«سوق الكربون الطوعي» السعودية بين العمالقة: شراكات دولية ترسم مسار الحياد الصفري

رئيسها المكلف لـ «الشرق الأوسط»: نجحنا في تداول أكثر من 10 ملايين رصيد كربوني

TT

«سوق الكربون الطوعي» السعودية بين العمالقة: شراكات دولية ترسم مسار الحياد الصفري

الرئيس التنفيذي المكلف في شركة «سوق الكربون الطوعي» فادي سعادة (تصوير: تركي العقيلي)
الرئيس التنفيذي المكلف في شركة «سوق الكربون الطوعي» فادي سعادة (تصوير: تركي العقيلي)

أعلنت شركة «سوق الكربون الطوعي» الإقليمية (VCM)، التي أسسها «صندوق الاستثمارات العامة» و«مجموعة تداول السعودية»، إبرام سلسلة من الاتفاقيات الاستراتيجية الجديدة التي تهدف إلى تعزيز شبكة شركائها على الساحة الدولية، وتعزيز نزاهة منصتها الرقمية لتداول أرصدة الكربون.

وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي الشركة لترسيخ مكانتها لتكون من أبرز الأسواق العالمية في مجال الكربون، ودعم الأهداف الوطنية للوصول إلى الحياد الصفري.

وتُعد أسواق الكربون الطوعية أداة اقتصادية وبيئية حيوية لا غنى عنها في المعركة العالمية ضد التغير المناخي. فبينما تسعى الشركات والحكومات لتحقيق أهداف الصافي الصفري، تبرز أهمية هذه الأسواق بوصفها آلية لتمويل مشروعات خفض الانبعاثات، وإزالتها، خاصة الانبعاثات «صعبة الإزالة» التي لا يمكن خفضها بشكل فوري.

وستكون أسواق الكربون الطوعية محوراً مهماً في مناقشات مؤتمر الأطراف الثلاثين (كوب 30) المقرر انطلاقه في بيليم بالبرازيل الأسبوع المقبل من خلال بحث تنفيذ المادة 6 من اتفاقية باريس، التي تُنظِّم أسواق الكربون الدولية.

في هذا السياق، تُمثل شركة «سوق الكربون الطوعي» ركيزة أساسية لتحقيق الالتزامات الوطنية الطموحة للمملكة بالوصول إلى الحياد الصفري بحلول 2060، وتأكيداً على دورها باعتبار أنها لاعب عالمي مؤثر في هذا المجال.

واليوم، لم تعد شركة «سوق الكربون الطوعي» مجرد منصة تداول محلية، بل أصبحت، كما صرح رئيسها التنفيذي المكلف فادي سعادة لـ«الشرق الأوسط»، واحدة من أكبر 3 أسواق كربون في العالم.

فقد نجحت الشركة في تداول أكثر من 10 ملايين رصيد كربوني منذ تأسيسها، تم تداول نصفها خلال الأشهر الاثني عشر الماضية فقط، مما يعكس النمو السريع، والإقبال المتزايد على حلول خفض الانبعاثات في المملكة، وفق ما كشفه سعادة.

الرئيس التنفيذي المكلف في شركة «سوق الكربون الطوعي» فادي سعادة (تصوير: تركي العقيلي)

ولفت إلى أن الشركة تمكنت من ضم أكثر من 40 جهة رائدة في المملكة، تغطي هذه الجهات مجتمعة أكثر من 70 في المائة من الانبعاثات الكربونية للشركات في البلاد، مما يبرز دور السوق المحوري في الأجندة الوطنية.

وأكد سعادة على الدور «المحوري» للأسواق الطوعية للكربون في تحقيق الحياد الصفري، خاصة أن الشركات لا تستطيع خفض جميع انبعاثاتها فوراً، خصوصاً الانبعاثات «صعبة الإزالة».

اتفاقات استراتيجية

كشفت شركة «سوق الكربون الطوعي» عن ثلاثة محاور رئيسة لعمليات التوسع الجديدة: التوسع الرقمي، وتأمين أرصدة عالية الجودة، وتعزيز نزاهة السوق.

