هل تخطّت البعثة الأممية حدود تفويضها في إدارة «الحوار الليبي»؟

حكومة حماد اتهمتها بالإصرار على «تجاوز المواثيق الدولية»

من إحاطة تيتيه أمام مجلس الأمن أكتوبر الماضي (البعثة الأممية)
من إحاطة تيتيه أمام مجلس الأمن أكتوبر الماضي (البعثة الأممية)
TT

هل تخطّت البعثة الأممية حدود تفويضها في إدارة «الحوار الليبي»؟

من إحاطة تيتيه أمام مجلس الأمن أكتوبر الماضي (البعثة الأممية)
من إحاطة تيتيه أمام مجلس الأمن أكتوبر الماضي (البعثة الأممية)

وجدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا نفسها مجدداً وسط عاصفة سياسية وقانونية، بعدما اتهمتها حكومة أسامة حمّاد، المكلّفة من مجلس النواب في الشرق، بـ«تجاوز القوانين الليبية والمواثيق الدولية المنظمة للعلاقات الدبلوماسية»، وتزامنت هذه الاتهامات مع بدء التحضيرات لـ«الحوار المهيكل»، الذي سبق وأعلنت عنه المبعوثة هانا تيتيه ضمن خريطة الطريق السياسية.

تساؤلات حول مدى التزام البعثة

هذه الاتهامات أعادت فتح نقاش قديم حول مدى التزام البعثة بالقواعد القانونية في تحركاتها داخل ليبيا، وما إذا كان الأمر يعكس - كما يرى مراقبون - أزمة ثقة متجذّرة بين سلطتين متنافستين، وبعثة أممية تحاول المناورة في مشهد بالغ التعقيد. ومن منطلق دبلوماسي وقانوني، فإن تدخل الأمم المتحدة في ليبيا يستند إلى قرارات مجلس الأمن، على رأسها القراران 1970 و1973 لعام 2011، الصادران تحت الفصل السابع، ثم القرار 2009 الذي أنشأ بعثة الدعم لتيسير الانتقال السياسي.

رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان الليبي أسامة حماد (حكومة الاستقرار)

لكن بالرغم من أن هذا التدخل الأممي يستند إلى شرعية قانونية واضحة، حسب أستاذ العلوم السياسية في جامعة نيوإنغلند، الدكتور علي عبد اللطيف حميدة، فإنه يرى أيضاً أن البعثة «أصبحت في مأزق حقيقي لأنها باتت في الوقت نفسه جزءاً من الأزمة وجزءاً من الحل، بعد أربعة عشر عاماً من المحاولات دون تحقيق اختراق حقيقي».

ويعتقد حميدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الخلاف الحالي «ليس قانونياً فحسب، بل هو انعكاس لانعدام الثقة بين الحكومتين المتنافستين؛ فحكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس تُتَّهم بالمماطلة للبقاء في السلطة، بينما تعتبر حكومة حمّاد أن هناك التفافاً على دورها، وسط غياب إرادة دولية ومحلية لمعالجة الملفات الجوهرية، مثل تفكيك الميليشيات وتوحيد المؤسسات».

ولا تعترف البعثة بشرعية حكومة حمّاد، المنبثقة عن مجلس النواب، فيما تردّ الأخيرة بسلسلة انتقادات، تتهم فيها البعثة بـ«تجاهل مؤسسات الشرق وانتهاك السيادة الوطنية»، وقد رفعت في الأشهر الأخيرة شكوى رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن، تطالب فيها بطرد البعثة من البلاد.

مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه (البعثة)

غير أن تحرك بنغازي الأخير بدا أشبه بردّ فعل سريع على قطار «الحوار المهيكل»، الذي تسعى البعثة الأممية إلى إطلاقه برعاية دولية واسعة. فقد سارعت حكومة حمّاد إلى اتهام البعثة بـ«الإصرار على تجاوز القوانين الليبية»، من خلال توجيه الدعوات مباشرةً إلى الجامعات والمؤسسات العامة لاختيار ممثلين للحوار، من دون التنسيق مع وزارة الخارجية، واعتبرت ذلك «انتهاكاً للأعراف الدبلوماسية وتدخّلاً في صلاحيات الدولة».

«تجاوز المؤسسات الليبية»

وفق هذه المعطيات، يعتقد الخبير في القانون الدولي محمد الزبيدي، أن «البعثة الأممية اعتادت تجاوز المؤسسات الليبية منذ عام 2011»، مستشهداً بمؤتمر الصخيرات الذي رعته الأمم المتحدة عام 2015، والذي وصفه بأنه «عُقد بطريقة ارتجالية وأنتج اتفاقاً زاد الانقسام».

