«الدعم السريع» تشن أوسع هجوم على الأُبيّض في غرب السودان

قائدها اتهم عناصر في الجيش بتصفية نائب مدير الشرطة

متداولة على وسائط التواصل الاجتماعي لجانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» في مدينة الأُبيّض بإقليم كردفان
متداولة على وسائط التواصل الاجتماعي لجانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» في مدينة الأُبيّض بإقليم كردفان
TT

«الدعم السريع» تشن أوسع هجوم على الأُبيّض في غرب السودان

متداولة على وسائط التواصل الاجتماعي لجانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» في مدينة الأُبيّض بإقليم كردفان
متداولة على وسائط التواصل الاجتماعي لجانب من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» في مدينة الأُبيّض بإقليم كردفان

أدانت الحكومة السودانية، يوم الأحد، ما وصفته بـ«التصعيد الخطير»، من قبل «قوات الدعم السريع» التي شنت «هجوماً عدائياً بطائرات مسيَّرة مفخخة» استهدف مدينة الأُبيّض، أكبر مدن إقليم كردفان الاستراتيجي.

وشنّت «قوات الدعم السريع»، مساء السبت، غارات بطائرات مسيَّرة استهدفت مواقع عسكرية وبنى تحتية في الأُبيّض، بينما تتواصل المعارك بوتيرة أعنف بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في مناطق متفرقة من الإقليم.

وقال سكان في مدينة الأُبيّض إن المضادات الأرضية للجيش اعترضت سرباً من الطائرات المسيَّرة الانتحارية التي هاجمت المدينة، حيث يوجد مقر قيادة عمليات الجيش المتقدمة في الإقليم.

وأظهرت مقاطع فيديو نشرها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، لحظات الهجمات بالمسيَّرات على ارتفاع منخفض، ومحاولات الدفاعات الأرضية التابعة للجيش، اعتراضها.

وروَّعت أصوات الانفجارات القوية وأصوات المضادات الأرضية، المواطنين في المدينة، وشُوهد اندلاع حرائق، وتصاعد الدخان الكثيف من مسافات بعيدة في عدد من المواقع كانت قد طالتها ضربات المسيَّرات.

وبحسب السكان، فإن «قوات الدعم السريع» شنت خلال الليل أوسع هجوم على منشآت في مدينة الأُبيّض بعشرات المسيَّرات، وهو الأول من نوعه الذي تتعرض له المدينة منذ انتقال الحرب بين الطرفين إلى إقليم كردفان، قبل أشهر.

وأفادت مصادر عسكرية بأن الدفاعات الأرضية اعترضت أكثر من 10 مسيَّرات انتحارية استهدفت مواقع مختلفة في المدينة، ونجحت في إسقاطها.

وقال الجيش إن «قوات الدعم السريع» استهدفت عدداً من المنشآت المدنية في الأُبيّض بمسيرات انتحارية؛ ما أدى إلى حدوث أضرار في المستشفى «التعليمي» ومستشفى «الضمان»، وعدد من الأحياء السكنية وبعض مرافق الخدمات، لكن لا توجد خسائر في الأرواح. وأضاف الجيش في بيان، صدر الأحد، على صفحته في منصة «فيسبوك»، أن ما جرى من استهداف للمنشآت المدنية يؤكد التمادي في «تحدي القانون الدولي الإنساني، وإلحاق الأذى بالمواطنين الأبرياء».

بدوره، قال مجلس وزراء السودان، في بيان: «إن القصف العدواني طال المطار ومنشآت صحية، وبعض المرافق الخدمية، بالإضافة إلى استهداف الأحياء السكنية المأهولة بالسكان». وأضاف أن «هذا العمل يعكس حالة الإفلاس الأخلاقي والعسكري التي تعاني منها الميليشيا (قوات الدعم السريع)، ومحاولة بائسة للتغطية على هزائمها المتلاحقة في الميدان، ويكشف عن إصرارها المستمر على تعريض حياة المدنيين للخطر، وتخريب البنية التحتية والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها المواطنون». وأكدت الحكومة السودانية أنها ماضية في أداء واجبها الوطني لحماية المدنيين، والتصدي للعدوان، والعمل على استعادة الأمن والاستقرار، وترسيخ دولة القانون.

