أيقوناتنا الجميلات من أم كلثوم إلى فيروز وداليدا في معرض فريد

يحطّ في بيروت قادماً من باريس مع إضافات لبنانية حيّة

سعاد حسني تستقبلك بالتحية على باب المعرض (متحف سرسق)
سعاد حسني تستقبلك بالتحية على باب المعرض (متحف سرسق)
TT

أيقوناتنا الجميلات من أم كلثوم إلى فيروز وداليدا في معرض فريد

سعاد حسني تستقبلك بالتحية على باب المعرض (متحف سرسق)
سعاد حسني تستقبلك بالتحية على باب المعرض (متحف سرسق)

فساتين، صور، تسجيلات، أفلام، وثائقيات، قطع أثاث، شنط، دفاتر، وأشياء أخرى كثيرة، تخص نجماتنا الأثيرات، أرشفها لنا معرض «ديفا: من أم كلثوم إلى داليدا» الذي افتتح مساء الجمعة في «متحف سرسق»، في بيروت.

المعرض نظَّمه «معهد العالم العربي» في باريس، حيث انطلق من هناك إلى أمستردام وعمّان، وحطّ رحاله أخيراً في بيروت، وكانت أصداؤه قد وصلت قبله. لكن المنظمين في لبنان أبوا إلا أن يضيفوا إليه من خزائن المجمعين اللبنانيين، فأضفوا أكثر ما أضفوا إلى الركن المخصص لفيروز وصباح، وأعمال فنية، وفيلم سجله إيلي صعب خصيصاً للمعرض، عن علاقته الشخصية بالفنانات وتأثره بهن، وكيف أن هؤلاء النجمات أسرنه في بداياته الأولى، وألهبن مخيلته، وغذّين خياله، وتركت كل منهن بصمتها في ذاكرته.

خريطة نسائية فنية

يجول الزائر بأرشيف حي اكتسب حيوية خاصة، بفضل السينوغرافيا البديعة، وينتقل مــن قسم أم كلثوم إلى وردة الجزائرية، ومن أسمهان إلى فيروز، ومن ليلى مراد إلى سامية جمال، مروراً بسعاد حسني وصباح، وكذلك داليدا. ويعبر أيضاً المتفرج بكبيرات بارزات مثل روز اليوسف وفاتن حمامة وهدى شعراوي. جميلاتنا الفاتنات اللواتي كانت كل واحدة منهن رائدة في مجالها، وإن أُعطِي حيزٌ أكبر لبعض الأسماء، فثمة محاولة لرسم خريطة نسائية فنية، تقتفي أثر نساء من القرن الماضي، حيث لعبت المرأة دوراً جوهراً من خلال نضالها، وثباتها ومقاومتها، للوصول إلى أماكن كانت حكراً على الرجال. بهذا المعنى فإن المعرض اجتماعي، وسياسي، وأنثروبيولوجي في وقت واحد، يقدم للجمهور العريض صورة عن مجتمع عربي ممتد، لم يكن الرجال فيه وحدهم من يقودون دفته، بل اقتحمته أسماء نسائية، لكل منها قصة تستحق أن تروى.

فاتن حمامة حاضرة أيضا (متحف سرسق)

من المدخل تستقبلك الفاتنات بتوالي صورهن على الجدار. وها هي سعاد حسني بكامل جاذبيتها تلقي عليك التحية، بينما يصدح صوتها المغناج في المعرض بأغنيتها الشهيرة «يا واد يا ثقيل». تعبر بعد ذلك إلى صالون عرضت فيه صور هدى الشعرواي مع زائراتها وشريكاتها في النضال، ومن ثم تجد صور روز اليوسف وأعداد من مطبوعتها الشهيرة التي حملت اسمها، وصور تعيدنا إلى مغامرة تحية كاريوكا التي رقصت وأدهشت، يوم كان هذا الفن معيباً لصاحبته.

هدى شعراوي مع ضيفاتها في أحد اجتماعاتها (الشرق الأوسط)

وفي القسم المخصص لأم كلثوم، فساتينها المطرزة أحدهما أحيت به حفليها الباريسيين الشهيرين في الأولمبيا عام 1967، وصور لها، ومقاطع تسجيلية. وللفنانة وردة ركن مؤثر، فعلى وقع أغنية «بتونس بيك»، عرضت عباءة بنفسجية مشغولة بالخرز بعناية، وشنطة سفرها، وأقراطها، ونظاراتها، وأوسمتها، وقارورة عطرها، وفروة، وحقيبة خاصة، وآلة عود، وجوازات سفرها، أحدها ديبلوماسي. نقرأ: وردة محمد فتوني، مواليد باريس 22-7-1939.

فيروز جارة القمر

الكثير، الكثير، من الصور المنتقاة بعناية في المعرض، وهي مستلة من أفلام، أو آتية من مجموعات خاصة. في قسم فيروز نجد صورة والدة الأخوين رحباني مع كامل العائلة في إحدى النزهات، كما صور أخرى لـ«جارة القمر» من أرشيف منجد صبري الشريف، ابن مخرج الأعمال الرحبانية، أضيفت إلى النسخة البيروتية من المعرض، كما نوتات موسيقية وكاتولوغات وأفيشات، وأزياء وفيديو نرى فيه فيروز تقوم باستعداداتها لجولتها في أميركا اللاتينية، عام 1961. تسجيل آخر يخص زيارتها للولايات المتحدة الأميركية.

