أحداث مدغشقر... مقدمة لمرحلة انتقالية أم عقود اضطراب؟

إثر احتجاجات قادها الشباب رفضاً لنقص الخدمات الأساسية

مواطنون يستقلون مركبات وهم يلوحون بالأعلام الملغاشية في طريقهم نحو القصر الرئاسي (آ ف ب)
مواطنون يستقلون مركبات وهم يلوحون بالأعلام الملغاشية في طريقهم نحو القصر الرئاسي (آ ف ب)
TT

أحداث مدغشقر... مقدمة لمرحلة انتقالية أم عقود اضطراب؟

مواطنون يستقلون مركبات وهم يلوحون بالأعلام الملغاشية في طريقهم نحو القصر الرئاسي (آ ف ب)
مواطنون يستقلون مركبات وهم يلوحون بالأعلام الملغاشية في طريقهم نحو القصر الرئاسي (آ ف ب)

أزمة مُعقدة تعيشها مدغشقر، تلك الدولة، الجزيرة الأفريقية الشهيرة التي اعتادت «الانقلابات العسكرية»، وذلك عقب الإطاحة برئيس البلاد آندريه راجولينا، ومغادرته العاصمة أنتاناناريفو... ومن ثم، تعليق عضويتها بالاتحاد الأفريقي، بعد نحو شهر من مظاهرات غاضبة لشباب «جيل زد» رفضاً لـ«الفقر ونقص الخدمات الأساسية». ويعتقد خبراء في الشؤون الأفريقية التقتهم «الشرق الأوسط» أن هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة تاريخاً طويلاً من الانقلابات والاضطرابات السياسية بمدغشقر. وأنه يعد خطوة مفصلية جاءت وسط غضب شعبي. ويتوقع هؤلاء الخبراء أحد مسارين: فإما أن يفي الجنرالات بوعودهم ويسلموا السلطة وتبدأ دورة استقرار وتنمية بالتوازي، وإما تتكرّر مشاهد الماضي من انقلابات ستلاقي رفضاً أفريقياً ودولياً دون جديد يذكر.

رئيس مدغشقر المخلوع آندريه راجولينا يتكلم خلال مؤتمر صحافي خلال العام الحالي (آ ف ب)

بدأت الأحداث الأخيرة في مدغشقر باحتجاجات اندلعت يوم 25 سبتمبر (أيلول) الماضي، وقادها شباب «جيل زد» بسبب نقص المياه والكهرباء، إلا أنها انتشرت منذ ذلك الحين مع دعوة المتظاهرين الرئيس السابق آندريه راجولينا - الذي أعيد انتخابه عام 2023 - إلى التنحي والاعتذار عن العنف بحقهم، وحل كل من مجلس الشيوخ ولجنة الانتخابات.

ولقد نقلت وكالة «رويترز» أخيراً عن إحدى المواطنات العاطلات عن العمل - وهي أم لطفلين وتبلغ من العمر 24 سنة – قولها: «الرئيس في السلطة منذ أكثر من 15 سنة، ولا يزال الماء والكهرباء والوظائف غير موجودة. انظر إلى مدغشقر... هم (الحكومة) أغنياء ونحن لا نملك ما يكفينا من الطعام!».

وحقاً، تشير بيانات البنك الدولي إلى أن ثلاثة أرباع سكان مدغشقر - التي يصل متوسط الأعمار بين سكانها البالغ عددهم 30 مليون نسمة إلى أقل من 20 سنة - يعانون من الفقر؛ إذ توقف متوسط الدخل السنوي عند 600 دولار، في حين ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل كبير.

ويوم 11 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، انضم الكولونيل ميشال راندريانيرينا (51 سنة)، قائد وحدة كابسات العسكرية إلى المظاهرات المناهضة للحكومة، وذلك بعد اتهامات للوحدة، التي ساعدت الرئيس راجولينا في الاستيلاء على السلطة في انقلاب عام 2009، وللقوات الحكومية باستخدام العنف لقمع المشاركين في المظاهرات التي سقط فيها ما لا يقلّ عن 22 قتيلاً ونحو مائة جريح، بحسب الأمم المتحدة.

