ستيفن ميلر... مهندس الهوية الجديدة للجمهوريين

«رجل الظل» الأكثر نفوذاً في العاصمة الأميركية واشنطن

 اتهامات منظمات حقوق الإنسان وصحف أميركية كبرى ضده ركّزت على دوره في سياسات عُدّت «قاسية» و«لا إنسانية»
اتهامات منظمات حقوق الإنسان وصحف أميركية كبرى ضده ركّزت على دوره في سياسات عُدّت «قاسية» و«لا إنسانية»
TT

ستيفن ميلر... مهندس الهوية الجديدة للجمهوريين

 اتهامات منظمات حقوق الإنسان وصحف أميركية كبرى ضده ركّزت على دوره في سياسات عُدّت «قاسية» و«لا إنسانية»
اتهامات منظمات حقوق الإنسان وصحف أميركية كبرى ضده ركّزت على دوره في سياسات عُدّت «قاسية» و«لا إنسانية»

لطالما شهدت واشنطن صعود شخصيات سياسية تمكنت خلال فترة وجيزة من فرض نفسها داخل الدائرة الضيقة لصنع القرار في الإدارات الأميركية. من بين هؤلاء، ستيفن ميلر، الذي بات يعد واحداً من أكثر الشخصيات السياسية إثارة للجدل في الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين. فقد تدرج من مساعد رئاسي سابق ومساعد حالي في إدارة دونالد ترمب، إلى مهندس سياسات هجرة صارمة ومتطرف في الخطاب الداخلي، وعرّاب رؤية «أميركا أولاً» التي بلورت جزءاً كبيراً من هوية جناح «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة) داخل الحزب الجمهوري. بيد أنه، منذ عودة ترمب إلى السلطة في 2025، لم تعد أهمية ميلر محصورة في رسم السياسات فقط، بل امتدت إلى بناء هياكل تنفيذية وإدارية تؤسس لبرامج سياسية تُنفّذ سريعاً وتُحدث تأثيراً ملموساً.

 

 

 

حين صعد دونالد ترمب في انتخابات 2016، كان ستيفن ميلر من أوائل الذين انضموا إلى حملته. وسرعان ما أصبح كاتب خطاباته الأبرز، والمستشار الذي يضبط اللغة لتكون أكثر حدة ووضوحاً.

في خطاب ترمب الأول عن «أميركا أولاً»، كانت بصمات ميلر واضحة في صياغة تعابير تصوّر الهجرة بوصفها تهديداً ثقافياً وأمنياً، وليست مجرد مسألة اقتصادية أو إنسانية. ومع دخول ترمب البيت الأبيض، تحوّل ميلر من مجرد كاتب خطابات إلى مهندس سياسات، وغدا من أبرز العقول التي صاغت قرار حظر السفر على مواطني عدد من الدول ذات الغالبية المسلمة، وواحداً من العقول التي صاغت سياسة فصل الأطفال عن ذويهم على الحدود، إضافة إلى سياسات أكثر صرامة في ضبط اللجوء والهجرة.

من سانتا مونيكا إلى البيت الأبيض

وُلد ستيفن ميلر يوم 23 أغسطس (آب) عام 1985 في مدينة سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا، في قلب بيئة اجتماعية ميسورة، وهو ما وفّر له منذ الصغر أجواء مختلفة عن تلك التي يتحدر منها كثير من المحافظين الذين يرفعون شعارات الشعبوية لاحقاً. أما عائلته فهي يهودية من أصول شرقية أوروبية؛ إذ إن جده وجدته من جهة والدته هاجرا من بيلاروسيا هرباً من موجات الاضطهاد ضد اليهود في الإمبراطورية الروسية مطلع القرن العشرين. أما والده مايكل فمحامٍ ورجل أعمال عقاري تخرج في جامعة ستانفورد المرموقة، بينما انخرطت والدته ميريام غلوسر في أعمال اجتماعية قبل أن تلتحق أيضاً بأعمال العائلة العقارية. هذه الخلفية العائلية التي تجمع بين الاندماج في الطبقة الوسطى العليا والذاكرة العائلية المرتبطة بالمنفى والتهجير جعلتا من ستيفن شخصية مركّبة. فهو ينتمي إلى بيئة تُعلي من شأن الثراء الفردي، لكنه في الوقت نفسه يحمل إرثاً عائلياً يتحدث عن الهوية والاضطهاد والانتماء.

في سنوات المراهقة الأولى بمدرسة سانتا مونيكا الثانوية، بدأ ميلر يعبّر علناً عن مواقف سياسية محافظة مثيرة للجدل وسط محيط يغلب عليه الطابع الليبرالي؛ إذ كتب في صحيفة المدرسة مقالات يهاجم فيها ما يسميه «التعددية المفرطة» و«الانصياع للسياسة الصحيحة»، وكان من أوائل من يعترضون على استخدام اللغة الإسبانية في الإعلانات المدرسية، بل طالب بإعادة ترديد قسم الولاء الأميركي بشكل يومي. وبحسب زملاء له، كان شديد الجرأة في مواجهة أساتذته وزملائه، وغالباً ما دخل في نقاشات حادة لا تهدف إلى المسايرة بقدر ما تؤكد انحيازه إلى «هوية أميركية صارمة» لا تحتمل المساومات.

أيضاً يشير مقربون منه إلى أن قراءته المبكرة لكتاب «البنادق والجريمة والحرية» لوين لابيير، رئيس الجمعية الوطنية للبنادق، شكّلت نقطة تحوّل رسخت لديه إيماناً عميقاً بحق حمل السلاح الفردي، وبما اعتبره حرية شخصية مهددة دوماً من نخبة ليبرالية متغطرسة.

