«روزاليوسف»... 100 عام من المجازفة والضوء

احتفاء مصري بجرأة مُؤسِّسة المجلة ومعاركها الشهيرة

مبنى «روزاليوسف» في شارع قصر العيني (إدارة المؤسسة)
مبنى «روزاليوسف» في شارع قصر العيني (إدارة المؤسسة)
TT

«روزاليوسف»... 100 عام من المجازفة والضوء

مبنى «روزاليوسف» في شارع قصر العيني (إدارة المؤسسة)
مبنى «روزاليوسف» في شارع قصر العيني (إدارة المؤسسة)

يتيح الاحتفال بمئوية مجلة «روزاليوسف» فرصة للتجول في ممرات الذاكرة، التي ارتبطت باسم فاطمة اليوسف أو روزاليوسف (1897-1958) وقد تحوّل اسمها إلى مؤسسة، وصوتها إلى مدرسة صحافية كاملة.

داخل المبنى التاريخي الذي يحمل اسمها في قلب العاصمة المصرية، تتجاور ملامح الزمن بين طابع معماري يعود لأربعينات وخمسينات القرن الماضي، وصور فوتوغرافية تجمعها بكبار رموز الفكر والفن والسياسة، لتبدو الجدران كأنها مرآة للذاكرة الثقافية.

وداخل مبنى المؤسسة الحالي، ببنائه المعاصر، تكمن مفارقة رمزية لافتة، فالمبنى الذي يحمل اسم روزاليوسف لم تطأه قدما صاحبته يوماً. إذ رحلت فاطمة اليوسف قبل أن ترى هذا الصرح الجديد الذي انتقلت إليه المؤسسة عام 1960 بعد تأميمها، لكنها كانت قد أرست قواعده المعنوية من قبل، حين أدارت مجلتها الأولى من شقة صغيرة مكوّنة من 5 غرف تبعد أمتاراً قليلة عن المقر الحالي.

أول أعداد مجلة «روزاليوسف» (العدد التذكاري لمجلة «روزاليوسف»)

معارك ومصادرات

«لم تكن روزاليوسف تدير مشروعاً صحافياً فحسب، بل كانت تبني مؤسسة كاملة، تُفاوض وتناور وتُدير الأزمات بعقلٍ يسبق زمنه، امتلكت شجاعة الاشتباك مع السلطة دون أن تفقد قدرتها على المناورة، فكانت تفاوض الوزراء كما تناقش المحررين، وتدير معاركها بعقلية مؤسسية قلّ أن نجدها في بدايات القرن العشرين»، وفق وصف المؤرخ الصحافي المصري رشاد كامل، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «(روزاليوسف) كانت تعرف أن استمرار الكلمة يحتاج إلى قدر من الحكمة لا يقل عن الجرأة، فعندما صودرت مجلتها، أطلقت أخرى، وعندما أُغلقت (روزاليوسف) وُلدت (الصرخة) و(الرقيب) و(صدى الحق)».

مضيفاً أنها «لم تكن تملك رأس مال ضخماً ولا حزباً خلفها، بل كانت تستمد قوتها من إيمانها بالحرية ومن قدرتها الفطرية على تحويل المنع إلى مساحة جديدة للقول».

أما أهم لحظة في مسيرة مجلة «روزاليوسف»، كما يصفها كامل، فكانت «خلافها مع الكاتب الصحافي البارز محمد التابعي عام 1934، حين قرر الأخير الانفصال عنها وتأسيس مجلة (آخر ساعة)، مصطحباً نخبة من ألمع الصحافيين الشباب مثل مصطفى وعلي أمين وصاروخان»، ويوضح كامل: «بعد أن ظن الجميع أن مجلة (روزاليوسف) انتهت، لكنها ردّت بخطوة جريئة وتوجهت في اليوم التالي إلى وزارة الداخلية وقدّمت طلباً لإصدار جريدة يومية، وفي فبراير (شباط) 1935 صدر العدد الأول من جريدة روزاليوسف اليومية برئاسة الدكتور محمود عزمي، الذي أصبح لاحقاً ممثل مصر في الأمم المتحدة».