محتجّون من قبيلة «الهوسا» في مدينة الأُبَيض حاضرة إقليم كردفان أمس (أ.ف.ب)

وبالتزامن مع الهجوم على الأُبيّض، استهدفت طائرات مسيَّرة أخرى أطلقتها «قوات الدعم السريع»، مواقع في مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض، جنوب البلاد. وسُمع دوي انفجارات قوية في الساعات الأولى من صباح الأحد، حيث استهدفت المسيَّرات مواقع بالقرب من مقر «الفرقة 18» التابعة للجيش في المدينة، وفق ما ذكر شهود،

وفي وقت سابق، أعلن تحالف «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، مسؤوليته عن ضربات جوية على العاصمة الخرطوم ومدن أخرى.

ومن جانبه، جدد رئيس المجلس الرئاسي للحكومة الموازية، قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، اتهاماته للجيش والتنظيم الإسلاموي في السودان وأتباع النظام السابق، بإشعال الحرب التي دمرت البلاد، زاعماً أن الجيش قتل مسؤولاً كبيراً في الشرطة. وكشف حميدتي في كلمة مصورة بثها، مساء السبت، عن أسرار مخفية سبقت الساعات الأولى من الحرب، وادعى أن عناصر في الجيش هي التي قامت بتصفية، نائب مدير الشرطة الفريق نصر الدين عبد الرحيم، في الأيام الأولى للحرب، بسبب اعتراضاته القوية على إشعال الحرب، نافياً في الوقت نفسه ما راج من أنباء حينها عن وفاته بنوبة قلبية.


مقالات ذات صلة

15 قتيلاً بانهيار منجم ذهب في السودان

شمال افريقيا عمال ذهب يخرجون من منجم محلي بمحلية العبيدية بولاية نهر النيل بالسودان (رويترز)

15 قتيلاً بانهيار منجم ذهب في السودان

أدى انهيار جزئي لمنجم ذهب في السودان سبق إغلاقه إلى مقتل 15 ممن كانوا يعملون فيه، وفق ما أفادت شركة عامة الاثنين.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا جانب من إحدى جلسات «مجلس حقوق الإنسان» في جنيف (أرشيفية - الأمم المتحدة)

قلق أممي إزاء الوضع الخطير في مدينة الأُبَيِّض السودانية

أدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بشدة، تصاعد العنف الذي ترتكبه «قوات الدعم السريع» والقوات المتحالفة معها بمدينة الأُبَيِّض؛ كبرى مدن إقليم كردفان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا امرأة وطفل سودانيان نازحان يسيران في مخيم العفاض الذي أُنشئ حديثاً بالضبعة - الولاية الشمالية 13 نوفمبر 2025 (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجمات «الدعم السريع» في غرب السودان تدمّر قرى وتهجّر الآلاف

أدّت سلسلة هجمات شنّتها «قوات الدعم السريع» السودانية قرب الحدود الغربية مع تشاد إلى تدمير عدد من القرى وتهجير آلاف الأشخاص، حسب ما أفاد ناجيان والأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا نساء وأطفال في طوابير لتلقي مساعدات غذائية مجانية تُوزع بمخيم المحيرة للنازحين قرب مدينة الأُبيَّض في منطقة جنوب كردفان (أ.ف.ب) p-circle

«حقوق الإنسان» الأممي يأمر بـ«تحقيق عاجل» بشأن أحداث الأُبيّض السودانية

أمر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بإجراء «تحقيق عاجل» في الانتهاكات والتجاوزات في مدينة الأُبيِّض السودانية.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد «كتيبة البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين رئيس أركان الجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)

اتهام «كتيبة البراء بن مالك» السودانية بتجنيد الأطفال قسراً

سقط 3 مدنيين إثر قصف من «قوات الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية» على الأحياء الشمالية والشرقية لمدينة الدلنج جنوب إقليم كردفان، مستخدمة المدفعية الثقيلة...

