لجنة «وقف النار» بين لبنان وإسرائيل تنتقل إلى مسار منهجي ورسمي

شددت في اجتماعها على السلام وتعزيز المساءلة… وأشادت بالجيش

عنصر بالجيش اللبناني إلى جانب آلية عسكرية في بلدة ديرميماس جنوب لبنان فبراير 2025 (أرشيفية - رويترز)
عنصر بالجيش اللبناني إلى جانب آلية عسكرية في بلدة ديرميماس جنوب لبنان فبراير 2025 (أرشيفية - رويترز)
TT

لجنة «وقف النار» بين لبنان وإسرائيل تنتقل إلى مسار منهجي ورسمي

عنصر بالجيش اللبناني إلى جانب آلية عسكرية في بلدة ديرميماس جنوب لبنان فبراير 2025 (أرشيفية - رويترز)
عنصر بالجيش اللبناني إلى جانب آلية عسكرية في بلدة ديرميماس جنوب لبنان فبراير 2025 (أرشيفية - رويترز)

انتقلت اللجنة الخماسية للإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل (الميكانيزم)، إلى مسار جديد يتمثل بتنظيم اجتماعات بشكل أكثر منهجية، وإضفاء الطابع الرسمي على جدول الاجتماعات، حسبما أعلنت السفارة الأميركية في بيروت في بيان عقب اجتماع اللجنة، برئاسة الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، في مقر القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان بالناقورة الحدودية.

وأشار بيان السفارة إلى إشادة بجهود الجيش اللبناني وإجراءاته العملياتية في منطقة جنوب الليطاني، وسط دعوات أميركية له لتنفيذ خطته بحصرية السلاح في المنطقة بحلول نهاية العام.

ويُنظر إلى هذا الاتفاق في الاجتماع على أنه تطوير لمسار عمل اللجنة، حيث باتت اجتماعاتها منتظمة، وهذا ما واظبت الدولة اللبنانية على المطالبة به، بالنظر إلى أن لجنة «الميكانيزم» هي الآلية الوحيدة القائمة لخفض التوتر ومعالجة الخروق ومنع التصعيد.

آلية عسكرية تابعة لقوات «يونيفيل» عليها شعار الأمم المتحدة وأمامها سيارة تتبع الجيش اللبناني خلال دورية مشتركة (أرشيفية - يونيفيل)

وظهرت مؤشرات إيجابية نتيجة الاجتماع، أولها البيان الذي صدر عن السفارة الأميركية الذي أعلن عن تفاصيل الاجتماع؛ إذ لم تصدر بيانات رسمية عقب الاجتماعات الأربعة السابقة على الأقل، ولم تصدر لا عن الجانب الأميركي ولا الجيش اللبناني ولا «يونيفيل».

أما المؤشر الثاني، فيتمثل بالإشادة بعمل الجيش اللبناني، وإطلاع لجنة «الميكانيزم» على عملياته التفصيلية، والإشارة إلى «مساءلة (الطرف الذي يخرق وقف النار) في إطار ترتيبات وقف الأعمال العدائية».

وتتضمن لجنة «الميكانيزم» ممثلين عن لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا و«يونيفيل»، ويرأسها جنرال أميركي. وشُكّلت اللجنة بعد التوصل إلى اتفاق لوقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحلت مكان اللجنة الثلاثية (لبنان وإسرائيل و«يونيفيل») التي كانت تعقد اجتماعاتها قبل إطلاق «حزب الله» حرب الإسناد في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ووزعت السفارة الأميركية في بيروت، بياناً أشارت فيه إلى أن «كبار القادة عقدوا الاجتماع الثاني عشر للجنة الإشراف على وقف الأعمال الحربية (الميكانيزم) في الناقورة (مقر الأمم المتحدة في جنوب غرب لبنان) لمراجعة التقدم الذي أحرزه الجيش اللبناني في الحفاظ على ترتيبات وقف الأعمال العدائية، وتعزيز جهود نزع السلاح في لبنان».

وضمت الجلسة، التي استضافتها «يونيفيل»، كلاً من الجنرال كليرفيلد، رئيس اللجنة، والمستشارة مورغان أورتاغوس، بالإضافة إلى ممثلين كبار من جميع الوفود. وأكد جميع الأعضاء «التزامهم المشترك بدعم الاستقرار في لبنان، واتفقوا على تنظيم الاجتماعات بشكل أكثر منهجية، معلنين أن الاجتماعات التالية من الثالث عشر إلى السادس عشر للّجنة ستُعقد قبل نهاية العام»، حسب بيان السفارة.

