ترمب يعلن انتهاء «حرب غزة» ويتعهد تشكيل «مجلس السلام» سريعاً

قال إنه سيجري تشكيل «مجلس سلام»... و«حماس» لن تشارك في حكم القطاع في المرحلة الانتقالية

TT

ترمب يعلن انتهاء «حرب غزة» ويتعهد تشكيل «مجلس السلام» سريعاً

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للمراسلين قبل الصعود للطائرة الرئاسية المتوجهة إلى جولة في الشرق الأوسط (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للمراسلين قبل الصعود للطائرة الرئاسية المتوجهة إلى جولة في الشرق الأوسط (أ.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، انتهاء حرب غزة، مشيراً إلى أن «الأمور ستصير بشكل جيد في غزة».

وقال الرئيس الأميركي قبيل مغادرته إلى إسرائيل ومصر في رحلة تكتسي أهمية كبرى: «لدينا الكثير من الضمانات الشفهية بشأن غزة وربما يجري إطلاق سراح الرهائن مبكراً بعض الشيء». وأضاف ترمب: «أعتقد أن وقف إطلاق النار بين (حماس) وإسرائيل سيصمد، وسيجري تشكيل مجلس سلام على نحو سريع من أجل غزة»، مشيراً إلى أن غزة «تبدو مثل موقع هدم».

وقبيل إقلاع طائرته من قاعدة أندروز الجوية قرب واشنطن، وصف ترمب رحلته إلى الشرق الأوسط بأنها ستكون «مميزة جداً». وقال ترمب للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية في رد على سؤال عما إذا كان واثقاً من انتهاء النزاع بين إسرائيل وحركة حماس: «الحرب انتهت. حسناً، هل فهمتم ذلك»، معرباً عن ثقته بأن وقف إطلاق النار «سيصمد».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للمراسلين قبل الصعود للطائرة الرئاسية المتوجهة إلى جولة للشرق الأوسط (أ.ف.ب)

وتوجّه الرئيس الأميركي، الأحد، إلى إسرائيل ومصر في إطار الجهود لإنهاء الحرب في غزة. وأقلعت الطائرة الرئاسية من قاعدة أندروز قرب واشنطن في أجواء ماطرة. ويرافق ترمب في رحلته وزراء الخارجية ماركو روبيو، والدفاع بيت هيغسيث، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، وفق البيت الأبيض.

وسيقضى ترمب بضع ساعات في إسرائيل التي يصلها صباح اليوم (الاثنين) في أول زيارة له منذ أعادة انتخابه رئيساً. واعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاب أن العودة المرتقبة للرهائن المُحتجزين في قطاع غزّة ستشكل «حدثاً تاريخيا»، قائلاً: «لقد أنجزنا معاً انتصارات هائلة أدهشت العالم كله. وأريد أن أقول لكم: في أي مكان قاتلنا فيه أحرزنا نصراً، ولكن في الوقت نفسه، أقول لكم إن المعركة لم تنته»، وفق قوله. وأضاف: «ما زالت أمامنا تحديات أمنية كبيرة جداً. البعض من أعدائنا يحاولون التعافي لضربنا من جديد. لكننا (...) سنتولى أمرهم»، من دون تفاصيل إضافية.

وتنص الخطة التي وضعها ترمب لوقف الحرب على الإفراج عن الرهائن الـ47 المتبقين في غزة من أصل 251 رهينة، وبينهم عشرون تعتقد إسرائيل أنهم ما زالوا على قيد الحياة، إضافة إلى رفات رهينة احتجز في عام 2014. وفي المقابل، ستُفرج إسرائيل عن 250 معتقلاً فلسطينياً محكومين بالسجن المؤبد، و1700 معتقل من سكان غزة احتجزوا منذ اندلاع الحرب.

