ضغوط دولية على «الوحدة» الليبية لتسليم سيف الإسلام القذافي وقادة ميليشيات

تزامناً مع حديث عن تقديم «الجنائية الدولية» أدلة بشأن المطلوبين

سيف الإسلام القذافي بمقر مفوضية الانتخابات في سبها عام 2021 (مفوضية الانتخابات)
سيف الإسلام القذافي بمقر مفوضية الانتخابات في سبها عام 2021 (مفوضية الانتخابات)
TT

ضغوط دولية على «الوحدة» الليبية لتسليم سيف الإسلام القذافي وقادة ميليشيات

سيف الإسلام القذافي بمقر مفوضية الانتخابات في سبها عام 2021 (مفوضية الانتخابات)
سيف الإسلام القذافي بمقر مفوضية الانتخابات في سبها عام 2021 (مفوضية الانتخابات)

تواجه حكومة «الوحدة» (المؤقتة) في ليبيا ضغوطاً دبلوماسية وقانونية متزايدة، على خلفية اتهامات بـ«عدم التعاون الكافي مع المحكمة الجنائية الدولية في تسليم سيف الإسلام، نجل الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، ومتهمين ليبيين آخرين بارتكاب انتهاكات حقوقية ترتقي إلى جرائم حرب». غير أن مندوب ليبيا لدى المحكمة الجنائية الدولية، السفير أحمد الجهاني، أكد لـ«الشرق الأوسط» في اتصال هاتفي من لاهاي، أن التواصل بين السلطات الليبية والمحكمة «مستمر ومتقدم»، مشيراً إلى أن حكومة «الوحدة» قد «مددت بالفعل ولاية المحكمة في ليبيا حتى نهاية عام 2027، وهو أقصى ما يمكن تقديمه في هذا الإطار».

وتتزايد الضغوط داخل أروقة الأمم المتحدة لتشديد الرقابة على الأوضاع الحقوقية في ليبيا؛ إذ أوصت محكمة العدل الدولية مجلس حقوق الإنسان أخيراً بإنشاء آلية مستقلة، عبر تعيين مقرر خاص لمتابعة الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وهي توصية أيّدتها لجنة «الحقوقيين الدوليين»، التي رأت أن «الانتهاكات الجسيمة ما زالت مستمرة دون مساءلة».

النائب العام الليبي الصديق الصور في لقاء مع رئيس جهاز الشرطة القضائية بطرابلس (مكتب النائب العام)

وأوضح الجهاني أن مكتب النائب العام الليبي، الصديق الصور، قدّم للمحكمة «نتائج تحقيقات وطنية» حول بعض القضايا، لكنه انتقد ما وصفه بـ«غياب تبادل المعلومات من جانب المحكمة»، قائلاً إن الأخيرة «لم تزوّد الجانب الليبي بما لديها من أدلة، أو تحقيقات تخص بعض المواطنين المدرجين في قوائم الاتهام». غير أن المندوب الليبي أشار إلى أن «الجهود التي يقودها النائب العام ومكتبه في الظروف الراهنة تُعد غير عادية بكل المقاييس»، لكنه اعترف بأن بعض الملفات «تظل خارج السيطرة»، سواء «لوجود بعض المطلوبين خارج البلاد، مثل سيف الإسلام، أو لاحتماء آخرين بمجموعات مسلحة داخل ليبيا»، مبرزاً أن الحكومة «تسعى إلى تعزيز التعاون مع المحكمة في إطار التكامل بين القضاءين الوطني والدولي».

وسبق أن جددت المحكمة الجنائية الدولية دعوتها لتسليم سيف الإسلام، وتسعة آخرين متهمين بارتكاب جرائم حرب منذ عام 2011.

مقر المحكمة الجنائية الدولية (أ.ف.ب)

ومن غير المعروف مكان إقامة سيف الإسلام، الذي أُطلق سراحه من قبل مجموعة مسلحة في الزنتان (غرباً) قبل 8 أعوام، واقتصر ظهوره على حوار صحافي أدلى به لصحيفة «نيويورك تايمز» عام 2020، وتقديم أوراق ترشحه للرئاسة في عام 2021، وبيانات عبر حسابات منسوبة له بمواقع التواصل الاجتماعي.

