تأرجح الملف النووي الإيراني بين الضغوط الدولية وغياب أفق التفاوض

قرار الوكالة الدولية ورقة ضغط إضافية على طهران والشروط المتبادلة للعودة إلى التفاوض أوصلتها إلى طريق مسدودة

مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي متحدثاً للصحافة عقب اجتماع مجلس المحافظين بمقر الوكالة في فيينا الأربعاء 19 نوفمبر (أ.ف.ب)
مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي متحدثاً للصحافة عقب اجتماع مجلس المحافظين بمقر الوكالة في فيينا الأربعاء 19 نوفمبر (أ.ف.ب)
TT

تأرجح الملف النووي الإيراني بين الضغوط الدولية وغياب أفق التفاوض

مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي متحدثاً للصحافة عقب اجتماع مجلس المحافظين بمقر الوكالة في فيينا الأربعاء 19 نوفمبر (أ.ف.ب)
مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي متحدثاً للصحافة عقب اجتماع مجلس المحافظين بمقر الوكالة في فيينا الأربعاء 19 نوفمبر (أ.ف.ب)

مرة أخرى تجد إيران نفسها في وضع لا تحسد عليه. فمن جهة، يواصل الغربيون (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا)، تشكيل جبهة متماسكة في مواجهتها، كان آخر تعبيراتها قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يطالب طهران بإعادة فتح مواقعها النووية أمام المفتشين، استناداً إلى التزامات معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

ويبدو جلياً أن الدول الغربية تستخدم هذا القرار، رغم تحذيرات طهران المتكررة، أداة ضغط رئيسية على إيران، وهي ورقة يمكن إشهارها في كل اجتماع مقبل لمجلس محافظي الوكالة. ومن جهة ثانية، تبدو موافقة إيران على المطالب الغربية وفتح منشآتها أمام المفتشين وكأن شيئاً لم يحدث.

وجل ما قبله الجانب الإيراني في «تفاهم القاهرة»، الذي أُبرم في سبتمبر (أيلول) الماضي بين مدير الوكالة رافائيل غروسي ووزير الخارجية عباس عراقجي، هو السماح للمفتشين بزيارة المواقع النووية التي لم تستهدف خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً. وقد سارع عراقجي، الخميس، إلى إعلان أن هذا التفاهم، رغم محدوديته، لم يعد قائماً.

ولعل عراقجي بالغ الصراحة في سرد الحجج التي تمنع بلاده من تمكين الوكالة من الاطلاع على ما أصاب المواقع النووية الثلاثة التي استهدفتها الضربات الإسرائيلية ثم الأميركية (أصفهان ونطنز وفوردو). وقال في مقابلة مع موقع «خبر أونلاين» المحلي، حرفياً: «حقيقة أنهم جاءوا وهاجموا وغادروا... والآن تأتي الوكالة لإعداد تقرير لهم حول ما الذي تعرّض للهجوم، وماذا حدث، ومدى الضرر، هو أمر غير ممكن، ومن الواضح أنه لن يكون حكيماً».

ملصق لمنشأة فوردو لتخصيب الوقود يُعرض عقب مؤتمر صحافي لوزير الدفاع الأميركي في واشنطن 26 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

وسبق لإيران أن اتهمت الهيئة التابعة للأمم المتحدة بـ«التواطؤ» مع إسرائيل عبر إطلاعها على المعلومات التي يجمعها المفتشون بحكم مهامهم، وهو ما تنفيه الوكالة بشكل قاطع. وفي السياق نفسه، صرح عراقجي بأن التعاون مع الوكالة «في هذه الظروف» أمر غير ممكن.

القلق من غياب المفتشين

في المقابل، لا يخفي الغربيون قلقهم من غياب المفتشين عن المنشآت الإيرانية. فهاجسهم الأول يبقى معرفة مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب الذي كانت إيران تمتلك منه، قبل الحرب، نحو 440 كيلوغراماً، إضافة إلى متابعة أي عمليات تخصيب إضافية.

وقالت وزارة الخارجية الفرنسية، الخميس، إن الوكالة الدولية للطاقة الذرية «لم تعد قادرة على التأكد من أن غاية البرنامج النووي الإيراني هي غاية سلمية»، مضيفة أن الوكالة «فقدت استمرارية معرفتها بالمواد والأنشطة النووية في إيران».