وقال الجنرال كليرفيلد: «إن إضفاء الطابع الرسمي على جدول الاجتماعات يضمن توافق جميع المشاركين، اطلاعهم الكامل، واستعدادهم لتقديم تحديثات شفافة إلى المجتمع الدولي. إن هذا النهج يعزّز الكفاءة العملانية ويبني الثقة المشتركة الضرورية لتحقيق السلام الدائم في لبنان».

إشادة بالجيش

وتابع: «إن احترافية الجيش اللبناني والتزامه جديران بالملاحظة. لقد شاهدته ينفّذ مجموعة واسعة من العمليات، بدءاً من توفير الحماية لعمليات حصاد الزيتون وصولاً إلى تنفيذ عمليات معقدة لتحديد موقع منشأة تحت الأرض، تفكيكها، وتحييدها، والتي يُعتقد أنها كانت تُستخدم من قِبل جهات خبيثة. يعكس أداؤه هذا قوة الجيش اللبناني وعزيمته الراسخة لتأمين مستقبل وطنه».

احترافية الجيش

وأضاف البيان: «خلال اجتماع اللجنة، قدّم الجيش اللبناني تحديثاً عملانياً مفصلاً، مسلّطاً الضوء على عملية حديثة لتطهير منشأة تحت الأرض بالقرب من وادي العزية، حيث أسفرت العملية عن استطلاع شامل للمنطقة، مع التخطيط لإعادة زيارتها لاحقاً.

وأشاد الجنرال كليرفيلد باحترافية الجيش اللبناني وانضباطه».

كما بحثت اللجنة أيضاً فرص التخفيف المستمر من انتهاكات ترتيبات وقف الأعمال العدائية. ووفقاً للبيان «اتفق المشاركون على أن تظل هذه المسألة بنداً ثابتاً على جدول أعمال جميع الجلسات المستقبلية، بصفتها جزءاً من الجهد الجماعي للحفاظ على السلام وتعزيز المساءلة في إطار ترتيبات وقف الأعمال العدائية».

تنفيذ خطة الجيش

من جهتها، قالت أورتاغوس: «إننا نواصل متابعة التطورات في لبنان، ونرحب بقرار الحكومة وضع جميع الأسلحة تحت سيطرة الدولة بحلول نهاية العام». وأضافت: «يتعين على الجيش اللبناني الآن تنفيذ خطته بشكل كامل».

وختم البيان مشيراً إلى انه «لا تزال لجنة الإشراف على وقف الأعمال الحربية (الميكانيزم) تضطلع بدور محوري في رصد الالتزامات التي تعهد بها كل من إسرائيل ولبنان، والتحقق منها، والمساهمة في إنفاذها».

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس (الرئاسة اللبنانية)

وكان الجيش اللبناني قدم لمجلس الوزراء اللبناني في 5 سبتمبر (أيلول) الماضي، خطة لتنفيذ حصرية السلاح في لبنان، تبدأ من منطقة جنوب الليطاني، واستمهل ثلاثة أشهر لتنفيذها في المنطقة، على أن يقدم شهرياً تقريراً عن إنجازاته على هذا الصعيد. ووافق مجلس الوزراء على الخطة وكلفه تنفيذها، على أن يُمنع خلال هذه الفترة نقل السلاح من مكان إلى آخر، ويستكمل خطة حصرية السلاح على كامل الأراضي اللبنانية على مراحل. وتقول السلطان اللبنانية إن احتلال إسرائيل نقاطاً داخل الأراضي اللبنانية، يعرقل استكمال الجيش اللبناني انتشاره في المنطقة، كما يمنع تنفيذ حصرية السلاح بالكامل.

حراك دبلوماسي

ويأتي اجتماع «الميكانيزم» غداة حراك دبلوماسي باتجاه بيروت، أميركي ومصري على وجه التحديد، تصدرته الموفدة الأميركية أورتاغوس، ومدير المخابرات المصرية حسن رشاد. وعكس الحراك جواً من التهدئة، بعد موجة من التصعيد الإسرائيلي خلال الأسبوع الماضي.

