كراسناهوركاي الحائز على «نوبل»... والنقد اللاذع للسلطوية

يشعر بالخجل عند الحديث عنه... ولا يعدّ نفسه «جزءاً من الحياة الأدبية»

كراسناهوركاي الحائز على «نوبل»... والنقد اللاذع للسلطوية
TT

كراسناهوركاي الحائز على «نوبل»... والنقد اللاذع للسلطوية

كراسناهوركاي الحائز على «نوبل»... والنقد اللاذع للسلطوية

كان كراسناهوركاي، البالغ من العمر 71 عاماً، الذي حصل على جائزة نوبل للآداب، هذا العام «لأعماله المقنعة والرؤيوية التي تؤكد قوة الفن في خضم الرعب المروع»، حسبما جاء في بيان الأكاديمية السويدية، مرشحاً لنيل الجائزة منذ سنوات طويلة. لقد وصفته سوزان سونتاغ مرة بأنه «سيد نهاية العالم»، وهو يحظى منذ فترة طويلة باحترام زملائه الكتّاب لأسلوبه الفريد ورواياته القاتمة التي غالباً ما تكون مفعمة بروح الدعابة الخفية.

بالإضافة إلى رواياته، كتب ستة سيناريوهات بالتعاون مع المخرج السينمائي الهنغاري بيلا تار، الذي قام بتحويل العديد من رواياته إلى أفلام. وقام تار بتصوير فيلم «كآبة المقاومة»، وهو اسم روايته التي تُعدّ من أشهر أعماله، وكذلك «تناغمات ميركمايستير - Werckmeister Harmonies»، في عام 2000. وهي رواية مليئة بالجمل الطويلة بلا أي تنقيط، وتتناول الأحداث التي وقعت في بلدة هنغارية صغيرة بعد وصول سيرك يحمل معه حوتاً محشواً ضخماً.

وأحدث رواياته التي صدرت باللغة الإنجليزية هي «Herscht 07769»، ونُشرت العام الماضي في الولايات المتحدة. تثير الرواية، التي تتكشف في جملة واحدة، مخاوف بشأن صعود الفاشية في أوروبا، وتتخيل عامل تنظيف في ألمانيا يكتب رسائل إلى المستشارة أنغيلا ميركل لتحذيرها من الدمار الوشيك للعالم. ولا تحتوي الرواية التي تبلغ 400 صفحة سوى على نقطة واحدة.

يقول كراسناهوركاي لصحيفة «نيويورك تايمز» في عام 2014، إنه حاول تطوير أسلوب «مبتكر تماماً... لقد أردت أن أكون حرّاً في الابتعاد عن أسلافي الأدبيين، وألا أكتب نسخة جديدة من كافكا أو دوستويفسكي أو فوكنر».

وأشاد ستيف سيم-ساندبرغ، عضو اللجنة التي منحت الجائزة، «بأسلوب كراسناهوركاي الملحمي القوي والمستوحى من الموسيقى»، وذلك في المؤتمر الصحافي الذي أعلن فيه عن منح جائزة نوبل.

وأضاف سيم-ساندبرغ، قائلاً: «إن نظرة كراسناهوركاي الفنية، الخاوية تماماً من الوهم، والتي تخترق هشاشة النظام الاجتماعي، جنباً إلى جنب مع إيمانه الراسخ بقوة الفن، هي التي دفعت الأكاديمية إلى منحه الجائزة».

وقالت متحدثة باسم الناشر الألماني لأعمال كراسناهوركاي في رسالة بالبريد الإلكتروني يوم الخميس، إن المؤلف لم يُجرِ أي مقابلات، على الرغم من أنه تحدّث، لفترة وجيزة، إلى الإذاعة السويدية في وقت سابق من اليوم، قائلاً: «أنا سعيد للغاية، شكراً لكم»، مضيفاً: «لا أعرف ما يخبئه المستقبل».