إذ وقّعت مذكرة تفاهم مع شركة «سيمبلنايت»، المتخصصة في تكنولوجيا التحول الرقمي، لإعداد خدمة لتعويض الانبعاثات الكربونية لعملائها عند شراء خدمات السفر، وأسلوب الحياة، والخدمات الحكومية عبر برنامجها الخاص.

وتُعد «سيمبلنايت» من الشركات الرائدة في تسريع التحول الرقمي عبر حلول وتطبيقات مدعومة بالذكاء الاصطناعي في قطاعات متعددة تشمل الخدمات المالية، والعقارات، والسيارات، والسفر.

كما أبرمت الشركة اتفاقية حصرية مع «ألتيتيود» السويسرية، المتخصصة في تجميع أرصدة إزالة الكربون الدائم، تتيح بموجبها لـ«سوق الكربون الطوعي» توفير أرصدة «ألتيتيود» في السوق السعودية، بما يتماشى مع رؤيتها في دعم حلول إزالة الكربون الدائم للشركات الساعية لتحقيق صافي انبعاثات صفري.

كما أعلنت الشركة عن تعاون مع «مجموعة القريان» المتخصصة في إعادة التدوير الصناعي، لتقديم خدمات استشارية تُسهم في إنشاء أرصدة كربون ناتجة عن إعادة تدوير النفايات الإلكترونية، ما يعزز توافر الأرصدة المحلية للتداول في السوق.

ووقّعت شراكة استراتيجية مع شركة «إم إس سي آي» العالمية لتوفير تحليلات متقدمة حول أسواق الكربون للشركات السعودية، بما يساعدها على إعداد وتنفيذ استراتيجيات فعالة لخفض الانبعاثات، تماشياً مع مستهدف المملكة للوصول إلى الحياد الصفري بحلول عام 2060.

ولتعزيز نزاهة السوق، وشفافية جودة الأرصدة المتداولة، وقّعت الشركة اتفاقية مع «بي زيرو كربون»، وهي وكالة مستقلة لتصنيف الكربون، للاستفادة من خدماتها في تقييم أرصدة الكربون المتاحة للتداول. وتُسهم هذه الخطوة في تمكين المشاركين في المنصة من التحقق من جودة الأرصدة، وضمان موثوقيتها وفقاً لأعلى المعايير الدولية.

الآفاق العالمية

في سياق النمو المتسارع لقطاع الكربون عالمياً وإقليمياً، أشار سعادة إلى تقرير صادر عن شركة «ماكينزي» يُقدّر أن القيمة الإجمالية لسوق مشروعات إزالة الكربون قد تصل إلى 1.2 تريليون دولار.

ويؤكد هذا التقدير الضخم على الأهمية المتزايدة لهذا القطاع، والنمو غير المسبوق الذي يشهده، وهو ما دفع شركة «سوق الكربون الطوعي» إلى توسيع نطاق عملياتها لتشمل شراكات استراتيجية مع جهات فاعلة من أوروبا، وآسيا، والأميركتين.

كما تعزز تقديرات سوق الكربون الطوعي هذا التوجه، حيث من المتوقع أن يرتفع حجم سوق تعويض الكربون الطوعي بشكل هائل من ملياري دولار في عام 2020 إلى نحو 250 مليار دولار بحلول عام 2050. ويؤكد هذا النمو المتوقع الدور المحوري الذي تضطلع به شركة «سوق الكربون الطوعي» في بناء منظومة موثوقة لتداول الأرصدة الطوعية في المنطقة، والعالم.

الموثوقية والجودة

وشدد سعادة على أن الموثوقية والمصداقية هما الأساس الذي يقوم عليه عمل «سوق الكربون الطوعي»، موضحاً أن الأرصدة المتداولة لا تُقبل إلا إذا استوفت أعلى معايير الشفافية والجودة، ويتم التحقق منها عبر جهات تدقيق وتصنيف مستقلة، ومعايير معترف بها دولياً.

المنصة الرقمية

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، دشنت الشركة أول منصة لتداول أرصدة الكربون الطوعي في المملكة. وقد صُمّمت هذه المنصة لتلبية متطلبات السوق من حيث الشفافية، وقابلية التطوير، وزيادة السيولة.