وبعد نحو أسبوعين من هذه الاحتجاجات، أفادت رئاسة مدغشقر يوم 12 أكتوبر، في بيان، بأن «هناك محاولة استيلاء غير قانوني وقسري على السلطة»، بينما توالت أنباء عن مغادرة راجولينا البلاد.

وأعلن راندريانيرينا يوم 14 أكتوبر أن الجيش استولى على السلطة، وعلّق العمل بالدستور. ثم أدّى اليمين بعد 3 أيام رئيساً لمدغشقر، وتعهّد بإجراء تغييرات جذرية، وتشكيل حكومة مدنية، ووعد بتنظيم انتخابات خلال فترة تتراوح بين 18 و24 شهراً.

بعدها، يوم 20 أكتوبر الحالي، جرى تعيين شخصية مدنية رئيساً للحكومة، اسمه إرينتسالما راجاوناريفيلو، وهو شخصية من القطاع الخاص ورئيس سابق لمصرف «بي إن آي»، ويتمتع بمهارات وخبرات، وكذلك علاقات مع المنظمات الدولية في البلدان الأخرى التي ستتعاون مع مدغشقر.

لحظة مفصلية

صالح إسحاق عيسى، المحلل السياسي التشادي، المتخصص بالشؤون الأفريقية، أبدى خلال حوار مع «الشرق الأوسط» عن اعتقاده بأن «التحركات الأخيرة في مدغشقر تعكس لحظة مفصلية في تاريخ طويل من الانقلابات والقلاقل. فالانقلاب بقيادة عسكري شاب جاء نتيجة غضب شعبي واسع، خاصة من جيل الشباب (زد) بسبب الفقر وسوء الخدمات وتآكل الثقة بالنظام». ونبه إلى أنه «رغم أن ما حدث، قد يُنظر إليه كفرصة لتجديد النظام وإصلاحه، مع أن سيطرة الجيش وتعليق الدستور يثيران مخاوف من استمرار الحكم العسكري أو عودة النمط السلطوي».

ويرجح عيسى أنه إذا التزمت القيادة الجديدة بانتقال حقيقي، قد تدخل مدغشقر مساراً إصلاحياً نادراً في تاريخها، لكنها إذا استُغلت اللحظة لإعادة تدوير السلطة فقط، فستكون مجرد حلقة جديدة في دوامة الأزمة السياسية.

وبتفاصيل أكثر بشأن المشهد الأبرز، يرى الدكتور علي محمود كلني، الخبير في الشؤون الأفريقية، أن «الانقلاب العسكري الجديد في مدغشقر، مثله مثل الانقلابات في القارة السمراء التي غدت إحدى الظواهر المتكررة... التي تشكل تهديداً متجدداً لاستقرار أفريقيا ونموها السياسي».

ولفت إلى أن «مدغشقر، الدولة الجزيرة الصغيرة الواقعة قبالة الساحل الشرقي لأفريقيا، لم تكن استثناءً من هذا المسار، فهي منذ استقلالها عن فرنسا يوم 26 يوليو (تموز) 1960، عرفت عدة انقلابات عسكرية، كان آخرها الانقلاب الذي شهدته أخيراً عقب موجة من الاحتجاجات الشعبية والضائقة الاقتصادية».

ووفق كلني، «جاء الانقلاب العسكري الأخير نتيجة تصاعد حالة السخط الشعبي، خاصة بين فئة الشباب، الذين عبّروا عن رفضهم للنظام الإداري للرئيس المدني آنذاك، في ظل أزمة اقتصادية خانقة ألقت بظلالها على مختلف شرائح المجتمع». وأردف: «هذا المشهد وفّر بيئة خصبة لتدخل الجيش، الذي سارع إلى إعلان استيلائه على السلطة، مستغلاً الفراغ السياسي والتصعيد الجماهيري».

خطوة مفاجئة... وتوقعات متباينة

وبتعبير «خطوة مفاجئة»، وصف الدكتور كلني إجراءات إعلان الجيش تعليق العمل بالدستور، وحلّ البرلمان، والمحكمة الدستورية العليا، ولجنة الانتخابات، وكل المؤسسات القانونية في البلاد، بجانب توليه إدارة شؤون البلاد لمدة سنتين، على أن تُجرى بعدها انتخابات عامة. وتابع أن هذه الخطوة جاءت بعدما عزل البرلمان الرئيس المنتخب، وأعلنت المحكمة العليا نيتها تنظيم انتخابات خلال فترة لا تتجاوز الشهرين.