ولد كراسناهوركاي عام 1954، في بلدة جيولا، وهي بلدة صغيرة تبعد نحو 120 ميلاً عن بودابست. بقيت الجذور اليهودية لعائلته سرّاً -فقد غيّر جده اسم العائلة من كورين إلى كراسناهوركاي من أجل التماهي والاندماج في المجتمع- ولم يكن كراسناهوركاي على علم بتراثه اليهودي حتى أخبره والده بذلك عندما كان في الحادية عشرة من عمره.

كان كراسناهوركاي طفلاً معجزة في الموسيقى، وعمل موسيقياً محترفاً لعدة سنوات في شبابه؛ حيث كان يعزف على البيانو في فرقة جاز، ويغني في فرقة روك آند رول.

كان والده محامياً، ووالدته تعمل في وزارة الرعاية الاجتماعية. خطّط لدراسة القانون متأثراً بأعمال كافكا -الكاتب الذي كان يُقدسه- وكان مفتوناً بعلم النفس الجنائي، لكنه انتهى به الأمر إلى دراسة اللغة والأدب الهنغاريين.

بعد الجامعة، خدم كراسناهوركاي في الجيش، لكنه قال في مقابلات إنه هرب من الجيش بعد أن عوقب بسبب عصيانه، ثم عمل في وظائف مؤقتة، مثل عامل منجم وحارس ليلي لـ300 بقرة، وهو عمل سمح له بقراءة أعمال دوستويفسكي، ورواية «تحت البركان» لمالكولم لوري، وهو كتاب وصفه بأنه «مرجعه الأول».

عندما بدأ الكتابة، كان هدفه إكمال كتاب واحد، ثم متابعة مسيرته في مجال الموسيقى. في الوقت الذي نشر فيه قصته القصيرة الأولى، كان الفنانون والكتاب يخضعون للرقابة في ظل النظام الشيوعي في هنغاريا، وتم استدعاؤه للاستجواب من قبل الشرطة، التي استجوبته حول آرائه المعادية للشيوعية، وصادرت جواز سفره.

لم يثبط ذلك كراسناهوركاي عن عزمه، ففي عام 1985، نشر روايته الأولى المثيرة للجدل بعنوان «ساتان تانغو»، أو «رقصة الشيطان»، التي تدور حول الحياة في قرية فقيرة متهالكة. ولقد أحدثت الرواية ضجة أدبية في هنغاريا. وقال في مقابلة مع مجلة «باريس ريفيو» في عام 2018: «لم يستطع أحد، بمن في ذلك أنا، فهم كيف كان من الممكن نشر (ساتان تانغو) لأنها رواية غير مثيرة للمشكلات بالنسبة للنظام الشيوعي».

تدور أحداث «ساتان تانغو» في مزرعة جماعية مهملة، وتركز على العديد من الموضوعات التي تميز أعمال كراسناهوركاي؛ فهي تصور أشخاصاً عاديين يملؤهم شعور عام بالبارانويا والارتباك، ويواجهون حالة من عدم اليقين مع بدء انهيار الأنظمة الاجتماعية.

يقول الشاعر جورج سزيرتيس، الذي ترجم «ساتان تانغو» والعديد من أعمال كراسناهوركاي الأخرى: «إنه لا يتعامل مع القضايا السياسية الكبرى، وإنما يتعامل مع تجارب الأشخاص الذين يعيشون في مجتمعات آخذة في التدهور والانهيار».

في عام 1994، صوّر المخرج بيلا تار فيلماً مقتبساً عن الرواية مدته أكثر من 7 ساعات. وفي مقابلة يوم الخميس، تذكّر أنه قرأ الكتاب في ليلة واحدة، وسأل المؤلف عما إذا كان بإمكانه تحويله إلى فيلم، ليجد أن المؤلف منزعج من إيقاظه خلال عطلة عيد الفصح. ويقول تار إن الرواية مليئة بـ«هؤلاء الناس الفقراء، وهؤلاء الناس البؤساء»، لكن كراسناهوركاي منحهم «كرامة» نادرة.

