لماذا لم يتحقق توحيد المؤسسة العسكرية الليبية رغم الدعم الدولي؟

وسط تغوّل الميليشيات وشكاوى من «غياب التراتبية»

جانب من لقاء جمع بين عبد الرازق الناظوري الرئيس السابق لأركان «الجيش الوطني» ونظيره بغرب ليبيا محمد الحداد (مكتب رئاسة الأركان بغرب ليبيا)
جانب من لقاء جمع بين عبد الرازق الناظوري الرئيس السابق لأركان «الجيش الوطني» ونظيره بغرب ليبيا محمد الحداد (مكتب رئاسة الأركان بغرب ليبيا)
TT

لماذا لم يتحقق توحيد المؤسسة العسكرية الليبية رغم الدعم الدولي؟

جانب من لقاء جمع بين عبد الرازق الناظوري الرئيس السابق لأركان «الجيش الوطني» ونظيره بغرب ليبيا محمد الحداد (مكتب رئاسة الأركان بغرب ليبيا)
جانب من لقاء جمع بين عبد الرازق الناظوري الرئيس السابق لأركان «الجيش الوطني» ونظيره بغرب ليبيا محمد الحداد (مكتب رئاسة الأركان بغرب ليبيا)

رغم تكرار المواقف الأميركية والأوروبية المؤيدة لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية، فإن الواقع الميداني يعكس أوضاعاً مختلفة تقود إلى استمرار الانقسام بين غرب البلاد وشرقها.

وفي ظل امتناع عسكريين - ينتمون إلى المؤسسة - عن الخوض في أسباب ذلك، يرى خبراء ومحللون أن «الانقسامات المتجذرة في التركيبة العسكرية تتعمق وسط فوضى السلاح وتباين رؤى الأطراف الدولية».

صدام وخالد حفتر خلال لقاء مع عدد من القادة العسكريين في شرق ليبيا سبتمبر الماضي (إعلام القيادة العامة)

ويقول الباحث الليبي المتخصص في الدراسات الأمنية والعسكرية محمد السنوسي، إن حديث بعض الأطراف الدولية والغربية عن توحيد المؤسسة العسكرية «غير واقعي»، وهو ما عزاه في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى «تباين الرؤى بشأن توحيد الجيش الليبي».

ويضيف السنوسي أن بعض الأطراف الدولية «لا تدرك بدقة طبيعة التعقيدات الأمنية والعسكرية في البلاد، فيما يستفيد آخرون من حالة السيولة الأمنية والاقتصادية إلى حين ضمان مصالحهم مع السلطة القادمة المنتخبة».

وبدا الدعم الأميركي المعلن لتوحيد الجيش الليبي، واضحاً مؤخراً في تصريح القائم بالأعمال الأميركي لدى ليبيا جيريمي برنت، خلال لقائه وكيل وزارة الدفاع في حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد السلام زوبي، إذ أكد دعم واشنطن لتوحيد المؤسسة المنقسم بين غرب ليبيا وشرقها.

وقد عبَّر عن الموقف ذاته خلال اجتماعه مع رئيس أركان «الجيش الوطني» خالد حفتر في أغسطس (آب) الماضي. غير أن هذه المواقف، بحسب مراقبين، لم تُترجم إلى خطوات ملموسة على الأرض.

رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي في لقاء سابق مع قيادات عسكرية بغرب ليبيا (المجلس الرئاسي)

أما المبادرات الأوروبية، فبدت هي الأخرى «رمزية»، إذ اقتصر الدعم على مجالات محدودة مثل تدريب 30 مسؤولاً بحرياً من طرابلس وبنغازي ضمن عملية «إيريني» لمكافحة تهريب السلاح، من دون أن تشمل أي برنامج جاد لتوحيد المؤسسة العسكرية.

أبرز العوائق

يرى الباحث الليبي معمر الكشر أن «التدخلات الأجنبية» تمثل «العقبة الكبرى» أمام أي مسار لإعادة هيكلة الجيش الليبي، وعدَّ في دراسة نشرتها الأكاديمية الليبية بمصراتة، أن تلك التدخلات «أسهمت منذ عام 2011 في انتشار الميليشيات والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر، ما يجعل بناء جيش وطني رهيناً بتقليص النفوذ الأجنبي أولاً».

وخلال اجتماعات الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، الشهر الماضي، أكدت واشنطن وشركاؤها الأوروبيون أهمية «التكامل الأمني» بين شرق ليبيا وغربها؛ لكن الباحث في الأمن القومي فيصل أبو الرايقة قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «مجرد الحديث عن التكامل الأمني يبقى في نطاق الأمنيات ما دامت لا توجد حكومة موحدة أو رئيس منتخب».

ورغم أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا طرحت هذا الصيف «خريطة طريق» سياسية تقود إلى الانتخابات، فإنها، وفق محللين، أرجأت الملف العسكري المعقد. فقد ركزت لقاءات المبعوثة الأممية هانا تيتيه مع المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، واجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، على الترتيبات السياسية دون التركيز على توحيد الجيش.

داخلياً، تواجه المؤسسة العسكرية الليبية «إشكاليات بنيوية موروثة منذ عهد الرئيس الراحل معمر القذافي»، كما يقول المحلل العسكري محمد السنوسي، وهو ما يصفه بأنه «نتيجة لاعتماد نظامه على استراتيجية تخالف المسارات الاحترافية للجيوش؛ من خلال اللجنة العامة المؤقتة للدفاع التي كانت تتماهى مع النظام الجماهيري».

وبعد انهيار نظام القذافي، ووفق رؤية السنوسي، «لم تتبلور رؤية وطنية أو عقيدة عسكرية موحدة أو نوع تسليح محدد حتى الآن»، مشيراً إلى أن «الانقسام السياسي ألقى بظلاله على المؤسسة العسكرية التي تواجه إشكالية التباين في تسلسل القيادة بين شرق وغرب البلاد».

وأوضح قائلاً: «في شرق البلاد توجد قيادة عامة للجيش تخضع لسلطة القائد الأعلى، في حين تغيب هذه القيادة في غرب البلاد، حيث يُعتمد على نظام رئاسة الأركان العامة، في ظل غياب إرادة سياسية لحسم هذا الملف».

«العدالة المهنية»

ويشكو عسكريون قدامى من فقدان ما يسمونه «العدالة المهنية» داخل المؤسسة العسكرية، ما يُضعف فرص إعادة بنائها.

ويقول العقيد المتقاعد مختار شهوب، الرئيس السابق لـ«المجلس العسكري» في الزنتان، إن «الجيش فقد جزءاً من هيبته منذ عام 2011، حيث تُمنح الرتب بلا معايير واضحة وتُهمل حقوق الضباط القدامى، مما يحوّل المؤسسة إلى ساحة نفوذ وولاءات».

أما فريق آخر من المراقبين فيرى أن تشظي الفصائل المسلحة في غرب البلاد، يمثل «صخرة عنيدة» أمام جهود التوحيد؛ إذ يوضح المحلل العسكري محمد الترهوني أن «هذا التشظي يفرغ أي مشروع لتوحيد الجيش من جدواه، ويعيد الملف إلى دائرة التدخلات الخارجية».

ومنذ سقوط نظام القذافي وحتى اليوم، تقف ليبيا عند محطة انقسام مؤسساتي بين «الجيش الوطني» الذي يسيطر على شرق البلاد وأجزاء واسعة من الجنوب، وميليشيات في الغرب تتبع حكومة «الوحدة».

ومن منظور استخباراتي، يرى اللواء محمد رشاد، وكيل جهاز الاستخبارات المصري الأسبق، أن «التناقض بين المواقف الغربية والواقع الميداني، يشكل أحد أبرز معوقات توحيد المؤسسة العسكرية»، موضحاً أن «المواقف الأميركية والأوروبية تركز على الشعارات، بينما تحكمها في الواقع اعتبارات اقتصادية وأمنية».

ولفت إلى توقيع واشنطن مؤخراً اتفاقات نفطية مع طرابلس «دون أي ضغط حقيقي باتجاه إعادة بناء المؤسسة العسكرية».

ولا تزال جهود تبذلها واشنطن بشأن «تشكيل قوة مشتركة» لتأمين الجنوب الليبي، قيد المشاورات بين القيادات العسكرية في شرق ليبيا وغربها.


مقالات ذات صلة

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

شمال افريقيا المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

نقلت القيادة العامة أن المشير خليفة حفتر أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية للأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا منفذ «التوم» على الحدود بين ليبيا والنيجر (إعلام القيادة العامة)

«شرق ليبيا» ترفض «تحريض» الغرياني على قتال «الجيش الوطني»

رفضت "اللجنة العليا للإفتاء"، التابعة للحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب، دعوات تحريضية دعا فيها الغرياني إلى "مداهمة" مواقع تابعة لـ"الجيش الوطني".

