مئوية جاذبية سري... 7 عقود من الضوء واللون والجرأة

ذاكرة الفنّ المصري في معرض يستحضر مسيرتها

جاذبية سري عبَّرت عن صخب المدن بالألوان (الشرق الأوسط)
جاذبية سري عبَّرت عن صخب المدن بالألوان (الشرق الأوسط)
TT

مئوية جاذبية سري... 7 عقود من الضوء واللون والجرأة

جاذبية سري عبَّرت عن صخب المدن بالألوان (الشرق الأوسط)
جاذبية سري عبَّرت عن صخب المدن بالألوان (الشرق الأوسط)

احتفالاً بالذكرى المئوية لميلاد الفنانة المصرية جاذبية سري (1925 - 2021)، يُقيم «غاليري الزمالك للفنّ» معرضاً يُقدّم فيه مجموعة مختارة من الأعمال النادرة والمُبكرة لها، إلى جانب مقتنيات وصور توثّق مسيرتها الطويلة التي امتدّت لأكثر من 7 عقود من الإبداع والعطاء.

وتُعدّ جاذبية إحدى رائدات الفنّ التشكيلي في مصر والعالم العربي، وقد عُرفت بجرأتها في التعبير، واستقلال شخصيتها الفنّية، وارتباطها الوثيق بالواقع الاجتماعي والإنساني من حولها.

ويرى الفنان مصطفى الرزاز أنّ «هذا المعرض يكتسب أهميته من كونه فرصة حقيقية لمعايشة شخصية مصرية وهبت حياتها للفنّ، وقدَّمت تراثاً إبداعياً جديراً بالتأمل، وأن يتعلّم منه كذلك الدارسون ومحبّو الفن الكثير».

ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «تربَّعت جاذبية سري على عرش الفنّ في مصر، وكان أهم ما يميّزها أنها كانت من القلائل الذين احتفوا بتصوير الحياة المحيطة بهم، في حين كان أغلب الفنانين خلال هذه الحقبة الزمنية يُحلّقون بعيداً عن الواقع، في تجلّيات مختلفة وابتكارات من الخيال أو الارتباط بالتراث وإعادة تفسيره، أو كانوا يقدّمون أعمالاً شديدة التأثُّر بالغرب».

احتفت بالناس والأمكنة (الشرق الأوسط)

ومن خلال المعرض الذي يضمّ 60 لوحة ويستمرّ حتى 21 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، تتجلّى المراحل الفنّية المختلفة لسري؛ فمن المعروف عنها تعدُّد التحوّلات في أسلوبها، وفي كلّ مرحلة كانت تتمتّع بشخصية مختلفة وجديدة في مجالها. فهناك مجموعة لوحاتها التي تعكس المرحلة التعبيرية الرمزية، ويظهر خلالها اهتمامها بتجسيد اليوميات التقليدية للمرأة، مثل تمشيط الشعر، والتزيُّن أمام المرآة، ونشر الغسيل، والاهتمام بأطفالها.

وهناك أيضاً لوحاتها التي تتبنّى فيها موضوعات مهمّة ترتبط بقضايا اجتماعية مثل الطلاق، وتعدُّد الزوجات، والبطالة، وهنا يُعلّق الرزاز: «كانت التعبيرية بداية تسجيل حضورها بكونها فنانة حقيقية؛ لأنّ ما قبل ذلك عُدَّ اجتهاد فنانة حديثة التخرُّج في بدايتها الفنّية».

ويوضح: «ربما لا يعرف كثيرون أنّ الأعمال الأولى لجاذبية سري حتى منتصف الخمسينات كانت أقرب إلى الأعمال المدرسية ذات الطابع الزخرفي، وتخلو من الوعد بأنّ مَن يقدّمها سيكون فناناً كبيراً، وهو ما يُمثّل درساً لشباب الفنانين، مفاده أن تثقيف النفس والسفر، والاشتباك مع الحياة والتفاعل معها، أمور تصقل الموهبة وتأخذها إلى وجهتها الحقيقية الصحيحة».

ويتابع الرزاز: «السفر وإقامتها في مدن عدّة مثل لوس أنجليس وواشنطن وبرلين، أتاح لجاذبية التعامل مع كبار الفنانين والنقاد، وأشهر قاعات العرض والمتاحف، مما أسهم في اتّساع أفقها الفنّي، ونقله من الحدود المحلّية إلى العالمية».

اقتربت من المُهمَّشين (الشرق الأوسط)

ويتتبع المعرض خروج جاذبية سري من المرحلة التعبيرية إلى مرحلة أخرى جديدة شهدت خلالها تحوّلاً أسلوبياً وموضوعياً لافتاً، إذ يضمّ لوحات من التكعيبية المُسطَّحة، ذات ألوان مساحية من دون تظليل، وأشكالاً مُتراكمة فوق بعضها البعض، فضلاً عن حركية الخطوط والشخوص التي رسمتها.

يقول الرزاز تعليقاً على هذه التجربة: «قدَّمت جاذبية سري لوحات مهمّة عُرفت وتميّزت بها خلال هذه المرحلة، مثل لوحات الطفولة والحركة؛ فرسمت المراجيح، ولعبة الحجلة، والصغيرات اللواتي يَجرين وراء الطائرة الورقية، بينما كان هذا موضوعاً جديداً تماماً على الفنّ المصري، كما أنه حمل قدراً كبيراً من الديناميكية في حركية الخطوط والمساحات والشخوص، وفي تراكمات المساحات اللونية أيضاً».

