«حماس» تبحث في القاهرة تثبيت «اتفاق غزة»

إسرائيل تصعّد بالقطاع... وتقتل 21 فلسطينياً

طفل فلسطيني نازح يأكل بعد حصوله على طعام يوم الأحد في ملجأ تقيم فيه عائلات بالنصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني نازح يأكل بعد حصوله على طعام يوم الأحد في ملجأ تقيم فيه عائلات بالنصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«حماس» تبحث في القاهرة تثبيت «اتفاق غزة»

طفل فلسطيني نازح يأكل بعد حصوله على طعام يوم الأحد في ملجأ تقيم فيه عائلات بالنصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل فلسطيني نازح يأكل بعد حصوله على طعام يوم الأحد في ملجأ تقيم فيه عائلات بالنصيرات وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

غداة يوم دامٍ شهد مقتل أكثر من عشرين فلسطينياً وعمليات اغتيال عدة، بحث وفد من حركة «حماس» في القاهرة، أمس، سُبل تثبيت «اتفاق غزة»، الذي تم التوصل إليه قبل شهرين تقريباً، وفق خطة طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ونالت دعماً عربياً ودولياً وأممياً.

وقالت «حماس» في بيان، إنها جدّدت خلال لقائها مع رئيس المخابرات المصرية، حسن رشاد، التزامها تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، لكنها طالبت بوقف «الخروقات الصهيونية المستمرة التي تهدد بتقويض الاتفاق». كما أفادت الحركة بأنها ناقشت مع الجانب المصري سبل حل قضية مقاتليها الموجودين في أنفاق رفح بشكل عاجل، مضيفة أن التواصل معهم انقطع.

وتعرّضت الهدنة في غزة إلى هزة جديدة، السبت؛ إذ صعّدت إسرائيل وقتلت 21 فلسطينياً على الأقل، وفق الدفاع المدني في القطاع.


مقالات ذات صلة

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: حراك لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترمب في غزة

خاص فلسطينيون يمرون أمام أنقاض المباني السكنية التي دُمرتها إسرائيل في جباليا شمال قطاع غزة (رويترز)

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: حراك لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترمب في غزة

عاد الحراك مجدداً لملف قطاع غزة بعد اتصالات جديدة بين حركة «حماس» والوسطاء بشأن دفع المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطيني يقف على باب ثلاجة يستخدمه قارباً مؤقتاً ويحاول الصيد بسلة حديدية في ميناء مدينة غزة مارس الماضي (أ.ف.ب)

خاص «مساحة ضيقة وملاحقة بالرصاص»... كيف دمّرت إسرائيل الصيد في غزة؟

يواجه الصيادون في غزة ظروفاً هي الأصعب منذ بدء الحرب الإسرائيلية، إذ تمنعهم قوات الاحتلال من النفاذ إلى البحر بحثاً عن قوتهم، وسط استهدافات لا تتوقف.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية مستوطنون مسلحون في بلدة حوارة في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

بن غفير يقرر تسليح 300 ألف يهودي في القدس

بن غفير يمنح 300 ألف يهودي في القدس حق الحصول على سلاح إضافة إلى آخرين، ما يعني تسليح كل اليهود في المدينة في خطوة أخرى نحو تشجيع إرهاب المستوطنين المنظم.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يقفون للحراسة خلال جولة للمستوطنين بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

مقتل 3 فلسطينيين في هجوم لمستوطنين بالضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي، الأحد، مقتل 3 فلسطينيين في هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون على قرية في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
خاص صاروخ أُطلق من إيران يظهر في سماء مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

خاص دخان حرب إيران يشوِّش على مسار غزة

تتركز الأنظار على الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، بينما يواجه قطاع غزة ظروفاً معقدة تمثلت في تجميد التحركات السياسية لتنفيذ بنود وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (غزة)

مدينة الخيام الحدودية عنوان المواجهة بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي

جنود إسرائيليون يُحمّلون قذائف في مدفع هاوتزر ذاتي الحركة يُطلق قذائف باتجاه جنوب لبنان من موقع في الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يُحمّلون قذائف في مدفع هاوتزر ذاتي الحركة يُطلق قذائف باتجاه جنوب لبنان من موقع في الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود (أ.ف.ب)
TT