المجلة ضمت عدداً من أهم الكتاب في مصر (روزاليوسف)

ومن الطريف أن الأديب عباس محمود العقاد رفض في البداية الكتابة في جريدة «تملكها امرأة»، لكن السيدة «روزاليوسف» أقنعته بأنها «ليست جريدة سيدة بل منبر حر، فوافق، وتحول رفضه إلى إعجاب، وسرعان ما بدأت الصحيفة تهاجم الحكومة دفاعاً عن الدستور حتى اضطر رئيس الوزراء توفيق نسيم باشا إلى الاستقالة، قائلاً لمصطفى النحاس، لن أستطيع الاستمرار في الحكم ما دامت (روزاليوسف) تهاجمني»، وفق كامل.

صمود مهني

ويمكن في هذا الصدد الإشارة إلى كلمة الراحل إحسان عبد القدوس، في أغسطس (آب) سنة 1947، بعد مرور عامين على رئاسته للتحرير، بمناسبة صدور العدد ألف (1000) من مجلة «روزاليوسف»، فكتب مقالاً بعنوان «ألف عدد»، جاء فيه: «هذا هو العدد الألف من مجلة (روزاليوسف) وكان يجب أن يكون العدد رقم (1122) والذنب ذنب صدقي باشا ومحمد محمود باشا، والنحاس باشا والنقراشي باشا، رؤساء الحكومة، لأنهم عطلوا مجلة روزاليوسف مدداً تتراوح بين 6 أشهر و3 وشهرين وشهر وأسبوع، وقد بلغ مجموع الفترات التي عطلت فيها مجلة (روزاليوسف) سنتين كانتا كافيتين لتحطيم رأس أي عنيد وإزهاق روح أي جريدة أو مجلة، خصوصاً إذا أضفت إليهما أوامر المصادرة والغرامات القضائية وأحكام الحبس التي صدرت ضد كل من تولى رئاسة التحرير».

الاحتفال بمئوية مجلة «روزاليوسف» (الشرق الأوسط)

«تاريخ (روزاليوسف) هو في جوهره تاريخ الحرية»، كما يقول الكاتب والناقد المصري طارق الشناوي، ويتابع: «فقد خاضت المجلة معاركها مع الملك، ومع حزب الوفد، ومع عهد عبد الناصر، ودفعت الثمن حين دخل رئيس تحريرها إحسان عبد القدوس السجن دفاعاً عنها».

ويضيف الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «في زمن أنور السادات، وقفت المجلة ضد الانفتاح العشوائي، وأيّدت المظاهرات، فتم إبعاد رؤساء تحريرها فتحي غانم وصلاح حافظ بسبب انحياز السياسة التحريرية للغضب الشعبي، كانت (روزاليوسف) دائماً جريدة الحرية، لا تتردد في دفع ثمن موقفها. ورغم تقييد الإعلانات على الجريدة والمجلة، لم تتراجع، بل استمرت في الدفاع عن الكلمة الحرة». وفق تعبيره.

وفي المجال الفني، تبنّت المجلة الموقف ذاته، كما يتابع الناقد طارق الشناوي أحد كُتاب «روزاليوسف»: «وقفت إلى جانب الأفلام التي منعتها الدولة مثل (ناجي العلي) و(القاهرة منوّرة بأهلها)، وكتبت عنها ودافعت عن حرية الإبداع، في وقت كانت فيه أصوات رسمية تطالب بالمصادرة. هكذا ظلّ توجه (روزاليوسف) ثابتاً عبر العقود، الانحياز الدائم للحرية في كل أشكالها». حسب وصفه.

ولعل «طاقة الصمود المهنية الهائلة لدى (روزاليوسف)» هي ما تعتبره الدكتورة ليلى عبد المجيد، أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، يستحق الاحتفاء بها بوصفها «أعرق التجارب في الصحافة العربية، لمجلة سياسية وُلدت عام 1925 واستطاعت أن تحافظ على تواصل حي مع قرائها على اختلاف أجيالهم»، وفق قولها، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «منذ تأسيسها، وضعت (روزاليوسف) نصب عينيها مبدأ أساسياً، وهو أن تكون دائماً على يسار أي نظام، في موقع النقد والمساءلة، ومؤدية دورها في تنوير الرأي العام».