ووفق مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس، يكمن مصدر القلق في احتمال أن تكون إيران «استغلت الأشهر الخمسة التي انقضت منذ يونيو (حزيران) الماضي لتسريع إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب والاقتراب إلى أقصر مسافة من العتبة التي تمكّنها من إنتاج السلاح النووي».

وإذا صحت هذه القراءة، فإن طهران غير مستعجلة لعودة المفتشين، وهي بلا شك تسعى إلى «تأطير» مهامهم بدلاً من منحهم «شيكاً على بياض» للتحرك بحرية كاملة داخل أراضيها.

ثمة قناعة راسخة مفادها أن طهران تسعى إلى تجنّب حرب جديدة مع إسرائيل والولايات المتحدة، وهي تقول ذلك صراحة على لسان كبار مسؤوليها. لكن هؤلاء يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد مع «الوكالة الذرية» من جهة، وحالة الجمود التي تطغى على الحراك الدبلوماسي من جهة أخرى، يمكن أن يوفّرا أرضية لعمل عسكري ضد إيران، وخصوصاً من الجانب الإسرائيلي، في ظل الضغوط الداخلية التي يواجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ولا يبدو الخروج من هذا الفخ ممكناً إلا بالعودة إلى طاولة المفاوضات. لكن مع من؟

ورغم ورود أنباء (لا تزال تحتاج إلى تأكيد) عن محادثات مرتقبة بين إيران ودول «الترويكا الأوروبية» خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة، فإن الموقف الإيراني الرسمي، كما عبر عنه عراقجي مؤخراً، يقوم على أن التفاوض مع الأوروبيين «لم يعد مفيداً»، وأن «الترويكا» ارتكبت «خطأ» عندما فعّلت «آلية سناب باك» في مجلس الأمن في سبتمبر الماضي، ما أدى إلى إعادة فرض عقوبات دولية قاسية على طهران كان قد تم تجميدها بين عامي 2015 و2025 بموجب اتفاق 2015 مع مجموعة خمسة زائد واحد.

مع ذلك، قد ترى طهران، في ظل غياب أي قناة تواصل مع واشنطن، أن التفاوض مع «الترويكا الأوروبية» ما زال يحمل فائدتين على الأقل: الأولى، توجيه رسالة إيجابية إلى الغرب بأنها جادة في السعي إلى تفاهمات جديدة بشأن برنامجها النووي، وأن الأوروبيين يمكن أن يضطلعوا بدور ناقل للرسائل بينها وبين الولايات المتحدة. أما الثانية، فهي كسب مزيد من الوقت بانتظار اتضاح صورة المسار التفاوضي الممكن مع واشنطن.

«صعوبة العودة»

حتى الآن، لا تزال شروط الطرفين للعودة إلى طاولة المفاوضات غير واضحة تماماً. فإيران، التي يرى مرشدها علي خامنئي أن «النهج الأميركي غير مقبول ولن يستسلم الإيرانيون له»، ما يعني أن لا فائدة من التفاوض مع واشنطن، تريد في حال حصول مفاوضات، أن تكون «محادثات حقيقية وأن تقوم على الاحترام المتبادل والمساواة» بحسب ما نقل عن كمال خرازي، مستشار خامنئي. ولم يقدم أي مسؤول إيراني تفسيراً دقيقاً لما يعنيه ذلك.

كذلك ترفض طهران المطالب الأميركية التي تصفها بأنها «ضارة بمصالحها»، وترفض إدراج برنامجها الصاروخي الباليستي أو سياساتها الإقليمية ضمن أي تفاوض. أما الأهم، فهو تمسّكها بحقها في مواصلة تخصيب اليورانيوم على أراضيها. وهذا الملف، تحديداً، كان السبب الرئيسي في فشل خمس جولات من المفاوضات المتنقلة بين الجانبين؛ إذ جعلت واشنطن من مبدأ «صفر تخصيب» شرطاً لا يمكن تجاوزه. ويشبه الجدل بين الطرفين «حوار طرشان»؛ فطهران تشدد على أن انتماءها إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية يمنحها حق التخصيب أسوة ببقية الدول الأعضاء، وأنها مستعدة للتفاوض حول نسبة التخصيب لا مبدئه.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو يوم 18 أبريل 2025 (أ.ب)

بينما يؤكد الغربيون أمرين: الأول أن العقوبات الدولية التي أعيد فرضها تحرم إيران من هذا الحق. والثاني أن طهران لا تحترم نصوص الاتفاقيات، بدليل أن اتفاق 2015 منحها حق التخصيب بنسب لا تتجاوز 3.67 في المائة وبكميات محدودة، بينما راكمت لاحقاً مخزوناً يتجاوز المسموح به عشرات المرات ومن دون مبرر، ورفعت نسبة التخصيب إلى 60 في المائة، مقتربة بشكل خطير من العتبة اللازمة لإنتاج السلاح النووي.