أحمد يونس (كمبالا)

رسائل حسام حسن المستمرة لدعم فلسطين... تثير الغضب في إسرائيل

مدرب منتخب مصر خلال مؤتمر صحافي قبل مبارة الأرجنتين (رويترز)
مدرب منتخب مصر خلال مؤتمر صحافي قبل مبارة الأرجنتين (رويترز)
TT

رسائل حسام حسن المستمرة لدعم فلسطين... تثير الغضب في إسرائيل

مدرب منتخب مصر خلال مؤتمر صحافي قبل مبارة الأرجنتين (رويترز)
مدرب منتخب مصر خلال مؤتمر صحافي قبل مبارة الأرجنتين (رويترز)

رسالة جديدة من مدرب المنتخب المصري، حسام حسن، أثارت ضجة واسعة من التفاعل عبر منصات التواصل الاجتماعي، عقب دعم جديد لـ«غزة» بعد أيام من إهدائه الشعب الفلسطيني صعود الفراعنة لدور الـ16 في كأس العالم، ورفع علم بلادهم، ما أغضب تل أبيب.

تلك الرسالة الجديدة، التي لاقت انتقادات بإسرائيل، وتنقسم إزاءها تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» بين من يرى أهمية الفصل بين السياسة والرياضة مع التأكيد على أن هذا الموقف لا يعني إخفاء جرائم إسرائيل بحق غزة، مقابل رأي يذهب لصعوبة إتمام ذلك الفصل في الملاعب مع تأكيده أن تلك المواقف تغضب إسرائيل وتسعد الشعوب المضطهدة وفي مقدمتهم أهل غزة.

وقال حسام حسن في مؤتمر صحافي في وقت متأخر، مساء الاثنين، بالولايات المتحدة عشية مباراته مع الأرجنتين: «إذا وُجد إنسان في هذا العالم لا يشعر بمعاناة الشعب الفلسطيني، فهو فقد جانباً أساسياً من إنسانيته، مهما كانت جنسيته أو دينه أو انتماؤه؛ سواء كان عربياً أو أوروبياً أو أميركياً أو من أي مكان في العالم».

حسام حسن يرفع العلم الفلسطيني بعد فوز مصر على أستراليا والتأهل للدور الـ16 في كأس العالم لكرة القدم (رويترز)

وأضاف: «نحن جميعاً نتعاطف عندما يتعرض حيوان للأذى، فتتحرك المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان وحقوق الحيوان، ويستنكر العالم بأسره ذلك. فكيف يكون الحال عندما يُقتل البشر يومياً بالآلاف؟».

وتابع: «نحن نعيش في بيوت آمنة، نستظل بالمكيفات في الحر، ونلجأ إلى الدفء في الشتاء، ونجد الطعام والشراب متى شئنا. أما هناك، فهناك أطفال وعائلات يعيشون في الخيام، تحت حرارة الصيف، وفي برد الشتاء، بلا مأوى يحميهم، وأطفال لا يجدون ما يأكلونه، وأسر تواجه المرض والجوع والخوف كل يوم».

داعياً كل من «يملك قراراً أو نفوذاً أن يتخيل نفسه أو أبناءه ليوم واحد فقط في الظروف التي يعيشها أهل غزة وفلسطين؛ وهم جالسون في العراء تحت الشمس الحارقة أو المطر والبرد، بلا مأوى ولا أمن».

وشدد حسام حسن على أن «ما يحدث وصمة عار على ضمير العالم بأسره،» داعياً العالم لدعم فلسطين بالقول: «أرجوكم، اجعلوا رسالتكم أن يعيش الشعب الفلسطيني».

واتهمت صحيفة «يديعوت أحرونوت» حسام حسن بأنه استغل المنصة الإعلامية العالمية لتجديد موقفه الداعم للفلسطينيين، وأشارت «تايمز أوف إسرائيل» إلى تمسكه بموقفه مجدداً، بينما أشارت «إسرائيل هايوم» إلى غضب إسرائيلي من استمرار المدرب المصري في تعاطفه مع فلسطين.