وتتوقع الحكومة الإسرائيلية الإفراج عن الرهائن العشرين الأحياء معاً (وتسليمهم جميعاً) في نفس الوقت إلى الصليب الأحمر ونقلهم في ست إلى ثماني سيارات. مساء، قال مسؤول عسكري إسرائيلي إنه من غير المتوقّع أن تُعاد إلى إسرائيل الاثنين كل جثامين الرهائن المحتجزة في غزة. وأضاف المسؤول خلال إحاطة صحافية ليل أمس (الأحد): «للأسف، نتوقع ألا تُعاد غداً كل جثامين الرهائن المتوفين».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً للصحافيين خلال توجهه إلى إسرائيل ومصر (رويترز)

وقال مصدر مطلع على المفاوضات إن «حماس» أنهت التحضيرات لتسليم الرهائن الأحياء، لكنه شدد على أن الحركة تصر على أن تفرج إسرائيل عن 7 قادة فلسطينيين في عملية التبادل. وأضاف المصدر أن «حماس تصر على أن تشمل القائمة النهائية القادة السبعة الكبار وأبرزهم مروان البرغوثي وأحمد سعدات وإبراهيم حامد وعباس السيد»، الأمر الذي أكده مصدر آخر، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية»، وأعلنت المتحدثة باسم رئاسة الحكومة الإسرائيلية أنه «سيتم الإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين بمجرد أن تؤكد إسرائيل وصول جميع رهائننا المقرر إطلاق سراحهم غداً عبر الحدود».

برنامج زيارة ترمب... وخطة غزة

ويبدأ ترمب زيارته للمنطقة بمحطة في إسرائيل حيث يلقي كلمة في الكنيست ويلتقي عائلات رهائن الاثنين، قبل الانتقال إلى شرم الشيخ في مصر لحضور قمة السلام التي سيتم خلالها وبحضور أبرز قادة العالم «توقيع وثيقة تقضي بإنهاء الحرب في قطاع غزة» وفق الخارجية المصرية.

وأكد ترمب على متن الطائرة الرئاسية حصوله على «ضمانات» شفهية من الجانبين ومن لاعبين إقليميين رئيسيين آخرين بشأن المرحلة الأولى من الاتفاق، مشيراً إلى أنه لا يعتقد أن أحداً «يريد أن يخذله». وقال إن علاقته بنتنياهو «جيدة للغاية»، مضيفاً: «كانت لدي بعض الخلافات معه وسُويت بسرعة». وأبدى ترمب رغبة بزيارة غزة أو على الأقل أن «يطأ أرضها»، متعهداً بأن يتم تشكيل مجلس السلام الجديد برئاسته المخصص للقطاع «بسرعة جداً».

رد فعل إسرائيليين في انتظار إطلاق سراح الرهائن في ميدان الرهائن بتل أبيب (أ.ف.ب)

وتتهيّأ مستشفيات إسرائيلية عدة لاستقبال الرهائن المفرج عنهم، في حين أشارت سلطات السجون في إسرائيل إلى نقل سجناء فلسطينيين إلى سجنين تمهيداً لإطلاق سراحهم.

وستكون إدارة قطاع غزة، الذي مزقته حرب مستمرة منذ عامين، إحدى القضايا المطروحة. وقال مصدر دبلوماسي أُبلغ بمراسم التوقيع في تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، مشترطاً عدم كشف هويته، إن «الموقعين سيكونون الأطراف الضامنة وهي الولايات المتحدة ومصر وقطر وربما تركيا». وأعلنت إسرائيل الأحد أنها لن توفد أي ممثل لها إلى القمة، الأمر الذي سبق أن أعلنه مسؤول في «حماس» أول من أمس (السبت).

وبالرغم من التقدم الذي تم إحرازه، ما زال يتحتم على الوسطاء التوصل إلى تسوية سياسية طويلة الأمد تقضي بتسليم «حماس» سلاحها وتخليها عن حكم غزة. وأفاد مصدر في «حماس» مقرب من الوفد المفاوض بأن الحركة لن تشارك في حكم غزة في المرحلة الانتقالية التي تلي الحرب.

وقال المصدر طالباً عدم كشف هويته بسبب حساسية المسألة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنه «بالنسبة لـ(حماس) موضوع حكم قطاع غزة هو من القضايا المنتهية. (حماس) لن تشارك بتاتاً في المرحلة الانتقالية، مما يعني أنها تخلت عن حكم القطاع ولكنها تبقى عنصراً أساسياً من النسيج الفلسطيني».