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا دورية أمنية تابعة لـ«الجيش الوطني» على الحدود الجنوبية الليبية الشهر الماضي (رئاسة الأركان البرية التابعة لـ«الجيش الوطني»)

«الجيش الوطني الليبي»: «جهات معادية» وراء هجوم على ثلاثة مواقع حدودية

أعلن «الجيش الوطني» الليبي أن ما سمّاه بـ«الاعتداء الغادر» على «منفذ التوم»، السبت، أسفر عن استشهاد 3 من منتسبيه، إضافة إلى وقوع عدد منهم في الأسر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر يتوسط عناصر «اللواء 106- القوات الخاصة» 29 يناير (القيادة العامة)

ليبيا: سباق البحث عن «دعم عسكري» يطغى على «مسارات التسوية»

تعمل الولايات المتحدة ودول إقليمية عدة على مساعدة طرفَي النزاع في ليبيا على توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة، لكن دون إحداث تغيير بالمشهد المحتقن.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا آليات «الجيش الوطني» (شعبة الإعلام الحربي)

تحرّك عسكري لافت لقوات «الجيش الوطني» فى الجنوب الليبي

قالت شعبة الإعلام الحربي التابعة للجيش الليبي إن صدام حفتر أصدر تعليمات بخروج وحدات اللواء الخامس مشاة من الكفرة «لتنفيذ المهام الموكلة إليها».

خالد محمود (القاهرة)

مصر: السيسي يُجري مشاورات مع رئيس الوزراء لإجراء تعديل حكومي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء مصطفي مدبولي في لقاء سابق (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء مصطفي مدبولي في لقاء سابق (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
TT

مصر: السيسي يُجري مشاورات مع رئيس الوزراء لإجراء تعديل حكومي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء مصطفي مدبولي في لقاء سابق (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء مصطفي مدبولي في لقاء سابق (أرشيفية - الرئاسة المصرية)

أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مشاورات، اليوم (الثلاثاء)، مع رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي لإجراء تعديل حكومي جديد.

وصرح المُتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، عبر حسابه الرسمي علي موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، بأن الرئيس المصري تشاور مع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء لإجراء تعديل على تشكيل الحكومة الحالية.

وذكر السفير محمد الشناوي، المُتحدث الرسمي، أن الرئيس أكد ضرورة أن تعمل الحكومة، بتشكيلها الجديد، على تحقيق عددٍ من الأهداف المحددة في المحاور الخاصة بالأمن القومي والسياسة الخارجية، والتنمية الاقتصادية، وكذلك الإنتاج والطاقة والأمن الغذائي و المجتمع وبناء الإنسان، وذلك بالإضافة إلى تكليفات جديدة تتسق مع الغاية من إجراء التعديل الوزاري.


وزير الخارجية المصري: حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة فقط

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 18 سبتمبر 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 18 سبتمبر 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

وزير الخارجية المصري: حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة فقط

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 18 سبتمبر 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القاهرة - 18 سبتمبر 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اليوم (الثلاثاء)، إن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة فقط، مشدداً على أن القاهرة ترفض بشكل كامل أي نفاذ عسكري لأي دولة غير مشاطئة.

وفي الوقت الذي تطمح فيه إثيوبيا للحصول على منفذ على البحر الأحمر، تصاعدت حدة التوترات بين إريتريا وإثيوبيا، حيث طالبت أديس أبابا جارتها «بسحب قواتها من أراضيها».

ووجهت إثيوبيا اتهامات لإريتريا بدعم جماعات مسلحة داخل الأراضي الإثيوبية، لكن إريتريا رفضت هذه الاتهامات ووصفتها بأنها «كاذبة ومفبركة».

وفي الملف السوداني، شدد وزير الخارجية المصري في مؤتمر صحافي مع نظيره السنغالي، على رفض بلاده الكامل للمساواة بين مؤسسات الدولة السودانية «وأي ميليشيا».

وكان عبد العاطي أكد في لقاء مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، في وقت سابق هذا الشهر، رفض القاهرة أي محاولات تستهدف تقسيم السودان أو المساس بسيادته واستقراره.


السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.