البتكوين من «أصل خطر» إلى «مخزن للقيمة» منافس للذهب

عملات معدنية تحمل رمزَي البتكوين والإيثيريوم (د.ب.أ)
عملات معدنية تحمل رمزَي البتكوين والإيثيريوم (د.ب.أ)
TT

البتكوين من «أصل خطر» إلى «مخزن للقيمة» منافس للذهب

عملات معدنية تحمل رمزَي البتكوين والإيثيريوم (د.ب.أ)
عملات معدنية تحمل رمزَي البتكوين والإيثيريوم (د.ب.أ)

سجَّلت عملة البتكوين أعلى مستوى لها على الإطلاق، يوم الأحد، لتتخطى عتبة الـ125 ألف دولار، حيث عزَّز ارتفاع المخاطر؛ بسبب إغلاق الحكومة الأميركية أكبر عملة مشفرة في العالم.

وجاء هذا التطور في وقت تراجعت فيه غالبية الأصول الخطرة الأخرى بعدما فشل المشرِّعون الأميركيون في التوصُّل إلى اتفاق تمويل حكومي، مما أدى إلى إغلاق الحكومة.

وقد أظهرت هذه الخطوة تطور النظرة إلى العملة المشفرة بوصفها مخزناً للقيمة خلال فترات الاضطراب الجيوسياسي، على غرار الذهب الذي سجَّل مستوى قياسياً، يوم الأربعاء، تاريخ بدء الإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة.

3 محفّزات رئيسية وراء الزخم غير المسبوق

يرى خبراء السوق أن وصول سعر البتكوين إلى مستوى قياسي جديد مؤخراً يعكس «عاصفة مثالية» من العوامل الاقتصادية والمؤسسية التي اجتمعت لرفع الطلب على العملة المشفرة الأكبر عالمياً.

ويمكن الإشارة إلى 3 محفزات رئيسية تقف وراء هذا الزخم غير المسبوق:

1- تدفقات الصناديق المتداولة: إن تدفق رؤوس الأموال الجديدة إلى صناديق البتكوين المتداولة في البورصة محفز هائل، حيث تستقطب هذه الصناديق رؤوس أموال مؤسسية جديدة بمعدل غير مسبوق.

2- تخفيف سياسة «الاحتياطي الفيدرالي»: أدت تحولات بنك الاحتياطي الفيدرالي نحو تخفيض أسعار الفائدة إلى إضعاف الدولار، وتعزيز شهية المخاطرة عبر الأسواق، مما أفاد الأصول المشفرة بشكل غير متناسب.

3- الغموض الاقتصادي الكلي: أضاف الغموض الاقتصادي الكلي، خصوصاً الإغلاق الحكومي الأميركي، عاملاً أسهم في خلق بيئة تسمح حتى للطلب المتواضع بإحداث تحركات سعرية ضخمة.

البتكوين ملاذ آمن رقمي

يشير المحللون إلى أن السبب الجوهري للارتفاع يكمن في تحول البتكوين من مجرد أصل مضاربي إلى مخزن للقيمة (Store of Value)، اكتسب أهمية خاصة في أوقات الاضطرابات الجيوسياسية. هذا التحول يقوم على خصائص فريدة:

  • الندرة (Scarcity): تتميز عملة البتكوين بحد أقصى ثابت للإمداد يبلغ 21 مليون وحدة. هذه الندرة تجعلها محصنةً ضد التضخم أو التوسع النقدي اللامحدود الذي تمارسه البنوك المركزية، على عكس العملات الورقية.
  • اللامركزية (Decentralization): لا تخضع البتكوين لسيطرة أي حكومة أو سلطة مركزية. وهذا يجعلها أداةً جذابةً للمستثمرين الذين يخشون من تجميد الأصول، أو العقوبات، أو مصادرة الأموال من قبل الدول، خصوصاً في مناطق الصراع أو عدم الاستقرار السياسي.
  • سهولة النقل والتخزين: يمكن نقل البتكوين وتخزينها بسهولة عبر الحدود، بغض النظر عن القيود المصرفية أو الرقابة الرأسمالية. هذا يجعلها خياراً مثالياً لرأس المال الباحث عن الأمان، والهروب من الأنظمة المالية المضطربة.