أما سزيرتيس فيقول إن كراسناهوركاي لم يتوقع مطلقاً أن تحظى كتبه -المفعمة بالعبارات والجمل الفرعية التي لا نهاية لها- بشعبية واسعة بين القراء في مختلف أنحاء العالم، فكتبه، حسب قوله، «قد تبدو مرهقة في بعض النواحي، ببساطة لأنه لا توجد فواصل فيها».

خلال العقود الأخيرة، حصل كراسناهوركاي على سلسلة من الجوائز خارج وطنه. في عام 2015، فاز بجائزة «مان بوكر» الدولية، التي كانت تُمنح في ذلك الوقت لمجمل أعمال المؤلف، وليس لرواية معينة.

وفي الولايات المتحدة، نشرت دار نشر «نيو دايركشنز» عشرات من كتبه المترجمة، وهناك المزيد في الطريق، بما في ذلك رواية «لقد رحل زومله - Zsömle Is Gone»، وهي رواية ساخرة عن كهربائي متقاعد مسن يعيش في الريف، ويعتقد أنه من سلالة العائلة المالكة الهنغارية.

غالباً ما تحتوي أعماله على انتقادات لصعود آيديولوجية اليمين

تقول باربرا إيبلر، ناشرة دار «نيو دايركشنز»، «إن من أكثر الأشياء إثارة للإعجاب في أعمال كراسناهوركاي قدرته على نسج الفكاهة غير المتوقعة في قصص قاتمة... كل هذه الظلمة، ومع ذلك في داخله حالة من المرح المتصاعد والفارغ من التعبيرات بشكل لا يُصدق».

على الرغم من أن أعمال كراسناهوركاي غالباً ما تُشاد لطابعها السياسي، فإنه يرفض فكرة أنه يكتب قصصاً سياسية رمزية.

يقول لصحيفة «نيويورك تايمز» في عام 2014: «لا أريد مطلقاً أن أكتب روايات سياسية. لم تكن مقاومتي للنظام الشيوعي سياسية، بل كانت ضد المجتمع بأسره».

ومع ذلك، غالباً ما تحتوي أعماله على انتقادات للسلطوية، وصعود آيديولوجية اليمين. كما انتقد كراسناهوركاي الزعيم الاستبدادي الهنغاري فيكتور أوربان وحزبه «فيدس»، وهو موقف محفوف بالمخاطر في وقت يواجه فيه الكتّاب الذين ينتقدون الحكومة مضايقات في كثير من الأحيان، حسبما قالت أوتيلي مولزيت، التي ترجمت نحو 6 من كتبه إلى الإنجليزية.

تقول مولزيت: «إنه يضع مرآة السخرية أمام المجتمع الهنغاري. لقد كان شجاعاً جداً في إعلان موقفه بأنه غير راضٍ عن أوربان».

وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، هنأ أوربان كراسناهوركاي على فوزه بجائزة نوبل، وقال إنه «يجلب الفخر لأمتنا».

لا يشعر كراسناهوركاي بالراحة عندما يُصوَّر على أنه متنبئ اجتماعي أو سياسي. وقد صرح بأنه لم يشعر مطلقاً بالراحة عند مناقشة أعماله، ولا يعدّ نفسه «جزءاً من الحياة الأدبية».

قال لمجلة «باريس ريفيو»: «الكتابة، بالنسبة لي، هي عمل خاص تماماً. أشعر بالخجل عند الحديث عن أعمالي الأدبية، فهذا يُشبه سؤالي عن أسراري الخاصة».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي يضع علماء الرياضيات أمام «أزمة وجودية»

تكنولوجيا زوار يقفون بالقرب من لافتة للذكاء الاصطناعي في جناح روبوت يعمل بالذكاء الاصطناعي بمعرض في بكين الصين 7 يونيو 2023 (رويترز) p-circle

الذكاء الاصطناعي يضع علماء الرياضيات أمام «أزمة وجودية»