مركبة تابعة للصليب الأحمر تتحرك على طول الطريق قبل إطلاق سراح الرهائن كجزء من اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى بين «حماس» وإسرائيل في قطاع غزة (رويترز)

في المقابل، رد على المطالب المتعلقة بتخلي الحركة عن سلاحها قائلاً إن «حماس» موافقة على هدنة طويلة وألا يستخدم السلاح بتاتاً طوال هذه المدة إلا في حال عدوان إسرائيلي على غزة.

وبموجب خطة ترمب، تسحب إسرائيل قواتها على مراحل من مدن قطاع غزة، على أن تحل محلها قوة متعددة الجنسيات تضم قوات من مصر وقطر وتركيا والإمارات العربية المتحدة، يتولى تنسيق عملها مركز قيادي تحت إشراف أميركي في إسرائيل. وستعهد الحكومة وفق الخطة الأميركية إلى «لجنة فلسطينية تكنوقراطية وغير سياسية» توضع «تحت إشراف وسيطرة هيئة انتقالية دولية جديدة» برئاسة ترمب.

شاحنات تنتظر

ميدانياً، توجّه غزّيّون إلى الأسواق حيث انخفضت أسعار المواد الغذائية، وسط ترقّب لتخفيف الحصار مع وقف إطلاق النار. وشهد اليوم الثالث من وقف إطلاق النار دخول بعض الشاحنات إلى القطاع، لكن فلسطينيين في خان يونس بجنوب القطاع قالوا إن سكاناً جائعين نهبوا بعض الشحنات وسط فوضى عارمة.

وقال محمد زرب: «لا نريد العيش في غاب» مطالباً بأن يتم تأمين المساعدات وتوزيعها بصورة لائقة. وأضاف: «انظروا كيف أن الطعام مرمي على الأرض». وانتشرت عناصر الشرطة البلدية في مخيم النصيرات، في وسط القطاع، وسط الأنقاض والنفايات، بينما عاد مئات الآلاف من النازحين إلى شمال القطاع، ليجدوا غالباً منازلهم مدمرة.

وأدت الحرب الإسرائيلية إلى سقوط ما لا يقل عن 67806 قتلى، بحسب وزارة الصحة التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، وهي أرقام تعتبرها الأمم المتحدة موثوقة. ويُظهر الإحصاء أن أكثر من نصف القتلى من النساء والأطفال.

إلى ذلك، شكك ترمب فيما إذا كان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير سينضم إلى «مجلس السلام» الجديد الذي يهدف إلى الإشراف على إدارة قطاع غزة، وسط انتقادات مستمرة لبلير لدوره في حرب العراق. وقال ترمب: «لطالما أحببت توني، لكنني أريد أن أتأكد من أنه خيار مقبول للجميع»، دون أن يذكر أسماء قادة محددين يمكن أن يكون لهم رأي في اختياره لبلير. وكانت خطة السلام في غزة التي طرحها البيت الأبيض الشهر الماضي قد أدرجت اسم بلير كعضو في المجلس المقترح.

وقال ترمب إن مجلس السلام سيبدأ العمل بسرعة، لكنه بدا غير متأكد مما إذا كان بلير سيحظى بقبول جميع المعنيين. وقال ترمب: «أريد أن أعرف ما إذا كان توني سيحظى بقبول لدى الجميع لأنني لا أعرف ذلك». وقوبلت فكرة تعيين بلير في مجلس السلام بحالة من عدم التصديق بين السياسيين والمحللين الفلسطينيين، وبين أعضاء حزب العمال الذي ينتمي إليه بلير في بريطانيا، نظراً لتضرر سمعته بسبب قراره دعم غزو العراق عام 2003. وفي أعقاب ذلك الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، تبين في نهاية المطاف أن مزاعم الولايات المتحدة وبريطانيا بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل كانت كاذبة.


مقالات ذات صلة

وثيقة نتنياهو حول «7 أكتوبر»... هل كانت سلاحاً انتخابياً؟

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في الكنيست بالقدس في 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

وثيقة نتنياهو حول «7 أكتوبر»... هل كانت سلاحاً انتخابياً؟

كتاب وصحافيون يتهمون نتنياهو بنشر وثيقة مضللة حول 7 أكتوبر لأغراض شخصية وانتخابية ويرون أنها دليل على نيته تقريب الانتخابات.

