تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا... وتحذيرات من حرب

أديس أبابا تتهم أسمرة بـ«تمويل وتعبئة وقيادة» مجموعات مسلحة في أمهرة

الرئيس الإريتري آسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو 2018 (رويترز)
الرئيس الإريتري آسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو 2018 (رويترز)
TT

تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا... وتحذيرات من حرب

الرئيس الإريتري آسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو 2018 (رويترز)
الرئيس الإريتري آسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو 2018 (رويترز)

يتصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، وسط حديث من أديس أبابا عن استعدادات تجري لـ«شن حرب» من جانب أسمرة وفصيل في «جبهة تحرير تيغراي» التي هيمنت على الحياة السياسية في أديس أبابا لنحو ثلاثين عاماً، وتعادي حالياً رئيس الحكومة الإثيوبية آبي أحمد منذ سنوات.

تلك الاتهامات التي تزايدت منذ خلافات 2022، تعد «أمراً لا يستهان به رغم تكرارها في السنوات الأخيرة، ومحاولة استخدامها للسيطرة على الداخل الغاضب بكل البلدين»، وفق تقديرات خبير في الشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، مستبعداً حالياً، خوض البلدين حرباً مباشرة في ظل عوامل عديدة، بينها الانقسام السياسي والاجتماعي الداخلي في إثيوبيا، والذي يعقّد أي تحرك عسكري خارجي.

وكانت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا متوتّرة منذ استقلال الأخيرة عام 1993. وبين عامَي 1998 و2000، اندلعت حرب دامية بين البلدين على خلفية نزاعات إقليمية، قبل أن يبرم رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، اتفاق سلام مع الرئيس الإريتري، آسياس أفورقي، عام 2018.

وشهدت العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة توتراً ملحوظاً، عقب توقيع الأولى اتفاق «بريتوريا للسلام» مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي»، من دون مشاورة حلفائها في الحرب، التي استمرت عامين كاملين (2020 - 2022)، وازدادت حدة التوتر بعد إعلان أديس أبابا عن رغبتها في امتلاك منفذ على البحر الأحمر، واتهمتها أسمرة بالتطلع إلى «ميناء عصب» الإريتري.

وقالت الخارجية الإثيوبية في رسالة موجهة للأمم المتحدة، إن أسمرة و«فصيلاً متشدداً من (جبهة تحرير شعب تيغراي)» يقومان بـ«تمويل وتعبئة وقيادة» مجموعات مسلحة خصوصاً في ولاية أمهرة، حيث يواجه الجيش الإثيوبي تمرداً مسلحاً منذ أعوام، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء.

وأكدت أن «التواطؤ بين أسمرة والفصيل المتشدد أصبح أكثر وضوحاً خلال الأشهر القليلة الماضية، وهناك استعداد بينهما بشكل نشط لشن حرب على إثيوبيا».

دبابة عسكرية إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو - إثيوبيا (رويترز)

ولم ترد أسمرة بعد، غير أن وزارة الإعلام الإريترية، عقب رسالة إثيوبية مماثلة للأمم المتحدة، قالت في يونيو (حزيران) إن «إثيوبيا تستخدم أكاذيب لتبرير الصراع وإشعاله»، بعد اتهام الرئيس الإريتري، أديس أبابا، في مايو (أيار) الماضي، بـ«السعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلّق بمنفذ على البحر الأحمر»، تزامناً مع تصريحات مستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء الإثيوبي، قنا يدتا، كرر فيها التشديد على ضرورة حصول بلاده على منفذ بحري.

الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، قال إنه «على الرغم من أن الاتهامات الإثيوبية لإريتريا بدعم المتمردين داخل إثيوبيا ليست جديدة، فإن السياق الحالي يجعل خطورة هذه الاتهامات، أمراً لا يُستهان به»، موضحاً أن إريتريا، اعتمدت على «استراتيجية دعم الجماعات المتمردة والعرقية داخل إثيوبيا، بهدف حماية حدودها، وضمان عدم تكرار الصراعات الحدودية السابقة».