ومن منظور دبلوماسيين، ومن بينهم السفير الليبي، إبراهيم موسى قرادة، كبير المستشارين السابق بالأمم المتحدة، فإن تعامل السلطات الليبية مع المحكمة الجنائية الدولية «يكتنفه قدر كبير من التعقيد والحساسية»، وهو ما عزاه قرادة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «تشابك العوامل الداخلية، واضطراب المشهدين السياسي والأمني في البلاد، فضلاً عما تمر به المحكمة من (موقف سلبي من الإدارة الأميركية)». ويوضح أن تلبية مطالب المحكمة «تمثل عبئاً ثقيلاً على السلطات الليبية»؛ نظراً لما قد تثيره من تداعيات داخلية معقدة.

في المقابل، ورغم تأكيدات حكومة «الوحدة» على تعاونها عبر إعلانها في مايو (أيار) الماضي قبول اختصاص المحكمة حتى عام 2027، علماً بأن ليبيا ليست طرفاً في «نظام روما الأساسي»، فإن هذا القرار أثار جدلاً داخلياً؛ إذ اتهم مجلس النواب الحكومةَ بتجاوز صلاحياتها «المحدودة»، وفق خريطة الطريق المعتمدة في جنيف.

وعدّ قانونيون أن «قرار التعاون مع المحكمة من اختصاص السلطة التشريعية لا التنفيذية»، وهي رؤية أيّدها الخبير القانوني، الكوني عبودة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن ليبيا «غير ملزمة قانونياً بالتسليم إلا في حال صدور قرار جديد من مجلس الأمن شبيه بالقرار (1973)».

من ناحية أخرى، فإن المجتمع الدولي يركّز ضغوطه حالياً على ملف ترهونة، الذي لا يزال يرمز إلى حجم الانتهاكات المرتكبة خلال حرب العاصمة طرابلس (2019-2020). فرغم مرور أكثر من أربع سنوات على اكتشاف المقابر الجماعية، التي ضمت مئات الضحايا، لم تُسلّم السلطات الليبية قادة ميليشيا «الكانيات»، المتهمين بارتكاب جرائم قتل جماعي وتعذيب وإخفاء قسري. وتلاحق المحكمة الجنائية ستة من أبرز عناصر الميليشيا، من بينهم عبد الرحيم الكاني ومخلوف دومة.

من جلسة سابقة لأعضاء مجلس النواب الليبي (المجلس)

وأثار توقف أعمال الحفر في مقابر ترهونة منذ عامين انتقادات حقوقية واسعة؛ إذ اعتبرت منظمات مثل «هيومن رايتس ووتش» و«الحقوقيون الدوليون»، أن الجمود القائم «يكرّس الإفلات من العقاب»، ويعكس عجز السلطات عن محاسبة المتورطين في الجرائم.

وقد عبّر أهالي ضحايا ترهونة في سبتمبر (أيلول) الماضي عن غضبهم، خلال اجتماع مع بعثة الأمم المتحدة، من «تجميد التحقيقات وهروب المتهمين»، في حين أصدر النائب العام أوامر قبض بحق عناصر من «الكانيات» وأفراد أمن، في محاولة لإظهار تجاوب داخلي.

وفي هذا السياق، يرى الباحث هشام الحاراتي أن تحقيق العدالة «يتطلب إرادة سياسية، وتعاوناً عملياً في تسليم المطلوبين ووقف الانتهاكات»، معتبراً أن إعلان حكومة الدبيبة قبول اختصاص المحكمة «يبدو محاولة لتحسين صورتها أمام المجتمع الدولي أكثر من كونه التزاماً فعلياً».

وفي سياق الضغوط الدولية، تتواصل مطالب أطراف دولية لحكومة «الوحدة» بتسليم أسامة نجيم، المدير السابق لأحد سجون طرابلس، الذي أُوقف في إيطاليا في يوليو (تموز) الماضي بتهم التعذيب والقتل، بموجب مذكرة من المحكمة، ثم أُفرج عنه لعدم كفاية الأدلة.

رئيس جهاز الشرطة القضائية السابق أسامة نجيم (حسابات ليبية موثوقة)

ويستدل أستاذ القانون الدولي، الدكتور محمد الزبيدي، بقضية نجيم لتأكيد أن موقف حكومة الدبيبة تجاه المحكمة «تحكمه اعتبارات سياسية بالدرجة الأولى، لا التزامات قانونية بحتة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «تمديد ولاية المحكمة، وإحالة بعض أسماء المطلوبين إلى لاهاي، لا يعنيان بالضرورة استعداد الحكومة لتسليم المتهمين»، بل قد يكون ذلك «محاولة لامتصاص الضغط الدولي، والاحتفاظ بهذه الورقة للتلويح بها ضد الخصوم السياسيين».