أحدثت «أوبن إيه آي» ضجة كبيرة في عالم الرياضيات، بعد أن نجح برنامجها للذكاء الاصطناعي في حل معضلة رياضية كبرى ظلت عصية على الحل طوال قرن.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أميركا اللاتينية صورة تجمع ممثلي المعارضة الفنزويلية (يسار) ورئيس الجمعية الوطنية في كراكاس يوم 6 أغسطس (د.ب.أ)

كراكاس تستضيف حواراً بين السلطة والمعارضة لبحث انتقال سياسي

انطلق في كراكاس، هذا الأسبوع، حوار بين السلطات الفنزويلية وقوى المعارضة، ترعاه الولايات المتحدة، ويأمل كثيرون في أن يفضي إلى انتقال سياسي وانتخابات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
ثقافة وفنون أولغا توكارتشوك

حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أثارت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الحاصلة على «جائزة نوبل» لعام 2018، موجة من الغضب بعد تصريح لها، خلال مشاركتها في «مؤتمر إمباكت 26» في مدينة بوزنان.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق التكنولوجيا تركض أسرع من قدرة البشر على استيعابها (إ.ب.أ)

الذكاء الاصطناعي يقترب من نوبل... ومخاوف من «ثورة» قد تهدّد البشرية

توقَّع الشريك المؤسِّس لشركة «أنثروبيك» المتخصّصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، جاك كلارك، أن تشهد السنوات المقبلة تحولات غير مسبوقة في قدرات الذكاء الاصطناعي...

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الناشطة الإيرانية نرجس محمدي (أ.ف.ب)

الإفراج بكفالة عن الناشطة الإيرانية نرجس محمدي لأسباب طبية

أفرجت السلطات الإيرانية بكفالة عن الناشطة نرجس محمدي، الحائزة جائزة نوبل للسلام لعام 2023، ونقلت إلى مستشفى في طهران لتلقّي العلاج، حسب ما أفادت لجنة دعمها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي
TT

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفق رولان بارت، فإن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات، حيث كانت الأساطير هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الكونية أو النوازع الإنسانية. وتكفي معاينة ذلك الإرث الهائل من السرديات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق من دوره في رفد الأساطير بنماذجها الأولية، والعكس بالعكس أيضاً.

ومع أننا نلاحظ غياباً للحدود الواضحة بين الحب الروحي، الذي يقيم مملكته في سماء التصورات، وبين العشق الملفوح بنيران الرغبات الجسدية، إلا أن أي نظرة متأنية إلى الميثولوجيات القديمة، لا بد أن تكشف عن تباين ملحوظ في الرؤية إلى الحب، بين حضارات تُطابق على نحو كلّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخرى تفرد هامشاً واسعاً لزفرات القلب وانخطافات الروح. إضافةً إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم.

ولا بد لمن يتأمل في آلهة الخلق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) أن يلاحظ أنهم لم يكونوا سوى المعادل الميثولوجي للعناصر الأربعة، الهواء والماء والنار والتراب. ولما كانت وظيفة الإنسان تتمثل بالدرجة الأولى في خدمة الآلهة، والتوفير لها كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الصلوات. فضلاً عن القرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّم لاسترضائها، والتي كان يتولى القيام بها كهان وكاهنات ومنشدون وخصيان وبغايا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كانت تُختتم في العادة بطقوس الزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلهة الخصب والتناسل، أو من إحدى الكاهنات التي تنوب عنها.

ولم تكن أسطورة أدونيس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، سوى نسخة معدلة عن مثيلتها في بلاد الرافدين. فعشتروت إلهة الحب والخصب، التي التقت أدونيس، الشاب الوسيم وعاشق الصيد، في مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بإلحاح عن التجول وحيداً في الغابات المكتظة بالوحوش المفترسة، فإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلى أن قتله خنزير بري على ضفة نهر إبراهيم المنحدر من الذرى الشاهقة عبر وادٍ سحيق، ما لبث أن سُمي باسمه.