«هذا التصعيد قد يُستخدم لتوحيد الصف الداخلي، وحشد الرأي العام حول الخطر الخارجي، في محاولة لصرف الأنظار عن الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الحكومة الإثيوبية»، وفق كلني، مستدركاً: «لكن (جبهة تحرير تيغراي) قد تجد في هذا الوضع فرصة لإعادة تنظيم صفوفها، وربما توسيع تحالفاتها مع جماعات أخرى مناهضة للحكومة المركزية».

وطيلة الأشهر الماضية، كان التوتر حاضراً بين أسمرة وأديس أبابا، وفي مارس (آذار) الماضي، حذَّر نائب حاكم إقليم تيغراي، تسادكان قبرتسائيل، من أن حرباً جديدة بين إثيوبيا وإريتريا «قد تكون على الأبواب»، ورد وزير الإعلام الإريتري، يماني غبريمسقل، على منصة «إكس» وقتها، بالقول إن «استعدادات إريتريا المزعومة للحرب ضد إثيوبيا اتهامات كاذبة».

وفي فبراير (شباط) الماضي، اتّهم الرئيس الإثيوبي السابق، مولاتو تيشومي، إريتريا بالسعي إلى إعادة إشعال الصراع ودعم المتمردين في شمال إثيوبيا. وقد نفت أسمرة تلك الاتهامات عبر وزير إعلامها، ووصفتها بأنها «إطلاق إنذار كاذب».

ورغم تكرار حدة الاتهامات، فإن اندلاع حرب شاملة بين إثيوبيا وإريتريا يبقى احتمالاً ضعيفاً في الوقت الراهن، بسبب مجموعة من العوامل الجوهرية؛ أبرزها الانقسام السياسي والاجتماعي الداخلي في إثيوبيا، والذي يعقّد أي تحرك عسكري خارجي، بحسب الخبير في الشؤون الأفريقية.

وتضاف لذلك، بحسب كلني، أسباب أخرى منها «الخشية من استغلال أطراف إقليمية، بخاصة مصر، للتوترات الحالية لتعزيز نفوذها في المنطقة، نظراً لتحالفها المتين مع إريتريا، ومخاوف إثيوبية من تجدد التمرد في إقليم تيغراي، وتسلل الجماعات المتمردة إلى العاصمة أديس أبابا في ظل التوترات السياسية والاضطرابات الاجتماعية»، متوقعاً، تبعاً لذلك، «البقاء في دائرة استمرار التوتر، وتبادل الاتهامات، للاستخدام السياسي المحلي بكل من البلدين فقط».


مقالات ذات صلة

توترات «المنفذ البحري» بين مصر وإثيوبيا... ماذا تعني لملف «سد النهضة»؟

شمال افريقيا سد النهضة الإثيوبيي (رويترز)

توترات «المنفذ البحري» بين مصر وإثيوبيا... ماذا تعني لملف «سد النهضة»؟

وسط تحركات أميركية لرأب الصدع بين القاهرة وأديس أبابا في أزمة «سد النهضة»، خرجت إثيوبيا بانتقادات لمصر بشأن علاقاتها بدول الجوار وعرقلة وصولها إلى البحر الأحمر.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي رئيس أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

كيف تواجه مقديشو «التغلغل الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

تتواصل الإدانات - لا سيما الصومالية - منذ نحو 5 أشهر، بينما تعمق إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به في ديسمبر (كانون الأول) الماضي

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو خلال مؤتمر صحافي يوم الخميس (الخارجية الإثيوبية)

«منفذ البحر الأحمر» يفاقم التوتر بين مصر وإثيوبيا

بعد نحو أسبوع من زيارة مصرية لإريتريا، وتأكيدات رسمية برفض وجود دول غير مشاطئة على البحر الأحمر، اتهمت إثيوبيا القاهرة بمحاولة عرقلة وصولها إلى منفذ على البحر.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