وقالت مصادر مواكبة لزيارة أورتاغوس للمسؤولين اللبنانيين، إن الخطة اللبنانية وآلية تنفيذها لحصر السلاح، تحظى بموافقة الجانب الأميركي، لكن الملاحظات تتركز على السرعة في تنفيذها، كما طرحت أورتاغوس توسيع لجنة «الميكانيزم» لتضم مدنيين إلى جانب العسكريين.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن التهويل بتهديدات إسرائيلية لتصعيد عملياتها في العمق اللبناني، «مصدره الإعلام اللبناني»، وإنه «لا صحة لتهديدات إسرائيلية نقلها موفدون دوليون إلى لبنان».


مقالات ذات صلة

تعهُّد «حزب الله» عدم إسناد إيران هل يُلزم «مجلسه الجهادي»؟

المشرق العربي مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)

تعهُّد «حزب الله» عدم إسناد إيران هل يُلزم «مجلسه الجهادي»؟

يتعامل لبنان بجدية مع الرسائل التحذيرية التي وصلت إليه، سواء بالواسطة أو مباشرةً، وتحمل تنبيهاً من أن إسرائيل ستضطر إلى توسعة المنطقة الأمنية.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي جندي لبناني يستخدم جواله لتصوير دخان يتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية تعرض لضربة إسرائيلية (رويترز)

الجيش اللبناني يرفض التنسيق الثنائي مع إسرائيل قبل الانسحاب من الجنوب

يرفض الجيش اللبناني مطالب إسرائيلية بتنسيق ثنائي مباشر بين الجيشين تجنباً لاستباق نتائج المفاوضات ومنعاً لتحويله إلى مادة تجاذب سياسية في الداخل 

نذير رضا (بيروت)
الاقتصاد اجتماع الهيئة العامة لمجموعة العمل المالي في باريس (المجموعة)

«فاتف» تُبقي لبنان على «القائمة الرمادية» وتطالبه باستكمال إصلاحاته

أبقت مجموعة العمل المالي «فاتف» لبنان على قائمتها الرمادية للدول الخاضعة للمتابعة المعززة، رغم إقرارها بالخطوات التي اتخذتها السلطات اللبنانية منذ أكتوبر 2024.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)

الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

يدفع الخوف من تجدد الحرب سكاناً في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى تغيير أماكن إقامتهم، أو استئجار منازل في مناطق أخرى، رغم امتلاك بعضهم منازل سليمة

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية بين قريتي كفر تبنيت وأرنون في جنوب لبنان السبت (أ.ف.ب)

معلومات إسرائيلية تعزز مخاوف اللبنانيين من خطر حرب جديدة

كشفت «معاريف» عن استعدادات للجيش الإسرائيلي لاحتمال احتلال ثلاث مدن رئيسية في جنوب لبنان، هي صور وصيدا والنبطية، في حال استئناف الحرب مع إيران وتدخل «حزب الله».

كارولين عاكوم (بيروت)

فلسطينيون يعودون إلى منازلهم المتضررة بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من الخليل

أشخاص يتفقدون الأضرار على سطح منزل فجّرته القوات الإسرائيلية في منطقة دير بحة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يتفقدون الأضرار على سطح منزل فجّرته القوات الإسرائيلية في منطقة دير بحة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

فلسطينيون يعودون إلى منازلهم المتضررة بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من الخليل

أشخاص يتفقدون الأضرار على سطح منزل فجّرته القوات الإسرائيلية في منطقة دير بحة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يتفقدون الأضرار على سطح منزل فجّرته القوات الإسرائيلية في منطقة دير بحة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

عاد فلسطينيون إلى منازلهم المتضررة في الخليل بالضفة الغربية المحتلة، الاثنين، بعد أن أنهى الجيش الإسرائيلي عملية استمرت 10 أيام، قالت الأمم المتحدة إنها تسببت في نزوح أكثر من 3 آلاف من المدينة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتنفيذ العملية بعد أن قتل مسلحان فلسطينيان جنديين إسرائيليين عند نقطة تفتيش في الخليل في 23 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وقُتل المسلحان في الهجوم.

وقال الجيش الإسرائيلي، نقلاً عن مسؤول عسكري لم يكشف عن اسمه، إن القوات انسحبت، الاثنين. وأضاف المسؤول أن الجنود «أجروا عمليات تفتيش دقيقة في مواقع متعددة، واحتجزوا واستجوبوا مشتبهاً بهم، وعثروا على 4 قطع سلاح وعدد من السترات ومعدات عسكرية إضافية، وصادروها».

