سيجار مسموم ودعاية وانقلابات... سِجلّ «وكالة الاستخبارات المركزية» في أميركا اللاتينية

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال «خليج الخنازير» وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)
فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال «خليج الخنازير» وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)
TT

سيجار مسموم ودعاية وانقلابات... سِجلّ «وكالة الاستخبارات المركزية» في أميركا اللاتينية

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال «خليج الخنازير» وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)
فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال «خليج الخنازير» وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

تمتلك الولايات المتحدة تاريخاً طويلاً - وغالباً مظلماً - من التدخل في شؤون أميركا اللاتينية. فقد خاضت واشنطن حرباً مع المكسيك، وأنزلت قواتها في كوبا، وغزت بنما لإزاحة حاكمها. لكن خلال معظم القرن العشرين، كانت يد وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) هي التي تُدير هذا التدخل الأميركي في المنطقة.

والآن، بعد عقود من انتهاء الحرب الباردة، أفادت مصادر أميركية بأن إدارة الرئيس دونالد ترمب قد منحت الوكالة سرّاً تفويضاً بتنفيذ عمليات سرّية في فنزويلا، في خطوة تصعيدية ضد الرئيس نيكولاس مادورو، الزعيم السلطوي للبلاد.

وقد أعاد هذا القرار إلى الأذهان تاريخ وكالة الـ«CIA» المليء بالانقلابات، ومحاولات الاغتيال، ودعم قوات «الكونترا» ضد الحكومة اليسارية في نيكاراغوا خلال الثمانينيات.

فيما يلي أبرز تلك العمليات:

انقلاب في غواتيمالا (1954)

حين أُطيح بالرئيس الغواتيمالي المنتخب ديمقراطياً خاكوبيو آربينز غوزمان عام 1954، وصفت إدارة الرئيس دوايت آيزنهاور الحدث بأنه «انتفاضة ضد حكومة شيوعية متحالفة مع الاتحاد السوفياتي». لكن الوثائق التي كُشف عنها لاحقاً أظهرت أن الـ«CIA» كانت وراء الانقلاب؛ إذ أعدّت قوائم اغتيال، وناقشت تجنيد منفيين للمشاركة فيه. كما وافق آيزنهاور على تزويد المتمردين بطائرات قاذفة، وساعد طيارو الوكالة في بناء القوة المعارضة.

وكان آربينز قد أثار غضب شركة أميركية عملاقة هي شركة «الفواكه المتحدة» (United Fruit Co.) بعد أن حاولت حكومته مصادرة الأراضي غير المستغلة التي تملكها الشركة ضمن خطة إصلاح زراعي، مع تعويضها بالقيمة التي أعلنتها لأغراض ضريبية (وكانت أقل بكثير من القيمة الحقيقية).

أدّى الانقلاب إلى ثلاثة عقود من الحرب الأهلية في غواتيمالا، أسفرت - وفقاً لتحقيق أجرته الكنيسة الكاثوليكية - عن مقتل 150 ألف شخص، واختفاء 50 ألفاً آخرين قسراً، وقدّرت الكنيسة أن 80 في المائة من الضحايا سقطوا على يد القوات الحكومية.

«غزو خليج الخنازير» (كوبا - 1961)

بعد أن وصل فيدل كاسترو إلى السلطة عام 1959، تدهورت علاقات كوبا بسرعة مع واشنطن. وسرعان ما بدأت الـ«CIA» تخطط لغزو، وساعدت في تدريب وتسليح قوة من المنفيين الكوبيين في قاعدة سرّية بغواتيمالا.

في أبريل (نيسان) 1961، نفّذت الوكالة الهجوم الكارثي المعروف بـ«غزو خليج الخنازير». كان الهدف إسقاط حكومة كاسترو الشيوعية، بمشاركة طيّارين من الـ«CIA» يقصفون جزءاً من سلاح الجو الكوبي. لكن نحو 1500 منفيّ كوبي أُنزلوا على الجزيرة كانوا أقلّ عدداً وتسليحاً، فهُزموا سريعاً على يد الجيش الكوبي الذي أسر نحو 1200 منهم.

وكشف تقرير مطوّل من 150 صفحة لاحقاً أنّ معظم ضباط الـ«CIA» المشاركين لم يتحدثوا الإسبانية، وأنّ العملية كانت «معقدة وغريبة التنظيم»، مع فرص ضئيلة جداً للنجاح. وجاء في التقرير: «كانت الوكالة تتقدم دون أن تعرف بالضبط ما الذي تفعله».

محاولات اغتيال (خاصة فيدل كاسترو)

وفقاً لتقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي عام 1975، نفذت الـ«CIA» ما لا يقل عن ثماني محاولات لاغتيال كاسترو، وكُشف عنها بالكامل لاحقاً.

تنوّعت الخطط بين السموم والأدوات الغريبة:

إرسال حبوب سامة إلى كوبا.