ووفقاً لكلني، «تتباين التوقعات حول شكل الحكم العسكري المرتقب. فبينما يرى البعض أن الجيش قد يتبنى نهجاً أكثر مرونة في إدارة المرحلة الانتقالية، يحذّر آخرون من احتمال توجهه إلى القمع واستهداف الشخصيات السياسية المقربة من الرئيس المعزول، في محاولة لتصفية خصومه وتعزيز سلطته».

التحركات الدولية والأفريقية

ما يذكر أن رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، حثّ، في بيان، على الهدوء وضبط النفس، ومع تصاعد الأزمة كان هناك تدخل دولي، وأفاد مصدر عسكري «رويترز» بأن «راجولينا غادر البلاد على متن طائرة عسكرية فرنسية»، بينما أشارت الإذاعة الفرنسية إلى أنه أبرم اتفاقاً مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وفي حينه، قال ماكرون إنه لا يستطيع تأكيد التقارير التي تفيد بأن فرنسا ساعدت راجولينا على الفرار من مدغشقر - التي كانت مستعمرة فرنسية - مضيفاً أنه «يجب الحفاظ على النظام الدستوري في مدغشقر»، وفي حين تتفهم فرنسا مظالم الشباب في البلاد، ترى أنه لا يجوز أن تستغلها الفصائل العسكرية. وهنا نشير إلى أنه عقب سيطرة الجيش، أعلن الاتحاد الأفريقي في منتصف أكتوبر الحالي، أن الاتحاد علق عضوية مدغشقر. واستنكر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش العملية أيضاً في بيان رسمي.

الموقف الأفريقي رافض للانقلابات

صالح إسحاق عيسى رأى أن الموقف الأفريقي الداعم لتجميد عضوية مدغشقر يُعد إشارة قوية على رفض الانقلابات العسكرية، لكن التجربة أثبتت أن مثل هذه الخطوات الرمزية تظل غالباً محدودة التأثير إذا لم تتبعها جهود فعلية لدعم انتقال سلمي وشامل.

وأردف المحلل التشادي أن الاتحاد الأفريقي «يفتقر أحياناً للأدوات اللازمة لفرض مسارات سياسية في دول تعاني من هشاشة داخلية. وبالتالي، ما لم تتحول هذه العقوبة إلى مبادرة حقيقية تشمل الوساطة، والدعم الفني، وضمانات للانتخابات، فقد تبقى مدغشقر في حالة عزلة بلا توجيه، وهذا ما يزيد من تدهور الوضع».

الدكتور كلني، أيضاً، اعتبر قرار الاتحاد الأفريقي تجميد عضوية مدغشقر مؤقتاً، خطوة مألوفة في مثل هذه الحالات، هدفها الضغط على الحكومات العسكرية من أجل العودة إلى المسار الديمقراطي. وتوقع أن يلعب الاتحاد دوراً محورياً في التوسط وإعادة الاستقرار السياسي، خشية أن يؤدي الانقلاب إلى تفكك داخلي أو تصاعد الخطابات المتطرفة التي قد تنتقل إلى الدول المجاورة.

أما على الصعيد الدولي، فالمواقف تتراوح بين التنديد الحذر والمراقبة المشروطة، بحسب عيسى، موضحاً أن «الدول الغربية تنتظر ما إذا كانت القيادة الجديدة ستلتزم بتعهداتها بانتخابات خلال أقل من سنتين، لكن دعم الاستقرار مشروط دائماً بالتحول المدني الحقيقي، وإلا فسيكون الدعم محدوداً أو انتقائياً».