كفاح زبون (رام الله)
تحليل إخباري رجل فلسطيني يسير وسط مبانٍ مدمّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري اجتماع «مجلس السلام» بشأن غزة... حسم للقضايا الشائكة وتفكيك للجمود

تتراكم قضايا شائكة أمام مسار تنفيذ المرحلة الثانية الحاسمة من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، التي بدأت نظرياً منتصف يناير الماضي.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي سيارة إسعاف مصرية قرب معبر رفح في 4 فبراير 2026 (رويترز)

«حماس» تطالب بالضغط على إسرائيل للسماح بدخول لجنة إدارة قطاع غزة

دعت حركة «حماس»، اليوم (السبت)، جميع الأطراف للضغط على إسرائيل؛ للسماح بدخول اللجنة المستقلة لإدارة غزة للقطاع لمباشرة عملها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (رويترز) p-circle

رئيس وزراء المجر يتلقى دعوة لاجتماع «مجلس السلام» الذي يعقده ترمب

كشف رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان عن أنه تلقى دعوة لحضور اجتماع «مجلس السلام» الذي يعقده الرئيس الأميركي دونالد ترمب «بعد أسبوعين» في واشنطن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي نازحون يتدافعون لملء أوعية بلاستيكية بالماء من منشأة لتكرير الماء في خان يونس السبت (أ.ف.ب)

الواقع الصحي والإنساني ينهار في قطاع غزة رغم وقف إطلاق النار

لا تتوقف الجهات الحكومية في قطاع غزة، وكذلك المنظمات الإنسانية، والأممية، عن التحذير من واقع الحياة الصعب الذي يواجهه السكان.

«الشرق الأوسط» (غزة)

ترمب يشيد برئيس هندوراس الجديد بعد محادثات في الولايات المتحدة

صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب وبنظيره الهندوراسي نصري عصفورة (ا.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب وبنظيره الهندوراسي نصري عصفورة (ا.ف.ب)
TT

ترمب يشيد برئيس هندوراس الجديد بعد محادثات في الولايات المتحدة

صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب وبنظيره الهندوراسي نصري عصفورة (ا.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس دونالد ترمب وبنظيره الهندوراسي نصري عصفورة (ا.ف.ب)

أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، بنظيره الهندوراسي نصري عصفورة، الذي دعمه خلال حملته الانتخابية، عقب اجتماع عقد في منتجع مارالاغو الذي يملكه الملياردير الجمهوري في ولاية فلوريدا الأميركية.

والأسبوع الماضي، تم تنصيب عصفورة، رجل الأعمال المحافظ والرئيس السابق لبلدية تيغوسيغالبا، رئيسا لهندوراس بعد فوزه في انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) بدعم من ترمب.

وكان ترمب هدّد بقطع المساعدات عن أفقر دولة في أميركا الوسطى إذا هُزم «صديقه».

وكتب ترمب على منصته «تروث سوشال» «لقد عقدت اجتماعا مهما جدا مع صديقي ورئيس هندوراس، نصري +تيتو+ عصفورة».

وأضاف «بمجرد أن قدمت له دعمي القوي، فاز في الانتخابات! أنا وتيتو نتشارك العديد من القيم التي تضع أميركا أولا. لدينا شراكة وثيقة في مجال الأمن».

وأشار إلى أن الطرفين ناقشا الاستثمار والتجارة بين البلدين.

ومن المقرر أن يتحدث عصفورة إلى وسائل الإعلام الأحد بشأن المحادثات التي أجراها مع ترمب.

وكان عصفورة التقى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في 12 يناير (كانون الثاني) وقد أعلن الجانبان بعد ذلك خططا لإبرام اتفاق تجارة حرة.

وقد منح هذا الفوز ترمب حليفا آخر في أميركا اللاتينية بعدما حلّ محافظون ركزوا حملاتهم الانتخابية بشكل كبير على الجريمة والفساد، مكان اليساريين في تشيلي وبوليفيا والبيرو والأرجنتين.