ومما سبق، يتضح أن طريق المفاوضات بين واشنطن وطهران ما زالت مسدودة حتى اللحظة.

كذلك، فإن رهانات طهران على الدعمين الروسي والصيني، وعلى «الوساطات» التي اعتمدت عليها سابقاً من خلال سلطنة عمان وقطر والرسائل المتبادلة مع واشنطن، لم تفتح أمامها أي منفذ في الجدار المسدود.

مقاربة جديدة

ودعا عراقجي، الجمعة، إلى ضرورة اعتماد مقاربة جديدة لتمكين مفتشي «الوكالة الذرية» من دخول المنشآت النووية الإيرانية التي تعرضت للقصف في يونيو الماضي.

وقال عراقجي، في مقابلة مع مجلة «ذي إيكونوميست»، نشرها على حسابه عبر منصة «تلغرام»: «نحن بحاجة إلى طريقة أو إطار لعمليات التفتيش في هذه المنشآت». وأشار إلى وجود «مخاطر مرتبطة بالسلامة والأمن بسبب الذخائر غير المنفجرة والصواريخ وغيرها. وهناك أيضاً خطر الإشعاع»، مضيفاً أن «طهران لا تزال تتلقى تهديدات من الولايات المتحدة فيما يتصل بإعادة تشغيل هذه المنشآت النووية».

وأعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، عن زيارة مرتقبة لعراقجي إلى عُمان وهولندا هذا الأسبوع.

وبحسب بقائي، سيسافر عراقجي، الاثنين المقبل، إلى مسقط للمشاركة في اجتماع «منتدى مسقط» واللقاء بنظيره العُماني، بدر البوسعيدي. كما سيشارك، الثلاثاء، في الاجتماع السنوي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بمدينة لاهاي في هولندا.


مقالات ذات صلة

«روس آتوم»: سنرفع عدد عمال البناء بمحطة بوشهر إلى 200 في نوفمبر

شؤون إقليمية محطة «بوشهر» النووية الإيرانية (رويترز)

«روس آتوم»: سنرفع عدد عمال البناء بمحطة بوشهر إلى 200 في نوفمبر

قال أليكسي ليخاتشيف مدير شركة الطاقة النووية ​الروسية الحكومية «روس آتوم»، اليوم الأربعاء، إن الشركة سترفع عدد عمال البناء بمحطة بوشهر النووية الإيرانية إلى 200

«الشرق الأوسط» (موسكو )
شؤون إقليمية المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (رويترز)

غروسي: لا مؤشرات على إعادة إيران بناء منشآتها النووية المتضررة

قال رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافايل جروسي، إنه لا توجد مؤشرات على أن إيران حاولت إصلاح أو إعادة بناء منشآتها النووية التي تضررت جراء الضربات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدَّث في سوق «بن يهودا» خلال زيارة انتخابية بالقدس يوم 22 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب) p-circle

نتنياهو: إيران تجدد برنامجها النووي وتريد تدميرنا خلال فترة زمنية قصيرة

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في فيديو دعائي تم بثُّه مساء أمس (السبت)، إن إيران تجدِّد برنامجها النووي.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية طائرتان أميركيتان من طراز «إيه-10» تحلقان في دورية نهارية فوق الشرق الأوسط (سنتكوم)

جولة ضربات مرتقبة… هل تنهي حرب إيران؟

تبدو الولايات المتحدة بصدد الاستعداد لاستئناف ضربات واسعة النطاق على إيران، لكن من غير المرجح أن يتمكن أي من الطرفين من حسم هذا النزاع المدمر عسكرياً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ جاي كلايتون مدير الاستخبارات الأميركية (رويترز)

تحذير استخباراتي أميركي: مخططات إيرانية لاستهداف أميركيين بلغت مراحل متقدمة

رفعت الولايات المتحدة مستوى التأهب لدى موظفيها في أنحاء الشرق الأوسط، وبدأت تقليص أعداد العاملين في سفارات، وقنصليات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