كانت التعبيرية بداية تسجيل حضورها الفنّي الحقيقي (الشرق الأوسط)

ومن خلال المعرض المُقام بعنوان «مئوية جاذبية سري»، يتعرَّف الجمهور على أهم مراحلها الفنّية التي تجلّت في مجموعة لوحات تُعرف باسم «المدينة»، يقول عنها الرزاز: «تمتّعت هذه التجربة بتجلّيات في رسم المدينة عبَّرت من خلالها عن تكدُّس البيوت وزحام الناس حولها والانفعالات اللونية القوية التي تعبّر عن الصخب في المدن». ويتابع: «وفيها تَحوّر أسلوبها فأصبحت تستخدم عجائن لونية سميكة، وضربات فرشاة عريضة، وخطوطاً بالسكين وتجريحاً بالخطوط في حركات بندولية لتقدّم خدوشاً فيبدو كما لو أنها أعمال حفر لا رسم».

واستغرقت هذه المرحلة ذات الصدى المدوّي في الألوان والخطوط والتقنية مدّة زمنية طويلة من مشوارها؛ إذ امتدت خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وقدَّمت خلالها أكبر عدد من اللوحات، واستعارت فيها الصفة التي ابتكرها السرياليون في مفارقة «الحيوية والجماد»، وبمقتضاها تجعل الأشياء الحيّة متجمدة، والأشياء الجامدة تكاد تنبض بالحركة والحياة.

ويستطيع المتلقّي الاستمتاع بتأمل نتاج مرحلة المدينة في المعرض؛ فيشاهد مجموعة من البيوت والشرفات المتحرّكة، ذات العيون والنظرات اليقظة، والتي يبدو داخلها الناس كأنهم خشب.

تركت بصمة في الفنّ المصري (الشرق الأوسط)

وتبع ذلك اهتمامها بالطبيعة، فرسمت البحر والصحراء، واحتفت خلالها بتجسيد انفعالات الأمواج والرياح، وهو ما أسهم في تحضيرها للمرحلة اللاحقة؛ مرحلة التجريدية التعبيرية في الثمانينات، وفيها استخدمت الألوان بجرأة مع مجرات كبيرة للفرشاة، ومساحات كروما قوية جداً.

أما على المستوى الشخصي، فيتذكر الفنان مصطفى الرزاز ملامح شخصيتها قائلاً: «كانت تتمتَّع بطموح غير محدود واندفاع وجَلَد وخبرة مهنية واسعة؛ فنستطيع القول إنّ التصوير عندها عبارة عن شهادة سيكولوجية عن شخصيتها، بمعنى أنه حتى بالنسبة إلى مَن لم يلتقِ بها يوماً لكنه شاهد أعمالها، كأنه عاشرها عن قرب؛ لأن أعمالها انعكاس حقيقي لشخصيتها».

الفنانة جاذبية سري... بورتريه ذاتي (الشرق الأوسط)

لكن كيف يمكن تفسير أنها، رغم كونها من أبرز رائدات الفنّ الحديث في مصر، لم تنجح بصفتها معلّمة في المعهد العالي للفنون الجميلة للمعلّمات في بداياتها، ولم يتخرَّج تلامذة من تحت يديها؟ يُفسّر الرزاز: «لأنها كانت صاحبة مشروع طموح، فكانت تعطيه كلّ فنّها، ولم يكن لديها من الوقت ما يسمح لها بمتابعة دارسي الفنّ».

ويتابع: «كما أنها اتّسمت بالنزعة الذاتية في الفنّ؛ ففي مراحل متقطّعة كان يدور اهتمامها حول نفسها، ولعلّ ذلك يكشف سرّ رسمها عدداً من البورتريهات الشخصية لنفسها خلال المراحل المختلفة من مشوارها».


مقالات ذات صلة

متحف فيليب جبر... أرشيف بصري يروي تاريخ لبنان

يوميات الشرق الأرشيف البصري يبدأ من عين رأت لبنان ولم تنسه (متحف فيليب جبر)

متحف فيليب جبر... أرشيف بصري يروي تاريخ لبنان

في كلّ زاوية لوحة، وخلف كلّ لوحة حكاية سفر أو مزاد أو بحث طويل...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق يستعرض المعرض مجموعة نادرة من شواهد القبور المصنوعة من حجر البازلت الأسود البركاني (الشرق الأوسط)

معرض سعودي يستكشف أسرار الحضارات المكتوبة على الصخور

بين جبال طويق، ونقوش نجران الضاربة في التاريخ، تختزل الصخور حكاية الوجود البشري والجيولوجي على أرض الجزيرة العربية.

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق وجوه الأبدية تنوعت ملامحها في المعرض (الشرق الأوسط)

«متحف الحضارة المصرية» يحتضن معرضاً تشكيلياً يتقصّى «الأبدية»

احتضن المتحف القومي للحضارة المصرية معرضاً تشكيلياً يحاول اقتناص فكرة «الأبدية» عبر لوحات لفنانين مصريين وعرب وأجانب.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)

«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

يُحقّق «أرواح صاعدة» أفضل لحظاته حين تتراجع الفكرة المكتوبة إلى الخلف وتتكلّم المادة بنفسها...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من معرض «فريدا... صناعة أيقونة» في متحف تيت مودرن (المتحف)

رفيقتا درب: المعرضان المتوازيان لفريدا كاهلو وتريسي إمين

ها هي الفنانة الشهيرة، مستلقية على السرير الذي أمضت فيه وقتاً طويلاً تتعافى من وعكة صحية وحوادث مروعة. ترتدي زياً مكسيكياً تقليدياً، وأصابعها مزينة بالخواتم،…

إميلي لابارج