احتفالية كبرى بمئوية «روزاليوسف» (المجلة)

عمالقة الكاريكاتير

وعلى مدار 100 عام، تناوب عمالقة رسامي الكاريكاتير في مصر التوقيع على رسومهم التي أفردت لها «روزاليوسف» مساحات لافتة في أعدادها، ليكون الكاريكاتير أحد أبرز الفنون التي لازمت المجلة، فيعتبر فنان الكاريكاتير المصري سمير عبد الغني أن «(روزاليوسف) هي المدرسة الأم في الكاريكاتير التي خرج من عباءتها كل الكبار، منهم صاروخان الأرميني، والفنان عبد السميع، وجميع مبدعي مجلة (صباح الخير) من صلاح جاهين، وجورج بهجوري، وحجازي، ورجائي ونيس، وبهجت عثمان، وناجي كامل، وإيهاب شاكر، واللباد، ومحسن جابر، ومحمد حاكم، وغيرهم كثير من العباقرة الذين صنعوا مجد الكاريكاتير وكانوا لسان حال الشعب وأحد أهم أسباب البهجة للقراء».

ويضيف عبد الغني لـ«الشرق الأوسط»: «عندما ذهب جاهين إلى جريدة (الأهرام) في مرحلة لاحقة كانت أيادي (روزاليوسف) البيضاء تحط على (الأهرام)، ثم جاءت جريدة (الأهالي) فذهبت إليها كتيبة (روزاليوسف) من الرسامين بقيادة الفنان حجازي».

عدد تذكاري من «روزاليوسف» (المجلة)

طاقة استثنائية

ونظّمت مؤسسة «روزاليوسف» احتفالية بمناسبة مئوية المجلة التي صدر العدد الأول لها 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1925، مساء الأربعاء، في أحد فنادق القاهرة، بحضور عدد من الصحافيين والإعلاميين والشخصيات العامة، وفي الحفل تحدث حفيدها الكاتب الصحافي محمد عبد القدوس عن جدته قائلاً إنها كانت «سيدة استثنائية بكل المقاييس، جمعت بين الموهبة والإصرار وحققت نجاحاً فريداً في الفن والصحافة، إذ كانت الوحيدة في مصر التي تألقت في المجالين معاً».

وتابع: «بدأت حياتها ممثلة بارعة في فرق عزيز عيد وأمين الريحاني وجورج أبيض ويوسف وهبي وطلعت حرب، وشاركت في بطولة أوبريت من ألحان سيد درويش. وحين كانت في الرابعة عشرة جسدت على المسرح دور سيدة في السبعين، لتكشف مبكراً عن طاقتها التمثيلية الفريدة».

صحافيو «روزاليوسف» في لقطة تذكارية أمام المؤسسة (إدارة المؤسسة)

وتتأمل الكاتبة الصحافية زينب عفيفي خلال حضورها حفل المئوية، حالة التفرد التي تحيط باسم الكاتبة روزاليوسف إلى اليوم، قائلة: «بعد قرنٍ من رحيلها تظل (روزاليوسف) شخصية محورية في تاريخ الصحافة العربية، تميزت بروح المبادرة والجرأة وإصرارها على الحضور والمشاركة الفاعلة في عالم السياسة والثقافة والفن، في زمنٍ لم يكن يمنح النساء تلك المساحة»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «فهي صاحبة دور ريادي في الصحافة والكتابة، إذ كانت أول امرأة عربية تتولى رئاسة تحرير مجلة سياسية وثقافية عام 1925، في وقت كانت فيه المرأة المصرية مكبّلة بالقيود وأقصى طموحها أن تُكمل تعليمها». و«لعله الإلهام الذي استطاع تحريك الراكِد»، بحسب كلمة الدكتورة ليلى عبد المجيد: «ظلت (روزاليوسف) على مدى قرن من الزمان قادرة على أن تحتفظ بقدرتها على التجدد ومخاطبة القارئ بلغة معاصرة تراعي تغير الزمن، رغم التحولات السياسية والاقتصادية التي مرّت بها، فأن تبقى الصحافة فعل وعيٍ وفضاء حرّاً للفكر، هو جوهر مدرسة (روزاليوسف) التي ما زالت تُلهمنا حتى اليوم».