خلال عودة السكان إلى منازلهم بعد انتهاء العملية العسكرية الإسرائيلية في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 2 نوفمبر 2026 (رويترز)

عمليات هدم

بكت تمارا عبيد لدى عودتها إلى منزلها لتجد الأثاث محطماً، والألعاب والمتعلقات الأخرى متناثرة على الأرض، وقالت عن اللحظة التي داهمت فيها القوات الإسرائيلية منزلها في 23 أكتوبر: «دخلوا علينا بطريقة مرعبة جداً».

وتابعت قائلة: «دخلوا علينا فجّروا الباب... دخلوا علينا بطريقة مرعبة جداً... يعني ما قدرناش نتحمّل الولاد، الأطفال... الصريخ. لحقونا على غرفة النوم، أنا شخصياً حطوا السلاح في راسي هددونا. كلبشوا جوزي، أخدوه على بره».

وقال الجيش الإسرائيلي، يوم الجمعة، إنه هدم منزلَي منفذي الهجوم، وأحدهما على مسافة قصيرة من منزل تمارا.

غرفة نوم أطفال بعثرت القوات الإسرائيلية محتوياتها خلال عملية عسكرية في منطقة دير بحة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

وذكر مسؤولون محليون أن الجيش الإسرائيلي هدم منازل أخرى ومتاجر وطرقاً ومصانع في الخليل منذ بدء الهجوم، لكن حجم عمليات الهدم لا يزال غير واضح.

وفي الموقع، الاثنين، أزالت جرافة أنقاضاً وحواجز طرق، ووقف عاملون مع الدفاع المدني الفلسطيني وأفراد من قوات الأمن وآخرون في ممر ضيق تتناثر فيه الأنقاض، وطوّق أفراد من قوات الأمن مدخل إحدى البنايات.

وتسببت تلك العملية الإسرائيلية في خروج احتجاجات فلسطينية في الخليل، الأسبوع الماضي، وهي مدينة تاريخية يعيش فيها مئات المستوطنين اليهود بين عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

وقال سكان إن المنازل التي هدمت، يوم الجمعة، تقيم فيها أُسر المهاجمين قبل أن يجبر الجيش الإسرائيلي الفلسطينيين على مغادرة المنطقة.

عناصر من «الإطفاء الفلسطيني» وخبراء تفكيك المتفجرات يتفقدون منزلاً فجّرته القوات الإسرائيلية في منطقة دير بحة بالخليل في الضفة الغربية المحتلة يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

وتصاعد العنف في الضفة الغربية منذ هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبه من هجوم عسكري إسرائيلي على قطاع غزة.

وشمل العنف في الضفة الغربية ارتفاعاً حاداً في هجمات المستوطنين المتشددين على الفلسطينيين، فضلاً عن حملات المداهمة العسكرية الإسرائيلية واسعة النطاق وهجمات فلسطينية على إسرائيليين.


تعهُّد «حزب الله» عدم إسناد إيران هل يُلزم «مجلسه الجهادي»؟

مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)
مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

تعهُّد «حزب الله» عدم إسناد إيران هل يُلزم «مجلسه الجهادي»؟

مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)
مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (أرشيفية - د.ب.أ)

يتعامل لبنان بجدية مع الرسائل التحذيرية التي وصلته، سواء بالواسطة أو مباشرةً، وتحمل تنبيهاً من أن إسرائيل ستضطر إلى توسعة المنطقة الأمنية التي تحتلها لتشمل مدن النبطية وصيدا وصور إذا عاود «حزب الله» إسناده لإيران في حال تجدّد الحرب بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية. وهذه المرة ستحظى بإسناد غير مسبوق للأخيرة من إسرائيل التي تخطّط لتضييق الخناق على الحزب باستهداف الضاحية الجنوبية وبعض الأحياء في بيروت، ما يعني أن تحييدهما بضغط أميركي لم يعد قائماً.

ويواكب لبنان، على المستويين الرسمي والشعبي، استمرار تبادل الرسائل بين واشنطن وطهران عبر الوسيطين القطري والباكستاني، اللذين يسعيان لتهيئة الأجواء لاستئناف المفاوضات الأميركية – الإيرانية على نحو يبدد القلق اللبناني، مع أن التواصل مع «حزب الله» يبقى محصوراً بجناحه السياسي، ما يطرح سؤالاً حول مدى استعداد شقّه العسكري للتجاوب، مع تحييد لبنان عن تجدد الحرب، باعتبار أنه صاحب الكلمة الفصل على حدّ اتهام خصومه له بأنه يتبع مباشرة «الحرس الثوري» في إيران.