العلاقة المتنامية مع الذهب

عادة ما يُنظَر إلى الذهب على أنه الملاذ الآمن التاريخي الذي يحافظ على قيمته عبر الأجيال وفي أوقات الأزمات. وتُظهر الحركة الأخيرة للبتكوين تقارباً متزايداً في الدور الذي تلعبه:

  • سردية إضعاف الدولار: يستفيد الذهب والبتكوين بشكل مشترك من «سردية إضعاف الدولار»؛ فعندما تزيد الحكومات من طباعة النقود لمواجهة الديون، يرتفع الطلب على الأصول المحدودة العرض تحوطاً ضد انخفاض قيمة العملة الورقية.
  • التزامن في الارتفاع: ارتفاع سعر البتكوين بالتوازي مع وصول الذهب إلى مستويات قياسية يؤكد أن المستثمرين أصبحوا يضعون كلا الأصلين ضمن سلة «أصول التحوط» في مواجهة التوترات الدولية أو حالة عدم اليقين الاقتصادي الكلي. ويرى مراقبون أن الدولار لا يزال عملة الاحتياطي العالمي، لكن مكانته بوصفه ملاذاً آمناً تتضاءل؛ بسبب الجمود السياسي ومخاوف الديون طويلة الأجل. من هنا، يبحث المستثمرون عن بدائل، والبتكوين من أبرز المستفيدين.

دور الإغلاق الحكومي بوصفه «خللاً جيوسياسياً»

في هذا السياق، لم يُنظَر إلى الإغلاق الحكومي الأميركي بوصفه قضيةً محليةً فحسب، بل «خللاً وظيفياً جيوسياسياً» يُقلل من الثقة في أكبر اقتصاد في العالم، ويُغذي حالة عدم اليقين العالمية.

هذا الحدث، بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل التوترات التجارية، وتصرفات البنوك المركزية، دفع المستثمرين إلى البحث عن أصول خارج نطاق سيطرة الدولة التقليدية، فوجدوا في البتكوين والذهب خيارَين للتحوط من تداعيات عدم الاستقرار المؤسسي والمالي.


مقالات ذات صلة

بعد ملامسة الـ60 ألف دولار... البتكوين ترتد من أدنى مستوى في 16 شهراً

الاقتصاد تمثيلات للعملة الرقمية «بتكوين» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

بعد ملامسة الـ60 ألف دولار... البتكوين ترتد من أدنى مستوى في 16 شهراً

ارتفع سعر البتكوين، يوم الجمعة، بعد وصوله إلى أدنى مستوى له في 16 شهراً عند 60 ألف دولار، مع ظهور بوادر تراجع الضغوط العالمية على أسهم شركات التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )
الاقتصاد عملات تحمل رمزي البتكوين والإيثيريوم موضوعة على طاولة (د.ب.أ)

البتكوين تهبط دون 70 ألف دولار للمرة الأولى منذ انتخابات ترمب

تراجعت عملة البتكوين، كبرى العملات الرقمية في العالم، إلى ما دون مستوى 70 ألف دولار للمرة الأولى منذ فوز دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد عملة بتكوين الرقمية (رويترز)

تراجع حاد لـ«بتكوين»... ووزير الخزانة الأميركي يرفض «خيار الإنقاذ»

شهدت سوق العملات المشفرة هزة عنيفة مساء الأربعاء، حيث كسرت عملة «بتكوين» حاجز الـ73 ألف دولار هبوطاً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شاشة تعرض شعار عملة البتكوين (أ.ف.ب)

البتكوين تترنح قرب 77 ألف دولار... هل انكسر «الملاذ الرقمي»؟

استمرت الضغوط البيعية على العملات المشفرة في تعاملات الاثنين حيث حام سعر البتكوين قرب مستوى 77 ألف دولار

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد تمثيل لعملة البتكوين الرقمية (رويترز)