ويمارس ترمب ضغوطا على الدول الواقعة في الفناء الخلفي لواشنطن لإجبارها على الاختيار بين إقامة علاقات وثيقة مع واشنطن أو مع بكين.


«خطوة غير مألوفة»... ترمب يستعين بعسكريين في الجهود الدبلوماسية بشأن إيران وأوكرانيا

الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
TT

«خطوة غير مألوفة»... ترمب يستعين بعسكريين في الجهود الدبلوماسية بشأن إيران وأوكرانيا

الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)

استعان الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقادة عسكريين في جهود دبلوماسية رفيعة المستوى، حيث أوفد القائد الأعلى للقوات الأميركية في الشرق الأوسط إلى المحادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وجعل وزير الجيش مفاوضاً رئيسياً لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية.

وعدت شبكة «إيه بي سي نيوز» الأميركية قرار ترمب بمشاركة العسكريين في الجهود الدبلوماسية «خطوة غير مألوفة»، وقالت إن الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، انضم لأول مرة إلى المحادثات الأميركية الإيرانية غير المباشرة، يوم الجمعة، في سلطنة عُمان، وظهر بزيّه العسكري الرسمي في إشارة إلى تعزيز الولايات المتحدة لقدراتها العسكرية في المنطقة.

قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي - إكس)

وبينما استأنف وزير الجيش دان دريسكول دوره في المحادثات الروسية الأوكرانية، هذا الأسبوع، عمل على استمرار الحوار مع المسؤولين الأوكرانيين خلال فترات الراحة بين الجلسات.

وقالت إن تولي المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر ترمب، جاريد كوشنر، زمام المفاوضات الشائكة، واختيار إشراك قادة عسكريين - سواء لخبرتهم أو علاقاتهم أو للإشارة إلى خيارات أكثر صرامة - يعكس كيف قلبت الإدارة الجمهورية السياسة الخارجية والدبلوماسية الأميركية التقليدية رأساً على عقب.

وقالت إليسا إيورز، التي شغلت مناصب في الأمن القومي في إدارتي جورج دبليو بوش وأوباما، إن وضع قادة عسكريين في الخدمة الفعلية، مثل كوبر، في مناصب دبلوماسية يُظهر كيف قللت إدارة ترمب من شأن الدبلوماسيين المهرة وأدوات الدبلوماسية لصالح الاعتماد المفرط على الجيش في محاولة حل تحديات السياسة الخارجية.

وأضافت إيورز، الباحثة في شؤون الشرق الأوسط في مركز الأمن الأميركي الجديد: «غالباً ما يتطلب الأمر وقتاً وجهداً واستثماراً هائلين للوصول إلى مرحلة يمكن فيها القول إن الدبلوماسية قد نجحت».

وفي المقابل، أشارإليوت كوهين، الذي شغل منصب مستشار وزارة الخارجية في إدارة جورج دبليو بوش، إلى مشاركة جنرالات أميركيين في محادثات الحد من التسلح مع الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة.

وقال كوهين إن خطوة ترمب بإرسال دريسكول، القائد المدني الأعلى للجيش، كانت غير معتادة، لكنه أضاف: «الرؤساء يفعلون هذا النوع من الأمور».

وأوضح كوهين: «هناك تقليد عريق للرؤساء الأميركيين في استخدام شخصيات غير تقليدية كمبعوثين إذا كانوا يثقون بهم، ويعتقدون أنهم قادرون على إيصال الرسالة».

وهدفت المحادثات في سلطنة عُمان إلى تهدئة التوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة، والتي تُبقي المنطقة على حافة الهاوية.

ووصف ترمب المحادثات بأنها «جيدة للغاية»، وأنه من المقرر عقد المزيد منها مطلع الأسبوع المقبل. لكنه حذر من أنه إذا لم تتوصل إيران إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي، «فستكون العواقب وخيمة للغاية».

وقد هدد ترمب مراراً باستخدام القوة لإجبار إيران على التوصل إلى اتفاق، وأرسل حاملة الطائرات أبراهام لينكولن وسفناً حربية أخرى إلى المنطقة خلال حملة طهران الدموية لقمع الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد.