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الجلاجل لـ«الشرق الأوسط»: نموذج الرعاية الصحية السعودي يحظى باهتمام دولي

وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)
وزير الصحة السعودي فهد الجلاجل يتحدث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره الملتقى (تصوير: تركي العقيلي)

أكد فهد الجلاجل وزير الصحة السعودي، الثلاثاء، أن «نموذج الرعاية الصحية» في المملكة انتقل من مرحلة التصميم إلى التطبيق الفعلي، وبات اليوم يحظى باهتمام جهات عدة داخل البلاد وخارجها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أعقب رعايته وحضوره «ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026» في الرياض، أوضح الوزير أن النموذج بدأ تطبيقه وإجراء الكثير من المسارات وصولاً إلى اسمه الحالي، وأصبح ينفّذ في 20 تجمّعاً صحياً بالمملكة، وتتبنّاه الكثير من الجهات، وأخرى استفسرت عن تفاصيله بهدف تبنّيه في دول أخرى.

وأضاف الجلاجل أن الهدف الأساسي من النموذج يتمثل في خدمة المواطن ورفع جودة الخدمات، مشيراً إلى ارتباطه المباشر بمستهدفات «رؤية السعودية 2030»، مردفاً أنه يهدف «لتقديم الخدمات بأفضل جودة لرفع متوسط عمر الإنسان في المملكة، ورفع السنوات الصحية للمواطن وتقديم أفضل خدمه له».

شدد الوزير فهد الجلاجل على أن ما تحقق حتى اليوم في القطاع هو ثمرة عمل جماعي (وزارة الصحة)

وأعرب الوزير عن عدم ممانعة بلاده في استفادة أي دولة من تجارب «نموذج الرعاية الصحية السعودي»، غير أن الهدف الأساسي هو تحقيق مستهدفات «رؤية 2030» عبر مجتمع حيوي ووطن طموح، وإيصال الخدمات للمواطنين بشكل أفضل.

وحول وجود 7 مستشفيات سعودية ضمن تصنيف «براند فاينانس»، منها 4 ضمن أفضل 100 مستشفى عالميّاً، نوَّه الجلاجل بأن ما تحقق حتى الآن يُمثِّل مرحلة ضمن مسار مستمر من التطوير، لافتاً إلى أن طموحات المملكة هي تحقيق الريادة العالمية في عدد من التخصصات الطبية.

وتطرق الوزير إلى مسعى السعودية في أكثر من مدينة طبية ومستشفى تخصصي للريادة العالمية، وحققت أكثر من إنجاز في إجراء عمليات تعدّ الأولى عالمياً، مشدداً على أن «هذا الإنجاز سيتواصل، وسنرى المستشفيات السعودية تحقق نجاحات أكثر».

شهد الملتقى حضور نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين (وزارة الصحة)

وفي سياق متصل، قال الجلاجل إن التحول الصحي في السعودية لا يقتصر على الجوانب الطبية فقط، بل يشمل تكاملاً واسعاً بين مختلف القطاعات الحكومية.

وتعليقاً على سؤال «الشرق الأوسط» حول أبرز الإجراءات الصحية التي ساهمت في تقليل نسب وفيات الحوادث المرورية، قال الوزير إنها «ليست إجراءات صحية في حقيقتها ولكنها تكاملية، وأحد أهداف هذا التحول الصحي و(رؤية المملكة) هو أن تتكامل جميع القطاعات».

وتابع الجلاجل: «اليوم هناك لجنة السلامة المرورية فيها كل الجهات الحكومية، ابتداءً من وزارات (الداخلية، النقل، البلديات، التعليم) لوضع خطة شمولية، والكل اليوم يتناغم في هذا لإيصال هذه الرسالة»، مستدركاً: «قد يكون دور القطاع الصحي هو تخفيض الوفيات ورئاسة هذه اللجنة، لكن الدور الحقيقي والمؤثر هو للجهات كافة والشركاء الذين تعاونوا في إيصال هذه الخدمات، وكل جهة من الجهات قامت بدورها، ولدينا قائمة من الإجراءات التي قامت بها للحفاظ على صحة المواطن».

ناقشت الجلسات العلمية سبل الابتكار في المنظومة الصحية (تصوير: تركي العقيلي)

وتعليقاً على قرار مجلس الوزراء تشكيل لجنة دائمة تعنى بكل ما يتصل بمادة «الأسبستوس» ومتابعة حظرها، أبان الوزير أن بلاده تتعامل مع المخاطر الصحية بشكل استباقي عبر سياسات واستراتيجيات واضحة، وتعمل على درئها، مؤكداً: «أي خطر نرصده على المواطنين، فإن الحكومة تعمل على إيجاد الأدوات اللازمة لدرئه، والاستمرار في زيادة جودة الحياة».