«عاصفة» وورش تقتلع أرباح «البتكوين»... والعملة تهوي تحت 79 ألف دولار

عاشت سوق العملات المشفرة يوماً عصيباً، يوم السبت، حيث قادت «البتكوين» موجة هبوط حادة دفعتها للتخلي عن مستويات دعم رئيسية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
TT

«صندوق النقد الدولي» يوقع مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي» لتعزيز التعاون

تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)
تهدف مذكرة التفاهم بين «صندوق النقد الدولي» و«صندوق النقد العربي» إلى التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض (الشرق الأوسط)

وقّع «صندوق النقد الدولي» مذكرة تفاهم مع «صندوق النقد العربي»، على هامش «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»؛ بهدف تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين، وقد وقّعتها المديرة العامة لـ«صندوق النقد الدولي» الدكتورة كريستالينا غورغييفا، والمدير العام لـ«صندوق النقد العربي» الدكتور فهد التركي.

تهدف مذكرة التفاهم إلى «تعزيز التنسيق في مجالات السياسات الاقتصادية والمالية، بما يشمل التعاون في أنشطة الرقابة والإقراض، وتبادل البيانات والأعمال التحليلية، وبناء القدرات، وتقديم المساندة الفنية، دعماً للاستقرار المالي والاقتصادي في المنطقة».

وأكد الجانبان أن هذه المذكرة تمثل خطوة مهمة نحو «تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين المؤسستين، والإسهام في دعم شبكة الأمان المالي الإقليمي؛ بما يخدم الدول الأعضاء، ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية».


وزير الاقتصاد السعودي يؤكد أهمية استمرار دعم الاقتصادات الناشئة بطيئة النمو

فيصل الإبراهيم متحدثاً في الجلسة الحوارية على هامش «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
فيصل الإبراهيم متحدثاً في الجلسة الحوارية على هامش «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
TT

وزير الاقتصاد السعودي يؤكد أهمية استمرار دعم الاقتصادات الناشئة بطيئة النمو

فيصل الإبراهيم متحدثاً في الجلسة الحوارية على هامش «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
فيصل الإبراهيم متحدثاً في الجلسة الحوارية على هامش «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)

أكد وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي، فيصل الإبراهيم، أهمية الاستمرار في دعم الاقتصادات الناشئة التي تتحرك ببطء، وأن الاقتصادات المتقدمة لديها فرص أكبر للنجاة من الصدمات، وهي «أكثر عرضة» للصدمات ولديها قدرة على التحول.

‏وبيَّن الإبراهيم، في جلسة حوارية تحت عنوان «إعادة ضبط التجارة العالمية» في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»، الأحد، أن التعامل مع التحديات ليس للحفاظ على مفاهيم الاستقرار فقط، بل للتعامل مع الاضطرابات اليومية باحترافية.

وأضاف الإبراهيم، أن التجارة والاستثمار يظلان محوريين بالنسبة لاقتصادات الأسواق الناشئة؛ وعلى هذا النحو، ستسعى دائماً إلى التدفق الحر للتجارة.

وقال الوزير السعودي إن إعادة التخصيص أصبحت اليوم قاعدة، والدول التي تعرف كيف تتكيف ستستفيد، بينما البلدان التي لا تستطيع التكيُّف ستواجه تحديات أكبر.

وأوضح أن الدول المتقدمة تمتلك مساحة سياسات وحواجز صُمِّمت لمواجهة الضغوط، بينما الاقتصادات الناشئة لا تملك المرونة نفسها، ما يجعل التكيُّف ضرورة «أقوى لها».

وتعني «إعادة التخصيص» تحرك الموارد الاقتصادية والتجارية عالمياً؛ نتيجة تغيّرات السوق أو العلاقات التجارية بين الدول، ما يخلق فرصاً للدول القادرة على التكيُّف، وتحديات للدول غير المستعدة.

وبحسب الإبراهيم، فإن التعامل مع إعادة التخصيص ليس مجرد الحفاظ على الاستقرار الثابت، بل يتعلق بالقدرة على الابتكار اليومي، وصنع السياسات التي تسبق التغيرات وتكون مستعدة لها.

