«فيضان النيل» يُصعّد التوتر بين مصر وإثيوبيا وسط اتهامات متبادلة

القاهرة تصف تصرفات أديس أبابا بـ«المتهورة» بعد غرق أراضٍ ومنازل بالدلتا

فرق إغاثة مصرية لمواجهة تداعيات ارتفاع منسوب نهر النيل بقرى محافظة المنوفية (مجلس الوزراء المصري)
فرق إغاثة مصرية لمواجهة تداعيات ارتفاع منسوب نهر النيل بقرى محافظة المنوفية (مجلس الوزراء المصري)
TT

«فيضان النيل» يُصعّد التوتر بين مصر وإثيوبيا وسط اتهامات متبادلة

فرق إغاثة مصرية لمواجهة تداعيات ارتفاع منسوب نهر النيل بقرى محافظة المنوفية (مجلس الوزراء المصري)
فرق إغاثة مصرية لمواجهة تداعيات ارتفاع منسوب نهر النيل بقرى محافظة المنوفية (مجلس الوزراء المصري)

تصاعد التوتر بين مصر وإثيوبيا على خلفية فيضانات نهر النيل التي أغرقت مناطق واسعة في السودان، فضلاً عن أراضٍ زراعية ومنازل في دلتا مصر، وسط اتهامات مصرية لإثيوبيا بالتسبب في الفيضان، عبر «تصرفات أحادية متهورة» في إدارة «سد النهضة»، المقام على الرافد الرئيسي لنهر النيل.

ورفضت إثيوبيا بياناً مصرياً اعتبر أن إدارة السد «تفتقر إلى قواعد المسؤولية والشفافية، وتمثل تهديداً مباشراً لحياة وأمن شعوب دولتي المصبّ».

ووصف بيان صادر عن وزارة المياه والطاقة الإثيوبية، السبت، بيان مصر الأخير حول سد النهضة بأنه «مليء بما سمتها المغالطات والتناقضات».

وكانت وزارة الري المصرية أصدرت بياناً، الجمعة، اتهمت فيه سد النهضة بأنه السبب وراء الفيضانات الحالية في السودان. غير أن أديس أبابا قالت إن فيضانات السودان سببها زيادة تدفق مياه النيل الأبيض وليس سد النهضة.

ونفت إثيوبيا علاقتها بالأمر، مؤكدة أن «سبب الفيضانات التي شهدها السودان يعود أساساً إلى زيادة تدفق المياه من النيل الأبيض، وهو رافد للنيل لا علاقة له بإثيوبيا». وذهب البيان الإثيوبي إلى الزعم بأن السد «خفف من آثار أمطار غزيرة كان يمكن أن تتسبب في دمار تاريخي بمصر والسودان».

وتطالب مصر والسودان بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن الملء والتشغيل للسد الإثيوبي الذي بدأ بناؤه عام 2011، وافتتح في سبتمبر (أيلول) الماضي.

سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

وقال وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في بورتسودان شرقي السودان، الأربعاء، إن «عدم التنسيق فيما يتعلق بتشغيل السد قد أدى إلى فيضانات عارمة خلال الفترة الأخيرة في السودان».

ويرى وزير الري المصري الأسبق نصر الدين علام أن البيان الإثيوبي «مليء بالأكاذيب»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن أديس أبابا ركزت على «تخزين أكبر قدر من المياه حتى تجاوز السد سعته القصوى، ما أجبرها على فتح مفيض الطوارئ».

وقال علام إن إثيوبيا صرّفت «أكثر من 700 مليون متر مكعب يومياً في سبتمبر»، ما أدى إلى فيضانات في السودان، بينما لجأت مصر إلى «إجراءات تقشفية لحماية أمنها المائي».

وتسببت أزمة الفيضانات الأخيرة في إغراق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمنازل في محافظتي المنوفية والبحيرة شمال مصر. وفي خطوة احترازية، دعت السلطات المحلية سكان مناطق «طرح النهر» إلى إخلاء منازلهم، مؤكدة أن هذه الأراضي تمثل بطبيعتها امتداداً منخفضاً يستوعب الزيادات المائية منذ عقود.