خطوة نحو السلام... تركيا تنقل أوجلان إلى مكان جديد بالسجن

أكراد في إسطنبول يرفعون صورة لزعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه (أرشيفية - أ.ف.ب)
أكراد في إسطنبول يرفعون صورة لزعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

خطوة نحو السلام... تركيا تنقل أوجلان إلى مكان جديد بالسجن

أكراد في إسطنبول يرفعون صورة لزعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه (أرشيفية - أ.ف.ب)
أكراد في إسطنبول يرفعون صورة لزعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه (أرشيفية - أ.ف.ب)

ذكر مسؤول كردي بارز أن تركيا نقلت زعيم المسلحين الأكراد إلى جزء تم بناؤه حديثاً في سجن يقع على جزيرة، حيث يقبع منذ عام 1999، في إطار جهود تهدف إلى إنهاء عقود من الصراع.

وتحسين ظروف السجن لعبد الله أوجلان، الذي يرأس حزب العمال الكردستاني، مطلب كردي رئيسي في المساعي الرامية إلى إنهاء الصراع المستمر منذ 42 عاماً بين الجماعة المسلحة والسلطات التركية.

ويُحتجَز أوجلان في سجن يقع في جزيرة إمرالي ببحر مرمرة، الذي يربط البحر الأسود ببحر إيجه، منذ القبض عليه في عام 1999.

وأكد المسؤول الكردي ميثات سنجار، في مقابلة مع قناة «ميديا خبر» التلفزيونية، أمس (السبت)، نبأ نقل أوجلان إلى مكان آخر، دون تقديم المزيد من التفاصيل.

ولم يؤكد أن الجزء الذي تم بناؤه حديثاً من السجن يوفر ظروف إقامة أفضل، على الرغم من أن تصريحاته بدت وكأنها تشير إلى ذلك.

كما دعا سنجار، وهو نائب برلماني عن حزب المساواة الشعبية والديمقراطية الموالي للأكراد إلى تسريع عملية السلام، قائلاً إنها «توقفت» خلال الشهرين الماضيين. وأضاف أن نقل أوجلان إلى المنشأة الجديدة «يستلزم تسريع عملية السلام».


إيران: المصالح الأميركية «أينما كانت» في مرمى الرد

إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة تُصوّر طاولة مفاوضات إيرانية - أميركية قرب السفارة الأميركية السابقة في طهران الأحد (إ.ب.أ)
إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة تُصوّر طاولة مفاوضات إيرانية - أميركية قرب السفارة الأميركية السابقة في طهران الأحد (إ.ب.أ)
TT

إيران: المصالح الأميركية «أينما كانت» في مرمى الرد

إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة تُصوّر طاولة مفاوضات إيرانية - أميركية قرب السفارة الأميركية السابقة في طهران الأحد (إ.ب.أ)
إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة تُصوّر طاولة مفاوضات إيرانية - أميركية قرب السفارة الأميركية السابقة في طهران الأحد (إ.ب.أ)

صعّد المسؤولون العسكريون الإيرانيون تهديداتهم باستهداف المصالح الأميركية خارج حدود غرب آسيا، محذرين من أن أي حرب مقبلة ستكون أوسع وأطول من سابقتها، غداة أمر المرشد الإيراني بالرد على أي تهديد «دون قيود جغرافية».

وأمر مجتبى خامنئي، السبت، خلال أول لقاء معلن يجمعه بكبار قادة القوات المسلحة، بتحديث «بنك الأهداف» ليشمل الأصول المادية وغير المادية للولايات المتحدة وإسرائيل.

وطالب خامنئي بأن يقابَل كل مستوى ونوع من التهديد «بردٍّ فوري ومؤثر ودون قيود جغرافية»، محذراً من أنه إذا استأنف الأعداء «الهجمات العسكرية أو الإرهابية»، فإن القوات المسلحة والشعب الإيراني هم من يحددون توقيت انتهائها وظروفها.

حضر الاجتماع رئيس هيئة الأركان العامة علي عبد اللهي، والقائد العام للجيش أمير حاتمي، والقائد العام لـ«الحرس الثوري» أحمد وحيدي، الذين قدموا تقارير عن الجاهزية على سواحل الخليج، وفي مضيق هرمز وبحر عُمان، وعلى الحدود الشمالية الغربية والجنوبية الشرقية، وعن زيادة إنتاج الذخائر وأسلحة الاستطلاع والإسناد والقتال «عدة أضعاف»، وفقاً لبيان مكتب المرشد الإيراني.