وأكمل أن القدرات المؤسسية هي التي تحدِّد ما إذا كانت الدولة ستشهد هذا التكيُّف بوصفه تكلفةً أم مصدراً جديداً للقيمة وربما ميزة تنافسية، مشيراً إلى أن السرعة والمرونة في اتخاذ القرارات تعدّان أمرين أساسيَّين، خصوصاً في الاقتصادات الناشئة، لأن التأخير يحمل تكلفة اقتصادية متزايدة مع الوقت.

وشرح الإبراهيم أن إعادة التخصيص العالمي تمثل فرصةً استراتيجيةً، ويمكن للأسواق الناشئة تصميم كيفية التكيُّف واستكشاف مصادر قيمة جديدة، «إذا تم دعمها من المجتمع الدولي من خلال حوار حقيقي ونظام عالمي حديث قائم على القواعد».


محافظ «المركزي المصري» من «العلا»: خفّضنا التضخم من 40 % إلى 12 %

محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله يتحدث في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله يتحدث في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

محافظ «المركزي المصري» من «العلا»: خفّضنا التضخم من 40 % إلى 12 %

محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله يتحدث في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
محافظ البنك المركزي المصري حسن عبدالله يتحدث في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

قال محافظ البنك المركزي المصري، حسن عبد الله، إن التركيز على التضخم أسهم في خفض نسبة معدلاته من نحو 40 في المائة إلى قرابة 12 في المائة، ما عزز الثقة بالاقتصاد الكلي.

وأشار عبد الله، في الوقت نفسه إلى العمل المكثف على بناء هوامش أمان؛ حيث ارتفعت الاحتياطيات مع صعود صافي الأصول الأجنبية، مؤكداً أهمية «بناء الاحتياطيات في هذا العالم المضطرب».

وخلال جلسة حوارية ضمن «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، المنعقد في العلا، الأحد، أوضح عبد الله أنه منذ 24 مارس (آذار) جرى التحول إلى استهداف التضخم، مع تطبيق نظام سعر صرف مرن للمرة الأولى في تاريخ مصر يستجيب لقوى العرض والطلب، مؤكداً أن دور محافظ البنك المركزي ليس السعي إلى عملة أقوى أو أضعف بل توفير إطار تتحرك فيه العملة، بما يعكس التسعير الصحيح.

وأضاف أن مصر تمضي في مسار إصلاح السياسة النقدية منذ نحو 18 شهراً، مشيراً إلى الفترة التي مرت بها البلاد قبل تطبيق نظام سعر صرف مرن، التي وصفها بـ«الصعبة»، والتي ظهرت فيها «اختناقات مالية حادة وسوق موازية».

وشدد عبد الله على أن بناء الهوامش الوقائية يجب أن يتم في أوقات الرخاء لا انتظار الأزمات، داعياً إلى تعزيز خطوط التواصل بين البنوك المركزية، خصوصاً بين الاقتصادات الناشئة والمتقدمة، وإلى إجراء تحليلات السيناريوهات، ووضع خطط طوارئ للقطاع المصرفي. كما دعا المؤسسات المالية متعددة الأطراف إلى توفير تسهيلات طارئة تفعل فور وقوع الأزمات.

وأوضح أن البنك المركزي المصري يعمل على تطوير أدواته التحليلية من خلال إنشاء إدارة لعلوم البيانات وبناء مؤشرات استباقية بدلاً من الاعتماد على المؤشرات المتأخرة إلى جانب إدارة التوقعات.

وعن الوضع الاقتصادي الحالي في مصر، قال عبد الله إن احتمالات التحسن باتت أكبر مع بدء تعافي الموارد مثل قناة السويس، وبلوغ السياحة مستويات قياسية من حيث الأعداد والإنفاق، إضافة إلى تحسن نشاط القطاع الخاص.

وختم بالقول إن الاقتصاد المصري يتمتع بفرص صعود تفوق المخاطر الهبوطية، باستثناء الصدمات الخارجية التي تخضع لها جميع الدول.