في المقابل، لاقت تلك الكلمات، إشادة عربية واسعة بمنصات التواصل الاجتماعي، حيث قال الفلسطيني محمود العمودي عبر صفحته بـ«فيسبوك»: «للمرة المليون شكراً كابتن حسام حسن أنت فعلاً إنسان، أنت عربي أنت مسلم أنت أخ لنا».

بينما علق مراسل إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي، جاكي هوغي، على المؤتمر، مشيراً إلى أن هذه التصريحات تأتي كامتداد طبيعي لسلوك حسام حسن ومواقفه السابقة، برفع العلم الفلسطيني عقب مباراة أستراليا في الدور السابق.

وكان حسام حسن أهدى التأهل التاريخي للفراعنة إلى دور الـ16 من كأس العالم 2026، عقب الفوز على أستراليا، إلى الشعب الفلسطيني، معرباً عن تضامنه معه، فيما راجت صور له وهو يلوح بالعلم الفلسطيني على أرضية الملعب. وردت حسابات إسرائيلية بالهجوم على حسام حسن، والدعوة لتشجيع منتخب الأرجنتين.

حسام حسن دعا العالم إلى دعم فلسطين (رويترز)

ورغم الاحتفاء بتلك التصريحات، فإن الأستاذ في علم الاجتماع السياسي، الدكتور سعيد صادق، يرى أن لكل مقام مقالاً ولكل أمر برتوكولاً معيناً، موضحاً أن المدرب المصري ذهب لكأس العالم للعب باسم مصر وإذا فاز يرفع العلم المصري، كما يقول البرتوكول، وإذا فعل شيء آخر يعمل مؤتمراً منفصلاً لإعلان مواقفه الشخصية، وسيكون معه حق في ذلك.

وتساءل صادق: «هناك من سيسأل لماذا لم يرفع العلم اللبناني أو السوداني أو غيرهما فهم أيضاً يعانون؟» مشدداً على أن رفع العلم الفلسطيني وإهداء الفوز مواقف شعبوية، تثير ضجة وتدعم (التريند) ليس أكثر، ومن ثم استكمل حديثه عن غزة بعدما لاقاه من تفاعل واسع.

وأكد صادق أن موقفه المتحفظ على هذه المواقف التي أبداها حسام حسن «لا يعني الاتفاق مع إسرائيل في مواقفها ضد الشعب الفلسطيني، وأن إسرائيل مدانة فيما ارتكبته ضد غزة،» رافضاً إقحام السياسة في الكرة كما فعل سابقاً اللاعب المصري محمد أبو تريكة.

وفي المقابل، أشار المحلل في الشأن الإسرائيلي، نزار نزال، إلى أنه «لا يمكن فصل السياسة عن أي مجال آخر، خاصة أن الرياضة أصبحت منصة تروج سردية ورواية»، موضحاً أن إسرائيل تحاول كتم الأصوات في أي فعالية، وأي فصل يصب في صالحها، وسيكون من الصعب منع ذلك في الملاعب عملياً مهما كانت الأصوات تنادي بذلك.

وأكد أن إسرائيل ستبقى منتقدة لكل سردية تكشف جرائمها في غزة سواء قالها حسام حسن أو غيره، بينما مدرب مصر لديه ملايين المتابعين وستجد رسائله انتشاراً ضخماً كما رأينا بمنصات التواصل.

ولفت نزال إلى أن انتقاد إسرائيل لن يتطور أكثر من المنابر الإعلامية في مواجهة حسام حسن، ولن نرى وزيراً ينتقده كما فعل وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس في مايو (أيار) الماضي، عندما هاجم نجم برشلونة لامين لامال بعد رفعه علم فلسطين، متهماً إياه بالتحريض وتعزيز الكراهية.