مدينة الخيام الحدودية عنوان المواجهة بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي

جنود إسرائيليون يُحمّلون قذائف في مدفع هاوتزر ذاتي الحركة يُطلق قذائف باتجاه جنوب لبنان من موقع في الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يُحمّلون قذائف في مدفع هاوتزر ذاتي الحركة يُطلق قذائف باتجاه جنوب لبنان من موقع في الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود (أ.ف.ب)

أعادت الاشتباكات في محيط بلدة الخيام وبلدات حدودية طوال ليل الأحد، الحديث عن أهمية هذه البلدة والاستعدادات الإسرائيلية للاجتياح البري، وسط تصاعد الغارات والقصف الذي طال البقاع والجنوب محيط صيدا.

وشهدت الحدود اللبنانية الجنوبية تصعيداً ميدانياً لافتاً مساء السبت، مع إعلان «حزب الله» خوض اشتباكات مباشرة مع الجيش الإسرائيلي داخل مدينة الخيام الحدودية، بالتزامن مع سلسلة عمليات استهداف لمواقع وتجمعات للجنود الإسرائيليين على طول الحدود.

وفيما لم يعلن «حزب الله» عن عدد عناصره الذين قتلوا في المواجهات، أفادت بيانات صادرة عنه بأن مقاتليه استهدفوا قوة إسرائيلية حاولت إخلاء دبابة مدمرة قرب المدخل الشرقي لبلدة الطيبة بالصواريخ الموجهة والقذائف المدفعية، واستهداف تجمعات للجنود الإسرائيليين قرب بوابة فاطمة في كفركلا.

وحدة مدفعية إسرائيلية تطلق قذائف من موقع لم يُكشف عنه قرب الحدود الإسرائيلية اللبنانية (إ.ب.أ)

الخيام في قلب المعركة

وبينما يأتي هذا التصعيد المتبادل بالتزامن مع المعارك الدائرة في محيط الخيام، التي تبقى النقطة الأكثر حساسية في أي سيناريو محتمل لتوغّل بري إسرائيلي في جنوب لبنان، يرى مدير المنتدى الإقليمي للاستشارات والدراسات العميد الركن المتقاعد خالد حمادة أن المعطيات المتداولة حول ما يجري مقابل الحدود الجنوبية خلال الأيام الأخيرة لا تشير إلى استعدادات إسرائيلية لتنفيذ عملية برية واسعة في جنوب لبنان، معتبراً أن الحديث عن حشود عسكرية لا يكفي وحده لتأكيد القرار بذلك، وأشار إلى أن تقييم الوضع الميداني بدقة يحتاج عادة إلى صور جوية ومراقبة ميدانية مباشرة، وهو ما لا يتوفر بالكامل في الوقت الراهن.

دبابات ميركافا القتالية الرئيسية التابعة للجيش الإسرائيلي عند الحدود داخل لبنان كما تظهر من الجليل الأعلى شمال إسرائيل في 15 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويشير حمادة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «القوات التي تستعد لعملية برية لا تبقى أياماً عدّة محتشدة على الحدود بانتظار التنفيذ، بل تتحرك تحت غطاء ناري كثيف وضمن خطة مناورة واضحة، مضيفاً: «إذا كانت هناك قوات محتشدة منذ أربعة أيام من دون تقدم فعلي، فهذا يعني أن الأمر لا يندرج بالضرورة في إطار التحضير لعملية برية واسعة وشيكة».

أهمية الخيام الاستراتيجية

وفيما يتعلق بالاشتباكات الدائرة في محيط بلدة الخيام، فيشدد حمادة على أن المنطقة تتمتع بأهمية عسكرية خاصة، موضحاً أن «تلة الخيام، الممتدة بين تلة الحمامص ومحيط ما كان يعرف بمعتقل الخيام، تُعد من أبرز النقاط الحاكمة في القطاع الشرقي من الجنوب». وأضاف: «هذه التلة تشرف على مساحات واسعة، من بينها سهل مرجعيون ومناطق قبل السقي والقطاع الشرقي، ولذلك فإن السيطرة عليها مسألة ذات أهمية عسكرية كبيرة».