وخلال مؤتمر صحافي الخميس، حذّر رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي من استمرار ارتفاع منسوب المياه حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، داعياً إلى الإخلاء الفوري للمنازل والأراضي الواقعة ضمن نطاق «طرح النهر»، لا سيما في المناطق التي شهدت تعديات بالبناء المخالف.

وبرزت اتهامات للحكومة المصرية بعدم اتخاذ تدابير احترازية استباقية، وانتقد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، ما وصفه بـ«سوء إدارة الأزمة» من جانب السلطات المصرية، وتساءل: «كيف يمكن أن يتسبب مليارا متر مكعب من المياه أطلقتها إثيوبيا في كل هذه الأضرار؟».

لكن وزارة الموارد المائية والري لفتت، في بيان، إلى أن «التعديات العمرانية والزراعية على هذه المساحات» ضاعفت من حجم الخسائر مع ارتفاع المناسيب المائية.

وبينما عمدت وزارة التضامن المصرية إلى رفع الاستعدادات القصوى بمحافظة المنوفية (شمال) لمواجهة أضرار ارتفاع منسوب النيل، تجري فرق الهلال الأحمر المصري مسحاً ميدانياً، وتُنسق مع الجمعيات لتقديم مساعدات عاجلة للأسر المتضررة.

الهلال الأحمر المصري رفع درجات الاستعداد القصوى لمواجهة أضرار الفيضان (مجلس الوزراء المصري)

وأوضح نصر الدين علام، وزير الري المصري الأسبق، أن بلاده «استقبلت بين 5 و7 مليارات متر مكعب إضافية من مياه سد النهضة»، مشيراً إلى أن «التصرفات المائية الإثيوبية الضخمة تزامنت مع فيضانات السودان وما رافقها من زيادات في تصرف نهر عطبرة»، وهو ما استدعى تصريف كميات ضخمة نحو منخفض توشكى، وتسبب في غرق مساحات من المزارع وغمر أجزاء من «طرح النهر».

وسبق أن حذرت دراسة صادرة عن جامعة «أكسفورد»، العام الماضي، من أن «غياب التنسيق في تشغيل السدود الكبرى، مثل سد النهضة وخزان أسوان، قد يفرض على دول المصب فتح بوابات سدودها بشكل مفاجئ، مما يفاقم خطر الفيضانات».

وخلصت الدراسة إلى أن «تأثير السد ليس أحادي الاتجاه؛ إذ قد يؤدي في بعض الحالات إلى تقليل التدفقات، وفي حالات أخرى إلى زيادتها، تبعاً للأمطار وتوقيت التخزين والتفريغ».

وكانت القاهرة قد أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) 2023 فشل آخر جولة مفاوضات مع أديس أبابا، وأبلغت مجلس الأمن بأنها لن تغضّ الطرف عن مصالحها الوجودية في مياه النيل.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح سد النهضة (رويترز)

ويرى أستاذ العلاقات الدولية المصري رامي عاشور أن التوتر المتصاعد على خلفية أزمة مياه الفيضان «قد يدفع مصر إلى اللجوء للمطالبة بإدارة دولية للسد بعد ما ظهر من فشل في تشغيله»، محذراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من أن «التعنت الإثيوبي تغذيه جهات دولية واستخباراتية تسعى إلى تأزيم الملف الذي يمس الأمن الإقليمي».

ويعد سد النهضة، البالغة كلفته نحو 5 مليارات دولار، الأكبر في أفريقيا بطاقة إنتاجية تتجاوز 5000 ميغاواط. وتقول أديس أبابا إن المشروع سيضاعف إنتاج الكهرباء ويعزز اقتصادها، بينما تعدّه القاهرة والخرطوم تهديداً لحقوقهما المائية.


مقالات ذات صلة

«سد النهضة»: اتهامات مصرية متجددة وسط جمود المفاوضات

شمال افريقيا الرئيس السيسي خلال مشاركته في «منتدى مصر» (الرئاسة المصرية)

«سد النهضة»: اتهامات مصرية متجددة وسط جمود المفاوضات

اتهامات مصرية تتواصل صوب «سد النهضة» الإثيوبي، والإجراءات التي تتخذها أديس أبابا في هذا المسار الذي تجمَّدت مفاوضاته منذ 2024.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ (الرئاسة المصرية)

السيسي يؤكد رفض أي ترتيبات جديدة للنفاذ إلى البحر الأحمر

شدّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على رفض أي إجراءات تستهدف «إنشاء ترتيبات جديدة» للنفاذ إلى البحر الأحمر على حساب سيادة الدول المشاطئة.