وقال مايكل أوهانلون، محلل الشؤون الدفاعية والسياسة الخارجية في معهد بروكينغز، إن حضور كوبر يهدف إلى «إظهار العزم والترهيب»، وكتب أوهانلون في رسالة بريد إلكتروني: «إن إشراك قائد القيادة المركزية الأميركية أمر غير معتاد، ويبدو أنه يهدف إلى توجيه رسالة أكثر من تعزيز قوة فريق التفاوض في المحادثات نفسها».

وأضاف أوهانلون: «لكن العلاقات متوترة وسيئة للغاية لدرجة أنني أشك في أن ذلك سيحدث فرقاً كبيراً، ما لم يجرِ الإيرانيون مراجعة جذرية لبرنامجهم النووي».

وقال مايكل سينغ، الذي شغل منصب مدير أول لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض في عهد إدارة جورج دبليو بوش، إنه يرى أن حضور كوبر مرتبط أكثر بخبرته.

وأوضح سينغ أن ويتكوف وكوشنر ليسا خبيرين في الشأن الإيراني، بل هما شخصيتان عامتان تشاركان في محادثات دبلوماسية حول العالم، بينما يمتلك كوبر معرفة بالمنطقة وإمكانية الوصول إلى خبراء عسكريين قادرين على تقييم أي تنازلات مقترحة لبرنامج إيران النووي.

وتحدث كوبر بإسهاب عن القدرات النووية والعسكرية الإيرانية خلال جلسة استماع ترشيحه في يونيو (حزيران)، بعد وقت قصير من شن الولايات المتحدة ضربات على مواقع نووية رئيسية إيرانية.

وقال سينغ، المدير الإداري لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: «هذه قضايا فنية للغاية نتعامل معها. إنها ليست قضايا يمكن التعامل معها بشكل غريزي. سيتمكن الأدميرال كوبر من الوصول إلى هذه الخبرة بطريقة قد لا يمتلكها ويتكوف وكوشنر أو قد لا يختاران الوصول إليها».

و قال كوهين: «يجلب كوبر المعرفة والتهديد الضمني باستخدام القوة، وهو جزء من المفاوضات».

وفي نوفمبر(تشرين الثاني)، تم اختيار دريسكول فجأة للمفاوضات في محاولة لإنهاء الحرب الروسية المستمرة منذ ما يقرب من 4 سنوات في أوكرانيا، وكانت المحادثات آنذاك قد تعثرت، واستغل دريسكول رحلةً إلى أوكرانيا للقاء الرئيس فولوديمير زيلينسكي ومسؤولين حكوميين وعسكريين رفيعي المستوى ومنذ ذلك الحين، شارك دريسكول في عدة جولات تفاوضية أخرى، بما في ذلك جولة أبوظبي هذا الأسبوع.

وقال مصدر مُطّلع على المفاوضات إن دور دريسكول تمحور حول التنسيق بين الأوكرانيين ومسؤولي إدارة ترمب، مثل ويتكوف وكوشنر.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (يسار) يصافح وزير الجيش الأميركي دان دريسكول (أ.ف.ب)

وأوضح المصدر أن العلاقة مع الأوكرانيين كانت ثمرة قدرة دريسكول على استمرار الحوار بين جولات التفاوض، فضلاً عن خبرته العسكرية كقائد وضابط سابق في الجيش.

وخدم دريسكول كضابط مدرعات لأكثر من 3 سنوات، وحصل على رتبة ملازم أول. خدم في العراق من أكتوبر (تشرين الأول) 2009 إلى يوليو (تموز) 2010.

في أبوظبي، انضم إليه الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش، قائد القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا، والذي أسهم في التفاوض على إعادة إطلاق حوار عسكري رفيع المستوى بين الولايات المتحدة وروسيا لأول مرة منذ 4 سنوات وجاء في بيان عسكري أميركي أن هذا الحوار «سيوفر اتصالاً عسكرياً مستمراً بين الطرفين في إطار مساعيهما لتحقيق سلام دائم».


