دمشق و«قسد» بين ضغوط واشنطن وخريطة طريق متعثّرة

جيمس جيفري: زيارة براك وكوبر إلى سوريا «محاولة لكسر الجمود بين الطرفين»

الرئيس السوري أحمد الشرع وقع مع قائد «قسد» مظلوم عبدي اتفاقاً بدمشق في مارس الماضي بشأن اندماجها في مؤسسات الدولة (أ.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع وقع مع قائد «قسد» مظلوم عبدي اتفاقاً بدمشق في مارس الماضي بشأن اندماجها في مؤسسات الدولة (أ.ب)
TT

دمشق و«قسد» بين ضغوط واشنطن وخريطة طريق متعثّرة

الرئيس السوري أحمد الشرع وقع مع قائد «قسد» مظلوم عبدي اتفاقاً بدمشق في مارس الماضي بشأن اندماجها في مؤسسات الدولة (أ.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع وقع مع قائد «قسد» مظلوم عبدي اتفاقاً بدمشق في مارس الماضي بشأن اندماجها في مؤسسات الدولة (أ.ب)

شهدت دمشق في الساعات الأخيرة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً، تركز على الاجتماع الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بوفد «الإدارة الذاتية» الكردية ووفد أميركي رفيع ضمّ المبعوث الخاص إلى سوريا توماس براك، وقائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر. ووفق مصادر متطابقة، فإن اللقاءات ناقشت سبل تنفيذ «اتفاق 10 آذار (مارس)» المُوقّع بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، وسط ضغوط أميركية لتسريع تطبيق بنوده قبل نهاية العام الحالي.

تناولت الاجتماعات، التي شارك فيها وزيرا الخارجية والدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات العامة السوريون، ملفات متعددة تتصل بوقف إطلاق النار في الشمال الذي أُعلن عقب الاجتماع بين وزير الدفاع السوري اللواء مرهف أبو قصرة وقائد «قسد» مظلوم عبدي، وبالترتيبات الأمنية والإدارية، وتقاسم عائدات النفط، ومستقبل اللامركزية في المناطق الخاضعة لسيطرة «قسد».

ويُنظر إلى «اتفاق 10 آذار» بوصفه الإطار السياسي الأهم لتنظيم العلاقة بين دمشق و«قسد»، لكنه لم يُنفذ سوى جزئياً. تقول سنام محمد، ممثلة «مجلس سوريا الديمقراطية» في واشنطن، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن اللجان المشتركة «لم تُحرز تقدماً يُذكر»، مشيرة إلى أن ملفات مثل عودة المهجرين وتأمينهم في مناطقهم الأصلية «ما زالت معلّقة بسبب غياب الضمانات واستمرار الممارسات القسرية من مجموعات تابعة للأمن السوري».

من جهة أخرى، يرى السياسي والإعلامي السوري - الأميركي، أيمن عبد النور، أن بطء التنفيذ يرتبط بـ«ارتباك في الرؤية الأميركية» أكثر منه بخلاف ميداني سوري. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن المبعوث الأميركي، توم براك، «فشل في تحقيق التوازن بين دعم الإدارة الذاتية وضمان مصالح دمشق»، وأن زيارته الأخيرة «كانت محاولة لإنقاذ الاتفاق قبل توقف الدعم الأميركي نهائياً».

السفير الأميركي جيمس جيفري يلقي كلمة في حفل «جائزة معهد السلام» بواشنطن خلال فبراير 2024 (تصوير: توني باول)

في هذا السياق، يشير جيمس جيفري، مبعوث الولايات المتحدة السابق إلى سوريا خلال الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى أن «خريطة الطريق التي توصلت إليها دمشق مع (قوات سوريا الديمقراطية) لم تُنفذ بعد، وواشنطن تشعر بإحباط متصاعد من تباطؤ الطرفين»، موضحاً أن وقف الانسحاب العسكري الأميركي مؤقتاً «جاء نتيجة القلق من احتمال انهيار الاستقرار الهش في البلاد». ويضيف جيفري، في مقالة نُشرت على موقع «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، أن زيارة برّاك وكوبر «جاءت ضمن محاولة لكسر الجمود»، لكنها تعكس في الوقت نفسه «قلقاً أميركياً حقيقياً من فقدان الزخم الدبلوماسي في ملفٍ يُعدّ حيوياً للسلام الإقليمي».