«أصوات الموتى» تُشعل الطعون في «تشريعيات» الجزائر

فرز الأصوات في أحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)
فرز الأصوات في أحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)
TT

«أصوات الموتى» تُشعل الطعون في «تشريعيات» الجزائر

فرز الأصوات في أحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)
فرز الأصوات في أحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)

بدأت الطعون في نتائج الانتخابات التشريعية بالجزائر تتقاطر، اليوم (الثلاثاء)، على المحكمة الدستورية، عقب 24 ساعة من إعلان «سلطة الانتخابات» النتائج المؤقتة، حيث أكد حزب «حركة البناء الوطني» تقديمه طعناً رسمياً يتعلق بـ«تسجيل أصوات نُسبت إلى أشخاص متوفين» في إحدى ولايات شرق البلاد، في احتجاج يضع نزاهة العملية الانتخابية في مكاتب التصويت في الولاية المعنية على المحك.

رئيس «حركة البناء الوطني» مفجِّر قضية تصويت الموتى في الانتخابات (إعلام حزبي)

انتقد رئيس «حركة البناء» عبد القادر بن قرينة، الاثنين، علناً انتظام عمليات التصويت في عدة دوائر انتخابية، مشيراً إلى وجود تجاوزات وصفها بـ«الاختلالات الكبرى». وجاءت تصريحات بن قرينة تزامناً مع مؤتمر صحافي عقده رئيس «سلطة الانتخابات» بالنيابة، كريم خلفان، أعلن فيه نتائج الاقتراع الذي جرى يوم 2 يوليو (تموز) الجاري، في انتظار فصل «المحكمة الدستورية» في الطعون التي ستتسلمها، واحتمال أن يطرأ تغيير على النتائج.

مطالب بالتحقيق في «خروقات»

تركزت التحفظات التي أبداها زعيم الحزب المحافظ بشكل أساسي على ولاية بريكة (400 كلم شرق العاصمة)؛ فحسب تصريحات بن قرينة، تم رصد خروقات إدارية خطيرة في عدة مكاتب تصويت في بلدية «عازيل عبد القادر»، التي تتبع للولاية. وتمثلت الطعون المقدَّمة في تسجيل أصوات نُسبت إلى أشخاص متوفين، حسبه، مما دفعه إلى المطالبة رسمياً بفتح تحقيق من طرف النيابة المحلية.

تصويت رئيس البلاد في الانتخابات (رئاسة الجمهورية)

وأكد بن قرينة أن الحزب يعتزم الطعن في نتائج 10 ولايات كاملة، مفصلاً في خروقات ولاية بريكة التي شملت 3 مراكز تصويت؛ (يضم كل مركز عدة مكاتب تصويت)، سُجّل في أحدها تصويت 13 متوفًّى، و9 متوفين في مركز ثانٍ، و3 في مركز ثالث.

وأضاف بن قرينة أن الوضع في العاصمة الجزائر «كان أسوأ بكثير». مبرزاً أنه في المجمل تم استغلال ما بين 2100 و2200 صوت لمتوفين في هذه الانتخابات، الأمر الذي حرم حزبه -وفق قوله- من مقعد نيابي.

وبناءً على ذلك، تطالب «حركة البناء» بتدخل الهيئات التنظيمية، لا سيما «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، من أجل التحقق من مطابقة قوائم التوقيعات وضمان شفافية النتائج.

رئيسة المحكمة الدستورية مع رئيس سلطة الانتخابات بالنيابة (المحكمة الدستورية)

وحسب مراقبين لمجريات الانتخابات، ليست هذه التنديدات سوى «القمة المغمورة من جبل الجليد»؛ واستغربوا استمرار تصدر أحزاب مرفوضة شعبياً، مثل «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، نتائج الاقتراعات.

وحتى الساعة، لم تُصدر الهيئات الرسمية المكلفة بمتابعة الانتخابات أي خلاصات نهائية بشأن الكلام الخطير، الذي صدر عن بن قرينة الذي ينتمي حزبه إلى «الأغلبية الرئاسية».

وسجلت الاستحقاقات نسبة مقاطعة مرتفعة؛ حيث بلغت نسبة المشاركة 21.24 في المائة داخل البلاد (20.79 في المائة في النتائج أولية)، و10.75 في المائة بالنسبة للجالية في الخارج. ومن بين 24.7 مليون مسجل، توجه 5.16 مليون ناخب إلى صناديق الاقتراع، مع تسجيل رقم لافت للأوراق الملغاة، تجاوز 920 ألف صوت (910.230 في الداخل و12.630 في الخارج)، ليصل إجمالي الأصوات المعبَّر عنها إلى 4.23 مليون صوت.