المعرض في نسخته الباريسية كان أرشيف فيروز فيه ضعيفاً، لذلك تمت الإضافات، ومن بينها أزياء ارتدتها في مسرحياتها، بعضها ظهرت به على المسرح في مهرجانات بعلبك الدولية عام 1973، وهي للمصمم اللبناني الأرمني جان بيير ديليفر الذي ابتكر لها أجمل أزيائها، في مسرحية «قصيدة حب». كما يرى الزائر فستاناً أدت به فيروز، مشاهد في مسرحية «أيام فخر الدين» التي عرضت في بعلبك عام 1966، من تصميم مارسيل ربيز وسامية صعب التي تُعدّ رائدة في تصميم الأزياء اللبنانية.

فساتين النجمات

فساتين النجمات، تحظى بإعجاب كبير من الزوار. من صباح إلى داليدا وهند رستم، ثمة مجموعة ثمينة، حيث تبقى فساتين هند رستم من بين الأكثر لفتاً للنظر. هذه الليدي، تبدو من المعروضات، أنها كانت شديدة الأناقة والرهافة في اختياراتها. إضافة إلى الأردية الرفيعة، يوجد حذاء لها وحقيبة يد ودفتر ملاحظات ونظارة وقبعة وزجاجة عطرها، وكلها مختارة بعناية شديدة من قبل سيدة الإغراء الأولى.

أزياء هند رستم (الشرق الأوسط)

وكي يدرك الزائر المشقة التي مرت بها كل من النجمات لتسلك طريقها إلى الشهرة والاعتراف، ثمة صور للقطات مأخوذة من أفلام، اقترنت بعبارات مثل «أنت مجنونة، أنت مش عارفة فين مصلحتك»، أو صورة للممثلة الشهيرة لبنى عبد العزيز يوجه لها رجل عبارة «عاوزة تكملي درسك وتشتغلي كمان!!!». جملة ذات دلالة، مستلة من فيلم «أنا حرة» المأخوذ عن قصة إحسان عبد القدوس، وسيناريو نجيب محفوظ، أثار ضجة عند صدوره، بسبب تطرقه لموضوع حرية المرأة.

إلى جانب هذا الأرشيف الحي، عرضت أعمال فنية، بعضها أنجز خصيصاً للمعرض مثل تجهيز الكاتبة والفنانة التشكيلية اللبنانية لمياء زيادة، وبحمل عنوان «يا ليل يا عين»، وهو اسم كتاب لها يحمل نفس الاسم، فيه تتبّعت سِيَر عدد من نجمات عربيات بارزات مثل أسمهان، وأم كلثوم، وفيروز، وصباح، وليلى مراد وغيرهن، إلى جانب شعراء وسياسيين، أسهموا في صياغة مشهدية العالم العربي من بدايات القرن العشرين حتى ما بعد هزيمة 1967. أما العمل الفني فهو مستوحى من أجواء الكتاب، حيث تجمع زيادة في واجهة زجاجية كبيرة، رسومات وكتباً ودفاتر وأقلاماً، وصوراً، وسجائر وقناديل، وكل الأدوات التي أحاطتها وهي تنجز الكتاب.

بمختلف الوسائط، بالصورة والفيلم، والأثاث والمقتنيات الشخصية، يحاول معرض «الديفا» أن يعيد إحياء مرحلة، هي لا تزال متوقدة في ذهن أجيال عايشت القرن العشرين، عرفت أفلامه وأغنياته ومطبوعاته وجميلاته، وتجد سعادة وهي تتنقل في المعرض تلتقط الصور مع حاجيات فناناتها المفضلات. أما الشباب فيكتشفون عالماً متكاملاً زاخراً بالطموح والنضال والاجتهاد لنساء مهّدن الطريق لجيل جديد من الفتيات.

صباح دلّوعة الشاشة أحد صورها في المعرض (متحف سرسق)

برهافة، ورقّة، مع أغنيات وموسيقات تعزز الإحساس بالحلم الذي عبرته كل من الأيقونات الموجودات في المعرض، يجول الزائر، مستمتعاً برحلة عربية بطعم أنثوي أسطوري.

يستمر المعرض في «قصر سرسق»، حتى 11 يناير (كانون الثاني) 2026.


مقالات ذات صلة

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

يوميات الشرق من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه، وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توّجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق شربل جرجس يضع المواجهة على مسافة ريشة (الشرق الأوسط)

شربل جرجس يُدير ظهره للمواجهة في «غير مرحَّب»

الشخصيات التي يرسمها موجودة في مساحات مُغلَقة، من دون أُفق أو حدث ينتظرها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق «الأبد هو الآن» معرض يقام أمام الأهرامات (من الملصق الترويجي للمعرض)

«الأبد هو الآن» يراهن على الأيدي الناعمة في استدعاء روح الماضي

في نسخته السادسة، يبدو معرض «الأبد هو الآن» محملاً بسمتين مختلفتين عن الدورات السابقة، إحداهما تتمثل في الهيمنة النسائية اللافتة بمعدل 5 فنانات من أصل 8 فنانين.

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق إقبال لافت على منطقة المغامرات في المعرض (معرض الصيد والصقور السعودي الدولي)

مسارات صخرية وخيل ومركبات... «المغامرة» توسّع تجربة زوار «الصقور والصيد السعودي الدولي»

بين الصخور والمسارات المرتفعة تبدأ واحدة من أكثر التجارب حركة في معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر

ترسانة إسطنبول تتحول إلى متحف مفتوح للفن المعاصر

في منطقة ترسانة بإسطنبول، وعلى امتداد ساحل القرن الذهبي حيث كانت تُبنى السفن العثمانية، يشعر الزائر بأنه يقف عند تقاطع بين التاريخ والحاضر.

عبير مشخص (اسطنبول)

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».