الدمج... العقدة الأبرز

ووفق التسريبات، فإن أبرز الملفات التي تناولها الاجتماع في دمشق، دمج المؤسسات العسكرية والأمنية بين الجيش السوري وتشكيلات «قسد». وتوضح سنام محمد أن هذه القضية «لا يمكن معالجتها بقرارات سريعة»، لافتة إلى أن «(قوات سوريا الديمقراطية) تضم وحدات نسائية ومكونات محلية متنوّعة تشكّل جزءاً من هوية المنطقة». وتضيف: «نحن نريد أن نكون جزءاً من جيش وطني سوري، لكن على أساس ضمانات واضحة واحترام خصوصية مناطقنا».

عناصر من «قسد» في سوريا (أرشيفية - رويترز)

في المقابل، يشير عبد النور إلى أن دمشق تعدّ هذا البند هو «الأسهل»، وأن الرئيس الشرع يرى في الدمج خطوة أولى لبناء الثقة، بينما تصرّ «قسد» على البدء بالملفات المدنية والاقتصادية قبل العسكرية والأمنية. ويقول إن هذا الخلاف «يعكس عمق انعدام الثقة بين الجانبين»؛ إذ تعدّ دمشق أي تأخير في الدمج مهدداً لسيادتها، بينما تخشى «الإدارة الذاتية» الكردية من فقدان استقلالها التنظيمي والأمني.

ويعلّق جيفري في هذا السياق بأن «دمج الشمال الشرقي في الدولة السورية هو مفتاح الاستقرار المستقبلي»، لكنه يضيف أن أي خطوة في هذا الاتجاه «تتطلب مبادرات بناء ثقة متبادلة»، مثل الاعتراف بسيادة الحكومة المركزية، مقابل التزام دمشق «بالمعايير الدولية في التعامل مع الأقليات والمكوّنات المحلية».

اللامركزية وعودة المهجرين

ملف «اللامركزية»، إلى جانب عودة المهجرين، شكّلا محوراً آخر للمحادثات. وتؤكد سنام محمد أن الحلّ «يجب أن يكون سياسياً قائماً على نظام لا مركزي يتيح لكل المكونات السورية المشارَكة في القرار الوطني». وتضيف أن غياب الضمانات الأمنية في مناطق مثل الشيخ مقصود والسويداء «لا يسمح بالحديث عن تسليم السلاح أو إعادة دمج الإدارات المحلية»، في حين أن دعوات البعض للتقسيم مرفوضة.

أما عبد النور، فيرى أن النقاش بشأن اللامركزية «يبقى معلقاً بين الرغبة الأميركية في تحقيق تسوية تدريجية، وتوجّس دمشق من تفكيك سلطتها المركزية». ويضيف أن واشنطن «تسعى إلى الحفاظ على شكل الدولة السورية الموحدة، لكنها تدرك أن النظام الحالي لا يمكن أن يستمر من دون إصلاحات هيكلية حقيقية».

أطفال ينظرون إلى سيارة متضررة بحي سيف الدولة في حلب الثلاثاء نتيجة قصف «قوات سوريا الديمقراطية»... (أ.ب)

أما جيفري فيشدّد على أن وحدة سوريا «شرط أساسي لعودتها إلى المجتمع الدولي»، لكنه يحذّر بأن استمرار المماطلة في الإصلاحات السياسية والإدارية «سيُبقي البلاد منقسمة ومعرّضة للتدخلات الإقليمية»، لافتاً إلى أن الشمال الشرقي «يبقى المنطقة الأعلى حساسية؛ لأنه يضمّ معظم ثروات سوريا النفطية والزراعية ونحو عُشر سكانها».

ويلفت جيفري إلى أن الموقف التركي «لا يزال العامل الأعلى حساسية في معادلة الشمال الشرقي»، موضحاً أن أنقرة «تراقب تنفيذ الاتفاق بقلق متصاعد، وترى في استمرار تسليح (قوات سوريا الديمقراطية) تهديداً مباشراً لأمنها القومي»، ويحذر بأن «الصبر التركي قد ينفد في أي لحظة، ما لم تُبادر الأطراف إلى إجراءات ملموسة مثل إخراج عناصر (حزب العمال الكردستاني) وإعادة تنظيم المعابر الحدودية».