أحمد جمال (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يترأس اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

السيسي: حصة مصر المائية حق تاريخي راسخ لا نقبل المساس به

جددت مصر تمسكها بحقها في نهر النيل، وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن «حصة مصر المائية حق تاريخي راسخ لا نقبل المساس به»، في وقت صعَّدت فيه إثيوبيا لهجتها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السد العالي في جنوب مصر (أرشيفية - رويترز)

سخرية مصرية تدفع وزيراً إثيوبياً لحذف منشوره عن «السد العالي»

أثار وزير إثيوبي جدلاً واسعاً بتصريحات عبر وسائل التواصل الاجتماعي انتقد فيها مصر مطالباً إياها أن «تفسر سبب قيامها ببناء السد العالي».

محمد عجم (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر صحافي في قصر الاتحادية (أرشيفية - د.ب.أ)

السيسي: مصر ترفض أي تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اليوم (الأحد) موقف بلاده الثابت الرافض لأي تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

المسيّرات توسّع دائرة الظلام في السودان وتحصد قتلى في نيالا

آثار الدمار الذي تعرضت له المحطة التحويلية للكهرباء في الخرطوم (إعلام ولاية الخرطوم)
آثار الدمار الذي تعرضت له المحطة التحويلية للكهرباء في الخرطوم (إعلام ولاية الخرطوم)
TT

المسيّرات توسّع دائرة الظلام في السودان وتحصد قتلى في نيالا

آثار الدمار الذي تعرضت له المحطة التحويلية للكهرباء في الخرطوم (إعلام ولاية الخرطوم)
آثار الدمار الذي تعرضت له المحطة التحويلية للكهرباء في الخرطوم (إعلام ولاية الخرطوم)

دخلت حرب المسيّرات في السودان مرحلة خطيرة، مع اتساع الهجمات المتبادلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، لتطال مواقع عسكرية ومحطات كهرباء ومنشآت نفطية ومدنية حيوية، وأسواقاً وأحياء سكنية.

وخلال نحو 24 ساعة، استهدفت مسيّرات نُسبت إلى «الدعم السريع» 6 محطات كهرباء، آخرها محطة المرخيات في أم درمان، ما أدى إلى انقطاع التيار عن مناطق واسعة في العاصمة وولايات أخرى، فيما أوقعت ضربة بمسيّرة على سوق في مدينة نيالا، عاصمة جنوب دارفور، 21 قتيلاً وعشرات الجرحى، بعد أيام قليلة من هجوم دام على سوق في منطقة أبيي المتنازع عليها مع جمهورية جنوب السودان. وجاء الهجومان الأخيران في ظل تصاعد الضربات الجوية المتبادلة بين طرفي القتال، التي باتت تشن بشكل يومي.

والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة يتفقد الأضرار التي لحقت بمحطة الكهرباء (إعلام ولاية الخرطوم)

وشهدت ولاية الخرطوم، فجر الثلاثاء، انقطاعاً واسعاً للكهرباء بعد هجوم بمسيّرة استهدف محطة المرخيات التحويلية شمال غربي مدينة أم درمان، وأدى إلى خروجها عن الخدمة. وأفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن الضربة تسببت في اندلاع حريق داخل المحطة، وانقطاع التيار عن مناطق واسعة من أم درمان وأحياء أخرى في العاصمة.

وقالت المصادر إن السكان كانوا يعانون، قبل العطل الأخير، من انقطاع الكهرباء لفترات تتراوح بين 10 و12 ساعة يومياً، مشيرة إلى أنهم يترقبون تحديد المدة اللازمة لإصلاح المحطة وإعادة التيار.

وقال والي الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، إن المحطة تعرضت لأضرار بالغة أخرجتها عن الخدمة، دون وقوع إصابات وسط العاملين فيها.