ولم يحدد بيان مكتب خامنئي مكان الاجتماع أو موعده، ولم ينشر صوراً أو تسجيلات له. ولم يظهر المرشد علناً منذ اختياره خلفاً لوالده في مارس (آذار).

ووعد وزير الدفاع مهرداد أخلاقي، بالعمل «بسرعة» على رفع القدرات القتالية للقوات المسلحة لتحقيق «الرد الفوري والمؤثر والمتناسب على أي تهديد، في أي نقطة ومن دون قيود جغرافية».

وأوضح أخلاقي، في بيان نقله التلفزيون الرسمي، أن «تسريع دورة تصميم المعدات والأسلحة الدفاعية وإنتاجها وتأمينها، وتعزيز البنى التحتية الصناعية والتكنولوجية، ورفع القدرة على دعم القوات المسلحة، في صلب إجراءاتنا».

مهرداد أخلاقي خلال مثوله أمام جلسة افتراضية للمشرعين (البرلمان الإيراني)

وحذّر من أن «أي اعتداء سيواجَه برد متناسب وحاسم ومؤثر، ولن يحدد المهددون نطاق الرد الدفاعي الإيراني وتوقيته وتداعياته»، مضيفاً: «لن تُفاجأ إيران أمام التهديد، ولن تتوقف أمام الضغط، ولن تكون محدودة بحسابات الآخرين وإرادتهم في مسار التقدم العلمي والتكنولوجي. ولن نتردد لحظة في حماية أمن البلاد واستقلالها ووحدة أراضيها».

«ميدان واسع وحرب أطول»

بدوره، رأى المتحدث باسم «الحرس الثوري» حسين محبي، أنه «في الحرب مع أميركا لا توجد أي قيود جغرافية، وقد حُدد ميدان واسع لإلحاق الضرر بالعدو والوصول إلى ردع كامل».

واعتبر أن الولايات المتحدة، رغم امتلاكها أكبر قوة بحرية في العالم وحضورها العسكري في المنطقة منذ عقود، «لم تستطع حتى فتح مضيق هرمز لبضع ساعات»، وأن «العالم فهم أن أميركا أصغر من أن تتمكن من تأمين الخليج ومضيق هرمز». وتساءل: «أميركا لا تستطيع الدفاع عن نفسها، فكيف تريد الدفاع عن الدول الأخرى؟».

وزعم محبي أن إيران أسقطت مقاتلة «إف-35»، واصفاً إياها بأنها أعلى ما وصلت إليه التكنولوجيا العسكرية الأميركية في المجال الجوي.

من جانبه، أعلن المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا، أن القوات المسلحة مستعدة للرد على الولايات المتحدة «حتى خارج غرب آسيا»، محذراً من أن أي «اعتداء أميركي جديد» سيواجَه «برد فوري وساحق وأوسع من السابق».

وأضاف أن «منشآت أميركا ومعداتها وقواتها ومصالحها، في أي نقطة تكون في المتناول، يمكن أن تكون هدفاً للرد»، وأن «على العدو ألا يتصور أن نطاق رد الجمهورية الإسلامية سيبقى بالضرورة محصوراً في النطاق الجغرافي للمواجهات السابقة».

ومضى محذراً: «الحرب المحتملة المقبلة قد تكون أطول بكثير من الحرب السابقة، ولن يكون رئيس أميركا قادراً على تحديد موعد نهايتها وظروفها»، داعياً الأميركيين وحلفاء واشنطن الأوروبيين إلى إدراك أن المبادرة الإيرانية سيكون لها «دور أساسي» في تحديد مصير أي مواجهة.

إيرانية تمر أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة تُصوّر طاولة مفاوضات إيرانية - أميركية قرب السفارة الأميركية السابقة في طهران الأحد (إ.ب.أ)

«العقيدة النووية»

وكشف أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، السبت، أن طهران تدرس إلغاء حظر طويل الأمد تفرضه على الأسلحة النووية إذا استؤنفت الأعمال القتالية، مشيراً إلى أنه لم يُتخذ قرار بعد. ونقلت «رويترز» عن رضائي قوله للتلفزيون الرسمي إنه لا يمكن، إجراء محادثات بشأن البرنامج النووي ما لم تقبل واشنطن مطالب طهران.

وقال رضائي: «إذا بدأت الحرب مجدداً، فسنكسر قرن أميركا»، زاعماً أن إيران اختبرت صواريخها المضادة للسفن «فوق حاملة الطائرات جورج واشنطن».