وكما هو حال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعةً للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بحيث يعود أدونيس إلى الحياة في فصلي الربيع والصيف، مترافقاً مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّون جميعاً باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظل سكان تلك النواحي يحتفلون بالمناسبتين، نواحاً حدادياً في الأولى، وفرحاً عارماً في الثانية.

وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله على شكل شاب جميل أغرمت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حمايةً له، في صندوق ووضعته في عهدة برسيفوني إلهة العالم السفلي، رفضت الأخيرة إعادته إلى أفروديت، بعد أن فتحت الصندوق ورأت ما هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسماً للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُبقي أدونيس ستة أشهر فوق الأرض برفقة الأولى، وستة تحتها برفقة الثانية.

أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثيق بين الحب بالجمال، جاعلةً من فينوس إلهة لكليهما معاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز على رمزية الأم، بل تصوِّر ابنها كيوبيد، على شكل طفل مجنح، يحمل قوسه ونشابه ويرمي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كبير الآلهة جوبيتير ليمنح سايكي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج.

على أن المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حيز جغرافي واحد، بل اتسعت دائرتها في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والألفيتين اللاحقتين، لتطول الحضارة الفرعونية وحوض النيل، إلى جانب الحضارات العديدة الأخرى. فحيث لم ترُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلهة الخصب عند المصريين، وزوجها أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعاً في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة.

لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فقامت بجمع أجزاء الزوج المتناثرة من جديد، وأعادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن استنجدت بالإله رع، متوسلةً إليه أن يخصبها، كي تلد ولداً ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخصّبها بالفعل وولدت بعد ذلك طفلها حورس الذي لم يتأخر في الانتقام لموت أبيه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عن طريق النفخ الإلهي في الأنف، مع سرديات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس، من جهة ثانية مع مراثي إينانا لديموزي، وعشتار لتموز، ومن بينها قول إيزيس مخاطبةً حبيبها القتيل:

أنا زوجتك وأختك وأمك

عدْ إليّ على جناح السرعة

إن السماء والأرض متحدتان في الظلام

وقلبي يحترق لانفصاله عنك

إنني أطأ الأرض ولا أكلُّ أبداً عن البحث

وفي داخلي حرارةٌ متأتية عن حبي لك

المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد

وقد تكون أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية، واحدة من الأساطير القليلة التي لا تماهي على نحو تام بين الحب والفعل الجنسي، كما يشير الفيلسوف الألماني هيغل، بل تضع العلاقة بين الحبيبين في إطارٍ من انخطافات الروح وحمّى المشاعر الملتهبة. إلا أن صورة الموت المتربص بالحبيبين، لا تتأخر عن إعطاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يوريديس نحبها بلدغة أفعى قاتلة. وإذ قرر أورفيوس الطلب من هاديس، إله الموتى، إعادة زوجته إلى الحياة، راح يستعين بموهبته النادرة في العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم السفلي. وبعد أن وافق هاديس على إعادة المرأة المتوفاة إلى الحياة، اشترط على أورفيوس ألا يلتفت إلى الوراء، حيث قُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكنّ عاصفةً من الحنين لرؤية الحبيبة العائدة سرعان ما تهب على الزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد.

ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجتهادات متباينة في تأويل أسطورة الحب المؤثرة تلك، إلا أنها تشير من بعض وجوهها إلى أن صراع الحب والموت، ليس بالضرورة أن ينتهي دائماً لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مَن يعصى الآلهة ويخالف مشيئتها. وقد تكون المقايضة الجائرة بين عودة المرأة المعشوقة إلى الحياة، وبين تعذر النظر إليها، نوعاً من الاختبار القاسي لالتزام الزوج بطاعة الآلهة والوثوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بمستطاع أحد خرق قوانين الطبيعة، وقطع الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، حتى لو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية.


أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
TT

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى عاشر خلفاء الدولة الأموية الذي أمر بتشييده خلال عهده الذي استمر من عام 724 إلى عام 743.

تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لم تتجاوز سنتين، وخرب حين تعرَّض موقعه لزلزال ضخم في سنة 746، وأعيد اكتشافه في الأزمنة المعاصرة.

خرجت من هذا القصر مجموعة هائلة من القطع النحتية، تشهد لتنوُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيراً من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُّها بشكل مهشَّم.

بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظل حكم الدولة العثمانية، وتواصل في عهد الانتداب البريطاني؛ حيث شرعت دائرة الآثار البريطانية في مسح الموقع خلال عام 1934، ونقلت اكتشافاتها الأثرية إلى متحف بدأت تشييده عام 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار».

استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من القطع الحجرية المنقوشة، تبيَّن أنها أجزاء مهشَّمة من حُلَّة الموقع الأصلية. وتمَّ حفظ هذه القطع في «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوَّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرَّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. وبات هذا المتحف مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية.

تحضر في هذا المتحف مجموعة كبيرة من نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُعتبر من أهمِّ وأجمل شواهد الفن الأُموي. وفقاً للتقليد الذي تبنَّاه هذا الفن بشكل كبير. اعتمدت هذه الحُلل في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرَّدة والعناصر التصويرية المتعدَّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمدَّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، غير أنها عكست قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأُموي.

برز النقش التصويري بقوَّة في هذا الميدان، واعتمد في تشكيلاته مختلف العناصر الحيوانية، ومنها الطيور والزواحف المتعدِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عدد من هذه القطع المهشَّمة، واتَّضح تكوينه الفني بشكل كامل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حضر رأس هذا الحصان في قطعتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنه حصان مسرَّج ومروَّض. في المقابل، ظهر في قطع أخرى حصان من نوع آخر، تميَّز بجناحين كبيرين يعلوان وسطه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُعيد جمع أجزائها وفقاً للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعةٍ سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي.

وصل رأس الحصان بشكل شبه كامل في هاتين القطعتين المستقلتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعتمدتا النقش الناتئ، وقاربتا في صياغتهما النحت الكامل. يبدو الرأس منحنياً في إحدى هاتين المنحوتتين، وتظهر ملامحه المجسَّمة بشكل متين، وتتكوَّن من منخرين واسعين، وفم مطبق عريض، وأذنين طويلتين منتصبتين، وعينين لوزيَّتين ضاعت إحداهما، وحافظت الأخرى على تكوينها. يعلو الرأس شعر وثير، يأخذ شكل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقوَّسة، وتنقسم كتلتين معاكستين تستقرَّان على جبين مسطَّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُثبَّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكوَّن من شريط عمودي يستقر وسط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُزيِّن هذين الشريطين سلسلة من الحلقات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزيِّنهما شبكة من الخيوط المجدولة. يبدو الفم مكبَّلاً بحلقة، تُعرف باسم «الأنفة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع.

يظهر الرأس الثاني في حركة المواجهة، وصياغته مشابهة إلى حدِّ التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعاً زخرفياً، يتجلَّى في تجسيم حدود الملامح، كما في تشكيل خصل الشعر المنسدلة، وتزيين شرائط اللجام. يخرج هذا الحصان عن النسق الروماني الكلاسيكي، ويتبنَّى أسلوباً يعكس أثر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجسَّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الجزء الذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُعد أعلى نقطة في جسم الحصان. تحضر مكوِّنات الجزء الأعلى من البدن بشكل كامل، وقوامها الصدر والظهر والبطن والكِفَل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يبقَ منها أي أثر للأسف. يعلو الظهر سراج عريض ضاع الجزء الأكبر منه، تزيِّنه حلَّة زخرفية، أنيقة ومرهفة.

يحضر الحصان المجنَّح داخل إطار دائري على شكل إكليل تحدّه سلسلة من الحلقات المتجانسة، ويظهر بدنه هنا بشكل كامل، في حركة حية. تتقدّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكرّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأنّ القطعتين تتبعان طرازاً واحداً جامعاً.