الدور الأميركي وحدود النفوذ

بيد أن الحراك الدبلوماسي في دمشق تزامن مع مؤشرات على تراجع الدور الأميركي المباشر في الملف السوري، فالمصادر القريبة من المفاوضات أكدت أن واشنطن أبلغت الطرفين أن مهمتها السياسية والعسكرية «ستنتهي بنهاية العام الحالي».

ويقول عبد النور إن هذه الرسالة «تعكس رغبة الرئيس ترمب في إغلاق الملف السوري ضمن خطة سلام إقليمية أوسع تستند إلى توسيع (اتفاقات إبراهيم)». لكنه يلفت إلى أن «المبعوث براك لم يتمكن من ترجمة هذه الرؤية على الأرض، ولم يحقق أي اختراق يُذكر في الملفات الحساسة، مثل العلاقة بإسرائيل، وتوزيع عائدات النفط».

في المقابل، ترى سنام محمد أن واشنطن «لا تزال مهتمة بمنع التصعيد أكبر من اهتمامها بفرض حلول سياسية»، عادّةً أن «الإدارة الأميركية تريد الحفاظ على هدوء الجبهات تمهيداً لأي تسويات مستقبلية».

لكن جيفري يرى أن قرار الانسحاب «يحمل مخاطرة حقيقية بفقدان النفوذ الأميركي في سوريا لمصلحة روسيا وإيران»، مشدداً على أن الانسحاب قبل ترسيخ تسوية بين دمشق و«قسد» سيعيد البلاد إلى مرحلة «الفوضى الهشة».

وفد «الإدارة الذاتية» المفاوض مع الحكومة السورية خلال مايو الماضي (هاوار)

ويضيف جيفري أن على واشنطن أن «تضغط على الأكراد لاتخاذ خطوات بناء ثقة، مثل إضفاء الطابع الرسمي على اتفاقات النفط، وتسليم المعابر الدولية، وإخراج المقاتلين الأجانب»، مقابل «التزام سوري واضح بدمج تدريجي لـ(قوات قسد) وضمان تمثيلها في برامج مكافحة الإرهاب».

ويخلص جيفري إلى أن «الطريق إلى تسوية سورية حقيقية تمر عبر دمج الشمال الشرقي، سلمياً، وإثبات قدرة دمشق على الحكم الشامل والمسؤول»، عادّاً أن فشل ذلك «لن يعني فقط تعثّر (اتفاق 10 آذار)، بل بداية مرحلة جديدة من الجمود السياسي تعيد البلاد إلى دائرة الانتظار».

ورغم إعلان الأطراف عن استمرار المشاورات خلال الأسابيع المقبلة، فإن عبد النور يرى أن المبعوث براك «يواجه شبكة معقدة من المصالح قد تطيح مهمته»، في ظل تناقضات تصريحاته التي يدعو فيها مرة إلى الحفاظ على وحدة سوريا، ومرة أخرى إلى الكونفدرالية.

ويعتقد عبد النور أن مهمة براك قد تكون في طريقها إلى الانتهاء بالتزامن مع استعداد المبعوث الأممي، غير بيدرسون، لمغادرة منصبه منتصف الشهر المقبل، حيث لا يتوقع أن يُعيَّن بديل له في ظل انتفاء الظروف التي أدت إلى تعيينه بعد سقوط نظام بشار الأسد.


مقالات ذات صلة

الجيش السوري يستنفر بعد رصد حشود عسكرية لـ«قسد» شرق حلب

المشرق العربي قوات الشرطة العسكرية السورية تنتشر في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب (د.ب.أ) play-circle

الجيش السوري يستنفر بعد رصد حشود عسكرية لـ«قسد» شرق حلب

أعلن الجيش السوري، اليوم (الأحد)، حالة الاستنفار بين قواته بعد رصد حشود عسكرية لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في شرق حلب.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي حافلة تقلّ عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» تغادر حي الشيخ مقصود في حلب (إ.ب.أ)

«قسد» تسحب مقاتليها من الأشرفية والشيخ مقصود في حلب

ذكر التلفزيون السوري، مساء أمس (السبت)، أن حافلات دخلت حي الشيخ مقصود بمدينة حلب؛ لإخراج مَن تبقَّى من عناصر «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مقاتلات تابعة للجيش الأميركي (رويترز) play-circle

الجيش الأميركي يشن ضربات واسعة ضد أهداف لـ«داعش» في سوريا

أكدت القيادة المركزية الأميركية، السبت، شن ضربات واسعة النطاق ضد أهداف لتنظيم «داعش» في سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عربات لقوات الأمن والجيش السوري في حلب (رويترز)

سوريا: انقطاع المياه عن مدينة حلب بعد إيقاف «قسد» ضخ مياه الفرات

قُطعت المياه عن مدينة حلب مساء (السبت) بعد إيقاف «قوات سوريا الديمقراطية» ضخ مياه نهر الفرات شرق حلب، مما يهدد ملايين الناس في مدينة حلب وريفها بالعطش.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
خاص مواطنون ينتظرون إجلاءهم من حي الشيخ مقصود في حلب (رويترز)

خاص ماذا بعد حلب؟ فرصة للدبلوماسية ومفاوضات «تحت الضغط»

تتجه الأنظار الآن إلى نوع العلاقة التي ستنشأ بين الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يهيمن عليها الأكراد في شمال شرقي البلاد.

سعاد جروس (دمشق)

ترمب يعيد نشر رسالة تلمح لتولي روبيو حكم كوبا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو خلال اجتماع مع مديري شركات النفط الأميركية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو خلال اجتماع مع مديري شركات النفط الأميركية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعيد نشر رسالة تلمح لتولي روبيو حكم كوبا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو خلال اجتماع مع مديري شركات النفط الأميركية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير خارجيته ماركو روبيو خلال اجتماع مع مديري شركات النفط الأميركية في الغرفة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

أعاد الرئيس دونالد ترمب نشر رسالة على وسائل التواصل الاجتماعي، الأحد، تلمح إلى أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، المولود لأبوين مهاجرين كوبيين، قد يصبح الرئيس المقبل لكوبا.

وأعاد ترمب نشر رسالة من منصة «تروث سوشال» للمستخدم كليف سميث، نُشرت في 8 يناير (كانون الثاني) جاء فيها أن «ماركو روبيو سيصبح رئيساً لكوبا»، مصحوبة برمز تعبيري (إيموجي) ضاحك. وعلّق ترامب على المنشور قائلاً: «يبدو هذا جيداً بالنسبة إليّ!».

والمستخدم غير معروف على نطاق واسع، ويقول في نبذته التعريفية إنه «محافظ من كاليفورنيا»، علماً بأن لديه أقل من 500 متابع، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتأتي إعادة نشر ترمب للتعليق بعد أسبوع من عملية للقوات الأميركية في كاراكاس ألقت خلالها القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ونقلته إلى الولايات المتحدة.

وكان الرئيس ​ترمب قد وجّه تحذيراً للقيادة في المكسيك وكوبا وكولومبيا، ولوّح بإمكانية أن تكون أي من الدول الثلاث هي التالية على قائمة الاستهداف في واشنطن.


ترمب يُصدر أمراً تنفيذياً لمعاقبة شركات السلاح «المتعثّرة»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض في مايو 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض في مايو 2025 (رويترز)
TT

ترمب يُصدر أمراً تنفيذياً لمعاقبة شركات السلاح «المتعثّرة»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض في مايو 2025 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث عن «القبة الذهبية» في البيت الأبيض في مايو 2025 (رويترز)

في خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية وعسكرية عميقة، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يمنح إدارته صلاحيات غير مسبوقة لمعاقبة شركات تصنيع الأسلحة التي تفشل في تسليم المعدات العسكرية بالسرعة المطلوبة.

يأتي القرار في سياق سعي ترمب لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة الأميركية والمجمع الصناعي العسكري، وفي ظلّ تصاعد التنافس العسكري العالمي، وما يمكن وصفه بسباق تسلح جديد مع قوى كبرى منافسة.