وخلال كلمته اليوم في الملتقى، كشف الجلاجل عن انخفاض عدد السنوات التي يعيشها المواطن السعودي في المرض بمقدار 3 سنوات، مضيفاً أن نموذج الرعاية الصحية ساهم في أن يصبح متوسط العمر المتوقع في المملكة 79.7.

وأشار الوزير إلى انخفاض وفيات «حوادث الطرق» بنسبة 60 في المائة، و«الأمراض المزمنة» 40 في المائة، و«الأمراض المعدية» 50 في المائة، و«الوفيات الناجمة عن الإصابات» 30 في المائة، مشدداً على أن ما تحقَّق حتى اليوم في القطاع هو «ثمرة عمل جماعي، ورسالة واضحة بأن التحول الصحي في السعودية يسير بثبات وسنواصل على هذا النهج».

جانب من جلسة حوارية على هامش ملتقى نموذج الرعاية الصحية السعودي 2026 في الرياض الثلاثاء (وزارة الصحة)

وشهدت أعمال الملتقى، الذي تنظمه «الصحة القابضة» بنسخته الثالثة، الثلاثاء، حضورَ نخبة من المختصين الصحيين الدوليين والمحليين، وإقامةَ عدة جلسات علمية ناقشت سبل الابتكار في المنظومة الصحية، واستعراضَ أحدث الدراسات والأبحاث؛ لتعزيز صحة المجتمع والوقاية من الأمراض؛ تحقيقاً لمستهدفات برامج «رؤية 2030».


بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
TT

بين الإنتاجية والنسيان... ما تأثير تعدد المهام على الذاكرة؟

تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)
تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر (بيكسلز)

هل تشعر أحياناً بأن ساعات اليوم لا تكفي؟ لستَ وحدك؛ فكثيرون يشعرون بالإرهاق بسبب كثرة المهام التي يتعيّن إنجازها، سواء في العمل أم الدراسة، أم حتى في المنزل. ومن الطبيعي أن يحاول البعض أداء أكثر من مهمة في الوقت نفسه، حتى لو كانت إحداها مجرد الاستماع إلى بودكاست أثناء القيام بنشاط آخر.

غير أن المفارقة تكمن في أن تعدد المهام قد يأتي بنتائج عكسية، وفقاً لموقع «هيلث لاين»، إذ تشير الدراسات إلى أن تعدد المهام لا يقلل إنتاجيتنا على المدى القصير فحسب، بل قد يؤدي أيضاً إلى مشكلات في الذاكرة، بما في ذلك صعوبة تذكّر المعلومات على المدى الطويل.

وهنا تكمن الحقيقة: حتى لو كنتَ تعتقد أنك بارع في تعدد المهام، فالأرجح أنك لستَ كذلك. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 2.5 في المائة فقط من الأشخاص قادرون على أداء مهمتين في الوقت نفسه بكفاءة، دون تراجع في الأداء.

في الواقع، عندما نحاول إنجاز مهمتين معاً، فإن معظمنا لا يقوم بتعدد المهام، بالمعنى الدقيق، بل يمارس ما يُعرَف بـ«تبديل المهام»؛ أي الانتقال السريع بين نشاطين، بدلاً من تنفيذهما في آن واحد. ومع أن هذا السلوك ليس سلبياً بالضرورة، فإن الدماغ البشري يبدو، إلى حدّ كبير، مهيأً للتركيز على مهمة واحدة في كل مرة.

كيف يتعامل الدماغ مع تعدد المهام؟

تحدث عملية تعدد المهام في كل من قشرة الفص الجبهي الواقعة في مقدمة الدماغ، وقشرة الفص الجداري الموجودة في مؤخرته. تتولى قشرة الفص الجداري تخزين المعلومات المتعلقة بالأحداث المختلفة؛ فعلى سبيل المثال، أثناء لعب لعبة فيديو، قد ترى الحرف L الذي يشير إلى الانعطاف يساراً، أو الحرف R الذي يعني الانعطاف يميناً. أما قشرة الفص الجبهي فمسؤوليتها تكمن في اختيار الاستجابة الصحيحة لكل إشارة.