وتتميز المنصة ببنية تحتية مؤسسية تتيح معاملات آمنة وشفافة، وتوفر بيانات وأسعاراً لمشروعات أرصدة الكربون، إضافة إلى التكامل مع السجلات العالمية، وإمكانية تطوير بنية تحتية متخصصة لتداول الأرصدة وفق مبادئ التمويل الإسلامي.

يُذكر أن الشركة أُسست في أكتوبر (تشرين الأول) 2022، بملكية 80 في المائة لـ«صندوق الاستثمارات العامة» و20 في المائة لـ«مجموعة تداول السعودية»، بهدف إنشاء سوق موثوقة للكربون الطوعي ذات تأثير عالمي.

ومنذ تأسيسها، نظّمت الشركة أول مزادٍ لها خلال «مبادرة مستقبل الاستثمار 2022»، وباعت في يونيو (حزيران) 2023 أكثر من 2.2 مليون طن من أرصدة الكربون في أكبر عملية بيع من نوعها في نيروبي، كما استضافت «مؤتمر أسواق الكربون في دول الجنوب العالمي» في العام نفسه، قبل أن تُطلق منصتها الرقمية الكبرى في نوفمبر 2024 على هامش «مؤتمر الأطراف (كوب29)»، حيث باعت أكثر من 2.5 مليون طن من الأرصدة الطوعية في مزادها الثالث.

نحو «كوب 30»

يأتي الدور المتنامي لـ«سوق الكربون الطوعي»، المدعوم بهذه الإنجازات والمتمثل في تداول أكثر من 10 ملايين رصيد كربوني وتنظيم المزادات الكبرى، في وقت تستعد فيه الأجندة المناخية العالمية للتركيز على التنفيذ الفعلي للالتزامات، وخصوصاً مع اقتراب موعد مؤتمر الأطراف الثلاثين (كوب 30) المقرر انطلاقه في بيليم بالبرازيل الأسبوع المقبل. وما أعلنت عنه شركة «سوق الكربون الطوعي» من اتفاقات استراتيجية يمكن إدراجه في إطار التطبيق العملي لما سيناقش في «كوب 30»، الأمر الذي يرسخ مكانة المملكة بوصف أنها شريك فاعل يساهم بفعالية في تسريع خطى العمل المناخي العالمي المطلوب لتحقيق أهداف اتفاق باريس، ومواجهة التحديات التي سيناقشها «كوب 30».


مقالات ذات صلة

إنتاج ثاني أكسيد الكربون يتجاوز 470 ألف طن سنوياً في المنطقة بحلول نهاية 2026

الاقتصاد جزء من مصانع الشركة (الشرق الأوسط)

إنتاج ثاني أكسيد الكربون يتجاوز 470 ألف طن سنوياً في المنطقة بحلول نهاية 2026

تتجه شركة «غالف كرايو» إلى رفع قدرتها الإنتاجية الإقليمية من ثاني أكسيد الكربون من 700 طن متري يومياً حالياً إلى 1300 طن متري يومياً بحلول نهاية عام 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة تجمع المسؤولين خلال مراسم خاصة لقرع الجرس في برج «تداول» بالرياض (واس)

إطلاق ملتقى «سيليكت - البحر الأحمر» للاستدامة... والسعودية تطرح أول أرصدة كربونية محليّة هذا العام

أعلنت شركة «سوق الكربون الطوعي» الإقليمية ومجموعة «تداول» السعودية، إطلاق ملتقى الأسواق المالية «سيليكت - البحر الأحمر»...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد دخان وأبخرة تتصاعد من محطة «بيلشاتو» للطاقة في بولندا (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يقترح تعديلات على سوق الكربون للحد من تقلبات الأسعار

اقترحت المفوضية الأوروبية تعديلات على نظام الاتحاد الأوروبي لتداول الانبعاثات، في محاولة لتجنب تقلبات أسعار الكربون، بعد ضغوط من حكومات من بينها إيطاليا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد انخفاض أسعار الكربون أدى إلى تراجع الطلب على الغاز من محطات توليد الطاقة التي تعمل بالغاز (رويترز)

أسعار الغاز في أوروبا تتراجع مع توقعات ارتفاع درجات الحرارة

انخفضت أسعار الغاز الأوروبية بشكل طفيف، صباح الثلاثاء، حيث أدت توقعات ارتفاع درجات الحرارة إلى انخفاض الطلب على الغاز للتدفئة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد تصدّر الهند ثاني أكبر منتج للصلب الخام في العالم ‌نحو ثلثي صادراتها ‌إلى ​أوروبا ‌(رويترز)

الهند تتطلع إلى الشرق الأوسط لتخفيف تأثير ضريبة الكربون الأوروبية على صادرات الصلب

تسعى الهند إلى تصدير ​الصلب في الشرق الأوسط وآسيا، لتعويض تأثير ضريبة الكربون التي فرضها الاتحاد الأوروبي ودخلت حيز التنفيذ في يناير (كانون الثاني).

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

«إنفيديا» تعزز إعادة شراء أسهمها بـ150 مليار دولار وسط طفرة الذكاء الاصطناعي

شعار «إنفيديا» (رويترز)
شعار «إنفيديا» (رويترز)
TT

«إنفيديا» تعزز إعادة شراء أسهمها بـ150 مليار دولار وسط طفرة الذكاء الاصطناعي

شعار «إنفيديا» (رويترز)
شعار «إنفيديا» (رويترز)

رفعت شركة «إنفيديا» سقف برنامجها لإعادة شراء الأسهم بمقدار قياسي يبلغ 150 مليار دولار، في خطوة تعكس قوة التدفقات النقدية التي تولدها طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، وتأتي في وقت يُتداول فيه سهم شركة الرقائق عند واحد من أدنى مضاعفات الأرباح المستقبلية منذ أكثر من عقد.

وارتفع سهم «إنفيديا»، ومقرها سانتا كلارا في كاليفورنيا، بنحو 2 في المائة الاثنين، بعدما سجل مكاسب تتجاوز 20 في المائة منذ بداية العام وحتى إغلاق الجمعة.

ويرفع التفويض الجديد القدرة المتبقية لبرنامج إعادة شراء الأسهم إلى 235 مليار دولار، وتتوقع الشركة استخدام هذا المبلغ حتى السنة المالية 2028، مستفيدة من الطلب المتزايد على رقائق تدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي لتعزيز توليد السيولة.

ويأتي قرار «إنفيديا» فيما يتراجع نشاط الشركات الأميركية في إعادة شراء أسهمها، إذ انخفضت عمليات إعادة الشراء بنحو 50 في المائة خلال الفترة من يوليو (تموز) إلى 23 سبتمبر (أيلول).

وقال الرئيس التنفيذي للشركة، جنسن هوانغ، إن قوة توليد السيولة تتيح لـ«إنفيديا» الاستثمار في التقنيات التي تدفع هذا التحول، إلى جانب إعادة رأس المال إلى المساهمين.

وتتجاوز قيمة التفويض الجديد البالغ 150 مليار دولار القيمة السوقية لنحو 84 في المائة من الشركات المدرجة في مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، وفق بيانات جمعتها «إل إس إي جي».

وتُتداول أسهم «إنفيديا» عند نحو 16.5 مرة من الأرباح المتوقعة للأشهر الاثني عشر المقبلة، وهو أدنى مضاعف منذ يناير (كانون الثاني) 2015، وأقل بكثير من متوسط السنوات الـ15 البالغ نحو 30 مرة، وفق بيانات «إل إس إي جي». ويرى بعض المحللين أن انخفاض المضاعف يعكس تراجع توقعات نمو الأرباح.

وقال المحلل لدى «إي ماركيتر»، جاكوب بورن، إن طفرة بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لن تستمر إلى الأبد بالوتيرة الحالية، لكن خطوة «إنفيديا» تشير إلى ثقتها باستمرار الطلب على أجهزتها وخدماتها.

وأضاف أن قوة توليد السيولة لدى الشركة تُتيح لها مواصلة الاستثمار بكثافة في نشاطها، بالتوازي مع إعادة رأس المال إلى المساهمين.

وكانت «إنفيديا» قد أنهت الربع المالي المنتهي في يوليو برصيد نقدي وما يعادله يبلغ 22.44 مليار دولار، بعدما أعلنت في مايو (أيار) الماضي برنامجاً لإعادة شراء أسهم بقيمة 80 مليار دولار.

وفي الشهر الماضي، توقعت الشركة نمو إيراداتها بنحو 70 في المائة بحلول السنة المالية 2028، في رسالة هدفت إلى طمأنة المستثمرين الذين يتساءلون عن المدة التي يمكن أن يستمر خلالها الإنفاق القوي على الذكاء الاصطناعي، بعد سنوات من النمو السريع.


لاغارد: التضخم الأوروبي لا يزال يتطلب استجابة نقدية «مدروسة»

لاغارد خلال اجتماع وزراء مالية منطقة اليورو في دبلن (إ.ب.أ)
لاغارد خلال اجتماع وزراء مالية منطقة اليورو في دبلن (إ.ب.أ)
TT

لاغارد: التضخم الأوروبي لا يزال يتطلب استجابة نقدية «مدروسة»

لاغارد خلال اجتماع وزراء مالية منطقة اليورو في دبلن (إ.ب.أ)
لاغارد خلال اجتماع وزراء مالية منطقة اليورو في دبلن (إ.ب.أ)

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، الاثنين، إن ارتفاع التضخم في منطقة اليورو لا يزال يتطلب استجابة نقدية «مدروسة»، في وقت تدفع فيه قفزة أسعار النفط والغاز، المرتبطة بالحرب الأميركية - الإيرانية، التضخم إلى مستويات أعلى، لكنها لم تُظهر حتى الآن مؤشرات على ترسخه في الأجور وتوقعات الأسعار.

وقالت لاغارد خلال جلسة أمام لجنة في البرلمان الأوروبي إن التضخم «سيرتفع في الفترة المقبلة»، لكنها أضافت أنه لا توجد حتى الآن علامات على تحوله إلى موجة مستدامة، مشيرة إلى عدم وجود أدلة على انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادات في الأجور.

وأضافت أن صدمة الطاقة «كبيرة إلى حد لا يمكن تجاهله»، إلا أن ذلك لا يبرر، في المرحلة الحالية، استجابة نقدية حادة، قائلة إن الاستجابة «المدروسة» تظل مناسبة لإبقاء التضخم تحت السيطرة.

وكان تضخم منطقة اليورو قد تجاوز 3 في المائة، مع توقعات باقترابه من 4 في المائة بنهاية العام، أي نحو مثلي هدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2 في المائة. وأدى ذلك إلى زيادة رهانات الأسواق على مزيد من رفع أسعار الفائدة خلال العام المقبل، بعد خطوتين خلال الصيف.

لكن تصريحات لاغارد بدت أقل تشدداً من بعض التوقعات في الأسواق، إذ شددت على أن ارتفاع أسعار الطاقة هو المحرك الرئيسي للموجة التضخمية الحالية، مع إقرارها بأن مخاطر التضخم تميل إلى الاتجاه الصعودي وأن درجة عدم اليقين بشأن آفاق الاقتصاد مرتفعة.

وتشير تقديرات اقتصاديين إلى أن البنك المركزي الأوروبي قد يبقي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقرر في 29 أكتوبر (تشرين الأول)، قبل أن يعاود رفعها في ديسمبر (كانون الأول)، بالتزامن مع صدور توقعاته الاقتصادية الجديدة.

وفي الجانب المالي، قالت لاغارد إن الدعم الذي تقدمه حكومات منطقة اليورو لتعويض ارتفاع تكاليف الطاقة آخذ في الزيادة، كما أن الإجراءات أصبحت أقل استهدافاً وأقل مؤقتية مما كان صناع السياسات يأملون.

وأوضحت أن الدعم المالي على مستوى منطقة اليورو يعادل حالياً نحو 0.1 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 0.03 نقطة قبل ثلاثة أشهر، مضيفة أن هذه الإجراءات «ليست بالضرورة مؤقتة ولا بالضرورة مستهدفة».

وعلى صعيد الاقتصاد، حافظت لاغارد على نبرة متفائلة نسبياً، مشيرة إلى متانة قطاع التصنيع وسوق العمل، إضافة إلى توقعها أن يدعم الاستثمار النمو.

وفي ملف الاستقرار المالي ودور اليورو، قالت لاغارد إن البنك المركزي الأوروبي سيعمل على تطوير خطوط مقايضة جديدة مع البنوك المركزية الأجنبية، بما يتيح لها الحصول على اليورو ويسهم في تعزيز قوة العملة الأوروبية.

وقالت إن البنك سيعمل على خطوط مقايضة «أكثر استجابة» للحاجة إلى منطقة يورو ذات سيادة مالية ونقدية أقوى، في خطوة تستهدف تعزيز قدرة اليورو على أداء دوره في النظام المالي العالمي.


الربط الكهربائي السعودي - المصري يقترب من التشغيل

وزير الكهرباء المصري خلال ندوة بـ«الهيئة الوطنية للصحافة» مساء الأحد (صفحة وزارة الكهرباء على فيسبوك)
وزير الكهرباء المصري خلال ندوة بـ«الهيئة الوطنية للصحافة» مساء الأحد (صفحة وزارة الكهرباء على فيسبوك)
TT

الربط الكهربائي السعودي - المصري يقترب من التشغيل

وزير الكهرباء المصري خلال ندوة بـ«الهيئة الوطنية للصحافة» مساء الأحد (صفحة وزارة الكهرباء على فيسبوك)
وزير الكهرباء المصري خلال ندوة بـ«الهيئة الوطنية للصحافة» مساء الأحد (صفحة وزارة الكهرباء على فيسبوك)

يقترب مشروع الربط الكهربائي بين السعودية ومصر، أحد أكبر مشاريع الطاقة وأكثرها طموحاً في المنطقة، من دخول مرحلة التشغيل الفعلي عقب إعلان رسمي مصري عن اكتمال الأعمال في الجانب المصري ودخول المشروع مراحل التشغيل التجريبي.

ولا يقتصر هذا المشروع الاستراتيجي، الذي تبلغ استثماراته نحو 1.8 مليار دولار وبقدرة تبادلية تصل إلى 3000 ميغاواط، على كونه خطوة لتعزيز كفاءة الشبكتين القوميتين في البلدين فحسب، بل يُمثّل تحولاً مفصلياً في خريطة الطاقة الإقليمية والدولية. فمن خلال ربط أكبر شبكتين كهربائيتين في العالم العربي، يُرسي هذا المشروع النواة الأولى لسوق عربية مشتركة للكهرباء، ويُرسّخ مكانة البلدين بوصفهما مركزين محوريين لتداول الطاقة ونقلها بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا.

جاهزية مصرية

أوضح وزير الكهرباء والطاقة المتجددة المصري، الدكتور محمود عصمت، خلال ندوة صحافية مساء الأحد، أن المشروع الجاري تنفيذه يستهدف تبادل الطاقة بقدرة 3000 ميغاواط عبر مسار يمتد لـ1320 كيلومتراً، مشيراً إلى أنه منذ يوليو (تموز) 2024 حتى يونيو (حزيران) 2025 تسارعت معدلات الإنجاز والتقدم المحرز حتى وصل المشروع إلى مراحل التشغيل التجريبي.

وأكد عصمت اكتمال جميع الأعمال الهندسية والتنفيذية بالجانب المصري من مشروع الربط الكهربائي مع السعودية، وأنه يتبقى جزء يسير فقط من الأعمال والاختبارات الفنية والتجهيزات النهائية على الجانب السعودي.

وتضمنت الأعمال المقامة في مصر إنشاء محطة محولات «بدر» بجهد 500 كيلوفولت، والخط الهوائي الممتد بين «بدر - طابا» بطول 320 كيلومتراً، بالإضافة إلى تشييد أبراج عبور قناة السويس العملاقة التي ترتفع لأكثر من 220 متراً لضمان نقل الطاقة بسلاسة وأمان، تمهيداً لبدء التبادل الفعلي بين البلدين.

وكان وزير الكهرباء قد صرح في 15 فبراير (شباط) الماضي، خلال لقاء مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، بأن مشروع الربط الكهربائي بين مصر والسعودية سيلعب دوراً هاماً في استقرار الشبكة القومية للكهرباء خلال فصل الصيف الذي يمثل ذروة الاستخدام.