لماذا تبدو عتبة النووي العالمي أخطر مما كانت عليه؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

لماذا تبدو عتبة النووي العالمي أخطر مما كانت عليه؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

لم يكن حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إعادة النظر في «التزامات» أميركا النووية مجرَّد سجال داخلي حول تكلفة الردع أو «لياقة» التعهدات. الجديد هذه المرة أن مسؤولين أميركيين انتقلوا من لغة التحذير إلى لغة الإجراء: اتهامٌ مباشر للصين بإجراء تفجير نووي سري عام 2020، وتأكيدٌ على أن واشنطن تستعد لاستئناف أنشطة/ اختبارات نووية «أسوة بالآخرين»، في لحظة يتفكك فيها آخر قيدٍ تعاقدي كبير على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم، بعد انتهاء «نيو ستارت» في 5 فبراير (شباط) 2026.

هذه التطورات لا تعني تلقائياً أن العالم يتجه غداً إلى سلسلة تفجيرات نووية فوق الأرض على غرار الخمسينيات. ولكنها تعني، وبشكل ملموس، أن «القواعد غير المكتوبة» التي خفَّضت أخطار سوء التقدير خلال نصف قرن تتآكل بسرعة، وأن فكرة «العودة إلى التجربة» تُستخدم الآن كأداة ضغط تفاوضي وكإشارة ردعية في آن واحد. وهو خليط شديد الحساسية في بيئة استراتيجية مزدحمة بالشكوك والحروب بالوكالة، وتنافس القوى الكبرى.

اتهامات واشنطن

في مؤتمر نزع السلاح بجنيف، قال توماس دي نانو، إن الحكومة الأميركية «تدرك» أن الصين نفَّذت «اختباراً نووياً تفجيرياً» بعائدٍ مُنتِج في 22 يونيو (حزيران) 2020. واتهم بكين أيضاً بالتحضير لاختبارات بعوائد «في حدود مئات الأطنان»، وبالتلاعب ببيئة الرصد الزلزالي لإخفاء آثارها، مبرراً ذلك بالحاجة إلى «خطوات موازية» مع روسيا والصين، مع تآكل وقف التجارب غير الرسمي.

في المقابل، ردَّت منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، بأن منظومة الرصد الدولية التابعة لها لم تسجل حدثاً يطابق خصائص تفجير نووي في التاريخ الذي حددته واشنطن، وأن التحليلات اللاحقة لم تغيِّر تلك الخلاصة.

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

حسب محللين، هذا التباين مهم؛ لأنه يكشف جوهر المعضلة: حتى لو وُجد نشاط منخفض العائد أو «مناطق رمادية» تقنية، فقد لا يكون قابلاً للحسم علناً بالأدلة المتاحة للجمهور، ما يفتح الباب أمام توظيف الاتهامات في السياسة والردع، ويقلص مساحة الثقة الضرورية لأي ضبط تسلح. ويؤكد هؤلاء على أن الخطاب الدائر يخلط أحياناً بين ثلاثة مستويات:

التفجير النووي الكامل: يولِّد تفاعلاً متسلسلاً ذاتي الاستدامة، وعائداً تفجيرياً واضحاً. هذا هو جوهر ما تحظره معاهدة الحظر الشامل للتجارب إذا دخلت حيز النفاذ، وهو أيضاً ما تحاول الأعراف الدولية منعه منذ التسعينيات.

أرشيفية لصاروخ باليستي عابر للقارات روسي من طراز «توبول إم» يعبر الساحة الحمراء خلال عرض عسكري في موسكو (أ.ف.ب)

اختبارات منخفضة العائد/ شديدة الانخفاض: وقد تكون أصعب كشفاً، ويمكن -حسب خبراء- التحايل على رصدها عبر ظروف جيولوجية، أو غرف معدنية، أو تقنيات «فك الارتباط» التي تخفف الإشارة الزلزالية. هذا ما يجعل الاتهام الأميركي للصين شديد الحساسية، حتى لو لم تُعلن واشنطن أدلة تفصيلية.

شي في الذكرى الثمانين لانتصار الصين (روسترز)

اختبارات «دون حرجة»: تُجرى دون الوصول إلى تفاعل متسلسل ذاتي الاستدامة، وتعدُّها بعض الدول ضمن «المنطقة الرمادية»؛ لأنها لا تنتج عائداً تفجيرياً نووياً قابلاً للرصد بالمعايير نفسها. هنا تكمن مساحة التلاعب السياسي؛ حيث يمكن لحكومة ما أن تقول إنها «عادت للاختبار» بينما تقصد توسيع نشاطات دون حرجة، ويمكن لخصومها أن يقرأوا ذلك ككسرٍ للمحظور وتوطئة لتفجيرات حقيقية.