واتهم حمزة «قوات الدعم السريع» باستهداف المرافق الخدمية والأعيان المدنية، قائلاً إن ذلك يتسق مع نهجها في «ممارسة القتل والتهجير وتدمير البنى التحتية والخدمية للمدنيين». وتعهد الوالي بتقديم الدعم اللازم لإعادة المحطة إلى الخدمة في أسرع وقت، مشيراً إلى أن الولاية ستلجأ إلى بدائل لتشغيل المرافق الحيوية المتأثرة بانقطاع الكهرباء.

وفي وقت لاحق، أفادت وكالة السودان للأنباء (سونا)، بأن وزير الطاقة والنفط بحث مع مسؤولي الكهرباء الأضرار الناجمة عن الهجوم، الذي أدى أيضاً إلى انقطاع التيار عن أجزاء من ولاية نهر النيل وولايات أخرى. وقال مدير شركة كهرباء السودان القابضة إن الفرق الفنية تعمل على حصر الأضرار تمهيداً لإعادة إصلاحها.

قتلى وجرحى في نيالا

وفي غرب البلاد، قُتل21 شخصاً وأصيب 40 آخرون على الأقل، في ضربة بمسيّرة استهدفت سوقاً في مدينة نيالا، وفق ما أفاد به مصدر طبي وشهود لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الثلاثاء.

مبنى مدمَّر في موقع غارة جوية في نيالا بولاية جنوب دارفور (هيومن رايتس ووتش)

كما أفادت مصادر محلية نقل عنها موقع «سودان تربيون» بأن غارات جوية، مساء الاثنين، استهدفت مواقع في المدينة، بينها مبانٍ ومواقع عسكرية تابعة لـ«الدعم السريع»، ومنازل لقادة في القوات، ومنظومات دفاع جوي قرب مطار نيالا الدولي. وتحدث الموقع عن سقوط قتلى وجرحى، بينهم عناصر من «الدعم السريع». ولم يتضح على الفور ما إذا كانت حصيلة القتلى التي أوردتها المصادر المحلية تشمل ضحايا ضربة السوق التي نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، أم لا.

وجاء استهداف محطة المرخيات بعد أقل من 24 ساعة على سلسلة هجمات بالمسيّرات طالت محطات كهرباء في عدد من الولايات، واتهمت شركة كهرباء السودان القابضة «الدعم السريع» بتنفيذها.

وقالت الشركة، في بيان الاثنين، إن الهجمات استهدفت محطات في 5 مناطق، في مدن سنجة (عاصمة ولاية سنار)، والحواتة والفاو (ولاية القضارف/ شرق) ومشكور (ولاية النيل الأبيض) والجنيد (ولاية الجزيرة) وألحقت أضراراً بالغة بالمعدات، ما تسبب في انقطاع الخدمة بهذه الولايات.

وحذرت الشركة من أن الهجمات باتت تهدد استقرار الشبكة الكهربائية القومية. كما تعرضت محطة كهرباء محلية تندلتي بولاية النيل الأبيض لهجوم قبل أيام، في سياق التصعيد المتواصل ضد منشآت الطاقة.

آثار الحريق الذي استهدف شاحنة بمسيّرة في أبيي وقتل العشرات (الأمم المتحدة - فيسبوك)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي الهجمات المتكررة على الكهرباء والوقود إلى اضطراب إمدادات مياه الشرب وتعطيل المستشفيات وغيرها من المرافق الحيوية، في بلد يعاني بالفعل من تدهور واسع في الخدمات جراء الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

خسائر سابقة للمسيرات

وسبق أن ألحقت هجمات المسيّرات أضراراً كبيرة بمنشآت الطاقة والنقل في مناطق مختلفة من السودان، وأدت إلى انقطاع الكهرباء وتعطيل الخدمات لفترات متفاوتة.

ففي 13 يناير (كانون الثاني) 2025، استهدف هجوم منشآت الكهرباء المرتبطة بسد مروي، شمال البلاد، وألحق أضراراً بمحول رئيسي، ما تسبب في انقطاع التيار عن مناطق واسعة. وتعرضت المحطة لهجمات أخرى لاحقاً، بينها هجوم في أبريل أدى إلى تضرر محول يغذي الولاية الشمالية وانقطاع الكهرباء عن مناطق بينها أجزاء من أم درمان والولاية الشمالية.