وقد يكون تعدد المهام صعباً على بعض الأشخاص بسبب ما يُشبه «عنق الزجاجة» في الدماغ، وهو حدّ طبيعي لا يسمح إلا بمعالجة مهمة واحدة في كل مرة. ويُعتقد أن قشرة الفص الجبهي هي المنطقة التي تحدث فيها هذه العملية.

لماذا يرتبط تعدد المهام بانخفاض الأداء على المدى القصير؟

عندما يحاول الدماغ الانتقال بسرعة بين مهمتين، يواجه صعوبة في إجراء هذا التغيير، ما يؤدي إلى ما يُعرَف بـ«تكلفة التبديل». وتتطلب هذه العملية موارد ذهنية إضافية، الأمر الذي يُرهق قدرة الدماغ على الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها مؤقتاً، وهي وظيفة أساسية للتعلّم والتذكّر.

وتكون النتيجة بطئاً في المعالجة، وانخفاضاً في الدقة، وضعفاً في الذاكرة، كما أن تعدد المهام على المدى القصير قد يرفع مستويات التوتر، ما قد يؤدي إلى زيادة ضغط الدم وتسارع ضربات القلب.

وحتى أشكال تعدد المهام المكثفة، مثل استخدام الهاتف أو الكمبيوتر أو مشاهدة التلفاز بالتزامن مع أنشطة أخرى، قد تُضعف الذاكرة قصيرة المدى. ويزداد الأمر تعقيداً لأن تعدد المهام المتعلقة بوسائل التواصل يرتبط أيضاً بارتفاع مستويات القلق والاكتئاب، ربما نتيجة تشتيت الانتباه أو بسبب ما يُعرف بـ«انحياز المعلومات السلبية»، حيث يزداد التركيز على الأخبار أو المحتويات السلبية والمزعجة.

لماذا قد يُسبب تعدد المهام مشكلات في الذاكرة على المدى الطويل؟

مع مرور الوقت، يمكن للتحديات نفسها التي يؤثر بها تعدد المهام في الذاكرة قصيرة المدى أن تُلحق ضرراً بالذاكرة طويلة المدى أيضاً. فعندما لا تُعالَج المعلومات بعمق في الذاكرة قصيرة المدى، تقل فرص ترسيخها واسترجاعها لاحقاً.

وفي هذه الحالة، لا يؤدي التكرار إلى الإتقان؛ إذ تُفقِد كثرة المهام الدماغ قدرته على تصفية المشتتات والتنقل بسلاسة بين الأنشطة. وقد يترتب على ذلك إرهاق ذهني، ونسيان متكرر، وتراجع في مرونة التفكير.


«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«جزيرة إبستين» تدخل على خط «الحفلات المريبة» في مصر

منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)
منظم الحفل بعد ضبطه (وزارة الداخلية المصرية)

يبدو أن قضية الملياردير الأميركي جيفري إبستين، وجزيرته التي حوكم لاتهامه باستغلال القاصرات فيها، امتدت لتلقي بظلالها على دعوة لحفل وُصف بـ«الغامض» في أحد الملاهي الليلية بوسط القاهرة، حيث جاءت دعوة الحفل بمسمى «يوم في جزيرة إبستين»، وهي الدعوة التي أثارت ضجة بعد إبلاغ إحدى السيدات عنها، وفحص الجهات الأمنية مصدر الدعوى وتوقيف منظم الحفل.

ووفق بيان لوزارة الداخلية المصرية فقد «كشفت ملابسات مقطع فيديو تم تداوله بمواقع التواصل الاجتماعي تضررت خلاله إحدى السيدات من أحد الإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن التنويه إلى وجود استعدادات لإقامة حفل بتاريخ 10 فبراير (شباط) الحالي، باسم «يوم فى جزيرة إبستين» بأحد الملاهي الليلية بدائرة قسم شرطة قصر النيل بالقاهرة، وتحديد الدخول للفتيات مجاناً، على ضوء عدم ملاءمة المسمى وغموض الإجراءات التنظيمية.

وبالفحص تبين للجهات الأمنية أن الحفل المشار إليه تم الإعلان عن تنظيمه من دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المعنية، وأمكن ضبط القائم على تنظيمه، كما تم التنسيق مع الجهات المختصة لمنع إقامته، واتخاذ الإجراءات القانونية.