وأشار إلى أن الإمساك بهذه التلة ليس أمراً سهلاً؛ نظراً لاتساعها وطبيعتها الجغرافية التي تمتد لنحو كيلومترين تقريباً وتوفر مواقع ممتازة لاستخدام الأسلحة ومراقبة التحركات في محيطها. وقال: «لهذه الأسباب تبقى التلة هدفاً دائماً لمحاولات السيطرة أو منع الطرف الآخر من استخدامها».

استطلاع بالنار

ورأى حمادة أن ما يجري حالياً يندرج في إطار «استطلاع دائم بالنار وعمليات محدودة للسيطرة على النقاط الهامة»، أكثر مما هو مقدمة لعملية اجتياح بري شامل، مضيفاً: «إسرائيل تسعى أساساً إلى التأكد مما إذا كان (حزب الله) يعزز وجوده في هذه التلة أو يحاول استخدامها نقطة انطلاق لعمليات تسلل أو مساندة هجمات محدودة عبر الحدود». ورأى أنّ «السيطرة على الخيام بحد ذاتها لا تُعد اجتياحاً برياً بالمعنى العسكري، بل محاولة لتعزيز السيطرة بالنار على جزء هام من القطاع الشرقي إلى جانب السيطرة على نقاط حدودية أخرى تحاول إسرائيل منع (حزب الله) من التمركز فيها أو استخدامها للضغط العسكري».

جنود إسرائيليون ومركبات عسكرية على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع لبنان (رويترز)

لا شيء محسوماً

في المقابل، وفي ظل التطورات الميدانية، تعتبر مصادر محلية أنه وانطلاقاً من الوقائع تبقى فرضية التوغّل البري المحدود أو الواسع قائمة، مشيرة في الوقت عينه إلى أن طبيعة المواجهات على الحدود الجنوبية غالباً ما تتبدل سريعاً تبعاً لتطور العمليات العسكرية أو الحسابات السياسية والعسكرية لدى الطرفين، ما يجعل أي تقدير ميداني عرضة للتعديل في حال قررت إسرائيل توسيع نطاق عملياتها».

إنذارات إخلاء في الضاحية والجنوب

في غضون ذلك، يتواصل التصعيد العسكري الإسرائيلي على لبنان، مع غارات جوية وقصف مدفعي استهدفا مناطق عدة في الجنوب والبقاع، في وقت وجّه فيه الجيش الإسرائيلي إنذاراً جديداً لسكان عدد من أحياء الضاحية الجنوبية لبيروت لإخلائها فوراً.

تجمّع عناصر الإنقاذ والسكان في موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في بلدة حارة صيدا جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي سياق التحذيرات نفسها لكن في قضاء النبطية في جنوب لبنان، دعت بلدية بلدة أنصار الأهالي إلى إخلاء البلدة بشكل مؤقت، بعد تهديدات إسرائيلية طالت عدداً من قرى المنطقة، رغم أن البلدة لا تُعد من البلدات الحدودية المباشرة. وأبلغت البلدية في بيان لها أهالي البلدة، بأن مركز الدفاع المدني اللبناني في بلدة الدوير تلقى اتصالاً من الجيش الإسرائيلي يطلب فيه إخلاء عدة قرى، من بينها بلدة أنصار، ما دفعها إلى دعوة السكان للمغادرة كإجراء احترازي.

استهداف قيادي في «حماس» في صيدا

وفجر الأحد، استهدفت غارة إسرائيلية شقة في مبنى سكني في منطقة الشرحبيل شرق مدينة صيدا. وأفادت المعلومات بأن المستهدف في الغارة هو القيادي في حركة «حماس» وسام طه، وهو من أبناء مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين وشقيق الناطق باسم الحركة في لبنان جهاد طه. وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن الغارة أدت في حصيلة أولية إلى مقتل شخص وإصابة ثلاثة أطفال بجروح.

غارات متواصلة

ميدانياً، شن الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات استهدفت العدوسية - الزهراني، وحرج الشقيف – جبل الرويس في النبطية، وبلدات بلاط وجبشيت وتولين وبورة وهبي في حي المشاع في النبطية والنبطية الفوقا، إضافة إلى طريق عام صور - العباسية، وكفرا، وعيتيت، ويحمر الشقيف، والشرقية في قضاء النبطية.