استمرار «الولاء الرئاسي»

توزعت مقاعد «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى)، البالغ عددها 407 مقاعد (395 للمحافظات و12 للجالية)، بين 22 حزباً سياسياً وقوائم المستقلين. ولم تشهد الخريطة البرلمانية تغييراً جذرياً في توازناتها العامة مقارنةً بالعهدة السابقة؛ حيث تشكلت أغلبية واضحة من الأحزاب الداعمة لسياسات الرئيس عبد المجيد تبون، مما يعني أن رئيس الدولة سيعيِّن «وزيراً أول» وليس «رئيساً للحكومة»، وفقاً لأحكام دستور 2020.

أمين حزب «جبهة التحرير الوطني» صاحب الريادة في البرلمان (إعلام حزبي)

وبناءً على النتائج، حافظت «جبهة التحرير الوطني» على الصدارة بـ90 مقعداً رغم تراجعها، بينما قفز «التجمع الديمقراطي» إلى المركز الثاني بـ73 مقعداً، وتقدمت «جبهة المستقبل» إلى 59 مقعداً.

في المقابل، كانت «حركة مجتمع السلم» أكبر الخاسرين بتراجعها إلى المركز الرابع (43 مقعداً)، فيما استقرت «حركة البناء» عند 38 مقعداً، بينما هوت قوائم المستقلين إلى 30 مقعداً، وحصد «صوت الشعب» 17 مقعداً.

وفي مؤخرة الترتيب، فشل حزب «جبهة القوى الاشتراكية» في تشكيل كتلة نيابية بعد اكتفائه بـ12 مقعداً، (القانون يشترط 15 مقعداً، وتوزعت باقي المقاعد بنسب ضئيلة بين «الحرية والعدالة» و«الفجر الجديد»، 6 مقاعد، و«الكرامة»، 5 مقاعد، و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» و«العدالة والتنمية»، و3 مقاعد لكل من «جيل جديد»، و«أمل الجزائر» و«حزب العمال»).

وفي وقت يحتفل فيه المترشحون الفائزون بالنتائج المؤقتة للانتخابات، يستعد الذين لم يحالفهم الحظ لإيداع طعونهم لدى «المحكمة الدستورية» في غضون 48 ساعة من الإعلان الرسمي عن النتائج، بناءً على المادة 209 من قانون الانتخابات، لتفصل فيها المحكمة، وتعلن النتائج النهائية في أجل أقصاه 10 أيام.

رئيس «حركة مجتمع السلم» (إعلام حزبي)

وحسب خبراء في القانون، تتوقف سلامة الطعون على شروط شكلية؛ مثل صفة الطاعن، والالتزام بمهلة الـ48 ساعة، وتعيين محامٍ معتمَد لدى «مجلس الدولة» (أعلى هيئة في القضاء الإداري)، وإرفاق الأدلة، مؤكدين أن الادعاءات العامة دون وثائق تؤدي مباشرةً إلى رفض الطعن شكلاً دون خوض في مضمونه.

أما في مرحلة المضمون، فتعيّن المحكمة مقرراً لدراسة الملف، ومطابقة الطعون مع محاضر الفرز ومحاضر اللجان البلدية والولائية. ويكون للمحكمة الحق الكامل في طلب إعادة احتساب أوراق التصويت، والاطلاع على محاضر المراقبين؛ وفي حال ثبوت أي خروقات أو تناقض في الأصوات أثّر في النتيجة، تتولى المحكمة تصحيحها، وإعادة ضبط النتائج نهائياً وفقاً للقانون.