المعارضة الصومالية تُصعد احتجاجاتها ضد الرئيس والحكومة

توترات سياسية تتصاعد في الصومال، مع إعلان المعارضة اعتزامها الاحتجاج أسبوعياً بعد انتهاء عيد الأضحى، وسط مطالبات أممية وأوروبية بالتوصل لحل

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (صفحة الجامعة على فيسبوك)

«الجامعة العربية» ترفض قرار «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس

حذرت جامعة الدول العربية من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح «إقليم أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة

فتحية الدخاخني (القاهرة )

ليبيا تنشد مزيداً من الملاحقات الدولية لمتهمين ارتكبوا «جرائم حرب»

نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية خلال الحديث عن ليبيا أمام مجلس الأمن أخيراً (الأمم المتحدة)
نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية خلال الحديث عن ليبيا أمام مجلس الأمن أخيراً (الأمم المتحدة)
TT

ليبيا تنشد مزيداً من الملاحقات الدولية لمتهمين ارتكبوا «جرائم حرب»

نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية خلال الحديث عن ليبيا أمام مجلس الأمن أخيراً (الأمم المتحدة)
نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية خلال الحديث عن ليبيا أمام مجلس الأمن أخيراً (الأمم المتحدة)

ترسَّخت لدى حقوقيِّين ليبيِّين قناعة بأنَّ حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا تتجه نحو «تعزيز مسار الملاحقات الدولية بحق المتورطين في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية»، في ظلِّ ما عُدَّت «مؤشرات على توسيع نطاق التعاون مع الآليات القضائية الدولية».

ويستند هذا التقدير إلى ما ورد في كلمة مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير طاهر السني، أمام مجلس الأمن، أخيراً، والتي شدَّد فيها على «أهمية ملاحقة مرتكبي تلك الجرائم، في إطار مبدأ التكامل القضائي، وتقاسم الأعباء مع القضاء الوطني، وبما يقوم على شراكة مع المؤسسات الليبية ذات الصلة؛ لضمان عدم إفلات الجناة من المساءلة».

ويأتي ذلك بالتزامن مع تحذيرات نائبة المدعي العام لـ«المحكمة الجنائية الدولية»، نزهة خان، خلال الجلسة ذاتها، من أنَّ قضية الليبي خالد الهيشري، الماثل أمام المحكمة بتهم تتعلق بـ«ارتكاب جرائم حرب واغتصاب واستعباد»، لا تمثل سوى جزء من جهد أوسع نطاقاً يستهدف تحقيق المساءلة، مشيرة إلى «استمرار وجود 9 مذكرات توقيف علنية قيد التنفيذ في إطار التحقيقات الجارية بشأن الانتهاكات المرتبطة بالنزاع الليبي».

الهيشري المتهم بـ«ارتكاب جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

وخلال جلسة لمجلس الأمن بشأن «الحالة في ليبيا»، بدا حرص السفير السني على التأكيد، أكثر من مرة، أنَّ ما يُنسب إلى بعض موظفي الدولة الليبية من أفعال، أو ممارسات غير مشروعة، لا يعكس نهج الدولة أو مؤسساتها، واصفاً إياها بأنها «تصرفات فردية» تقع مسؤوليتها على مرتكبيها شخصياً، دون أن يترتب على الدولة أي التزام بتعويضات.

كما جدَّد التأكيد على أنَّ توسيع التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية حتى نهاية عام 2027 يعزِّز اختصاصها، استناداً إلى مبدأ «التكامل لا الإحلال»، موضحاً أنَّ القضاء الوطني الليبي يظلُّ صاحب الولاية الأصيلة، بينما يقتصر دور المحكمة على الدعم والتعاون، وتبادل الأدلة عند تعذُّر الملاحقة الوطنية أو تعذُر الوصول إلى المطلوبين.

وانتهت المحكمة الجنائية الدولية، الخميس الماضي، من جلسات «تأكيد التهم» في قضية المدعي العام ضد الهيشري (47 عاماً)، أحد المسؤولين السابقين عن سجن معيتيقة في طرابلس، في حين تبدأ الدائرة التمهيدية الأولى مداولاتها، تمهيداً لإصدار قرارها خلال 60 يوماً.