أما وزير الخارجية عباس عراقجي، فتوعد على منصة «إكس» بتوجيه «ضربة تهز الأرض» إلى من يجرؤ على إلحاق الأذى بالإيرانيين، قائلاً إنه لن تكون هناك بعد الآن أي «خطوط حمراء».

واشترطت طهران تنفيذ سبعة شروط قبل أي تفاوض مع واشنطن. وقال عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان والقيادي في «الحرس الثوري» إسماعيل كوثري، لوكالة «إيلنا» الإصلاحية، الأحد: «لن ندخل في مفاوضات مع واشنطن حتى تُنفذ البنود السبعة التي أعلنها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي».

وعزا موقفه إلى «تجارب سابقة»، وقال في هذا الصدد: «كلما تفاوضنا، تصرف الأميركيون بأشكال مختلفة خلافاً للاتفاقات ومسار المفاوضات؛ فإما فرضوا علينا الحرب، وإما لم يلتزموا بالتعهدات التي كان عليهم الوفاء بها. لهذا السبب لسنا متفائلين بأميركا ولا بمن يأتون من طرفها للتفاوض».

«الوساطة القطرية»

وتزامنت التحذيرات الإيرانية مع محادثات أجراها مفاوضون إيرانيون مع وسطاء قطريين في الدوحة، السبت، بعد اجتماعات استمرت أكثر من 12 ساعة في طهران، الجمعة.

ونقلت «رويترز» عن مصدر مطلع أن الوسطاء القطريين قدموا إلى طهران خطة من سبعة أيام، تتخذ بموجبها الولايات المتحدة وإيران خطوات يومية لبناء الثقة قبل مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب.

لكنَّ مسؤولاً إيرانياً قال إن طهران لم تعدّ المقترح مرضياً. وتتمسك إيران بخطة منفصلة طرحتها منذ سبتمبر (أيلول)، تتضمن رفع الحصار عن موانئها والإفراج عن أصول مجمدة وترتيبات للملاحة في مضيق هرمز.

وفي رسالة نقلها الوسطاء القطريون، اقترح نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، على رضائي استئناف المفاوضات، وعرض أن يقود الوفد الأميركي بنفسه، وفق تقارير صحافية أميركية. وردّ رضائي، السبت، بأنه قرأ الرسالة ولم يُجب عنها بعد، وبأن لهجة الأميركيين «تغيرت تماماً»، فيما قال عراقجي إن طهران لا ترى حالياً ضرورة للقاء الجانب الأميركي.

وأعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أن ترمب لم يحسم قراره بشأن استئناف الهجمات، لكنه «يفضل حل الأمر بالوسائل الدبلوماسية»، مع ثقة واشنطن بقدرتها على العمل العسكري «إذا احتجنا إلى ذلك».

وتحدث ترمب في الأيام الماضية عن احتمال تنفيذ «عملية صغيرة أخرى» ضد إيران، قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية، الثلاثاء.


متظاهرون إسرائيليون يطالبون المعارضة بالتحالف مع الأحزاب العربية لإطاحة نتنياهو

متظاهرون من اليمين يحملون صوراً لبنيامين نتنياهو دعماً لرئيس الوزراء الإسرائيلي في ساحة هبيما بتل أبيب (أ.ف.ب)
متظاهرون من اليمين يحملون صوراً لبنيامين نتنياهو دعماً لرئيس الوزراء الإسرائيلي في ساحة هبيما بتل أبيب (أ.ف.ب)
TT

متظاهرون إسرائيليون يطالبون المعارضة بالتحالف مع الأحزاب العربية لإطاحة نتنياهو

متظاهرون من اليمين يحملون صوراً لبنيامين نتنياهو دعماً لرئيس الوزراء الإسرائيلي في ساحة هبيما بتل أبيب (أ.ف.ب)
متظاهرون من اليمين يحملون صوراً لبنيامين نتنياهو دعماً لرئيس الوزراء الإسرائيلي في ساحة هبيما بتل أبيب (أ.ف.ب)

تظاهر مئات الإسرائيليين في الشوارع، السبت، للمطالبة بتحالف المعارضة مع الأحزاب العربية من أجل إطاحة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي صعَّد هجومه على قادة الأقلية العربية في البلاد.

وحقَّقت الأحزاب ذات الغالبية العربية مكاسب كبيرة في الانتخابات التي جرت الثلاثاء، مدفوعة بحالة الغضب من الخطاب الذي استهدف هذه الأقلية من قبل حكومة نتنياهو المتشددة، غير أن زعيم المعارضة غادي آيزنكوت لم يحسم بعد ما إذا كان سيسعى إلى تشكيل ائتلاف معها.

وقالت أييلت راز، إحدى المشارِكات في تجمع بتل أبيب، إن للأقلية العربية التي تُشكِّل نحو 20 في المئة من سكان إسرائيل، الحقَّ في المشاركة السياسية.

وأضافت راز، وهي اختصاصية في علم النفس تبلغ 60 عاماً: «إنها الفرصة الأخيرة لإحداث تغيير حقيقي»، محذِّرة من أن نتنياهو، أطول رؤساء الوزراء بقاء في المنصب في إسرائيل، «متلاعب بارع». وأضافت: «علينا أن نعطي السلام فرصة. وإلا فستستمر إراقة الدماء إلى الأبد».

ولم ينجح أي من المعسكرين في الحصول على أغلبية في البرلمان الإسرائيلي المؤلف من 120 مقعداً.

وفازت الأحزاب ذات الغالبية اليهودية المعارضة لنتنياهو بـ48 مقعداً، بينما حصد الحزبان ذوا الغالبية العربية: «القائمة العربية الموحدة» (راعام) و«القائمة المشتركة»، 19 مقعداً مجتمعَين.

ومن شأن تحالف بين المعسكرين أن يمنح الكتلة المناهضة لنتنياهو أغلبية مريحة تبلغ 67 مقعداً، غير أنَّ بعض أحزاب المعارضة ترفض هذه الفكرة.

ورفعت بعض اللافتات التي حملها نحو 500 متظاهر في تل أبيب شعارات من قبيل «العرب واليهود لن ينتصروا إلا معاً» و«هناك أغلبية من أجل التغيير».

ولم تشارك الأحزاب العربية رسمياً في أي حكومة إسرائيلية سوى مرة واحدة، عندما انضم زعيم حزب «راعام»، منصور عباس، إلى ائتلاف قصير العمر استمرَّ من عام 2021 حتى 2022. وأعرب عباس عن استعداده لتكرار ذلك.

أما يوسف جبارين من القائمة المشتركة، فقال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنه مستعد لدعم آيزنكوت في البرلمان من دون الانضمام إلى حكومته، مشيراً، ضمن مخاوف أخرى، إلى الحرب في غزة.

ويشترك آيزنكوت (66 عاماً)، وهو قائد عسكري سابق وحديث العهد بالعمل السياسي، إلى حد كبير مع مواقف نتنياهو بشأن القضايا الأمنية، بما في ذلك غزة التي حوَّلتها إسرائيل إلى أنقاض منذ هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وجدَّد آيزنكوت، السبت، التأكيد على أنه لن يشكِّل سوى «حكومة صهيونية» يلتزم أعضاؤها «الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية وليبرالية» و«الاعتراف بحماس منظمة إرهابية»، وهي شروط سبق أن رفض قادة عرب القبول بها.

كما أبدى يائير غولان، زعيم حزب «الديمقراطيين» اليساري، دعماً قوياً لاحتمال قيام حكومة تحظى بدعم الأحزاب العربية، معادّاً أن استبعادها سيكون أمراً عنصرياً، والتقى عباس الخميس.

وسعى نتنياهو إلى إثارة مزاعم بوقوع تزوير انتخابي خلال يوم الاقتراع، قائلاً إن أحزاباً عربية ضُبطت وبحوزتها مظاريف تحتوي على أموال نقدية.

وقالت الشرطة إنها أوقفت 3 مشتبه بهم، لكن لجنة الانتخابات وصفت الحادثة بأنها حالة محلية معزولة.

وعاد نتنياهو لاحقاً ليثير مزاعم بأن سياسيِّين عرباً تلقوا دعماً من قطر على نحو غير مشروع.

وكتب نتنياهو على وسائل التواصل الاجتماعي، السبت، أن التعاون مع الأحزاب العربية سيكون «كارثة على إسرائيل».

ومن المتوقع أن يمنح الرئيس إسحق هرتسوغ، بحلول الخميس، أحد زعماء الأحزاب تفويضاً لتشكيل حكومة خلال 28 يوماً، مع إمكان تمديد المهلة 14 يوماً إضافية.