اتصالات دولية وداخلية

على رغم أن تبادل الرسائل بين واشنطن وطهران يتلازم مع إصرارهما على رفع السقوف السياسية استعداداً لمعاودة المفاوضات، في ضوء الحديث عن حصول تقدّم في الوساطات، فإن رئيس الجمهورية جوزيف عون بادر إلى تشغيل علاقاته السياسية بكل الاتجاهات المحلية والعربية والدولية منذ أن تلقى تحذيراً من وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو بأن إسرائيل لن تقف مكتوفة اليدين إذا عاود «حزب الله» إسناده لإيران، وستبادر إلى توسيع اعتداءاتها وصولاً لربط جنوب نهر الليطاني بشماله امتداداً إلى البلدات الواقعة في نطاق قرى قضاء صيدا - الزهراني.

وكشف مصدر وزاري أن عون بادر فوراً للاتصال برئيسي المجلس النيابي نبيه بري والحكومة نواف سلام، ووضعهما في أجواء التحذير الإسرائيلي الذي نقله إليه روبيو. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن بري سارع لتكثيف اتصالاته بـ«حزب الله»، ناقلاً إليه مضمون التحذير الذي تبلغه من روبيو بالإنابة عن إسرائيل، إضافة إلى أن الحزب أُحيط به عبر التواصل غير المباشر بين عون وعدد من النواب الأعضاء في كتلة «الوفاء للمقاومة».

ولفت المصدر إلى أن التواصل غير المباشر بين عون ونواب من «حزب الله» لا يزال في بداية التأسيس لعله يعيد الحرارة إلى حوارهما المباشر، وقال إن الوسيط الذي التقاهم، بعلم عون وبمواكبته شخصياً، تبلّغ منهم بأن إيران ليست في حاجة لإسناد الحزب، ولديها من القدرات ما يتيح لها التصدي للهجمات الأميركية التي تستهدفها، وهذا ما أكده لهم نائب وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة، عندما التقاهم إلى جانب نواب من كتلة «التنمية والتحرير» برئاسة بري.

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

بري حلقة الوصل

وأكّد أن تدخّل بري لدى قيادة «حزب الله» من خلال معاونه السياسي النائب علي حسن خليل، الذي هو على تواصل دائم مع نظيره حسين خليل، المعاون السياسي لأمين عام «حزب الله» نعيم قاسم، كان وراء إبلاغه بأن الحزب لن يتدخّل إسناداً لإيران التي رفعت من منسوب استعداداتها للتصدّي للولايات المتحدة وإسرائيل إذا قررتا معاودة الحرب عليها. وقال إن بري أبلغ بدوره عون ورئيس الحكومة نواف سلام بمضمون التحذير، وبحصيلة التواصل بين الخليلين يستبعد إسناد الحزب لإيران.

وسأل المصدر عما إذا كان الحزب على استعداد هذه المرة للالتزام بما تعهد به لبري، بعدم إسناده لإيران، أم أنه سيكرر تفلّته من التزامه له على غرار ما حصل في 2 مارس (آذار) الماضي بإطلاقه 6 صواريخ على إسرائيل انتقاماً لاغتيالها المرشد الإيراني علي خامنئي، وتبنّي الإعلام الحربي للحزب مسؤولية إطلاقها؟

الجناحان السياسي والعسكري

في السياق، قال المصدر إن الجناح السياسي للحزب هو من أبلغ بري التزامه بعدم التدخل إسناداً لإيران، وسأل؛ هل ينسحب تعهده هذا على الجناح العسكري الذي يتبع مباشرة المجلس الجهادي في الحزب الذي كان وراء إطلاق الصواريخ، بخلاف ما كان تعهد به قاسم لبري؟

ويأمل المصدر أن يلتزم الحزب بعدم إسناد إيران، آخذاً بعين الاعتبار الاختلال في ميزان القوى العسكري واضطراره لإخلائه منطقة جنوب نهر الليطاني امتداداً إلى ما بعد الحافة الأمامية لشمال النهر التي تطل على جنوبه. وقال إن المزاج الشيعي العام أخذ يتبدّل ولم يعد يشكّل، كما كان في السابق، حاضنة للمقاومة.