الأمر التنفيذي يستهدف ما وصفته الإدارة بـ«الشركات المتعثرة» في قطاع الدفاع، عبر حزمة إجراءات عقابية تشمل حظر عمليات إعادة شراء الأسهم، وتوزيع الأرباح على المساهمين، إذا لم تكن هذه الشركات قد استثمرت بما يكفي في توسيع طاقتها الإنتاجية أو تحديث منشآتها. كما يمنح القرار وزير الحرب بيت هيغسيث صلاحيات استثنائية لمراجعة حزم التعويضات الممنوحة لكبار التنفيذيين في شركات الدفاع، التي «تُفضّل مكافأة المساهمين على حساب الاستثمار والإنتاج».

ويُلزم الأمر التنفيذي وزير الحرب بإعداد قائمة خلال 30 يوماً بأسماء الشركات المخالفة، على أن تواجه هذه الشركات عواقب حقيقية، تشمل وضع سقوف لرواتب المديرين التنفيذيين، وحرمانها من دعم الإدارة الأميركية في صفقات بيع الأسلحة إلى الخارج. كما ينُصّ القرار على تضمين العقود العسكرية المستقبلية بنوداً تربط مكافآت المديرين التنفيذيين بحجم الإنتاج والالتزام بمواعيد التسليم.

الإحباط من التأخير والتكلفة

يعكس هذا التحرّك إحباطاً متراكماً في واشنطن من طريقة تصنيع وبيع الأسلحة؛ حيث تعاني برامج تسليح كبرى تأخيرات تمتد إلى سنوات وتجاوزات كبيرة في التكلفة.

وعبّر الرئيس ترمب صراحة عن هذا الاستياء خلال حديثه إلى مشرّعين جمهوريين الأسبوع الماضي، قائلاً: «لدينا أفضل الأسلحة في العالم، لكن الأمر يستغرق وقتاً طويلاً جداً للحصول عليها، بما في ذلك بالنسبة لحلفائنا». وأضاف في إشارة إلى صفقات مع دول صديقة: «عندما يريد الحلفاء شراء أسلحة، عليهم الانتظار 4 سنوات لطائرة، و5 سنوات لمروحية... لن نسمح باستمرار ذلك».

هذا الخطاب يعكس رؤية ترمب التي ترى أن بطء الإنتاج والتسليم لا يضُرّ فقط بالجيش الأميركي، بل يُقوّض أيضاً النفوذ الأميركي لدى الحلفاء الذين قد يتّجهون إلى مورّدين آخرين إذا طال الانتظار.

ويرغب ترمب في توسيع صلاحياته في هذا المجال لعدّة أسباب، أولاً، ينسجم القرار مع نهجه المعروف في استخدام السلطة التنفيذية لفرض تغييرات سريعة، حتى على حساب الأعراف التقليدية أو دور الكونغرس. ثانياً، يمنح هذا التوجه البيت الأبيض نفوذاً مباشراً على قرارات الشركات الكبرى التي تعتمد في جزء كبير من إيراداتها على العقود الحكومية.

كما أن القرار يعكس توجهاً اقتصادياً ينتقد ما تعدّه الإدارة إفراطاً في إعادة شراء الأسهم، ورفع أجور التنفيذيين على حساب الاستثمار طويل الأمد.

وكانت دراسة أوردتها صحيفة «نيويورك تايمز» لوزارة الدفاع عام 2023، قد أظهرت أن شركات الدفاع الأميركية الكبرى أنفقت بين عامي 2010 و2019 أموالاً أكبر على إعادة الأموال للمساهمين مقارنةً بعقود سابقة، في حين تراجع الإنفاق على البحث والتطوير وبناء المصانع.

السياسة الخارجية وسباق التسلّح

على صعيد السياسة الخارجية، يحمل القرار تداعيات واضحة، فربط دعم الإدارة الأميركية لصفقات السلاح الدولية بأداء الشركات قد يعجّل تسليم الأسلحة إلى حلفاء الولايات المتحدة، خصوصاً في مناطق تشهد توتراً متزايداً، مثل أوروبا الشرقية ومنطقة آسيا-المحيط الهادئ. هذا بدوره يُعزّز قدرة واشنطن على طمأنة حلفائها في مواجهة روسيا والصين، في ظلّ سباق تسلح متصاعد يتميز بالسرعة والتكنولوجيا المتقدمة. لكن الخطوة لا تخلو من أخطار.

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن خبراء تحذيرهم من أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في سلوك الشركات، بل في عدم استقرار الطلب الحكومي نفسه، الأمر الذي يُولّد مستويات عالية من عدم اليقين. ويقترحون أن يكون الحل في عقود مُتعدّدة السنوات، مثل الاتفاق الذي أبرمته شركة «لوكهيد مارتن» لزيادة إنتاج صواريخ «باتريوت»، وليس في «إدارة دقيقة لرواتب التنفيذيين».

وأثار الأمر التنفيذي أيضاً جدلاً قانونياً، إذ إن قرارات الرواتب وإعادة شراء الأسهم تقع تقليدياً ضمن صلاحيات مجالس إدارات الشركات.

السيناتورة الديمقراطية إليزابيث وارن انتقدت لجوء ترمب إلى التحرك الأحادي، داعية إلى تشريع واضح عبر الكونغرس، وقالت إن «الشعب الأميركي يستحق صناعة دفاع تضع الأمن القومي فوق أرباح (وول ستريت) ورواتب المديرين التنفيذيين»، حسب الصحيفة.

ويكشف قرار ترمب عن محاولة لإعادة ضبط ميزان القوة بين الدولة الأميركية وشركات السلاح، في لحظة دولية تتسم بتصاعد التوترات وسباق تسلح متجدد. وبينما قد يُحقق القرار تسريعاً في الإنتاج والتسليم، يبقى السؤال مفتوحاً حول تكلفته القانونية والسياسية، وتأثيره طويل الأمد على صناعة الدفاع الأميركية ودورها في النظام الدولي.


ترمب يدعو كوبا لـ«التوصل إلى اتفاق قبل فوات الأوان»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب يدعو كوبا لـ«التوصل إلى اتفاق قبل فوات الأوان»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

حثّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب كوبا، الأحد، على «التوصل إلى اتفاق»، أو مواجهة عواقب غير محددة، محذراً من أنّ تدفّق النفط الفنزويلي والمال إلى هافانا سيتوقف.

وقال ترمب في منشور على منصته «تروث سوشال»: «لن تتلقى كوبا مزيداً من النفط أو المال - لا شيء»، مضيفاً: «أقترح بشدّة التوصل إلى اتفاق قبل فوات الأوان».

وأكد الرئيس الأميركي أن فنزويلا «ليست بحاجة لحماية من كوبا؛ إذ تحظى بحماية أكبر قوة عسكرية في العالم».

وبعد أيام قليلة من العملية العسكرية الأميركية الخاطفة التي أدت إلى القبض على الرئيس الفنزويلي المحتجز في الولايات المتحدة نيكولاس مادورو في كاراكاس، وجلبه لمواجهة محاكمة في نيويورك، لمح ترمب إلى أن إدارته ستظل منخرطة مدة طويلة في فنزويلا، مصمماً مع بعض مساعديه الكبار ليس فقط على ضرورة تغيير الحكم في كوبا.

وكان الرئيس ​ترمب قد وجّه تحذيراً للقيادة في المكسيك وكوبا وكولومبيا، ولوح بإمكانية أن تكون أي من الدول الثلاث هي التالية على قائمة الاستهداف في واشنطن.

وتزايد القلق بعدما أعلن كل من ترمب وروبيو أن انهيار الحكومة الشيوعية في كوبا لم يكن مجرد نتيجة محتملة لعزل مادورو، بل كان هدفاً بحد ذاته. وقال ترمب: «لا أعتقد أننا بحاجة إلى اتخاذ أي إجراء»؛ لأن «كوبا تبدو كأنها على وشك السقوط».

وذهب روبيو إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة قد تكون مستعدة لدعم الموقف. وقال عبر شبكة «إن بي سي»: «لن أتحدث إليكم عن خطواتنا المستقبلية». لكنه أضاف: «لو كنت أعيش في هافانا وأعمل في الحكومة، لكنت قلقت». لكن في غياب التدخل الأميركي المباشر، يشكك الخبراء فيما يمكن أن يحصل في هذا البلد الجزيرة.