تزويد معارض كوبي بقلم مسموم.

تجربة سيجار محشو بسمّ البوتولينوم.

قوقعة بحرية مفخخة تُزرع في منطقة غوص كاسترو.

بدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل.

كما ساعد أحد عملاء الـ«CIA» وحدة من الجيش البوليفي في القبض على تشي غيفارا عام 1967، في عملية انتهت بإعدامه. وفي عام 1975، زوّدت الوكالة معارضين بالأسلحة لاغتيال رافائيل تروخيو، الحاكم المستبد لجمهورية الدومينيكان.

تهيئة «مناخ الانقلاب» في تشيلي (1970 - 1973)

منذ أن تولّى سلفادور أليندي رئاسة تشيلي بصفته اشتراكياً عام 1970، بدأت إدارة ريتشارد نيكسون التخطيط للعمل ضده، خشية أن يصبح نموذجاً لبلدان أخرى.

سعت الـCIA إلى خلق «مناخ انقلاب» من خلال الضغط على الحكومة التشيلية. وتشمل العمليات السرية التي كشفتها الوثائق الأميركية:

تمويل حملات إعلامية معادية للحكومة.

منع القروض عن تشيلي من مؤسسات مالية دولية.

تقديم أموال سرية لدعم الإضرابات.

طمأنة الجيش التشيلي بأنّه يحظى بدعم أميركي كامل.

دوّن مدير الـ«CIA» حينها ملاحظات بخطّ يده تعكس أوامر الرئيس نيكسون: «احتمال واحد من عشرة - ربما - لكن أنقذوا تشيلي». «غير مهتم بالمخاطر». «مهمة بدوام كامل - أفضل رجالنا». «اجعلوا الاقتصاد يصرخ».

ورغم أن لجنة مجلس الشيوخ التي حقّقت في تلك العمليات لم تجد دليلاً مباشراً على تورّط الولايات المتحدة في الانقلاب العسكري الذي تلاها، فإنّ ما حدث في سبتمبر (أيلول) 1973 كان واضح النتيجة: حاصر الجيش القصر الرئاسي، وأمر أليندي أنصاره بالاستسلام، ثم انتحر بإطلاق النار على نفسه.

أصبح الجنرال أوغستو بينوشيه قائداً للمجلس العسكري، وأقام نظاماً قمعياً استمر 16 عاماً، شهد انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان شملت التعذيب والإعدامات والاختفاء القسري.

* خدمة «نيويورك تايمز»

حقائق

محاولات أميركية لقتل كاسترو

إرسال حبوب سامة إلى كوبا.

تزويد معارض كوبي بقلم مسموم.

تجربة سيجار محشو بسمّ البوتولينوم.

قوقعة بحرية مفخخة تُزرع في منطقة غوص كاسترو.

بدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل.


مقالات ذات صلة

إيران تتصدر «سلة مطالب» نتنياهو في واشنطن

شؤون إقليمية ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

إيران تتصدر «سلة مطالب» نتنياهو في واشنطن

يتوّجه نتنياهو إلى واشنطن حاملاً قائمة طويلة من المطالب، منها مقترحات يرى أنها كفيلة بإنجاح الحرب على إيران، لكن مصادر تقول إن نتنياهو لا يدرك أن الظروف تغيّرت.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر مركبات عند مدخل أنفاق «جبل الفأس» في 21 يونيو 2026 (رويترز)

عملية برية محتملة للاستيلاء على اليورانيوم الإيراني

تدرس الولايات المتحدة عملية عسكرية بالغة التعقيد للاستيلاء على مخزون إيران من اليورانيوم المخصب من منشآت نووية محصنة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ ترمب خلال مشاركته في حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض الجمعة (أ.ف.ب)

ترمب يواجه اختبار انتخابياً حاسماً بعد 100 يوم

قبل 100 يوم من انتخابات الكونغرس، يواجه حزب ترمب استطلاعات تشير إلى احتمال خسارة حزبه الجمهوري مجلسَ النواب واضطراره لخوض معركة شرسة للمحافظة على مجلس الشيوخ.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سفينة شحن حاويات في ميناء أوكلاند بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

ترمب يمضي قدماً نحو بناء «جدار جمركي» أمام العالم

تُشكِّل أحدث سلسلة من الرسوم الجمركية وهي رسوم بنسبة 10 أو 12.5 في المائة على 60 دولة، أول إجراء من بين عدد من الإجراءات الجمركية التي سيتم الكشف عنها قريباً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي (رويترز)

رئيس الوزراء: أستراليا ستطرح مع ترمب مخاوفها بشأن الرسوم الجمركية

قال رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيزي، الأحد، إنه سيسعى إلى طرح مسألة الرسوم الجمركية مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب...

«الشرق الأوسط» (سيدني)