تشير بيانات البنك الدولي إلى أن 75%

من سكان مدغشقر

الـ 30 مليون نسمة

يعانون من الفقر

مساران للمستقبل

من جهة أخرى، مع أن مدغشقر شهدت انقلابات دموية أبرزها في 1972 و1975 و2002 و2009، يقول الدكتور كلني إن قراءة المستقبل بعد هذه التطورات تواجه عقبة «نموذج» إبراهيم تراوري، الرئيس الانتقالي في بوركينا فاسو، عقب انقلابه في 2022 الذي حظي بإعجاب بعض القادة العسكريين في أفريقيا... «وقد يسعى جيش مدغشقر إلى محاكاة هذا النموذج، الذي يُروَّج له كأحد أشكال الحكم العسكري الإصلاحي».

ويتابع: «لكن يبقى مستقبل البلاد غامضاً، خاصة بغياب خريطة طريق واضحة، وتعدد الجهات الفاعلة داخلياً وخارجياً... كذلك المرحلة المقبلة تعتمد بشكل رئيس على مدى استجابة القيادة العسكرية لمطالب الشعب، ومدى تعاونها مع الاتحاد الأفريقي وشركاء دوليين آخرين، إضافة إلى قدرتها على ضبط الأوضاع الأمنية والاقتصادية».

ويخلص إلى أن مدغشقر «تمرّ بمنعطف سياسي حرج، قد يكون له تداعيات عميقة على مستقبل البلاد والمنطقة. فإما أن يشكّل الانقلاب فرصة لإعادة صياغة النظام السياسي بما يتماشى مع تطلعات المواطنين، وإما أن يتحوّل إلى بداية مرحلة جديدة من الحكم الاستبدادي والصراعات السياسية».

قائد الانقلاب الكولونيل ميشال راندريانيرينا (آ ب)

مفترق طرق

ويوافق، المحلل التشادي عيسى على أن مدغشقر تقف الآن على مفترق طرق، فإما أن تتحول العزلة الدولية إلى فرصة لتصحيح المسار عبر شراكات مدروسة، وإما أن تغرق في أزمة أعمق نتيجة الإهمال الخارجي والتردّد الداخلي، كل شيء متوقف على خطوات الأشهر القليلة المقبلة.

ثم يضيف أن مدغشقر أيضاً على حافة احتمالين: الأول، يتعلق بملامح الماضي الحاضرة بقوة - ما بين انقلاب عسكري وتعليق للدستور وتدخل الجيش في السياسة وردود فعل دولية تتراوح بين الإدانة والمراقبة، باعتبار ما يحدث مشاهد ليست جديدة على البلاد، بل تكرار لما عاشته في أزمات 2002 و2009. والثاني، يتمثل بمؤشرات جديدة لا يمكن تجاهلها، بينها الحضور القوي للشباب، خاصة من جيل جديد واعٍ يستخدم أدوات مختلفة للتعبير والتأثير.

ويرى عيسى وجود وعي شعبي أكبر بخطورة العودة إلى الوراء، وقدرة أعلى على الضغط. ثم إن العالم بات أكثر انتباهاً لتأثير الانقلابات في أفريقيا، وسط موجة متزايدة من الانتقالات المعلقة في دول، مثل النيجر وبوركينا فاسو ومالي. ويستطرد أن «ما يميز هذا الفصل المحتمل أنه مفتوح، لا هو تكرار محض للماضي ولا هو بداية أكيدة للاستقرار، والفارق سيكون في الإرادة السياسية، وسرعة الإجراءات الفعلية للانتقال، ومدى إشراك القوى المدنية، خصوصاً خارج العاصمة».ويخلص إلى القول: «إذا استُثمرت اللحظة بصدق، فقد نشهد بداية خروج من الحلقة المفرغة، أما إذا شهدنا التفافاً على المطالب الشعبية، أو سُيرت المرحلة الانتقالية بأدوات قديمة وبعقلية الغلبة، فستكون الأزمة المقبلة أقسى؛ لأن الوعي الشعبي اليوم أعمق من أي وقت مضى».

