رحيل الدكتور محمد عبد المطلب أبرز «الآباء المؤسسين» في النقد العربي

احتضن «شعراء الحداثة» وانفتح على التيارات الإبداعية الجديدة

رحيل الدكتور محمد عبد المطلب أبرز «الآباء المؤسسين» في النقد العربي
TT

رحيل الدكتور محمد عبد المطلب أبرز «الآباء المؤسسين» في النقد العربي

رحيل الدكتور محمد عبد المطلب أبرز «الآباء المؤسسين» في النقد العربي

نعى مثقفون وأدباء الناقد والأكاديمي المصري البارز الدكتور محمد عبد المطلب الذي رحل عن عالمنا «اليوم الأربعاء» عن 88 عاماً بعد مسيرة حافلة بالعطاء، أثرى من خلالها النقد الأدبي، وكان من أبرز المؤسسين للرؤى والأفكار التي تدعو للتجديد، واحتضن شعراء الحداثة في الوقت الذي كان فيه زملاؤه يهاجمونهم بقسوة، كما انفتح على التيارات الإبداعية التي رفعت شعارات التمرد والقطيعة مع الأجيال السابقة.

تميز الراحل بحس إنساني راق ومدهش من حيث خفة الظل واختصار المسافة مع الآخرين والتواضع اللافت، مع الحرص الشديد على حضور الأمسيات والندوات المختلفة ما دام كانت لديه المقدرة الصحية، كما حرص على التواصل المباشر مع المبدعين والاشتباك مع نصوصهم بقوة وحرارة، ولم ينزو وراء أسوار الجامعة في أبراج عاجية، مكتفياً بالتنظير وترديد أحدث النظريات الغربية في الأدب والنقد.

ولد الراحل في عام 1937 بمدينة المنصورة، وحصل على الماجستير والدكتوراه في «النقد والبلاغة» عامي 1973 و1978، كما ترأس لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة بمصر، فضلاً عن ترؤسه تحرير كثير من السلاسل الإبداعية الصادرة عن وزارة الثقافة المصرية، مثل «دراسات أدبية»، و«أصوات أدبية».

تميز الدكتور عبد المطلب بالتعمق في أسرار التراث العربي البلاغي والشعري، والجمع بينه وبين التيارات الحداثية ابنة اللحظة الراهنة، وهو ما تجلى في كثير من مؤلفاته، مثل «قضايا الحداثة عند عبد القاهر الجرجاني»، و«دراسات في النقد القديم»، و«قراءة ثانية في شعر امرئ القيس»، و«اتجاهات النقد والبلاغة في القرنين السابع والثامن الهجريين»، و«بناء الأسلوب في شعر الحداثة»، و«قراءات في الشعر الحديث»، و«هكذا تكلم النص»، و«شعراء السبعينات وفوضاهم الخلاقة»، و«اللغة والهوية»، و«قراءات في اللغة والأدب والثقافة».

مصدر طمأنينة

ويرى الشاعر إبراهيم داوود في الراحل «حالة فريدة في الثقافة المصرية، ليس فقط بسبب منجزه النقدي العريض والمتنوع الذي تشهد عليه كتبه الـ35، ولا بسبب مكانته الأكاديمية كونه أستاذاً في جامعة عين شمس تربت على يديه أجيال، ولكن بسبب رحابة صدره ونقائه وحبه للحياة ودفاعه عن الثقافة المصرية ودورها، هو الرجل الذي كان يتمنى أن يصبح شاعراً، وحين عجز عن قوله، اتجه إلى نقده، وقدم 14 كتاباً عنه، وكتب في أصوله التراثية وفي تحولاته الجديدة، وقدّم أول كتاب عن قصيدة النثر هو (النص المُشْكل) بعد أن كنا لا نقرأ عنها إلا من خلال ترجمات سوزان بيرنار وغيرها».

ويضيف: «مشكلته الوحيدة، كما قال الناقد السوري الكبير كمال أبو ديب، تكمن في اسمه، لأنه لو كان اسمه (جون) أو (أوستن) لكان له شأن عظيم في العالم، أراد إقناع الناس أن التراث به ما يصلح لمواجهة التحديات الجديدة في الأدب والنقد، لم تعجبه مقولة (البلاغة علم قد احترق ولم يعد صالحاً)، وبعد رحلة مع المنجز الغربي في نظريات ومناهج الحداثة، كتب كتابه (بناء الأسلوب في شعر الحداثة)، الذي طبق فيه علم البديع، والذي يقول عنه المتحذلقون إنه علم متخلف، على الشعر الحديث، ليثبت أن كثيراً من مصطلحات الحداثة ليست إلا تعديلاً للمصطلح العربي القديم، النقد بالنسبة له هو مناقشة الأمر في ضوء شرطه التاريخي، لأن معظم مقولات النقد الجديد تغفل هذا الشرط، ويتصور البعض أن النقاد القدامى يجب أن يقولوا ما يقولونه هم الآن، فهو يرى أن الأسلوبية عند الجرجاني أدق من الأسلوبية الوافدة، وأن البنيوية التي افتخروا بها وروج لها أبناء جيله ماتت سنة 1968، لأنها حولت النص الأدبي إلى نص لقيط من دون آباء ودون أبناء، ولم تنجح التفكيكية أيضاً لأنها نظرية فلسفية وليست نقدية».

ويختم داوود شهادته قائلاً: «أحببت الدكتور عبد المطلب على المستوى الإنساني لبساطته وعفويته وتواضعه، ولأنه يمتلك إلى جوار قيمته كونه ناقداً عظيماً روح الفنان المحب للناس والثقافة ومصر المكان والمكانة، والذي تشعر وأنت في حضرته بطمأنينة لا تعرف مصدرها» .

الأب قبل المعلم

ويسترجع الناقد اليمني البارز الدكتور فارس البيل ذكرياته الشخصية وعلاقته الإنسانية مع الراحل الذي يصفه بأنه «أستاذه ومعلمه الأول، فمنذ دلف إلى المدرسة لا يتذكر معلماً واحداً كان له هذا الأثر في حياته، بوصفه أستاذ أجيال وبحاثة ملهماً، ناقد النظريات وصناجة الأدب وشارح البلاغة الكبير». ويضيف: «التقيت به لأول مرة طلباً للتتلمذ على يديه، ليمنحني فخر إشرافه على رسالتي للدكتوراه، بعد أن انتقلت من جامعة القاهرة إلى جامعة عين شمس من أجله خصيصاً هو والناقد الراحل الدكتور صلاح فضل، كي أظفر بأحدهما، والحقيقة أني ظفرت بهما معاً، لكني رغبت أكثر بالتتلمذ على يده، رغم ما سمعته عن حزمه وشدته على تلاميذه، ودقته المتناهية في كل شيء، إلا أنني وجدته أباً قبل أن يكون معلماً. أفسح لي في قلبه مكانة، وهكذا كان يفعل مع كل تلاميذه ومن عرفه، ثم قربني حتى صارت مكتبته الخاصة في شقته العتيقة التي يقيم بها وحيداً بحي مصر الجديدة، مرتعاً لي. وكلما زرته في بيته عدت بحصيلة ثمينة، لا يمانع أن أتطفل على مكتبته وأقتنص منها ما أشاء. ولا ينسى أن يشير لي إلى ثلاجته الممتلئة بالعصائر لضيوفه. ويمضي الناقد اليمني قائلاً: «منذ أول لقاء، وكان في الثمانينات من عمره، أدركت قيمة الوقت عنده، تأخرت دقيقتين فقط عن موعدي فعاتبني بشدة رغم أني كنت أنتظر على الباب وبعدها لم أتأخر دقيقة واحدة. ما إن أدرك رغبتي في التعلم حتى منحني من العلم ومفاتيح المعرفة ما شاء له الله، لا يدخر شيئاً ليهبك، ولا يحتفظ بمعلومة دون أن يسديها بكل تواضع وحب. كان صاحب نظام صارم في حياته، وترتيب دقيق لوقته، وهذا ما جعله يترك عشرات المؤلفات ومئات الأبحاث التي تجول في ثنايا الجامعات العربية والأجنبية، ويستفيد منها آلاف الباحثين والطلاب والأساتذة على السواء . يصحو باكراً، ويقرأ حتى موعد ذهابه إلى الجامعة، ويعود عند الظهيرة، وينام قليلاً ثم يعود لكتبه حتى المساء. في الليل يفتح تليفونه الأرضي لساعتين فقط، للرد على مكالمات أصدقائه وطلابه، ثم ينزعه. وكانوا يعرفون مواعيد تليفونه بالضبط حتى موعد نومه. توقف عن متابعة نشرات الأخبار والبرامج السياسية قبل سنوات بعيدة».

ويؤكد الشاعر والناقد المسرحي يسري حسان أن «الدكتور محمد عبد المطلب لم يكن مجرد أستاذ جامعي تتلمذ على يديه المئات، بل كان أباً وأخاً وصديقاً للجميع، ولم يكن من أولئك الأساتذة القابعين خلف أسوار الجامعة، لكنه كان متواصلاً مع الحياة الثقافية في كل مكان بمصر وخارجها. ورغم أستاذيته ومكانته الكبيرة وعلمه الغزير كان آية في التواضع والبساطة وجبر خواطر الآخرين».

ويسترجع القاص والكاتب المغربي أنيس الرافعي ملابسات أول زيارة له إلى مصر قائلاً: «كنت أشارك حينها في مؤتمر القصة القصيرة الذي ينظمه المجلس الأعلى للثقافة، وفوجئت أن الناقد الكبير والعالم الحُجة الدكتور محمد عبد المطلب هو من يدير الندوة، وقد كان شخصاً ذا مهابة وجلال وعلم غزير. وفي نهاية شهادتي، أثنى علي ثناء لن أنساه ما حييت، أمام أسماء عربية وازنة، ثم طلب مني - بتواضع العظماء - أن أعطيه مجموعة قصصية لي، كي يطلع على كتاباتي بشكل أفضل».

 



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.