سد مروي بشمال السودان استُهدف في السابق بمسيرة (وكالة السودان للأنباء)

وفي يناير من العام نفسه، تعرضت محطة الشوك التحويلية، بولاية القضارف لهجوم أدى إلى انقطاع الكهرباء في مناطق بشرق البلاد. كما استُهدفت محطة أم دباكر الحرارية، بولاية النيل الأبيض ومحطتا التحويل في عطبرة وبربر بولاية نهر النيل، ما أدى إلى انقطاعات متكررة للتيار.

ولم تقتصر الهجمات على محطات الكهرباء؛ ففي 9 سبتمبر (أيلول) 2025، استهدفت مسيّرات مصفاة الخرطوم في منطقة الجيلي، شمال العاصمة، إلى جانب محطات كهرباء في بحري وأم درمان ومستودع وقود جنوب الخرطوم.

وكانت مدينة بورتسودان، التي تضم الميناء الرئيسي للبلاد ومركز العمليات الإنسانية، قد تعرضت في مايو (أيار) 2025 لهجمات أصابت مستودعات وقود استراتيجية قرب الميناء والمطار، وتسببت في حرائق ضخمة. كما استُهدفت محطة الكهرباء والمطار، ما أدى إلى انقطاع التيار وتعطيل رحلات جوية، وسط مخاوف من تأثر حركة الإمدادات والمساعدات إلى بقية أنحاء البلاد.

سحب من الدخان بعد هجمات بطائرة مسيرة استهدفت الميناء الشمالي بمدينة بورتسودان 6 مايو 2025 (أ.ب)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أُرجئ استئناف الرحلات من مطار الخرطوم الدولي بعد هجمات بمسيّرات استهدفته في أثناء الاستعداد لإعادة افتتاحه. وكان المطار قد تعرض لأضرار واسعة أيضاً خلال المعارك التي اندلعت مع بداية الحرب.

أما مدينة الأُبيّض، كبرى مدن شمال كردفان، فشهدت خلال 2026 هجمات متكررة طالت منشآت للكهرباء والوقود ومواقع خدمية، وأسهمت في تفاقم أزمة المياه والغذاء وتعطل خدمات صحية، وسط صعوبات في وصول الإمدادات إلى المدينة.

وتشير هذه الوقائع إلى اتساع أثر حرب المسيّرات إلى ما وراء المواقع المستهدفة مباشرة؛ إذ بات تعطل محطة كهرباء أو احتراق مستودع وقود ينعكس على حياة السكان والخدمات الأساسية في مدن وولايات كاملة.


غموض يلف مسار توحيد المؤسسة العسكرية الليبية

صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» في أبريل الماضي (صفحات مقربة من الطرفين)
صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» في أبريل الماضي (صفحات مقربة من الطرفين)
TT

غموض يلف مسار توحيد المؤسسة العسكرية الليبية

صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» في أبريل الماضي (صفحات مقربة من الطرفين)
صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» في أبريل الماضي (صفحات مقربة من الطرفين)

تسود حالة من التكتم والغموض الأوساط السياسية والعسكرية الليبية عقب المحادثات المغلقة، التي احتضنتها أنقرة بين صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، وسط تضارب الأنباء حول نتائجها بين الفشل، أو التمهيد لجولة ثانية.

هذا الغموض لم يقتصر على النتائج، بل امتد إلى طبيعة ما تم مناقشته في الغرف المغلقة، الجمعة الماضي، وما إذا كان البحث يتناول بجدية توحيد المؤسسة العسكرية الليبية على أسس مهنية، تمهّد لحلحلة الأزمة السياسية، أم أنه جاء لاستكمال صفقة تقاسم النفوذ بين أبرز القوى الفاعلة في شرق البلاد وغربها، التي يرى البعض أن واشنطن دشّنتها.

محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي (المجلس)

بداية، ينفي الباحث الأكاديمي في الدراسات الاستراتيجية والسياسية، محمد أمطيريد، ما تردّد عن «فشل اللقاء لإصرار معسكر الغرب الليبي، ممثلاً في الزوبي، على تقديم المسار العسكري وفصله عن ملف التسوية السياسية».