لذلك، عندما يقول مسؤولون إن واشنطن «ستبدأ أنشطة الاختبارات النووية»، يبقى السؤال العملي: هل نتحدث عن تفجيرات نووية فعلية لأول مرة منذ 1992؟ أم عن توسيع أنشطة تحت العتبة؟ الغموض قد يكون مقصوداً؛ لأنه يمنح الردع مرونة، ولكنه يرفع أيضاً أخطار سوء الفهم.

شي وبوتين في الذكرى الثمانين لانتصار الصين على اليابان (إ.ب.أ)

فراغ ما بعد «نيو ستارت»

انقضاء «نيو ستارت» يعني فقدان سقفٍ مُتحقق على الرؤوس الحربية الاستراتيجية المنشورة، وفقدان ما تبقى من قابلية التنبؤ المتبادل بين واشنطن وموسكو. والأهم: أنه يخلق «فراغاً تعاقدياً» تتسابق داخله ثلاث قوى (الولايات المتحدة، وروسيا، والصين) على تحديث الترسانات وقدرات الإيصال والأنظمة الجديدة التي لم تُصمم لها معاهدات العقدين الماضيين.

في هذا السياق، يدفع فريق إدارة ترمب نحو «اتفاق أوسع» يشمل الصين، بينما ترفض بكين الانضمام، بحجة أن ترسانتها أصغر بكثير من ترسانتَي واشنطن وموسكو، رغم نموها السريع.

الأرقام تُظهر لماذا يعتقد كل طرف أنه محق: تقديرات معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام تشير إلى أن الولايات المتحدة وروسيا تمتلكان معاً نحو 90 في المائة من الرؤوس النووية العالمية، بينما تملك الصين ما لا يقل عن 600 رأس، وتُعد الأسرع نمواً.

أرشيفية من القوات الجوية الأميركية لصاروخ «مينيوتمان 3» الباليستي العابر للقارات خلال إطلاقه من قاعدة «فاندنبرغ» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

التداعيات على «التوازن» والسلام العالمي

عودة الحديث عن التجارب النووية لم تعد مسألة تقنية، بقدر ما هي رسالة سياسية بأن قيود الضبط تتآكل، وأن القوى الكبرى تريد مساحة أوسع لتحسين التصاميم، ورفع موثوقية الترسانات، وربما تطوير أنظمة جديدة. في هذا المناخ يصبح الردع أقرب إلى التخمين؛ لأن الغموض حول قدرات الخصم يزداد، فتغدو التجارب أو التلويح بها عامل تصعيد. ومع انحسار قنوات التحقق والمعايير المشتركة ترتفع أخطار سوء التقدير، وسوء تفسير المناورات والحوادث، وهو ما حذَّر منه أنطونيو غوتيريش، أمين عام الأمم المتحدة، مع اقتراب انقضاء «نيو ستارت». كما يضغط ذلك على نظام عدم الانتشار عبر إضعاف «المحرّم» الأخلاقي للاختبار، ويهز ثقة الحلفاء في الردع الموسّع، ما قد يطلق سباق ضمانات وتسليح متعدد المحاور.

الزعيم الكوري الشمالي يشرف على تجارب صاروخية (إ.ب.أ)

المدافعون عن نهج إدارة ترمب يجادلون بأن إدخال الصين في أي إطار جديد ضرورة واقعية، وأن الحديث عن التجارب والقدرات يهدف إلى منع «التحايل السري» وإجبار الخصوم على طاولة تفاوض أكثر شمولاً.

في المقابل، ينتقد آخرون فكرة ترك اتفاق قائم وقابل للتحقق مقابل هدف تفاوضي قد يكون بعيد المنال، ويحذرون من أن الاتهامات غير المدعومة علناً؛ خصوصاً مع نفي منظومة الرصد الدولية، قد تتحول إلى ذريعة لسباق غير مضبوط.