أما نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية فقد كشفت عن أنَّ «محاكمة الهيشري لا تُمثِّل سوى جزء من جهد أوسع نطاقاً يهدف إلى تحقيق المساءلة، إذ تواصل المحكمة تحقيقاتها في الجرائم المرتبطة بالنزاع الذي دار بين عامَي 2014 و2020، وكذلك في الانتهاكات المرتكبة داخل مراكز الاحتجاز في مختلف أنحاء شرق ليبيا وغربها»، مؤكدة أن «هناك 9 مذكرات توقيف علنية لا تزال قيد التنفيذ».

ووجَّهت نائبة المدعي العام تحذيراً إلى الجناة، قائلة: «اعلموا أن مكتبنا يظل ملتزماً بفرض المساءلة عن أفعالكم، ونمضي بخطى متسارعة عبر مسارات التحقيق لضمان إنصاف الضحايا، كما شهدنا في لاهاي هذا الأسبوع».

مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة طاهر السني (البعثة الليبية لدى الأمم المتحدة)

ووفقاً للمحكمة الجنائية الدولية، يواجه الهيشري 17 تهمة، تتعلق بـ«ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية داخل سجن معيتيقة، تشمل القتل والتعذيب والاضطهاد والاسترقاق، إضافة إلى الاغتصاب والعنف الجنسي ضد رجال ونساء ليبيِّين ومهاجرين أفارقة، خلال الفترة بين 2014 و2020».

ويرى حقوقيون أنَّ هذا التوجُّه من جانب سلطات غرب ليبيا لتعزيز مسار الملاحقات الدولية يبدو منطقياً في ظلِّ الانقسام السياسي والأمني، الذي تعيشه البلاد، بين حكومتين؛ إحداهما في غرب ليبيا وهي حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والأخرى هي «الاستقرار» في الشرق، وأجزاء واسعة من الجنوب، برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

ويؤكد الناشط الحقوقي، هشام الحاراتي، لـ«الشرق الأوسط» ضرورة التكامل بين القضاءين المحلي والدولي، مع «ضرورة التزام المحكمة الجنائية الدولية بمعايير موحدة، وعدم انتهاج الانتقائية في قضايا التعذيب والإخفاء القسري، بما يضمن عدالة متساوية بين مختلف مناطق البلاد».

من جانبها، قالت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» في ليبيا، في بيان سابق: «مهما طال أمد الإفلات من العقاب، فإنَّ مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا لن يفلتوا من المساءلة والمحاسبة عبر مختلف الوسائل القانونية والقضائية المحلية والدولية، بما يضمن للضحايا حقهم في الوصول إلى العدالة والإنصاف».

ومنذ عام 2011 تتمتع «المحكمة الجنائية الدولية» بولاية قضائية على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 1970، الذي أحال الوضع في ليبيا إلى المحكمة، ما يجعلها مختصة، حتى دون أن تكون ليبيا دولة طرفاً في نظام روما الأساسي، في إطار مبدأ «التكاملية» الذي يجعلها محكمة ملاذ أخير لا تتدخل إلا عند عجز القضاء الوطني عن المحاكمة الفعلية.

وفي مايو (أيار) 2025 قدّمت حكومة «الوحدة» إعلاناً يقبل اختصاص المحكمة على الجرائم المرتكبة في ليبيا منذ عام 2011 وحتى نهاية 2027، وهو ما وسّع عملياً نطاق الولاية الزمنية للمحكمة داخل الإقليم الليبي. وأثار هذا الإعلان حينها جدلاً محلياً، إذ عدّه مجلس النواب وحكومة «الاستقرار» غير دستوري، وتم الطعن في شرعيته، بوصف أنَّ ليبيا ليست دولة طرفاً في المحكمة، وأنَّ القضاء الوطني هو المختص، ما فتح نقاشاً سياسياً وقانونياً حول حدود تعاون الدولة مع المحكمة الجنائية الدولية ومدى إلزاميته.