وأوضح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «الطرفين اتفقا على مهلة 10 أيام للرجوع إلى قواعدهما لمناقشة بنود تفصيلية، تخص صلاحيات المناصب والمؤسسات العسكرية». وشدّد على أن «ملف التسوية السياسية، وتحديداً تشكيل سلطة تنفيذية جديدة (مجلس رئاسي وحكومة موحّدة)، لم يُقحَم على أجندة اللقاء، بل كان جزءاً رئيسياً منها».

وفي غياب الرواية الرسمية، روّجت منصات إعلامية لسيناريو الفشل، متناقلةً أن صدام حفتر اشترط رئاسة المجلس الرئاسي، قبل موافقته على الترتيبات المقترحة لتوحيد المؤسسة العسكرية.

وتشهد ليبيا منذ سنوات انقساماً سياسياً وعسكرياً، حيث تتنازع السلطة حكومتان: «الوحدة الوطنية» في طرابلس، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والثانية في شرق البلاد، برئاسة أسامة حماد، وهي مكلّفة من البرلمان، وتحظى بدعم القائد العام لـ«الجيش الوطني»، المشير خليفة حفتر، وتدير الشرق ومدناً في الجنوب.

المشير خليفة حفتر (الجيش الوطني)

ولفت أمطيريد إلى أن مباحثات أنقرة «جزء من مسار ترعاه أطراف دولية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وجرى نقاش بنوده الرئيسية سابقاً في واشنطن وعواصم أوروبية».

وأكد مدير مركز «صادق» للدراسات، أنس القماطي، أن لقاء أنقرة «لم يفشل نهائياً، وهناك جولة مقبلة»، معتقداً أن «الخلاف تمحور حول رغبة صدام في ربط المسارين العسكري والسياسي كحزمة واحدة، مقابل تفضيل الزوبي ترك ملف السلطة التنفيذية لمسار اتفاق اللجنة المصغّرة (4+4)، كونه قضية سياسية».

وفي نهاية أغسطس (آب) الماضي، أعلنت البعثة الأممية، بمشاركة ممثلين عن «الجيش الوطني» وحكومة «الوحدة»، التوصل إلى اتفاق ينص على تشكيل سلطة تنفيذية جديدة من مجلس رئاسي وحكومة، تمهيداً لإجراء الانتخابات خلال 24 شهراً.

ويرى القماطي أن مباحثات أنقرة، حال نجاحها، «لن تستهدف توحيداً حقيقياً للمؤسسة العسكرية، بقدر ما ستعدّ تفاهماً لتقاسم إدارتها»، وتوقّع أن «يحتفظ كل طرف بقواته داخل مناطقه، وأن يتوحّدا بهدف مرحلي، يتمثّل في الحضور بقوة مشتركة في الجنوب».

في المقابل، ذكرت مصادر مطّلعة أن الخلاف تمحور حول إصرار الزوبي على إلغاء منصب «القائد العام»، الذي منحه البرلمان للمشير خليفة حفتر عام 2015. إلا أن المحلل خالد موسى سكران أشار، في مداخلة مع قناة «ليبيا الأحرار»، إلى «احتمالية أن تكون هناك نية داخل القيادة العامة بأن يتقاعد المشير حفتر، أسوة بقيادات عسكرية تقاعدت مؤخراً.

وفي هذا السياق، يرى المحلل محمد محفوظ أن صدام حفتر «لم يعترض على إلغاء منصب القيادة العامة، لكنه اشترط، في المقابل، تولّي رئاسة المجلس الرئاسي للحصول على شرعية أكبر، وهو ما رفضه الزوبي».

وأرجع مراقبون رفض الزوبي إلى إدراكه الرفض القاطع في مدن الغرب الليبي، وفي مقدمتها مصراتة، لـ«المبادرة الأميركية»، وما تتيحه من منح حفتر أو أحد أبنائه أي منصب سيادي.

واستبعد محفوظ، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن يؤدي اتفاق توحيد المؤسسة العسكرية إلى حلحلة الأزمة السياسية، وقال إن «غياب الثقة يجعل نقاش قضايا وتدريبات عسكرية هامة لإجراء الانتخابات، مثل نزع السلاح وإخراج المرتزقة، أمراً صعباً».

أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان (الحكومة)

من جهته، أشار الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تركيا تتحرك حالياً بحزم شديد، بعدما حصلت على موافقة البرلمان الليبي على مذكرة تفاهم حول ترسيم الحدود البحرية الموقّعة عام 2019، ما دفعها إلى تأييد «المبادرة الأميركية» وتسريع فصولها، ليصبح المسار مشروعاً يحمل رغبة تركية بالدرجة الأولى.


قاضية تأمر الحكومة الإسبانية برفع السرية عن وثائق بشأن تدفق مهاجري سبتة

قوات إسبانية تؤمن عملية عبور عدد من المهاجرين الذين اختاروا العودة إلى المغرب (أ.ف.ب)
قوات إسبانية تؤمن عملية عبور عدد من المهاجرين الذين اختاروا العودة إلى المغرب (أ.ف.ب)
TT

قاضية تأمر الحكومة الإسبانية برفع السرية عن وثائق بشأن تدفق مهاجري سبتة

قوات إسبانية تؤمن عملية عبور عدد من المهاجرين الذين اختاروا العودة إلى المغرب (أ.ف.ب)
قوات إسبانية تؤمن عملية عبور عدد من المهاجرين الذين اختاروا العودة إلى المغرب (أ.ف.ب)

أظهر ‌حكم قضائي أن قاضية إسبانية تحقق في واقعة العبور الجماعي للمهاجرين إلى سبتة من المغرب في يوليو (تموز)، أمرت ​الحكومة اليوم الثلاثاء برفع السرية عن مزيد من الوثائق المخابراتية والتقارير، المرتبطة بواقعة التدفق الحدودي الذي أسفر عن سقوط قتلى، حسب ما أوردته وكالة «رويترز» للأنباء.وتحقق قاضية المحكمة العليا، ماريا تاردون، في ما كانت تعرفه السلطات الإسبانية مسبقاً عن عملية العبور، وكيف تم التعامل مع تلك المعلومات المخابراتية، وما إذا كان المسؤولون ‌قد تقاعسوا ‌عن اتخاذ الإجراءات اللازمة استجابة ​للتحذيرات. ‌

وأمهلت ⁠مجلس الوزراء ​15 ⁠يوماً للامتثال لهذا الأمر. وتتركز القضية على واحد من أكثر حوادث المهاجرين دموية على حدود الاتحاد الأوروبي في السنوات القليلة الماضية، وأصبحت اختباراً للمساءلة حول كيفية إدارة إسبانيا والمغرب لتدفقات الهجرة على الحدود الجنوبية لأوروبا.

وأفادت ⁠«رويترز»، في وقت سابق، بأن ما ‌لا يقل عن ‌72 ألف مهاجر عبروا من المغرب ​إلى جيب سبتة، الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، في 30 ‌يوليو الماضي، في موجة تدفق جماعي أسفرت عن ‌وفاة 82 شخصاً على الجانب الإسباني و14 آخرين في المغرب.

ورفع مجلس الوزراء السرية عن 40 وثيقة استخباراتية في الثامن من سبتمبر (أيلول)، بما في ‌ذلك مذكرات من المركز الوطني للاستخبارات ورسائل عبر تطبيق «واتساب»، تضمنت رسائل مسؤولين ⁠حكوميين.

وأظهرت الوثائق ⁠التي تم الكشف عنها أن المركز الوطني للاستخبارات حذر نظراءه المغاربة والسلطات الإسبانية من وجود خطط لاقتحام سبتة. وطلبت تاردون رفع السرية عن جميع المذكرات والتقارير، التي أعدها المركز الوطني للاستخبارات بعد 30 يوليو الماضي بشأن التدفق الحدودي ودور المغرب، بما في ذلك التقارير السرية المتعلقة بسلوك السلطات المغربية.

كما طلبت القاضية أيضاً الحصول على القائمة الكاملة لمستلمي مذكرتين من المركز الوطني للاستخبارات، تم ​رفع السرية عنهما بالفعل، مؤرختين ​في 27 و30 يوليو الماضي، مع توضيح التوقيت الدقيق لتسليمهما.