وخلص الزبيدي إلى أن استمرار ضعف المؤسسات القضائية والانقسام السياسي «يمنح المحكمة ذريعة لتمديد ولايتها، التي كان يُفترض أن تنتهي بانتهاء أحداث عام 2011»، مشيراً إلى أن «تغوّل المجموعات المسلحة، واستمرار غياب العدالة، يجعلان هذا الملف مفتوحاً إلى أجل غير مسمى».


مقالات ذات صلة

الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا يشتكون «الإقصاء السياسي»

شمال افريقيا ممثلو الأمازيغ والطوارق والتبو في ليبيا خلال مؤتمر صحافي يوم 23 مايو (المجلس الأعلى للأمازيغ)

الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا يشتكون «الإقصاء السياسي»

يشتكي الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا من «الإقصاء السياسي» منذ دخول البلاد مرحلة البحث عن صيغة جديدة للاستقرار في أعقاب سقوط نظام القذافي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع سابق للمجلس الأعلى للدولة في ليبيا (المكتب الإعلامي للمجلس)

«الأعلى للدولة» الليبي يفشل في عزل رئيس «الرقابة الإدارية»

فشل اكتمال النصاب القانوني لجلسة كانت مقررة (الأحد) لأعضاء المجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية بشأن المكلّف برئاسة هيئة الرقابة الإدارية، عبد الله قادربوه.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من المهاجرين غير النظاميين السودانيين والتشاديين بعد إنقاذهم من الصحراء الجنوبية 23 مايو (جهاز مكافحة الهجرة بشرق ليبيا)

عطش وتيه وموت... تفاصيل رحلة 52 «مهاجراً» من تشاد إلى ليبيا

كشف مهاجرون غير نظاميين انطلقوا من تشاد عبر الدروب الصحراوية الوعرة طمعاً في الوصول إلى ليبيا عن رحلة مأساوية تخللها العطش والموت في عمق الصحراء القاسية.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا مسؤولون أوروبيون في لقاء مع ممثلى صندوق الإعمار ببنغازي الثلاثاء الماضي (سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا)

الاتحاد الأوروبي لتوسيع الشراكة مع «صندوق الإعمار» بشرق ليبيا

أعلن السفير الأوروبي لدى ليبيا نيكولا أورلاندو عن توافق واسع مع السلطات في شرق البلاد بشأن إطلاق شراكة تنموية وأمنية جديدة

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا جانب من جنازة سيف الإسلام القذافي في مدينة بني وليد غرب ليبيا (متداولة)

حديث «الجنائية الدولية» عن عدم وجود «شهادة وفاة» لسيف الإسلام يفجِّر جدلاً حاداً في ليبيا

بعد أكثر من 110 أيام على مقتل سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الراحل معمر القذافي، عاد اسمه ليتصدر المشهد الليبي مجدداً، ولكن من بوابة «الجنائية الدولية».

علاء حموده (القاهرة )

بعد اختراقه... تطبيق «اتصالات تونس» يوجّه رسالة تنتقد السلطات

أرسل تطبيق شركة «اتصالات تونس» عبر إشعار إلى الزبائن رسالة تدين الوضع السياسي والاقتصادي في البلاد (أرشيفية - رويترز)
أرسل تطبيق شركة «اتصالات تونس» عبر إشعار إلى الزبائن رسالة تدين الوضع السياسي والاقتصادي في البلاد (أرشيفية - رويترز)
TT

بعد اختراقه... تطبيق «اتصالات تونس» يوجّه رسالة تنتقد السلطات

أرسل تطبيق شركة «اتصالات تونس» عبر إشعار إلى الزبائن رسالة تدين الوضع السياسي والاقتصادي في البلاد (أرشيفية - رويترز)
أرسل تطبيق شركة «اتصالات تونس» عبر إشعار إلى الزبائن رسالة تدين الوضع السياسي والاقتصادي في البلاد (أرشيفية - رويترز)

بعد تعرضه لهجوم سيبراني خلال نهاية الأسبوع، أرسل تطبيق شركة «اتصالات تونس» عبر إشعار إلى الزبائن رسالةً تدين الوضع السياسي والاقتصادي في البلاد.

والرسالة التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي تحمل عنوان «صرخة من أجل تونس: الحرية ليست جريمة»، واستنكرت وجود «تراجع حاد في الحريات» و«أزمة اقتصادية خانقة».

وتساءلت الرسالة عن «وعود وشعارات، والنتيجة؟»، مضيفة: «أصبح كل من يرفع صوته أو يعبر عن رأيه مهدداً بالسجن والملاحقة القضائية».