حمدوك: السودان يواجه معركة وجودية «يكون أو لا يكون»

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)
حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)
TT

حمدوك: السودان يواجه معركة وجودية «يكون أو لا يكون»

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)
حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)

دعا رئيس الوزراء السوداني السابق رئيس التحالف المدني «صمود»، عبد الله حمدوك، القوى السياسية والمدنية إلى الالتفاف حول رؤية وطنية واضحة تهدف إلى وقف الحرب، مؤكداً أن السودان يواجه «معركة وجودية... يكون أو لا يكون»، تهدد بقاء الدولة ومستقبلها. وقال إن الكارثة الإنسانية التي تشهدها البلاد تفوق، من حيث الحجم والتداعيات، ما يحدث في قطاع غزة بفلسطين، مجدداً تأكيده على أن الأزمة السودانية لا يمكن أن تُحسم عسكرياً، وأن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد لإنقاذ البلاد.

وجاءت تصريحات حمدوك خلال مخاطبته الجلسة الافتتاحية لاجتماع «قوى إعلان المبادئ السودانية لبناء وطن جديد» المنعقد في العاصمة الكينية نيروبي، حيث شدد على أهمية التوافق بين القوى المدنية والسياسية حول أهداف العملية السياسية، موضحاً أن هذه العملية ينبغي أن تبدأ بثلاثة مسارات مترابطة تشمل: الملف الإنساني، ووقف إطلاق النار، ثم إطلاق المسار السياسي، وصولاً إلى اتفاق سلام شامل ومستدام، مع ضرورة توحيد جهود الوساطات الإقليمية والدولية.

صورة جماعية للقيادات المشاركة في إعلان نيروبي (تحالف صمود)

وتركز اجتماعات «قوى نيروبي» على تنسيق العمل المشترك بين القوى السياسية والحركات المسلحة والقوى المدنية، بهدف إنهاء الحرب وتحقيق السلام والاستقرار في السودان. وقال حمدوك إن «هناك العديد من المبادرات الإقليمية والدولية التي تتناول الشأن السوداني، من بينها مبادرات الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، إضافة إلى منابر دولية أخرى»، لكنه قال إن أهم هذه المبادرات هي «الرباعية» التي تضم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر والولايات المتحدة، «نظراً لأنها وضعت خريطة طريق واضحة تستند إلى 5 مبادئ و7 التزامات رئيسية». وأضاف أن من أهم ما يميز هذه المبادرة هو موقفها الرافض لإشراك الأطراف التي «خربت الحياة السياسية»، في إشارة إلى جماعات الإسلام السياسي.

كما أعرب حمدوك عن تقديره لدول الجوار السوداني التي استضافت ملايين اللاجئين السودانيين الفارين من الحرب، داعياً إلى إجراء نقاش وطني واسع حول خريطة الطريق السياسية وأهدافها والأطراف المشاركة فيها، بما يفضي إلى عملية سياسية شاملة وذات مصداقية. وحذّر من أن فشل القوى المدنية في التوافق على رؤية موحدة سيؤدي إلى فرض ترتيبات خارجية على السودان دون إرادة السودانيين.

من جانبه، أكّد رئيس حزب البعث العربي الاشتراكي، علي الريح السنهوري، أن الأولوية الوطنية الراهنة تتمثل في وقف الحرب والحفاظ على وحدة السودان، داعياً إلى توحيد صفوف القوى المدنية من أجل إعادة السلطة إلى الشعب السوداني، ومشدداً على ضرورة التصدي لأي مخططات تستهدف تقسيم البلاد. بدوره، أعلن رئيس حركة جيش تحرير السودان، عبد الواحد محمد أحمد النور، استعداد حركته للتوصل إلى خريطة طريق وآليات واضحة لوقف الحرب، مؤكداً أهمية معالجة الجذور التاريخية للأزمة السودانية وعدم الاكتفاء بالحلول الجزئية أو المؤقتة.