وزارة الداخلية أعلنت عن ضبط منظم الحفل (وزارة الداخلية المصرية)

وترى الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة المحاميات المصريات لحقوق المرأة، أن «خطورة الواقعة لا تقف عند حدود المخالفة الإجرائية، وهو تنظيم حفل من دون استيفاء التصاريح اللازمة، وإنما تتضاعف بالنظر إلى مضمون الإعلان نفسه، وما انطوى عليه من استهداف صريح للفتيات، في سياق غامض، وباستخدام اسم ارتبط دولياً بوقائع موثقة تتعلق بالاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، على خلفية ما عُرف إعلامياً بـ(تسريبات إبستين)».

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الربط الدلالي، مقترناً باستهداف فئة بعينها، يثير شبهة قانونية جدية تتصل بمخاطر الاتجار بالبشر أو الاستغلال غير المشروع، أو على الأقل الترويج لرموز مرتبطة بجرائم جسيمة، بما يُخل بالنظام العام والآداب العامة، ويُوجب تدخل الدولة وفقاً لمقتضيات القانون».

ويعدّ التدخل الاستباقي الفوري من الجهات الأمنية «تدخلاً مشروعاً ومطلوباً، ومتسقاً مع الفلسفة الحديثة للتجريم الوقائي، التي لا تنتظر وقوع الضرر أو الجريمة، وإنما تستهدف منع الخطر قبل تحققه متى توافرت مؤشرات جدية على تهديد السلم المجتمعي أو تعريض فئات للخطر»، وفق الخبيرة القانونية.

وحظيت قضية جيفري إبستين باهتمام واسع على مستوى العالم، بعد إفراج وزارة العدل الأميركية عن ملايين الوثائق ومقاطع الفيديو والصور الخاصة بقضية الملياردير الأميركي الذي أدين باتهامات منها الاستغلال الجنسي للقاصرات، في جزيرة كان يمتلكها، واستضاف فيها شخصيات عالمية بارزة، ووُجد ميتاً في محبسه وسط حالة من الغموض.

وحظيت القضية التي عُرفت إعلامياً و«سوشيالياً» بقضية «جزيرة إبستين» باهتمام واسع وتصدر التريند في دول عدة من بينها مصر، وهو «على ما يبدو ما استغله منظم الحفل في الإعلان عنه»، وفق ما يقول الخبير «السوشيالي» معتز نادي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «منظم الحفل اعتمد على (التريند الصادم) من خلال الاسم وما أثارته قضية جزيرة إبستين من جدل، واستغلال الصدمة للترويج لحدث أو حفل من الأمور الخاطئة، فهو (تريند سلبي) حاولوا استغلاله بنظرية خالف تُعرف، ومن ثم جاء رد الفعل مناسباً تماماً بتدخل الجهات الأمنية».

وسبق أن تم وقف حفلات وصفها البعض بـ«المريبة» في مصر، من بينها حفل لفرقة الروك الألمانية «سكوربيونز»، العام الماضي، بعد حكم قضائي من مجلس الدولة بمصر، لدعم الفرقة دولة الاحتلال الصهيوني، وفي عام 2023 تم إلغاء حفل المطرب الأميركي ترافيس سكوت الذي كان مقرراً إقامته تحت سفح الأهرامات بعد شائعة قيامه بـ«طقوس غريبة»، وهو ما رد عليه المطرب وقتها قائلاً: «ليست لديَّ أي طقوس غريبة غير لائقة، إنما هي مجرد احتفالات أقدمها برفقة جمهوري».

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الدعوات لحفلات غامضة على (السوشيال ميديا) معظمها أصبح مشبوهاً، ولها أغراض غير مفهومة وبها اختبار للذوق العام في مصر، هل يقبل مثل هذه الحفلات التي تطرح أفكاراً غامضة وأحياناً تروج لأفعال مرفوضة أم لا؟».

وأشار إلى أن «هناك قوى عالمية تقف وراء مثل هذه الحفلات ومحاولة ترويجها في مصر، عبر (السوشيال ميديا) ووسائل إعلام متنوعة، وأعتقد أن الجهات الأمنية في مصر واعية تماماً لمثل هذه الأمور التي تستهدف مصر».