، لدرجة أنه لم يعد بإمكان مسؤولين في إدارة ترمب الصمت عنه. وقال إن موجة الكراهية لإسرائيل هناك تتفاقم منذ اندلاع الحرب على غزة، قبل أكثر من سنتين، وتتصاعد في الأسابيع الأخيرة بسبب ما يتعرض له الفلسطينيون من اعتداءات مسلحة دامية.

فلسطينيون يتفقدون الأضرار في قرية دير الحطب بالضفة الغربية بعد هجوم مستوطنين 23 مارس 2026 (إ.ب.أ)

وقال مسؤولون في الإدارة الأميركية خلال محادثاتهم مع نظرائهم في إسرائيل، مؤخراً، إن إسرائيل تتعامل مع إرهاب المستوطنين كدولة فاشلة وعاجزة، وتسمح باستمرار اعتداءات المستوطنين.

وشدد أحد المسؤولين الأميركيين على أنه «لا يعقل أن دولة قادرة على إدخال صاروخ بدقة فائقة في نافذة مبنى في منطقة نائية في هرمز، لا تنجح في القبض على مجموعة كبيرة من مواطنيها الذين يرتكبون أعمال تخريب بحق جيرانهم»، حسبما ذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم»، الجمعة. وبحسب مصادر أخرى فإن الجيش الإسرائيلي والمخابرات العامة لم تعد مهتمة في هذه الساحة، وتتيح فيها الانفلات.

وأضافت الصحيفة أن المحادثة الهاتفية المتوترة حول إرهاب المستوطنين بين فانس ونتنياهو، تخللها صراخ، وبدا منها أن المسؤولين الأميركيين لا يصدقون المزاعم الإسرائيلية حول إنفاذ القانون ضد المستوطنين الإرهابيين من جانب الجيش والشرطة، أو مزاعم قادة المستوطنين بأن الاعتداءات الإرهابية تأتي في أعقاب «استفزازات» ناشطين إسرائيليين يساريين. وطالب المسؤولون الأميركيون بأن يعيد وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، الاعتقالات الإدارية ضد المستوطنين الإرهابيين بعد أن ألغى ذلك عند توليه منصبه، مطلع العام الماضي. وأشارت الصحيفة إلى أن المسؤولين الأميركيين الذين يطالبون بذلك هم من أشد المؤيدين لإسرائيل والاستيطان.

وبحسب موقع «واي نت»، الجمعة، أشار السفير لايتر إلى مستوى الغضب الأميركي بسبب إرهاب المستوطنين، وقال: «إننا في وضع معقد جداً بسبب أعمال الشغب هذه، ونخسر أصدقاء. وهناك أشخاص في واشنطن يبتعدون عن إسرائيل بسبب ذلك. هذا كأننا نبعد بالقوة أولئك الأشخاص الذين يريدون أن يدعمونا».

جنود إسرائيليون خلال عملية اقتحام لمخيم للاجئين في شرق نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

وحذر الكاتب في صحيفة «هآرتس»، حجاي ألعاد، الجمعة، من أن يكون نشاط المستوطنين مقدمة فقط لخطة حكومية واسعة تستهدف ترحيل الفلسطينيين على طريقة دير ياسين، أي ارتكاب مذابح تدب الفزع في صفوف الفلسطينيين حتى يرحلوا، بالطريقة نفسها التي اتُّبعت في تلك القرية الواقعة بجوار القدس. واقتبس الكاتب تصريحات رئيس الوزراء ووزير الدفاع في أول حكومة إسرائيلية، مؤسس الدولة العبرية، دافيد بن غوريون، الذي قال في سنة 1949: «إذا أردنا وحدة الأرض ودولة يهودية، فلا بد من المزيد من المجازر. علينا تنفيذ دير ياسين في كل أرجاء البلاد».

يذكر أن رئيس أركان الجيش الإسرائيليّ، إيال زامير، حذر خلال اجتماع للمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابنيت)، من اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، وكذلك على جنود جيشه. وبحسب منشورات، مساء الخميس، قال زامير إن «الجيش لم يعد يتحمل الأعباء في حربه متعددة الجبهات، فيأتي المسلحون بنشاطات إرهابية تستنزف قوة الجيش.

أضاف زامير أن الجيش الإسرائيلي نقل كتيبة أخرى إلى الضفة الغربية «لمواجهة هذا التهديد، بينما تعتقد القيادة المركزية (بالجيش الإسرائيلي) أن هناك حاجة إلى كتيبة أخرى لإتمام المهمة».

ولكن، رغم هذا التحذير، فإن الكابنيت صادق في الاجتماع ذاته، على استكمال قرارات سابقة، تنص على إقامة عشرات المزارع الاستيطانية والبؤر الاستيطانية الإضافية في الضفة الغربية المحتلة، التي يعيش فيها هؤلاء المنستوطنون.

وحذّر زامير من أن هذه الخطوة لا تتناسب مع احتياجات الجيش الإسرائيلي من القوى العاملة، وأن نطاق القوات المطلوبة محدود، في حين أن الجيش بحاجة إلى الانتشار عبر عدد من جبهات القتال النشطة، بما في ذلك لبنان، حيث تتمركز عدة فرق حالياً، وقطاع غزة، والحدود السورية، والضفة الغربية.