ولفت إلى أن الحزب هو الآن في موقع الدفاع عن النفس، ولم يعد يمتلك القدرات العسكرية واللوجستية للدخول في مواجهة مع إسرائيل على نطاق واسع، وهو يتحصّن الآن بين مرتفعات إقليم التفاح وجبل الريحان لمنع إسرائيل من توسعة المنطقة الأمنية. وقال إن البيئة الشيعية لم تعد تتحمل وزر إقحامها في حرب جديدة مع إسرائيل إسناداً لإيران واضطرارها للنزوح مجدداً من معظم البلدات الواقعة بين جنوب النهر وشماله امتداداً إلى حدود منطقة الزهراني، إضافة إلى أنها ستدفع أكلافاً بشرية ومادية لا تقدّر طالما أن إسرائيل تواصل جرف البلدات وتدمير المنازل بشكل منهجي، ما يرفع فاتورة إعادة إعمار الجنوب.

صواريخ إيرانية وصور للمرشد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في الحرب خلال معرض عسكري بطهران في سبتمبر 2026 (أ.ب)

وتوقف المصدر أمام إصرار المرشد الإيراني مجتبى خامنئي على وحدة الساحات ورفضه التقيُّد بحدودها الجغرافية، وسأل؛ هل يتوخى من كلامه رفع سقوفه السياسية استعداداً لمعاودة المفاوضات مع الولايات المتحدة، مع أن أذرع محور الممانعة إلى تراجع في أماكن وجودها؟ وتمنى على قيادة «حزب الله» أن تعيد النظر في حساباتها، وألا تقدم على خطوة غير مدروسة، في ظل الاختلال في ميزان القوى بينها وبين إسرائيل. وقال: لم يعد من خيار أمامها سوى الانخراط في مشروع الدولة ووقوفها خلف عون في خياره الدبلوماسي بوضع سلاحها بتصرفه لتقوية موقف لبنان في المفاوضات، بعد أن جرّبت الحل العسكري الذي رتّب أكلافاً بشرية ومادية. وأكد أن مشكلتها تكمن في أنها ليست في وارد التكيّف مع دخول لبنان في مرحلة سياسية أمنية جديدة، غير تلك التي كانت قائمة قبل إسنادها لغزة وإيران.

ويبقى السؤال؛ هل يلتزم الحزب بعدم التدخل إسناداً لإيران، أم أن كلمة الفصل تبقى لجناحه العسكري الذي هو على تواصل مع «الحرس الثوري»، خصوصاً أن التواصل بين بري وقيادة الحزب كان وما زال محصوراً بجناحه السياسي، وهذا ما ينسحب أيضاً على التواصل غير المباشر بين عون وعدد من نواب الحزب؟


محادثات الوفد الحكومي اللبناني في دمشق... أولويات مختلفة بين العاصمتين

وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري في دمشق الاثنين (الخارجية السورية)
وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري في دمشق الاثنين (الخارجية السورية)
TT

محادثات الوفد الحكومي اللبناني في دمشق... أولويات مختلفة بين العاصمتين

وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري في دمشق الاثنين (الخارجية السورية)
وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني مستقبلاً نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري في دمشق الاثنين (الخارجية السورية)

تركزت محادثات الوفد الحكومي اللبناني في دمشق، الاثنين، على معالجة الملفات العالقة بين البلدين؛ وأفادت مصادر مطلعة في العاصمة السورية «الشرق الأوسط» بأن الأهمية المحورية لهذه المباحثات تتمثل في الانتقال من الإطار العام إلى بحث الإجراءات العملية والتنفيذية المطلوبة، مبيّنة أن الجانب السوري ركز على ملف ضبط الحدود والتعاون والتنسيق الأمني المشترك، في حين ركز الجانب اللبناني بشكل أساسي على ملف اللاجئين السوريين في لبنان.

واستقبل وزير الخارجية والمغتربين السوري، أسعد حسن الشيباني، في العاصمة دمشق، وفداً لبنانياً رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري.

حضر اللقاء من الجانب السوري كل من: وزير التعليم العالي والبحث العلمي مروان الحلبي، ووزير التربية والتعليم محمد تركو، ووزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، في حين ضم الجانب اللبناني كلاً من وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، ووزير العمل محمد حيدر، ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد.