«من بين أنقاض الحرب»... السودان يخوض معركة استعادة ذاكرته التاريخية

جانب من الآثار في مخزن متحف السودان القومي (الشرق الأوسط)
جانب من الآثار في مخزن متحف السودان القومي (الشرق الأوسط)
TT

«من بين أنقاض الحرب»... السودان يخوض معركة استعادة ذاكرته التاريخية

جانب من الآثار في مخزن متحف السودان القومي (الشرق الأوسط)
جانب من الآثار في مخزن متحف السودان القومي (الشرق الأوسط)

لم يقتصر الخراب الذي خلفته الحرب في السودان على تدمير المدن والأحياء السكنية والبنية التحتية للدولة، بل امتد إلى أحد أكثر رموز البلاد تعبيراً عن تاريخها وهويتها وهو «متحف السودان القومي».

ومنذ عقود، يحتضن «متحف السودان» آثاراً عالية القيمة تعود إلى حضارة «كوش» والحضارة النوبية، ثم الحضارتين المسيحية والإسلامية، لكنه وجد نفسه وحيداً في ساحة الحرب، فتحوّل من شاهد على آلاف السنين، إلى واحد من أبرز ضحايا الصراع.

ولطالما كانت قاعات «متحف السودان القومي» مكاناً لعرض قطع أثرية نادرة تشهد على تعاقب الحضارات في البلاد، لكن الحرب، التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023، حوّلته إلى مبانٍ متداعية، وقاعات مدمَّرة، وفُقدت آلاف القطع الأثرية، ما يجعل ملف «حماية التراث الثقافي» وإعادته أولوية قصوى.

جانب من الآثار في مخزن متحف السودان القومي (الشرق الأوسط)

ومع دخول الحرب عامها الرابع، بدأت أولى خطوات إنقاذ هذا الإرث بمبادرة من «الهيئة العامة للآثار والمتاحف»، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» والوكالة الإيطالية للتعاون والتنمية، بإطلاق مشروع إعادة تأهيل المتحف، واستعادة أحد أهم الصروح الثقافية في البلاد.

ويشمل المشروع إعادة تأهيل المبنى المتضرر، وتأمين ما تبقّى من المقتنيات، وتحسين بيئة حفظها وعرضها وفق المعايير الدولية، وإزالة الأنقاض وإصلاح بنية المتحف، واعتماد تصميم جديد لقاعات العرض يسمح باستقبال الزوار، متى تهيأت الظروف.

وخلال فترة سيطرة قوات «الدعم السريع» على أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم، تعرَّض المتحف للتخريب، وطالت عمليات نهب وسرقة بعض المقتنيات الأثرية النادرة.

واتهمت الحكومة السودانية - ولا تزال - «قوات الدعم السريع» بالاستيلاء على هذه القطع التاريخية الثمينة، وبالتعاون مع جهات دولية تُجري عمليات لمتابعة محاولات تهريب بعض هذه الآثار، ورصد عمليات الاتجار بها عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.

ووفق مختصين، فإن خسارة هذه المقتنيات هي استهداف للذاكرة الوطنية، ومحمولها الذي يختزن آلاف السنين من تاريخ البلاد، ما يجعل مهمة إنقاذ المتحف عملية وطنية بالغة الأهمية.

جزء من التراث العالمي

وقال مدير مكتب اليونسكو في السودان، أحمد جنيد سروش، لـ«الشرق الأوسط»، إن منظمته ملتزمة بإعادة تأهيل المتحف، فآثار السودان تُعد جزءاً من التراث الإنساني العالمي.

وأكد أن المرحلة التي أُطلقت تتضمن تقييم الأضرار التي لحقت بنية المبنى التحتية، وليس الآثار المنهوبة فحسب، بل تشمل شبكات الكهرباء والأرفف والأسقف والمرافق المختلفة.

وأوضح المسؤول الأممي أن التقديرات الأولية تشير إلى أن تكلفة إعادة تأهيل المبنى وتجهيزاته اللازمة لحفظ وعرض المجموعات الأثرية تحتاج لما بين ثلاثة وخمسة ملايين دولار أميركي.