كما تعرّضت أطراف عيتا الشعب ورامية وحرج البويضة – مرجعيون وبلدة دبين لقصف مدفعي إسرائيلي، فيما استهدفت غارة فجراً بلدة الطيبة بالتزامن مع قصف مدفعي عنيف. كما شُنّت سلسلة غارات على أطراف يحمر وقليا وزلايا في البقاع الغربي.


لبنان: مفاوضات وقف الحرب بين المصلحة الوطنية والتسوية الإقليمية

صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي مرفوعة في منزل مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي مرفوعة في منزل مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

لبنان: مفاوضات وقف الحرب بين المصلحة الوطنية والتسوية الإقليمية

صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي مرفوعة في منزل مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي مرفوعة في منزل مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)

يتقدم في الأيام الأخيرة الحديث عن احتمال فتح مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل لوقف الحرب، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة أي اتفاق على النجاح أو الصمود إذا بقي محصوراً بالساحة اللبنانية، في ظل مواقف معلنة لقيادات في «حزب الله» ومسؤولين إيرانيين تؤكد ترابط جبهات الصراع في المنطقة.

ورغم مواصلة الرئيس اللبناني جوزيف عون، جهوده لإنجاح المبادرة التي أطلقها حول مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، التي نفى وزير خارجيتها جدعون ساعر الأحد، «وجود أي توجه لإجراء مفاوضات مباشرة مع لبنان لإنهاء الحرب»، عبّرت مصادر وزارية مقربة من رئاسة الجمهورية عن خشيتها من أن يربط «حزب الله» وإيران مسار التفاوض بالجبهتين، واصفة أي توجّه في هذا الإطار بـ«الغباء».

الرئيس اللبناني جوزيف عون مجتمعاً الجمعة بأمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في قصر بعبدا الرئاسي بمناسبة زيارته السريعة إلى لبنان (أ.ب)

وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن الرئيس عون أطلق مبادرته بمعزل عن الملف الإيراني ولأنه رأى البلد يحترق، ومن مسؤوليته بوصفه رئيساً للجمهورية أن يتحرك «لا سيما أننا ندرك أننا ليست لدينا قدرة على مواجهة إسرائيل، ولا فعل أي شيء يقارن بهمجيتها ووحشيتها، كما أن الانتظار حتى يقرر الآخرون مصير البلد ليس خياراً».

وترى المصادر أن الأيام المقبلة «ستكشف نوايا (حزب الله) كما إيران وإسرائيل على حد سواء». وتضيف: «إذا جرى ربط مسار المفاوضات بالجبهتين، فستتكشف عندها النوايا الحقيقية، ولن يكون بإمكان (حزب الله) القول إنه يحافظ على لبنان أو على وحدته، وكل الشعارات ستسقط حينها»، محذرة في الوقت عينه من أي «تشويش» عسكري سياسي محتمل من الجانب الإيراني إذا سلكت المبادرة طريقاً إيجابياً «وعندها ستتكشف كل الأدوار والالتزامات».

مسار محدود بلا تسوية إقليمية

في ظل غياب مؤشرات حول أي مفاوضات محتملة، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن فعلاً التوصل إلى اتفاق حول الجبهة اللبنانية وحدها؟ أم أن أي تسوية محتملة ستظل مرتبطة بتفاهمات إقليمية أوسع تشمل إيران وحلفاءها في المنطقة؟

يقول رئيس قسم الدراسات الدولية والسياسية في الجامعة اللبنانية - الأميركية الدكتور عماد سلامة: «من غير المرجح أن تنطلق مفاوضات فعلية ومنتجة بين لبنان وإسرائيل قبل الوصول إلى تسوية أوسع على مستوى الإقليم، تحديداً فيما يتعلق بالصراع المرتبط بإيران». ويوضح سلامة في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «طالما أن (حزب الله) يواصل الانخراط في دعم المجهود الحربي الإيراني، فإن أي مسار تفاوضي سيبقى محدود النتائج، لأن القرار الاستراتيجي المرتبط بالحرب والسلم لا يزال متداخلاً مع الحسابات الإقليمية. لذلك، فإن أي تقدم حقيقي في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، يبقى مرهوناً إلى حد كبير بتبلور تسوية إقليمية أشمل تعيد ترتيب موازين القوى، وتفتح المجال لتفاهمات أكثر استقراراً».