بعد عملية الاختراق، نشر العديد من التونسيين صوراً للرسالة من هواتفهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأصدرت «اتصالات تونس»، في البداية، بياناً اكتفت فيه بالحديث عن أعمال صيانة للتطبيق، قبل أن تؤكد تعرضه لهجوم سيبراني في بيان ثانٍ صدر ليل السبت الأحد.

وقالت الشركة المملوكة جزئياً للدولة: «تؤكد اتصالات تونس أن تطبيقاتها الرقمية (MyTT) قد تعرضت اليوم إلى هجمة سيبرانية»، مضيفةً أن «الإشعار الذي ورد على حسابات بعض الحرفاء لا يمت بصلة إلى نشاط المؤسسة».


تضييق فرنسي جديد على «الإخوان» يُعمّق الحصار الغربي للتنظيم

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

تضييق فرنسي جديد على «الإخوان» يُعمّق الحصار الغربي للتنظيم

مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

جاء قرار القضاء الفرنسي بحظر إقامة مؤتمر يتبع «جماعة الإخوان المسلمين» في مدينة نانت تعميقاً للحصار الغربي على التنظيم المحظور في عدد من الدول، وهو ما عدَّه خبراء ومحللون مصريون «تطوراً مهماً في مسار حظر أنشطة (الإخوان) في الغرب».

وقد رفضت المحكمة الإدارية في نانت طعناً تقدم به منظمو مؤتمر «لقاء المسلمين في الغرب»، وأيدت قرار محافظة لوار - أتلانتيك ووزارة الداخلية بحظر المؤتمر الذي كان مقرراً عقده يومَي 23 و24 مايو (أيار) 2026 في مسجد السلام بحي مالاكوف في مدينة نانت.

ووصف رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو قرار محكمة مدينة نانت بأنه «خطوة مهمة في مواجهة تسلل (جماعة الإخوان المسلمين)». وقال لوكورنو، في منشور على منصة «إكس»، السبت: «في مواجهة الإسلام السياسي يجب على فرنسا أن تكون حازمة ودقيقة دون أي شائبة قانونية».

وجاء حظر اللقاء ضمن حملة تضييق فرنسية متصاعدة لمواجهة ما تصفه باريس بـ«الإسلام السياسي» وأنشطة التنظيم على أراضيها. وسبق أن اتخذت فرنسا إجراءات مشابهة شملت حل جمعيات، ومنع فعاليات، ومراقبة خطب المساجد.

وعدّ أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، القرار الفرنسي بمنزلة «تطور مهم في مسار حظر أنشطة (الإخوان) في الغرب». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن القرار «يعكس اتجاهاً لمزيد من التضييق على أنشطة الجماعة أو الكيانات المرتبطة بها أو المحسوبة عليها، حتى تلك التي تسامحت معها العواصم الأوروبية في الماضي».

وأضاف: «القرار له سياق أوسع يتعلق بصعود الاتجاهات اليمينية في أوروبا، وتنامي المخاوف من الانعزالية والمجتمعات الموازية داخل دول القارة العجوز».

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي صنّفت واشنطن «جماعة الإخوان» بمصر، وكذلك فرعها في كل من الأردن ولبنان، «منظمات إرهابية»، وتلاه في مارس (آذار) الماضي وضع فرعها في السودان بالقائمة ذاتها.

وسبق أن وافقت أغلبية بالبرلمان الفرنسي في يناير الماضي على دعوة المفوضية الأوروبية لإضافة «جماعة الإخوان» وقادتها إلى قائمة المنظمات الإرهابية.

وفي هولندا بدأت السلطات تتحرك لحظر «الإخوان»، وأشارت تقارير إعلامية محلية الشهر الماضي إلى أن «هناك تصويتاً برلمانياً يفتح باب المواجهة في أوروبا».

وأشار سلطان إلى أن «الحملة الأوروبية ضد (الإخوان) - وفرنسا مركز قيادي في هذه الحملة وإجراءاتها - حفزت دولاً أخرى على اتخاذ خطوات ضد الجماعة، تتسع يوماً بعد يوم، والتفاهمات القديمة التي كانت موجودة بين بعض الدول الأوروبية و(الإخوان) قد انتهت، وأصبح هناك واقع جديد».