وأشار سروش إلى أن «اليونسكو» بدأت مشروعاً لإعادة تأهيل المتحف في عام 2018، أوقفته الحرب، وجرى تحويل التمويل إلى تدريب أكثر من 500 من أفراد الشرطة والجمارك وجهات إنفاذ القانون في الخرطوم ودنقلا وبورتسودان على مكافحة تهريب الآثار، استناداً إلى أن حماية التراث لا تقتصر على صيانة المباني، وإنما تشمل منع الاتجار غير المشروع في المقتنيات التاريخية.

وقدمت «اليونسكو» أجهزة توثيق إلكترونية لدعم اللجنة الحكومية المكلَّفة بحصر الأضرار، واعتماداً عليها استطاعت الهيئة العامة للآثار والمتاحف توثيق أكثر من عشرة آلاف قطعة أثرية حتى الآن.

جانب من الآثار في مخزن متحف السودان القومي (الشرق الأوسط)

2500 قطعة مفقودة

وقالت رئيس لجنة الحصر وتقييم الضرر وتأمين المتاحف والمواقع الأثرية بولاية الخرطوم، رحاب خضر الرشيد، لـ«الشرق الأوسط»، إن اللجنة باشرت أعمالها منذ أبريل 2025، وسط ظروف بالغة الصعوبة، بَيْد أنها استطاعت تحدي الأوضاع الأمنية، ونفّذت برنامجاً واسعاً لحصر المقتنيات.

وأضافت: «عمليات التوثيق كشفت أن 2500 قطعة أثرية لا تزال في عداد المفقودات، وأن مباني المتحف الرئيسة والصالات، والمعابد الأثرية داخل حديقة المتحف، تعرضت لأضرار كبيرة نتيجة القصف والشظايا».

وأوضح نائب مدير إدارة الآثار السودانية عبد الحي عبد الساوي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن المرحلة الثانية من إعادة التأهيل ستشمل استكمال صالة العرض الرئيسة، واستبدال الأرضيات، وتركيب خزائن حديثة لحفظ وعرض القطع الأثرية، وتطوير أنظمة التبريد لتوفير بيئة مناسبة لحماية المقتنيات التاريخية على المدى الطويل.

وأكد القائم بأعمال السفارة الإيطالية لدى السودان، سيمون كوسال، لـ«الشرق الأوسط»، استمرار دعم بلاده مشروعات حماية التراث السوداني، بالتنسيق مع «اليونسكو» والسلطات السودانية، مُبدياً تأكيده الإرث الحضاري الكبير الذي يمتد عبر حضارات وحقب تاريخية عدة للسودان، وأن الحفاظ عليه مسؤولية تتجاوز الحدود الوطنية.

وقال وزير الثقافة والإعلام والسياحة، خالد الإعيسر، لـ«الشرق الأوسط»، إن حكومته شرعت في تدشين المرحلة الثانية من مشروع دعم «اليونسكو» لإعادة تأهيل المتاحف، وعلى رأسها المتحف القومي، معرباً عن أمله في استمرار الشراكة حتى استعادة المتحف كاملاً.

وأضاف: «ما تعرضت له المتاحف والآثار يمثل، وفق تقدير الحكومة، استهدافاً ممنهجاً للتراث الوطني، ومحاولة لطمس الهوية الثقافية للسودان».

وأوضح أن السلطات استعادت آلاف القطع الأثرية؛ بينها 570 قطعة أعلن استردادها في يناير (كانون الثاني) الماضي، وأحبطت، خلال الأشهر الأخيرة، محاولات عدة لتهريب مئات القطع الأثرية في شمال البلاد.

وأكد الإعيسر استمرار التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، ومن بينهم الشرطة الجنائية الدولية «الإنتربول»؛ لتعقُّب القطع المنهوبة واستعادتها.

وبينما تنشغل مؤسسات الدولة بإعادة بناء ما دمّرته الحرب، تبدو معركة إنقاذ المتحف القومي ذات طبيعة مختلفة؛ لكونها ليست معركة لمجرد إصلاح حوائط أو أسقف، بل استعادة لـ«ذاكرة شعب» يمثلها استرداد قطعة أثرية أو ترميم قاعة عرض، فهي إعادة كتاب التاريخ الذي كاد يُمحى، وكادت تمحى معه ذاكرة الأمة السودانية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended