زعيم الحوثيين يستعرض قوته ويتوجّس من مرحلة ما بعد غزة

تبنّى إطلاق 1835 صاروخاً ومسيرة وزورقاً خلال عامين

الحوثيون انتهزوا حرب غزة لتجنيد وتعبئة مئات الآلاف من السكان في مناطق سيطرتهم (أ.ف.ب)
الحوثيون انتهزوا حرب غزة لتجنيد وتعبئة مئات الآلاف من السكان في مناطق سيطرتهم (أ.ف.ب)
TT

زعيم الحوثيين يستعرض قوته ويتوجّس من مرحلة ما بعد غزة

الحوثيون انتهزوا حرب غزة لتجنيد وتعبئة مئات الآلاف من السكان في مناطق سيطرتهم (أ.ف.ب)
الحوثيون انتهزوا حرب غزة لتجنيد وتعبئة مئات الآلاف من السكان في مناطق سيطرتهم (أ.ف.ب)

أبدى زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، مخاوف واضحة من مرحلة ما بعد اتفاق غزة بين إسرائيل وحركة «حماس»، مشيراً إلى أن جماعته تتابع «بدقة وعناية» تنفيذ الاتفاق، في ظل ما وصفه بـ«انعدام الثقة» في جدية تل أبيب وواشنطن في وقف الحرب.

وفي خطبته الأسبوعية، قال الحوثي إن جماعته ستبقى «في حالة انتباه وجهوزية تامة»، لرصد ما إذا كان الاتفاق سيفضي فعلاً إلى وقف إطلاق النار ودخول المساعدات إلى قطاع غزة، أو أن ما يجري مجرد «خدعة مؤقتة».

وفي حين أكد الحوثي مواصلة الحشد الشعبي والسياسي والعسكري دعماً للفلسطينيين «حتى تتضح النوايا الحقيقية» لإسرائيل، ظهرت في خطبته مخاوف ضمنية من أن تصبح جماعته الهدف المقبل لإسرائيل في سياق حملة أوسع بعد أن تكون الأخيرة قد ضمنت الهدوء في غزة.

وقال الحوثي إن التطورات الجارية (اتفاق وقف الحرب) لا تمثل نهاية الصراع؛ بل «جولة من جولات المواجهة مع مشروع الهيمنة الأميركي والإسرائيلي»، داعياً أنصاره إلى الاستعداد لجولات مقبلة قد تشمل المنطقة كلها. وقال إن على جماعته «تطوير قدراتها العسكرية باستمرار، ومتابعة كل ما يستجد من تقنيات إسرائيلية» تحسباً لأي «عدوان جديد»، وفق تعبيره.

زعيم الحوثيين يسعى لتنصيب نفسه قائداً لمحور إيران في المنطقة العربية عقب مقتل حسن نصر الله (أ.ف.ب)

وفيما بدا أنه استعراض لقدرات جماعته خلال العامين الماضيين، ادعى الحوثي أن ما سماها «العمليات الإسنادية» التي نفذتها قواته بلغت 1835 عملية، تنوعت بين إطلاق صواريخ باليستية ومجنحة وفرط صوتية، وهجمات بطائرات مسيّرة وزوارق حربية. ووصف هذا الرقم بأنه «إنجاز كبير».

كما عرض الحوثي أرقاماً ضخمة لما وصفه بـ«الأنشطة الشعبية المساندة»، موضحاً أن جماعته نظمت خلال عامين، أكثر من 49 ألف مسيرة ومظاهرة، و94 ألف فعالية شعبية، ونحو 550 ألف ندوة، و350 ألف وقفة طلابية، إضافة إلى أكثر من ألف عرض عسكري و3 آلاف مسير عسكري.

وفي سياق المخاوف الحوثية، كرر زعيم الجماعة أن «العدو الإسرائيلي» يعدّ لجولات جديدة بعد اتفاق غزة، محذراً من أن «انشغال بعض الأطراف بالهدنة» قد يتيح لتل أبيب فرصة لإعادة ترتيب أوراقها. وأضاف أن جماعته «لن تركن إلى الهدوء المؤقت».

ويعكس خطاب الحوثي - كما يبدو - توجس الجماعة من أن يؤدي أي استقرار في غزة إلى تراجع مبررات التصعيد في البحر الأحمر، ما قد يضعف ذرائعها في الاستمرار بالهجمات التي تسببت في تصنيفها جماعةً تهدد أمن الملاحة الإقليمية.

خلفية المواجهة

منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس» بغزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تحولت جماعة الحوثيين إلى طرف في المواجهة الإقليمية، بعد أن أعلنت «الانخراط العسكري نصرةً للفلسطينيين».

غير أن هذا الانخراط سرعان ما اتخذ بُعداً يتجاوز الدعم الرمزي، مع تنفيذ الجماعة مئات الهجمات بالصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل، إلى جانب مئات الهجمات البحرية التي استهدفت السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، بذريعة ارتباطها بإسرائيل.

وخلال العامين الماضيين، نفذت الجماعة - وفق ادعاء زعيمها عبد الملك الحوثي - أكثر من 228 هجوماً ضد سفن تجارية، تسببت في غرق 4 سفن وقرصنة خامسة، إضافة إلى مقتل 9 بحارة، فيما لا يزال 12 بحاراً محتجزين حتى اليوم.

الحوثيون أطلقوا مئات الصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل خلال عامين (إعلام حوثي)

وأدت هذه الهجمات إلى إرباك حركة التجارة العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وسط تحذيرات دولية من أن أكثر من 55 دولة تأثرت مصالحها جراء التصعيد الحوثي في أحد أهم الممرات الملاحية بالعالم.

وفي حين لم يكن للهجمات المباشرة باتجاه إسرائيل أي تأثير عسكري باستثناء مقتل شخص في تل أبيب جراء انفجار مسيرة بشقته في 19 يوليو (تموز) 2024، إلى جانب بعض الإصابات في هجمات أخرى، فإنها مثلت إشغالاً للدفاعات الإسرائيلية، فضلاً عن التسبب في تفعيل الإنذارات وتعليق حركة الطيران من وقت لآخر.

موجات انتقامية

مع تصاعد خطر الهجمات الحوثية، ردّت إسرائيل بـ18 موجة من الغارات الجوية ابتداء من 20 يوليو (تموز) 2024 وحتى 25 سبتمبر (أيلول) 2025، استهدفت خلالها مواني الحديدة ومطار صنعاء ومنشآت طاقة ومصانع إسمنت ومقار أمنية وعسكرية خاضعة للجماعة.

وكان أبرز الضربات الإسرائيلية على صنعاء في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه.

كما استقبلت الجماعة نحو ألفي ضربة أميركية شاركت في بعض موجاتها بريطانيا ابتداء منذ يناير (كانون الثاني) 2024، وحتى مايو (أيار) 2025، حيث توسطت سلطنة عمان في اتفاق أوقف الرئيس ترمب بموجبه الحملة الواسعة ضد الجماعة في مقابل تعهدها بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

جانب من الدمار جراء ضربة إسرائيلية استهدفت موقعاً للحوثيين في صنعاء (أ.ب)

غير أن هذه الضربات لم توقف وتيرة التصعيد، إذ استمر الحوثيون في إطلاق صواريخ باليستية ومجنحة وفرط صوتية باتجاه البحر الأحمر وإسرائيل، في خطوة تهدف إلى تأكيد دور الجماعة فيما يسمى «محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

وفي أحدث إحصائية، قالت الجماعة الحوثية إن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح 1.676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، لكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جراء هذه الضربات.

وإذ تتهم الحكومة الشرعية الحوثيين باستخدام القضية الفلسطينية للتملص من استحقاقات السلام وتنفيذ أجندة إيران في المنطقة، تسود المخاوف على الصعيد اليمني من أن تلجأ الجماعة إلى تفجير الوضع الميداني داخلياً بعد اتفاق وقف النار في غزة، وبخاصة بعد أن تمكنت من تعبئة وتجنيد مئات الآلاف من السكان الخاضعين لها خلال العامين الماضيين.

وفي المقابل، قد يدفع الهدوء الإقليمي المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، إلى إنعاش مسار السلام المتعثر بناء على خريطة الطريق التي كانت توسطت فيها السعودية وعمان في أواخر 2023، قبل أن تنخرط الجماعة الحوثية في تصعيدها الإقليمي والبحري.


مقالات ذات صلة

عدن تستقبل رمضان بخدمات مستقرة وتطبيع شامل للحياة

المشرق العربي تحسن ملحوظ في خدمات الكهرباء بعدن قبل حلول رمضان (إعلام محلي)

عدن تستقبل رمضان بخدمات مستقرة وتطبيع شامل للحياة

تستقبل مدينة عدن، العاصمة المؤقتة لليمن، شهر رمضان المبارك هذا العام في أجواء مختلفة كلياً عمّا اعتاده سكانها في ظل تحسن ملحوظ في مستوى الخدمات وتطبيع الأوضاع.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناء على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني.

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج أطلق البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مبادرة لإعادة الدراسة في جامعة أرخبيل سقطرى (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

مبادرة سعودية تعيد الدراسة في جامعة سقطرى

أطلق البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مبادرة نوعية لتعزيز استقرار التعليم في جزيرة سقطرى، في إطار الجهود التنموية المستمرة التي تقدمها السعودية.

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

عدن تمضي نحو الاستقرار بشراكات دولية ودعم سعودي

كثَّفت السلطة المحلية في عدن تحركاتها في إطار رؤية شاملة تستهدف تثبيت الأمن والاستقرار، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية بدعم سعودي مباشر يشمل كل المجالات.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

مع التلويح بمواجهة أميركية - إيرانية محتملة، ترفع الجماعة الحوثية جاهزيتها العسكرية وتلوّح بخيارات مفتوح، وسط تقديرات بتهديدها الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن

وضاح الجليل (عدن)

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».