المواصفات الفنية

وفقاً لمعلومات مصرية رسمية، يُعد المشروع أحد أكبر مشروعات الربط الكهربائي في المنطقة باستثمارات تُقدر بنحو 1.8 مليار دولار، ويعمل بقدرة تبادلية تصل إلى 3000 ميغاواط. ويتكون المشروع من 3 محطات محولات ضخمة ذات جهد عالٍ: الأولى في شرق المدينة المنورة بالمملكة، والثانية في منطقة تبوك بالسعودية، والثالثة في مدينة بدر شرق القاهرة بمصر.

وتربط بين هذه المحطات خطوط هوائية يصل طولها لنحو 1350 كيلومتراً، بالإضافة إلى كابلات بحرية تحت الماء عبر خليج العقبة.

وزير الكهرباء المصري خلال تصريحات مساء الأحد (صفحة وزارة الكهرباء على فيسبوك)

تحول استراتيجي في أمن الطاقة الإقليمي

ويرى رئيس «مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية»، الخبير الاقتصادي خالد الشافعي، أن مشروع الربط الكهربائي بين مصر والمملكة العربية السعودية يمثل تحولاً استراتيجياً في خريطة الطاقة بالمنطقة وأمنها، إذ يعزز أمن الطاقة في كلا البلدين بقدرة تصل إلى 3000 ميغاواط عبر خطوط تيار مستمر عالي الجهد تمتد على طول 1320 كيلومتراً، وهو ما يقرب من 8 إلى 10 في المائة من إجمالي احتياطي القدرة التشغيلية في مصر.

ولفت الشافعي إلى أن ذلك يدعم استقرار الشبكة القومية دون الحاجة إلى تشغيل محطات توليد إضافية ذات تكلفة تشغيلية مرتفعة، كما يقلل من الانبعاثات الكربونية بنسب تصل إلى ملايين الأطنان سنوياً نتيجة الاستخدام الأمثل لمزيج الطاقة المتجددة في البلدين.

وشدد الخبير الاقتصادي على أن هذا الربط مع التشغيل الفعلي سيحقق وفورات اقتصادية ضخمة في استهلاك الوقود الأحفوري وتكاليف الصيانة للمحطات الاستثمارية. وتتجسد قوة البنية التحتية لهذا المشروع في إنشاء محطة محولات بدر بجهد 500 كيلوفولت، والتي تتصل بخط هوائي يمتد بطول 320 كيلومتراً عبر مسار «بدر - طابا»، مروراً بأبراج عبور قناة السويس العملاقة التي ترتفع لأكثر من 220 متراً، لضمان نقل الطاقة بسلاسة وأمان عبر القارتين الأفريقية والآسيوية.

بوابة للربط مع أوروبا

في السياق ذاته، تحدث الوزير المصري عن مشروعات الربط الكهربائي القائمة مع دول الجوار مثل السودان وليبيا والأردن، مشيراً إلى أنه يجري حالياً الانتهاء من الدراسات الخاصة بمشروع الربط مع اليونان وكذلك إيطاليا، لتصبح مصر جسراً لأوروبا، بحسب بيان الوزارة.

وبالنسبة للبعد الإقليمي، أضاف الشافعي أن دخول المشروع السعودي - المصري مراحل التشغيل يُعد النواة الحقيقية لتأسيس سوق عربية مشتركة للكهرباء؛ إذ يربط هذا المشروع بين أكبر شبكتين كهربائيتين في المنطقة العربية بنسبة تزيد على 60 في المائة من إجمالي الطاقة الكهربائية المنتجة في العالم العربي.

ويفتح هذا التطور آفاقاً واسعة لمصر لاستغلال موقعها الجغرافي الفريد باعتبارها مركزاً إقليمياً محورياً لتداول الطاقة؛ إذ يتيح للشبكة المصرية إدارة منظومة ربط متعددة الأطراف تمتد بين المشرق العربي عبر السعودية والأردن، والمغرب العربي عبر ليبيا، وأفريقيا عبر مشروع الربط القائم مع السودان.

بالإضافة إلى كونها بوابة أوروبا المستقبلية عبر مشروعات الربط الجاري دراستها وتنفيذها مع اليونان وقبرص وإيطاليا لنقل قدرات تصل إلى 2000 ميغاواط، ما يعزز العائدات الاقتصادية المباشرة، ويجعل المنطقة ركيزة أساسية لا غنى عنها لاستقرار واستدامة الطاقة إقليمياً ودولياً.