وقال: «التنظيم بدوره يتعامل مع هذا الواقع باعتباره عاصفة تستهدف اقتلاعه من جذوره؛ لذا فهو لا يلجأ للوقوف في وجهها، أو الصدام المباشر مع الحكومات الأوروبية، وإنما يلجأ لنهجه العتيق القائم على مبدأ علانية الدعوة وسرية التنظيم».

وتوقع أن يرد التنظيم على القرار الفرنسي بسلك المسار القضائي، والعمل على إلغاء هذه القرارات بالحصول على أحكام قضائية ضدها، وأن يلجأ إلى «مزيد من التشدد والسرية والانعزالية، لكن في نهاية المطاف الخطوات المتخذة ستؤثر عليه حتماً».

وقبل أسابيع ربط تقرير للبيت الأبيض الأميركي بين الجماعة وبين تنظيمات إرهابية مثل «القاعدة» و«داعش»؛ إذ وصفها بأنها «أصل الإرهاب الحديث».

وقال الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، منير أديب، إن قرار فرنسا «يأتي على خلفية شعورها بأن (الإخوان) يمثلون تهديداً لقيم الجمهورية، وأنها تتسلل بشكل ناعم للداخل الفرنسي»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «هذا الشعور بالخطر بدأ منذ عودة الهجمات الإرهابية في عام 2015، وامتد لكل أوروبا».

وأكد أن القرار إلى جانب خطوات أخرى من مختلف دول العالم سيؤثر على التنظيم، متوقعاً تفككه وشبكته المالية خلال عامين نتيجة الحصار الغربي على الجماعة.


الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا يشتكون «الإقصاء السياسي»

ممثلو الأمازيغ والطوارق والتبو في ليبيا خلال مؤتمر صحافي يوم 23 مايو (المجلس الأعلى للأمازيغ)
ممثلو الأمازيغ والطوارق والتبو في ليبيا خلال مؤتمر صحافي يوم 23 مايو (المجلس الأعلى للأمازيغ)
TT

الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا يشتكون «الإقصاء السياسي»

ممثلو الأمازيغ والطوارق والتبو في ليبيا خلال مؤتمر صحافي يوم 23 مايو (المجلس الأعلى للأمازيغ)
ممثلو الأمازيغ والطوارق والتبو في ليبيا خلال مؤتمر صحافي يوم 23 مايو (المجلس الأعلى للأمازيغ)

يشتكي الأمازيغ والتبو والطوارق في ليبيا من «الإقصاء السياسي» منذ دخول البلاد مرحلةَ البحث عن صيغة جديدة للاستقرار في أعقاب سقوط نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي عام 2011.

وعلى أثر اجتماعات أحدث اللجان التي شكّلتها البعثة الأممية، والممثلة في لجنة «4+4» المعروفة بـ«المجموعة المصغرة»، لتجاوز خلافات مجلسي النواب و«الدولة» بشأن إيجاد مقاربة للخروج من حالة الانسداد الراهنة، عبّرت ما تعرف بـ«تنسيقية الشعوب الأصلية الليبية» المتحدثة عن الأمازيغ والطوارق والتبو عن انزعاجها من تشكيل اللجنة.

المنفي في لقاء سابق مع اللجنة الاستشارية للمجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا (مكتب المنفي)

وعبّرت التنسيقية، الممثلة للمجلسين الأعلى للأمازيغ والطوارق و«التجمع الوطني التباوي»، في مذكرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، مساء السبت، عن «قلقها ورفضها» لما وصفته بـ«المسار الإقصائي الخطير» الذي قالت إنه «جرى من خلاله تشكيل لجنة (4+4) المصغرة المعنية بمناقشة القضايا المصيرية المتعلقة بمستقبل ليبيا وشعبها».

وسبق أن أرجعت نائبة المبعوثة الأممية للشؤون السياسية ستيفاني خوري، إطلاق «المجموعة المصغرة» إلى استمرار الخلافات بين «مجلس النواب» و«المجلس الأعلى للدولة»، وقالت إنهما «لم يحرزا تقدماً كافياً نحو الخطوات اللازمة لخريطة الطريق، منذ إعلان المبعوثة هانا تيتيه عنها أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) من العام الماضي».

ورأت التنسيقية أن «هندسة هذه اللجنة جاءت بصورة تعكس هيمنة مكوّن واحد، والاستمرار المتعمد في تغييب وإقصاء بقية الشعوب الأصلية، مما يعد انحرافاً خطيراً عن مبادئ الشمولية والشراكة الوطنية، ويمثل تهديداً مباشراً لمصداقية العملية السياسية التي ترعاها البعثة الأممية».