خيمة لنازحين في وسط بيروت حيث تساقطت الأمطار بكثافة يوم الأحد (رويترز)

ضغط سياسي على «حزب الله»

مع ضخ المعلومات المتناقضة حول المفاوضات، يرى سلامة «أنه قد يكون هناك دافع لدى إسرائيل وبعض القوى اللبنانية المعارضة لـ(حزب الله)، إضافة إلى الحكومة اللبنانية، لاستئناف الحديث عن المفاوضات حتى في غياب تسوية إقليمية نهائية، بهدف ممارسة ضغط سياسي على (حزب الله)، وإظهار التزام لبنان بالمسار الدبلوماسي بما يعزز علاقاته مع الغرب، ويضمن استمرار الدعم للمؤسسات اللبنانية، هذا في وقت ترى فيه إسرائيل أن فتح باب التفاوض أداة لزيادة الانقسامات الداخلية في لبنان، وربما تعميق التباينات السياسية حول دور (حزب الله) وسلاحه».

شروط جديدة

بعد تجارب سابقة باءت كلّها بالفشل، وعما يفترض أن تتضمنه أي مفاوضات أو اتفاقات جديدة محتملة، يقول سلامة: «إذا استؤنفت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، فمن المرجح أن تختلف طبيعتها وشروطها عمّا كان مطروحاً في السابق»، موضحاً أن «إسرائيل ستسعى إلى ربط أي تقدم تفاوضي بتعاون وثيق مع الجيش اللبناني فيما يتعلق بعملية نزع سلاح (حزب الله)، بما في ذلك آليات مراقبة مباشرة وشفافة لانتشار الجيش. وقد يشمل ذلك إعادة تموضع الجيش اللبناني داخل معاقل تقليدية لـ(حزب الله)، ليس فقط في الجنوب الحدودي بل أيضاً في مناطق نفوذه مثل الضاحية الجنوبية وبعض مدن الجنوب الرئيسية كمدينة النبطية، بما يهدف إلى إثبات قدرة الدولة على بسط سلطتها الأمنية».

الدخان يتصاعد من شقة في مبنى في صيدا تعرض لغارة إسرائيلية (إ ب أ)

ويضيف سلامة: «في المقابل، من المتوقع أن يحظى الجيش اللبناني بدعم سياسي ومالي وعسكري أكبر من الولايات المتحدة وفرنسا وعدد من الدول العربية، بما في ذلك دعم لعملية إعادة هيكلة القيادة العسكرية وتعزيز قدراته. وعلى هذا الأساس، قد تربط إسرائيل انسحابها التدريجي من الجنوب اللبناني بمدى التقدم المحقق في انتشار الجيش وتنفيذ هذه الترتيبات، مع تقديم الولايات المتحدة ضمانات أمنية وسياسية للطرفين لضمان تنفيذ الالتزامات المتبادل».

مع العلم أنه بات معلناً أن قرار الحزب مرتبط بالكامل بطهران؛ فمنذ اتخاذ قرار «إسناد إيران» وإطلاق الصواريخ ثأراً للمرشد الإيراني علي خامنئي، أكد المسؤولون الحزبيون مراراً أنه جزء من محور إقليمي في مواجهة إسرائيل، وأن العلاقة مع إيران تقوم على تحالف استراتيجي.

وفي سياق الحديث عن المواجهة الحالية، وصف أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم، المعركة مع إسرائيل بأنها «معركة وجودية»، مؤكداً أن الحزب مستعد لمواجهة طويلة إذا استمر التصعيد، وأن قدراته العسكرية تتيح له مواصلة القتال مهما طال أمد الحرب.

طفلة على متن حافلة تحوّلت إلى خيمة لعائلة نازحة هرباً من القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

ولا يقتصر هذا الربط بين الجبهات على خطاب «حزب الله» فقط؛ بل يظهر أيضاً في مواقف القيادة الإيرانية بشكل دائم، وهو ما كان واضحاً أيضاً في بيان «الحرس الثوري» مساء الأربعاء الماضي، بشأن مشاركة «حزب الله» في عملية «العصف المأكول».