حقائق

مدغشقر... العالقة بين الفقر والاضطرابات

> تعيش مدغشقر، الجزيرة الأفريقية المترامية في المحيط الهندي، على إيقاع أزمات متكرّرة تتناوب بين الفقر والاضطرابات السياسية. وبعد عقود من الاستعمار الفرنسي، ثم تجارب حكم متعاقبة لم تنجح في تحقيق الاستقرار أو التنمية، تجد البلاد نفسها مجدداً أمام مشهد مأزوم، مع تصاعد الغضب الشعبي على تردي المعيشة ونقص الخدمات، وعودة الجيش إلى الواجهة بعد الإطاحة بالرئيس أندري راجولينا. وفيما يلي معلومات سريعة عن مدغشقر:

الموقع: أقصى الجنوب الشرقي لسواحل أفريقيا، يحدها من الشمال الغربي جزر القمر، وموريشيوس إلى الشرق، وسيشل إلى الشمال.

العاصمة: أنتاناناريفو.

العملة: الأرياري.

المساحة: نحو 587040 كيلومتراً مربعاً.

التقسيمات الإدارية: 22 منطقة إدارية.

اللغة: المالاغاشية بخلاف سيطرة اللغتين الفرنسية والإنجليزية.

السكان: أكثر من 30 مليون نسمة تضم عدة عرقيات لا سيما جنوب شرقي آسيوية وأفريقية وعربية.

النظام السياسي: رئاسي، مدة ولاية الرئيس 5 سنوات، ويعتمد على دستور حديث أقر في 2010، بخلاف سلطة تنفيذية وأخرى قضائية وثالثة تشريعية مكونة من الجمعية الوطنية (160 نائباً) غرفة أولى، والشيوخ (18) غرفة ثانية.

الاقتصاد: أكثر من 70 في المائة من سكانها تحت خط الفقر، ويبلغ معدل البطالة فيها 3 في المائة في 2024، وتوقف متوسط الدخل السنوي عند 600 دولار.

التاريخ الاستقلالي: عام 1895 استعمرت فرنسا الجزيرة، وواجهت انتفاضات ضدها أبرزها في مارس (آذار) 1947، وقبلها بعام مثلت الجزيرة في البرلمان الفرنسي.

قامت مدغشقر المستقلة يوم 14 أكتوبر (تشرين الأول) 1958 مع تأسيس الجمهورية، وبعد عامين نالت الاستقلال في 1960. وعام 1975 انتخب الاشتراكي ديدييه راتسيراكا، وإبان حكمه الذي استمر حتى 1993، طرد الجيش الفرنسي من بلاده وأغلق عدداً من السفارات والقنصليات.

التاريخ المعاصر: شهدت مدغشقر عدة انقلابات أبرزها أعوام 1972 و1975 و2002 و2009، بخلاف توالي تغير الحكومات تحت اضطرابات بالبلاد. وفي الألفية وما بعدها، شهدت مدغشقر تقلبات سياسية وعسكرية لم تنه الأزمة التاريخية للبلاد، وفتحت مسارات لانقلابات جديدة.

في 10 فبراير (شباط) 1993، انتخب ألبرت زافي رئيساً للبلاد وعزله الجيش بعد 3 سنوات. وفي 2002 انتخب مارك رافالومانانا بديلاً له لكنه استقال يوم 17 مارس 2009 تحت ضغط عسكري بعد احتجاجات شعبية واسعة، ليخلفه في المنصب آندري راجولينا حتى 25 يناير (كانون الثاني) 2014. وعاد راجولينا لتولي رئاسة البلاد للمرة الثانية في 19 يناير 2019، واستمر في المنصب حتى 10 سبتمبر (أيلول) 2023، بعدما استقال للترشح للانتخابات. وعاد الحكم في ولاية ثالثة، قبل أن تخرج ضده مظاهرات من شباب جيل زد في 29 سبتمبر الماضي.

وفي ذكرى تأسيس الجمهورية، أعلن عسكريون في 14 أكتوبر 2025 سيطرة الجيش على السلطة.



مقالات ذات صلة

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس لولا يسعى إلى ولاية جديدة (إ.ب.أ)

البرازيل... اليمين يهدد آخر معاقل اليسار في أميركا اللاتينية

أحرز اليمين المتطرف الذي يهبّ على أميركا اللاتينية كالإعصار، نصراً مفاجئاً ومفصلياً في البرازيل، يوم الأحد قبل الماضي، 4 أكتوبر، (تشرين الأول)؛ فقد حقَّق

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً،

نظير مجلي ( القدس)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