وقال الزبيدي لـ«الشرق الأوسط» إن «مؤتمر جنيف شهد أيضاً شبهات شراء ذمم، بحسب اعتراف عضوة مشاركة فيه»، معتبراً أن «اختيار المشاركين في تلك المؤتمرات كان يتم وفق أجندات دولية لا تعبّر عن الإرادة الليبية».

وحذر الزبيدي من تكرر الأخطاء ذاتها في الحوار الجديد، متسائلاً: «هل تتضمّن خريطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه سقفاً زمنياً واضحاً لرحيل حكومة الدبيبة، وتوحيد السلطة واحترام نتائج الانتخابات؟ إن لم تفعل، فسنشهد جولةً جديدةً لإطالة الأزمة لا لإنهائها».

في المقابل، تؤكد بعثة الأمم المتحدة أن الحوار المهيكل «ليس هيئة لصنع القرار، بل منصة تشاورية تهدف إلى إشراك فئات أوسع من الليبيين في صياغة رؤية وطنية موحدة». وجاء في بيانها الأخير أن العملية «جزءٌ من خريطة طريق، تستهدف تهيئة بيئة مناسبة للانتخابات، وتعزيز الحوكمة وتوحيد المؤسسات».

رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة (حكومة الوحدة)

من جهته، يرى المحلل السياسي الليبي، خالد الشارف، أن بيان حكومة حمّاد «يعكس موقفاً مشروعاً دفاعاً عن السيادة الوطنية»، لكنه يرى أن «الفوضى المؤسسية والانقسام بين الحكومتين هو ما أتاح للأمم المتحدة مساحة أوسع للتحرك، دون الرجوع إلى السلطات المحلية». وخلص إلى أن «المسؤولية مشتركة؛ فبينما نرفض أي تجاوز أممي، يجب الاعتراف بأن الانقسام الداخلي أضعف الموقف الرسمي الليبي، وفتح الباب أمام التدخلات الخارجية».

تحاول البعثة الأممية من خلال «خريطة الطريق» إحياء المسار السياسي وصولاً إلى تحقيق الانتخابات (المفوضية)

وتحاول البعثة الأممية من خلال «خريطة الطريق»، التي أعلنتها تيتيه في أغسطس (آب) الماضي، إحياء المسار السياسي عبر تنظيم حوار بمشاركة 120 شخصية ليبية من مختلف المناطق، وصولاً إلى الانتخابات خلال 12 إلى 18 شهراً. لكن استمرار الانقسام بين الشرق والغرب، بعد أكثر من عقد على سقوط نظام معمر القذافي، يجعل الطريق إلى تسوية دائمة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.


مقالات ذات صلة

السلطات الأميركية تعتقل أحد المتهمين بالهجوم على المجمع الأميركي في بنغازي

شمال افريقيا وزيرة العدل الأميركية بام بوندي (أ.ب)

السلطات الأميركية تعتقل أحد المتهمين بالهجوم على المجمع الأميركي في بنغازي

أعلنت وزيرة العدل الأميركية، بام بوندي، الجمعة، القبض على زبير البكوش، أحد المشاركين الرئيسيين في الهجوم الدامي الذي استهدف المجمع الأميركي في بنغازي.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا آلاف الليبيين في وداع سيف القذافي بمدينة بني وليد (صفحات تابعة لسيف القذافي)

مقربون من سيف القذافي يحسمون الجدل بشأن وفاته: رأينا جثمانه

حسم مقربون من الراحل سيف الإسلام القذافي الجدل بشأن وفاته، مؤكدين أنهم شاهدوا جثمانه بأنفسهم، وتأكدوا من موته.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير العدل الأميركية بام بوندي رفقة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل، وجانين بيرو، المدعية العامة لمنطقة كولومبيا (أ.ب)

السلطات الأميركية تقبض على مشارك رئيسي في هجوم بنغازي

أعلنت وزير العدل الأميركية بام بوندي أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) ألقى القبض على مشارك رئيسي في هجوم بنغازي الذي استهدف القنصلية الأميركية عام 2012.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا جموع من المشيّعين يطوّقون سيارة الإسعاف التي تحمل جثمان سيف القذافي في مطار بني وليد (صفحات مؤيدة لسيف)

ليبيا تطوي صفحة سيف القذافي... وأنصاره يجددون «العهد»

وسط هتاف «نحن جيل بناه معمر... ولاّ يعادينا يدمّر»، جرت مراسم تشييع سيف القذافي إلى مثواه الأخير في مدينة بني وليد، وسط مشاركة وفود وأعداد كبيرة من المواطنين.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا 
قبيلة البراعصة في مدينة البيضاء شرق ليبيا تقيم عزاءً لسيف القذافي (قناة الجماهيرية)

جنازة نجل القذافي في بني وليد اليوم

وسط أجواء مشحونة بالحزن والغضب، نُقل جثمان سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الراحل معمر القذافي، إلى المستشفى العام بمدينة بني وليد العام (الشمال الغربي) أمس.