«حزب الله» يكشف بيروت أمنياً ويأمر بنزع كاميرات المراقبة

آثار غارة إسرائيلية استهدفت شقة في مبنى بمنطقة برج حمود في بيروت خلال الشهر الحالي (رويترز)
آثار غارة إسرائيلية استهدفت شقة في مبنى بمنطقة برج حمود في بيروت خلال الشهر الحالي (رويترز)
TT

«حزب الله» يكشف بيروت أمنياً ويأمر بنزع كاميرات المراقبة

آثار غارة إسرائيلية استهدفت شقة في مبنى بمنطقة برج حمود في بيروت خلال الشهر الحالي (رويترز)
آثار غارة إسرائيلية استهدفت شقة في مبنى بمنطقة برج حمود في بيروت خلال الشهر الحالي (رويترز)

حوّل «حزب الله» بعض مناطق العاصمة بيروت إلى مربعات أمنية، يفرض على سكانها شروطه، وآخرها الإيعاز لأصحاب المؤسسات التجارية والمدارس ولجان الأبنية في أحياء البسطة الفوقا والبسطة التحتا وخطّ النويري، والشوارع المتفرعة منها وصولاً إلى الخندق الغميق والباشورة، بإطفاء كاميرات المراقبة الخاصة بها بشكلٍ كامل، وفصلها عن شبكة الإنترنت، وصولاً إلى قطع الكهرباء عنها بحيث تتوقف عن العمل كليّاً.

مشكلة أمنية وتفشي الجرائم

وبينما لم يوضح الحزب أسباب هذا الطلب، إلا أنه سيكون له تداعيات سلبية على أداء الأجهزة الأمنية في مكافحة الجريمة؛ واعتبر مصدرٌ أمني بارز أن ما يحصل سيخلق مشكلة أمنية كبيرة، مشيراً إلى أن حوالي 90 في المائة من الجرائم «يجري اكتشافها من خلال ضبط الكاميرات وتتبعها من شارع إلى آخر». وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط»: «نحن بأمس الحاجة إلى الكاميرات، خصوصاً في هذه المرحلة التي بات الوضع الأمني فيها صعباً بسبب كثافة النزوح والإشكالات التي تحصل في الشوارع والأحياء، والتي تستخدم فيها الأسلحة الحربية أحياناً، والمُرشّح أن ترتفع معها نسبة الجريمة»، معتبراً أن «ضبط الكاميرات وتعطيلها سيؤدي حتماً إلى تفشي الجريمة».

الدخان يتصاعد من مبنى في صيدا بعد استهدافه بغارة إسرائيلية أدت إلى مقتل قيادي في حركة «حماس» (إ.ب.أ)

قلق من استهدافات إسرائيلية

عبّر رئيس جمعية «بيروت منارتي» المحامي مروان سلام من جهته عن قلقه من تصرفات «حزب الله»، وتحدث عن تلقيه مراجعات من أهالي بيروت أفادت بأن عناصر أمنية تابعة للحزب «طلبت من أصحاب بعض المحال التجارية والبنايات نزع كاميرات المراقبة أو إطفاءها وفصلها عن شبكة الإنترنت».

وفي ظل ملاحقة إسرائيل لقياديين في «حزب الله» عبر استهدافهم في الشقق والأحياء، أكد سلام أن «أبناء المنطقة تخوّفوا من هذه الإجراءات التي تمنح مسؤولي وعناصر (حزب الله) حرية التحرك في مناطقهم وتعرضهم لخطر استهدافها من قبل الطيران الإسرائيلي»، مشيراً إلى أن هذه الخطوة «تُثير قلقاً بالغاً لدى أصحاب المؤسسات التجارية، لا سيما محلات المجوهرات والصرّافين والسوبر ماركت، الذين يخشون أن تستغلّ العصابات غياب الكاميرات لتنفيذ عمليات سرقة وسطو على مؤسساتهم»، ولفت إلى أن «هذا القلق ينسحب على لجان الأبنية السكنية الذين يراقبون عبر هذه الكاميرات من يدخل ويخرج منها، ويُحذرون من تسلّل أشخاص غير معروفين للإقامة فيها والخشية من استهدافهم».