وزارة الخارجية السورية أوضحت في بيان لها، الاثنين، أن «اللقاء بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، وتطوير التنسيق المشترك في مختلف المجالات، وفي مقدمتها التعاون الأمني، وضبط الحدود، إلى جانب توسيع آفاق الشراكة في قطاعات التربية والتعليم العالي والشؤون الاجتماعية والعمل، ومتابعة عمل اللجان الفنية المشتركة بما يخدم المصالح المتبادلة».

وفد لبناني رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني د. طارق متري في قصر الشعب بدمشق بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني ومسؤولين سوريين (الخارجية السورية)

وتأتي زيارة الوفد اللبناني إلى دمشق في سياق تعزيز العلاقات الثنائية، واستكمالاً للمحادثات السابقة، ومتابعةً لعمل اللجان المشتركة التي شُكّلت بين الجانبين لمعالجة الملفات المشتركة، وذلك بعد أن اتفق البلدان في يوليو (تموز) الماضي على تشكيل لجنة عليا مشتركة كإطار مؤسسي لتنسيق عمل الوزارات المعنية، وتطوير التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري، وتعزيز التفاهمات الأمنية.

وفي هذا السياق، عقدت الوزارات الثنائية جلسات تخصصية بحثت الملفات المشتركة، كل واحد وفق اختصاصه، بهدف صياغة الإجراءات المطلوبة لمعالجتها، وفقاً لما أوردته وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا».

وتضمن الجانب اللبناني وفداً تقنياً مكلفاً من وزارة الداخلية لمناقشة ملف التعاون الأمني بالنيابة عن وزير الداخلية اللبناني أحمد الحجار الذي أبلغ الجانب السوري بتأجيل زيارته إلى دمشق لموعد لاحق، مشيراً في بيان أصدره، الاثنين، إلى أن غيابه عن الاجتماع جاء لأسباب خاصة وطارئة.

توافد النازحين السوريين إلى معبر المصنع لدخول لبنان في 9 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

وبحسب المصادر المطلعة في دمشق، فقد تصدر ملف ضبط الحدود السورية ـ اللبنانية، وحركة المعابر الحدودية، والتنسيق الأمني لمكافحة التهريب والتسلّل طليعة المحادثات، بموازاة طرح ملف اللاجئين السوريين وأوضاع المقيمين في لبنان، وبالأخص أولئك الذين دخلوا خلسة؛ حيث سعت النقاشات لتناول ملف اللاجئين من زوايا متعددة؛ اجتماعية وأمنية وحقوقية، كما طُرح ملف التلاميذ السوريين في المدارس اللبنانية، وضرورة معالجة ملف معادلة الشهادات العلمية.

يُذكر أن وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية حنين السيّد، كانت قد زارت سوريا، منتصف الشهر الفائت، لبحث ملف اللاجئين، وأشارت في حينها إلى أن إجمالي العائدين من لبنان إلى سوريا بلغ 700 ألف شخص، بناءً على البيانات الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حتى نهاية سبتمبر (أيلول) 2026.

وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد تتوسط مسؤولين في الأمم المتحدة خلال الإشراف على رحلة عودة النازحين السوريين من لبنان (الشرق الأوسط)

وتعكس هذه التطورات بدء دمشق وبيروت صفحة جديدة في العلاقات الثنائية، تقطع مع مرحلة النظام السوري السابق وهيمنته على لبنان، والعمل على معالجة آثار تركة المرحلة السابقة عبر بناء علاقات جديدة تقوم على الاحترام المتبادل لسيادة واستقلال البلدين.

وتوجت زيارة الوفد الوزاري اللبناني برئاسة متري، الاثنين، مساراً دبلوماسياً متصاعداً انطلق فعلياً في مارس (آذار) 2025 بلقاء أمني تأسيسي عُقد في مدينة جدة برعاية سعودية، وأثمر اتفاقية بين وزيري دفاع البلدين لتعزيز التنسيق، وضبط الحدود، تلته في أبريل (نيسان) من العام نفسه زيارة تاريخية كانت الأولى لرئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى العاصمة السورية، صِيغت خلالها أطر تعاون جديدة.

مع حلول نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، بدأ الوزير طارق متري جولة تفاهمات أولية مهدت الطريق لزيارات لاحقة، أبرزها زيارة المتابعة التي قام بها سلام في مايو (أيار) 2026، والتي أعقبها حراك دبلوماسي سوري في يوليو 2026 تمثّل في زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، وإعلان تأسيس «اللجنة العليا اللبنانية السورية المشتركة».