وفي وقت سابق، اتفقت قوى «إعلان مبادئ نيروبي» على ضرورة تطوير المبادرة وتوسيع قاعدة المشاركة لتشمل مختلف القوى السياسية والمدنية الداعمة للسلام والاستقرار، مع استثناء حزب المؤتمر الوطني المعزول. كما تضمنت المبادئ التأكيد على ضرورة الربط بين المسارات الإنسانية والعسكرية والسياسية ضمن حزمة واحدة تقود إلى انتقال مدني ديمقراطي، إلى جانب اشتراط عدم مشاركة الأطراف المتحاربة في ترتيبات ما بعد وقف الحرب. وشارك في الاجتماعات ممثلون عن «تحالف صمود»، وحزب الأمة القومي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة تحرير السودان، والتجمع الاتحادي، ومنسقية اللاجئين والنازحين في دارفور، وهيئة محامي دارفور، إضافة إلى عدد من الشخصيات الوطنية المستقلة.


تحرك دولي لتعزيز السلامة وتطهير ليبيا من مخلفات الحروب

الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
TT

تحرك دولي لتعزيز السلامة وتطهير ليبيا من مخلفات الحروب

الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)

جددت مجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا التزامها بمواصلة دعم الجهود الوطنية، الرامية إلى تطهير البلاد من مخلفات الحروب، وتعزيز سلامة المدنيين في المناطق المتضررة بمختلف أنحاء البلاد.

وقالت البعثة الأممية لدى ليبيا إن مجموعة الدعم عقدت اجتماعها السنوي الثاني، حيث أكد ممثلو عشر دول أن الأعمال المتعلقة بالألغام «تشكل ركيزة أساسية لحماية المدنيين، وتعزيز الاستقرار وبناء السلام المستدام في ليبيا».

وشهد الاجتماع مشاركة ممثلين دبلوماسيين وعسكريين من الاتحاد الأوروبي، ومصر، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، وقطر، وجمهورية كوريا، وتونس، وتركيا، والمملكة المتحدة؛ وذلك بهدف تعزيز التنسيق الدولي، وتوحيد الدعم المقدم لجهود مكافحة الألغام في ليبيا.

واستضاف سفير إيطاليا لدى ليبيا، جيانلوكا ألبيريني، بمقر السفارة في طرابلس، الاجتماع وترأسه بالشراكة مع نائبة الممثل الخاص للأمين العام والمنسقة المقيمة في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أولريكا ريتشاردسون.

خلال عملية سابقة لنقل مخلفات حربية في ليبيا (البعثة الأممية)

وركزت المناقشات على «التداعيات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية لمخلفات الحرب القابلة للانفجار»، إضافة إلى «مخاطر التخزين غير الآمن للذخائر، بما في ذلك التهديدات المستمرة، التي تشكلها مستودعات الذخيرة الواقعة بالقرب من المناطق السكنية على المدنيين في مختلف أنحاء البلاد».

وانفجرت مخازن ذخيرة أكثر من مرة داخل ثكنات تتبع تشكيلات مسلحة في مدن بغرب ليبيا، وخاصة مصراتة. وفي سبتمبر (أيلول) 2025، تظاهر مواطنون في مصراتة للمطالبة بإخراج مخازن الأسلحة والذخائر من منطقتهم، ونقلها إلى مواقع بعيدة عن التجمعات السكنية.

وحسب تقارير المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام ومخلفات الحروب، تم تحديد أكثر من 688 مليون متر مربع من المناطق المؤكدة، أو المشتبه بتلوثها بمخلفات الحروب في مختلف أنحاء ليبيا منذ عام 2011؛ الأمر الذي لا يزال ينعكس سلباً على المناطق السكنية والأراضي الزراعية والبنية التحتية الحيوية.

ومنذ مايو (أيار) 2020، تسببت حوادث الألغام والذخائر المتفجرة في سقوط 487 ضحية، بينهم 175 قتيلاً و312 مصاباً، من ضمنهم 87 طفلاً. وأكد المشاركون في الاجتماع أهمية تكثيف التنسيق للحيلولة دون وقوع المزيد من المآسي الإنسانية، الناجمة عن الذخائر المتفجرة في ليبيا.

وأشار المشاركون كذلك إلى أن جهود مكافحة الألغام في ليبيا لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها محدودية القدرات الفنية، وصعوبات الوصول إلى بعض المناطق، إضافة إلى نقص التمويل مقارنة بحجم التلوث الناتج عن مخلفات الحروب في ليبيا.

وعلى الرغم من تحرير وتسليم نحو 219 مليون متر مربع من الأراضي من خلال عمليات المسح، والتطهير منذ وقف إطلاق النار عام 2020، فإن التلوث بمخلفات الحروب لا يزال يؤثر بشكل مباشر على المدنيين في عدد من المناطق، من بينها جنوب طرابلس، ومصراتة، وسرت، وغريان ومزدة، إضافة إلى بنغازي، وطبرق، ومرزق وسبها.

وأكد المشاركون أهمية ترسيخ الملكية الوطنية، وتعزيز القيادة الليبية للأعمال المتعلقة بالألغام، إلى جانب ضمان استمرار الدعم الدولي لهذه الجهود التي تقودها ليبيا، من خلال بناء القدرات، وتعزيز التعاون الثنائي، ودعم المؤسسات الوطنية العاملة في مجالي مكافحة الألغام، والإدارة الآمنة للأسلحة والذخائر.

كما شددوا على ضرورة تنسيق الجهود الدولية وتوحيد الرسائل والمواقف الداعمة، بما ينسجم مع الأولويات الوطنية، ويسهم في تعزيز فاعلية الجهود الليبية بقيادة وطنية.

وفي هذا السياق، أكد المشاركون ضرورة منح قضايا مكافحة الألغام والإدارة الآمنة للذخائر اهتماماً أكبر، ضمن أعمال مجموعة العمل الأمنية الدولية المنبثقة عن مسار برلين.

جانب من أنشطة «أونماس» التي تعمل على توعية الأطفال بمخاطر الألغام (البعثة الأممية)

وأشاد السفير ألبيريني بالجهود المبذولة للتصدي للتهديد، الذي تمثله مخلفات الحرب القابلة للانفجار والذخائر المتفجرة في مختلف أنحاء البلاد، مشيداً بالاستجابة التي قادها المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام، بالتعاون مع شركائه وبدعم من بعثة الأمم المتحدة، عقب انفجار مخزن ذخيرة في مصراتة في أغسطس (آب) 2025.

وكان الانفجار قد نجم عن اشتعال ذخائر داخل مستودع ذخيرة يقع في منطقة سكنية مكتظة، محدثاً انفجاراً هائلاً. وأسفر الحادث عن أضرار امتدت ضمن نطاق يتراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات؛ ما أدى إلى إصابة ما لا يقل عن 21 شخصاً، فضلاً عن تضرر عدد من المباني التجارية والمنازل السكنية.

وقال ألبيريني: «لقد شهدنا في موقع الانفجار قدراً كبيراً من المهنية والكفاءة في تنفيذ عمليات إزالة المخلفات المتفجرة وأنشطة التوعية بمخاطر الذخائر غير المتفجرة».

كما استحضرت نائبة الممثل الخاص للأمين العام والمنسقة المقيمة ريتشاردسون رسالة الأمين العام للأمم المتحدة، بمناسبة اليوم الدولي للتوعية بمخاطر الألغام، والمساعدة في الأعمال المتعلقة بها لعام 2026 تحت شعار: «استثمروا في السلام، استثمروا في الأعمال المتعلقة بالألغام»، داعيةً إلى مواصلة الجهود الرامية إلى الحد من المخاطر الناجمة عن تخزين الذخائر داخل المناطق السكنية، وتعزيز حماية المدنيين، بمن فيهم الأطفال، وتسريع وتيرة التعافي والتنمية.

وأوقعت الألغام ضحايا كثيرين في ليبيا، وخاصة من الأطفال، لا سيما في المناطق التي شهدت حروباً واشتباكات.