جمال جوهر (القاهرة)

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي


نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
TT

الخارجية السودانية تندد بهجوم «الدعم السريع» على قافلة برنامج الغذاء العالمي


نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون ينتظرون الحصول على الطعام في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف أمس (أ.ف.ب)

نددت وزارة الخارجية السودانية، الجمعة، بالهجوم الذي قالت إن قوات الدعم السريع نفذته بطائرة مسيرة على شاحنات تابعة لبرنامج الغذاء العالمي بشمال كردفان.

وقالت الوزارة في بيان، إن استهداف قوافل الإغاثة يمثل انتهاكاً جسيماً للقانون الإنساني الدولي ويقوض جهود إيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين.

وجددت الخارجية السودانية دعمها الكامل بالتعاون مع الأمم المتحدة ووكالاتها الإنسانية لتأمين وصول المساعدات لمستحقيها دون عوائق.

وكانت شبكة أطباء السودان قد أفادت في وقت سابق بمقتل شخص وإصابة ثلاثة في قصف لقوات الدعم السريع على قافلة إغاثة لبرنامج الأغذية العالمي بشمال كردفان.


ليبيا تطوي صفحة سيف الإسلام القذافي

جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
TT

ليبيا تطوي صفحة سيف الإسلام القذافي

جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع سيف الإسلام القذافي في بني وليد أمس (أ.ف.ب)

شيّعت جماهيرُ ليبية غفيرة، جثمانَ سيف الإسلام القذافي الذي ووري الثَّرى في مدينة بني وليد، أمس (الجمعة)، لتُطوى بذلك صفحةٌ من تاريخ ليبيا، كانت حافلةً بالجدل والصخب السياسي.

وجرى نقل الجثمان من مستشفى بني وليد، محمولاً على عربة إسعاف إلى ساحة مطار المدينة، حيث نُصبت هناك خيمة بيضاء كبيرة أقيمت فيها صلاة الجنازة عقب صلاة الجمعة. وصاحَبَ خروج الجثمان من المستشفى هتافاتٌ مدوّية ردّدها آلاف المشاركين الذين «جدّدوا العهد» لنجل العقيد الراحل معمر القذافي. كما خطب بعض رموز النظام السابق، أمام الحشود المشارِكة، مطالبين بالكشف عن قتلة سيف القذافي ومحاسبتهم.

وحصرت مديرية أمن بني وليد المشاركة في دفن سيف القذافي بجوار شقيقه خميس، وجدّه لأبيه إحميد بومنيار، على أشخاص محدودين، وعزت ذلك إلى «دواعٍ تنظيمية وضمان سَير المراسم وفق ما جرى الاتفاق عليه».


رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح ويختار طريق السلام

نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
TT

رئيس مجلس السيادة السوداني: نرحب بأي شخص يلقي السلاح ويختار طريق السلام

نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون في مخيم أبو النجا بولاية القضارف (أ.ف.ب)

قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، اليوم الجمعة، إن الدولة لا ترفض السلام ولا الهدنة، لكن يجب ألا تكون الهدنة «فرصة لتمكين العدو مجدداً»، في إشارة إلى «قوات الدعم السريع».

وأضاف البرهان، في تصريحات أدلى بها، خلال زيارة لولاية الجزيرة، ونقلها بيان مجلس السيادة، أنه يرحب «بأي شخص يضع السلاح وينحاز لطريق السلام». وأكد أن «من يحرّض ضد البلد والجيش ستجري محاسبته».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد قال، أمس الخميس، إن بلاده تسعى سعياً حثيثاً لإنهاء الحرب في السودان، وإنها توشك على تحقيق ذلك.

واندلعت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في منتصف أبريل (نيسان) 2023، بعد صراع على السلطة خلال فترة انتقالية كان من المفترض أن تُفضي إلى إجراء انتخابات للتحول إلى حكم مدني.