وقال سلام لـ«الشرق الأوسط»: «نقلنا هواجس المواطنين إلى وزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار الذي أفادنا بأن الأمر تحت المتابعة الحثيثة، إضافة إلى متابعته مع شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، ومديرية المخابرات في الجيش اللبناني، وطلبنا منهم إجراء تحقيق فوري لكشف حقيقة ما يجري وتحديد المسؤوليات».

نازحان ينقلان فرشات إسفنجية لأحد تجمعات النازحين في بيروت (إ.ب.أ)

حرية تنقّل «حزب الله»

تتعدد الأسباب التي حدت بالحزب إلى هذا التصرف، ورأى الخبير في شؤون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عامر الطبش «أن كثيراً من معدات المراقبة المتداولة في الأسواق اللبنانية قابلة للاختراق تقنياً، بما في ذلك كاميرات المراقبة وأجهزة التسجيل الخاصة بها (NVR)، فهذه الكاميرات لا تقتصر وظيفتها على التصوير فقط، بل تحتوي أيضاً على عدسات (Lens) تلتقط الصورة بدقة، إضافة إلى ميكروفونات تتيح تسجيل الصوت»، لافتاً إلى أنه «في حال تمكنت جهة معادية (إسرائيل) من اختراق هذه الأجهزة، يمكنها تجنيدها لنقل الصوت والصورة بشكل مباشر لما يجري في الشوارع أو داخل نطاق تغطيتها، ما يحوّلها عملياً إلى وسيلة مراقبة يمكن الاستفادة منها لرصد التحركات».

ويقول الطبش لـ«الشرق الأوسط» إنّ المسألة «ترتبط أيضاً بقدرة الجهات المعادية على تأكيد المعلومات ميدانياً، فعند مرور موكب معيّن قد يكون عرضة للاستهداف، يمكن التحقّق من وجوده العسكري في الشوارع عبر وسائل مراقبة متعددة، كما أن مجرد مرور أشخاص في المكان، سواء كانوا من عناصر الحزب أو حتى أفراداً يحملون هواتف ذكية، قد يساهم في تثبيت هوية الهدف».

في الحالات التي يكون فيها الوجه مخفياً لا يمكن الاستفادة من تقنية التعرّف إلى الوجه، على حدّ تعبير الخبير عامر الطبش، بل يمكن اللجوء إلى وسائل أخرى «مثل تحليل بصمة الصوت في حال التقطت الكاميرات الشخص وهو يتحدث، أو من خلال مراقبة حركة الجسد وبنية الجسم وقياسها، إضافة إلى مجموعة من المؤشرات التقنية التي تساعد على تأكيد هوية الشخص المستهدف»، مشيراً إلى أن كاميرات المراقبة في الشوارع «قد توفر بثاً مباشراً (Live Feed) يتيح متابعة تحركات الأشخاص المراقبين لحظة بلحظة، بالتزامن مع تحليق الطائرات المسيّرة فوق هذه المناطق». ويلفت إلى أنّ «طائرة الدرون قادرة على التصوير والمراقبة من الجو، فيما تتيح الكاميرات مراقبةً أكثر دقّة داخل الشوارع والأحياء الضيقة».

نازحون قرب موقع استهداف لشقة سكنية في منطقة عرمون بجبل لبنان (أ.ف.ب)

وتذكر تدابير الحزب بأحداث 7 مايو (أيار) من عام 2008، التي كان أحد أسباب اندلاعها قرار الحكومة اللبنانية آنذاك المتعلق بشبكة الاتصالات الخاصة بـ«حزب الله»، والتي رفض الحزب المساس بها، إضافة إلى قرار آخر يتصل بكاميرات المراقبة التي كانت وزارة الداخلية تعتزم تركيبها في بيروت بقدرات مراقبة عالية نسبياً في ذلك الوقت. ويؤكد عامر الطبش أن «هذه الخطوات شكّلت، بالنسبة إلى الحزب، محاولة لمراقبة نطاق تحركاته، ما تسبب باجتياح بيروت عسكرياً»، مذكراً بأن الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله، كان قد دعا في الأسبوع الأول من الحرب الأخيرة في عام 2024، إلى إطفاء الهواتف الذكية، كونها قد تتحول إلى وسيلة يمكن للعدو الاستفادة منها في عمليات الرصد والتعقب، كما حذّر حينها من التصوير ومن استخدام الكاميرات.