وذهبت إلى أن «محاولات فرض هيمنة أحادية على هيكلية المفوضية، وتوزيع مقاعدها وفق محاصصات ضيقة ومغلقة، تمثل مساساً خطيراً بمبدأ الحياد والاستقلالية الواجب توافرهما في هذا الجسم السيادي، وتحوله من مؤسسة وطنية جامعة إلى ساحة صراع سياسي فاقدة للثقة والقبول».

وعقدت لجنة «4+4» اجتماعها الثاني في 12 مايو (أيار) الحالي بمكتب البعثة الأممية في تونس، وقالت إنها «تناولت، عقب نقاشات بنّاءة، الأطر الدستورية والقانونية للانتخابات العامة؛ واتفق المشاركون على الحفاظ على هذا الزخم الإيجابي، واستئناف اللقاء مطلع شهر يونيو (حزيران) المقبل».

وتشدد البعثة عادةً على ضرورة مشاركة جميع الأطياف الليبية في صناعة مستقبلهم السياسي، لكن الأمازيغ والطوارق والتبو أبدوا تخوفهم من مخرجات اللجنة. وقال أعضاء اللجنة إن «الانفراد بصياغة النصوص الدستورية والتشريعية الخلافية، بما في ذلك شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، وتزامن الاستحقاقات، والنصوص المتعلقة بالمكونات الثقافية، دون مشاركة فعلية للشعوب الأصلية، يعد انتهاكاً لحقوقنا السياسية والدستورية، ومحاولة لفرض ترتيبات مفصلة لخدمة قوى بعينها على حساب مبدأ الشراكة الوطنية المتكافئة».

ويضيف أعضاء اللجنة أن «استمرار إقصاء الشعوب الأصلية من هذه الترتيبات المصيرية يرسّخ ثقافة التهميش، ويمنح غطاءً سياسياً لطرف واحد يتجاوز شركاءه في الوطن، الأمر الذي يقوض أسس التوافق الوطني ويهدد مستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد».

وكان عميد بلدية نالوت، عبد الوهاب الحجام، قد استقبل هانا تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري، في 12 يونيو (حزيران) 2025، إثر زيارة رسمية إلى مدينة نالوت الواقعة في المنطقة الغربية من ليبيا.

وصعّد الأمازيغ والطوارق والتبو في مواجهة البعثة، وقالوا: «نعلن بوضوح فقداننا الثقة في حياد البعثة الأممية، التي بات دورها للأسف أقرب إلى رعاية ترتيبات المحاصصة السياسية، بدلاً من حماية مبادئ العدالة والشمولية والتوازن الوطني، خلافاً لما تنص عليه المواثيق والمعاهدات الدولية».

الدبيبة مستقبلاً وفداً من قبائل الطوارق يوم 15 يونيو 2025 (مكتب الدبيبة)

وطالب الأمازيغ والطوارق والتبو بـ«الوقف الفوري والكامل» لجميع التفاهمات والمخرجات الأحادية الصادرة عن لجنة «4+4»، والمتعلقة بإعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أو تعديل القوانين المنظمة للعملية الانتخابية، مهددين بمقاطعة الانتخابات العامة حال إجرائها.

كما شددوا على ضرورة «إعادة هيكلة المسار التوافقي والسياسي بشكل عاجل، بما يضمن تمثيلاً مباشراً وكاملاً ومستقلاً للأمازيغ والتبو والطوارق، باعتبارهم شركاء أصيلين في صياغة الحل الوطني»، مؤكدين أهمية «الالتزام الصريح بعدم اعتماد أو تمرير أي نصوص أو ترتيبات سياسية أو قانونية لا تستند إلى مبدأ الشراكة الوطنية الشاملة والتمثيل العادل».

واختتموا «مؤكدين بشكل قاطع أن أي وثيقة، أو قانون، أو تشكيل للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ينتج عن سياسة الإقصاء وهيمنة المكوّن الواحد، لن يحظى بأي شرعية سياسية أو قانونية أو قبول مجتمعي من قبلنا، وسنعتبره كأن لم يكن».

وفي السابع من الشهر الحالي، استقبل رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، في العاصمة طرابلس، اللجنة الاستشارية للمجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا، وتطرقت المناقشات إلى ملف حقوق المكونات الثقافية والاجتماعية في ليبيا، حيث جرى التأكيد على أهمية حماية التنوع الوطني باعتباره إحدى ركائز الوحدة الوطنية، مع ضمان مشاركة جميع المكونات في صياغة مستقبل البلاد دون تهميش أو إقصاء.