للوهلة الأولى، يعيد هذا الكائن إلى الذاكرة الحصان اليوناني الذي يُعرف في قاموس الميثولوجيا اليونانية باسم «بيغاسوس»، غير أنه في الواقع حصان آخر، يعود إلى الفن الإيراني، وشواهده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي.

يتبنّى النقش الأموي هذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت.


تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»
TT

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى. الرواية سبق أن فازت وهي مخطوطة بالمركز الأول في «جائزة الطيب صالح» للإبداع الروائي. وتعتمد على تداخل الحكاية الشخصية بالذاكرة الجماعية؛ إذ يستلهم الكاتب بعض شخصياتها وحكاياتها من وقائع وأشخاص عرفهم، قبل أن يعيد تشكيلها داخل العمل الروائي.

تدور «أيام حي البوسطة» في أحد الأحياء القديمة بمدينة أم درمان، حيث تتقاطع حكايات سكانه مع تحولات المجتمع السوداني وتفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال مجموعة من الشخصيات، خصوصاً النساء، تستعيد الرواية ذاكرة المكان والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتكشف عما تخفيه البيوت من صراعات وآلام وأحلام مؤجلة.

تتحرك الرواية بين أجيال مختلفة، وتتناول موضوعات مثل العنف الأبوي، والزواج، والمرض النفسي، وتفكك العلاقات الأسرية، في محاولة لفهم أثر البيئة الاجتماعية في مصائر أفرادها. ولا يظل حي البوسطة مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء يحمل ذاكرة شخصياته ويعكس التحولات التي مر بها المجتمع من حولهم.

يذكر أن المؤلف مصطفى خالد مصطفى، طبيب وروائي سوداني، مواليد أم درمان 1998م، صدرت له ثلاثة أعمال أدبية؛ «غول سليمة» (رواية 2020م)، و«تكيّة البِجاوي» (رواية 2022م)، و«السقف النبيل للأحلام» (مجموعة قصصية 2023م). وفاز بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2022م عن رواية «أيام حي البوسطة»، كما فاز بجائزة «بيت الغشّام» - دار عرب للترجمة الدولية- عن رواية «هاه هاه... كُح كُح... نجوتُ بأعجوبة» 2025م. وجائزة «نيرفانا» الأدبية عن قصّة «حرب شارع البهلوان» 2020م. وحصل على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون 2023 عن المجموعة القصصية «السقف النبيل للأحلام».

ومن أجواء الرواية، نقرأ: «فور دخولكِ مع شادية بوَّابة هذا المشفى يتغيَّر وجهُك وتحسين بثقلٍ رهيب على صدرك، كثيرون قالوا لأمك إنّ المريضة فيكما هي أنتِ، أصحاءُ ومرضى قالوا هذا الكلام، لا تحبين قضاء الكثير من الوقت في ردهات هذا المشفى. أحلك أيام حياتك هي تلك الأيام التي تسوء فيها حالة أمك كثيراً فترينها مبتهجةً كثيرة الحركة ثرثارةً فتضطرين لترقيدها والبقاء معها لأيام خصوصاً إذا لم ترافقكما جدتك. لا مشكلة إذا تدهورت حالتك النفسيّة ليومٍ أو اثنين، المهم عندك أن تتلقى أمك العلاج وتبقى صموتةً هادئة راقدةً على الدوام. تعرفتِ على حالاتٍ كثيرة مشابهة وغير مشابهة لحالتها، كوّنتِ صداقاتٍ مع المرضى كثيري التردد للمتابعة، أحسستِ أنكِ قريبةٌ منهم وتفهمينهم جيِّداً كما تفهمين طبيعة شادية، تعرفين أمراضهم جيِّداً وقصصهم الخلفيَّة لها، كلها محزنة مشرّبة بالألم، كقصَّة أمك تماماً».