دراسة جامعية في الجنوب المحافظ

انتقل ميلر لمتابعة دراسته الجامعية إلى جامعة ديوك العريقة بولاية نورث كارولينا - إحدى كبريات ولايات الجنوب المحافظ - وتخرج فيها عام 2007 بدرجة البكالوريوس في العلوم السياسية. وهناك رسّخ مكانته بوصفه صوتاً محافظاً راديكالياً، وقاد اتحاد الطلاب المحافظين وشارك في تنظيم مناظرات حول قضايا الحرية الأكاديمية والتعددية الثقافية، كما كتب في صحيفة الجامعة مقالات مثيرة للجدل كان يهاجم فيها التوسّع في سياسات الهوية. وخلال سنوات الدراسة الجامعية كوّن علاقات مع شخصيات محافظة بارزة، وأصبح معروفاً في الأوساط الجمهورية الشابة بأنه صوت قادر على صياغة خطاب حاد وواضح في مواجهة ما يعدّه «أوهام الليبرالية».

ومن ثم، بعد تخرجه، عمل ميلر مع بعض أعضاء الكونغرس الجمهوريين، قبل أن يصبح مدير الاتصالات للسيناتور الجمهوري جيف سيشنز من ولاية ألاباما، ما مثّل له منصة سياسية حقيقية. وعبر عمله مع سيشنز شارك في معارك تشريعية ضد محاولات تمرير قوانين إصلاح شامل للهجرة، وأتقن أسلوب صياغة خطاب يدمج بين البعد القومي والآليات القانونية والإدارية.

هذه التجربة مع سيشنز كانت حاسمة؛ إذ عرّفته على المعركة السياسية الكبرى التي ستحدد مساره المحافظ لاحقاً... بالذات إزاء قضية الهجرة والهوية القومية.

«عقل» ترمب التنفيذي

على هذه الخلفية، تحوّل ستيفن ميلر إلى ما يشبه «رجل الظل» في البيت الأبيض. فبالنسبة لمؤيدي ترمب، أصبح هو الشخص القادر على ترجمة وعود الرئيس إلى سياسات ملموسة، في حين نظر إليه خصومه بوصفه الوجه الأوضح لـ«قومية بيضاء مقنّعة» تستغل الدولة لتنفيذ أجندة آيديولوجية.

الاتهامات التي وُجهت له من قبل منظمات حقوق الإنسان وصحف أميركية كبرى ركّزت على دوره في سياسات عُدّت «قاسية» و«لا إنسانية»، لكن ذلك لم يزده إلا حضوراً لدى أنصار ترمب الذين رأوا فيه مثالاً للمستشار الذي لا يساوم ولا يتراجع أمام الضغط.

بعدها، في ولاية ترمب الثانية، وإثر توليه مناصب تنفيذية عليا، بينها «مساعد الرئيس لشؤون السياسات» و«مستشار الأمن الداخلي»، صار يُنظر إلى ميلر من قبل مؤيديه على أنه الشخص القادر على تفعيل برنامج «ماغا» بسرعة، من دون الاكتفاء بالوعود الانتخابية. وهو حقاً يُعدّ الآن على نطاق واسع واحداً من أكثر الشخصيات نفوذاً في الإدارة الجديدة، حتى وُصف في بعض التقارير بأنه «أقوى موظف غير منتخب في واشنطن».

للعلم، ميلر لا يكتفي بتقديم المشورة، بل يشرف أيضاً على فرق عمل تنفيذية داخل وزارة الأمن الداخلي والبيت الأبيض، ويعيد تشكيل البيروقراطية بحيث تعمل على نحو يترجم رؤيته السياسية بسرعة وفاعلية. وهو في رأي مؤيديه القيادي الذي يملأ الآن الفراغ الذي تركه الجمهوريون «التقليديون» الذين اكتفوا بالخطاب من دون قدرة على التنفيذ. أما معارضوه فيرون أنه يركّز سلطات غير مسبوقة في يد دائرة ضيقة من الموالين للرئيس، ما قد يقوّض الضوابط الدستورية ويضعف استقلالية مؤسسات الدولة.

والواقع أن لغة ميلر وخطابه السياسي يقومان على الجمع بين شحنة عاطفية تقوم على التخويف والتحذير من ضياع الهوية الأميركية، وتقديم مبررات قانونية وإدارية تجعل هذه السياسات تبدو وكأنها استحقاقات إجرائية طبيعية.

وهو حين يقول إن «أميركا للمواطنين فقط»، فهو يضع قاعدة عاطفية تتجاوب معها القاعدة الشعبية، لكنه في الوقت ذاته يدفع فرق عمل لإعادة صياغة القوانين بحيث تعطي الأولوية للمواطنين على نحو صارم في الإسكان والوظائف والمساعدات.

هذه القدرة على الجمع بين الخطاب العاطفي والتقنية البيروقراطية هي ما يجعل تأثيره ممتداً، وما يثير قلق خصومه الذين يعتبرون أن الأمر لم يعد مجرد خطاب شعبوي بل تحول إلى مؤسسات وسياسات.

انقسام حول دوره وتأثيره

على أي حال، فالتأييد لميلر داخل حركة «ماغا» واسع، ويُنظر إليه بوصفه أحد أخلص من جسّد وعود ترمب، وأكثرهم قدرة على فرضها على أرض الواقع. وعند القاعدة المحافظة، هو مَن صاغ رؤية أن الدولة يجب أن تخدم أولاً مصالح المواطن الأميركي الأصلي، وأن الهجرة غير النظامية تهديد اقتصادي وأمني. كذلك، تشيد بعض الأصوات المحافظة به لأنه لا يكتفي بالكلام، بل يقدّم نتائج، في حين يقول خصومه إن هذه النتائج تأتي على حساب القيم الإنسانية والقانونية التي أسست عليها الولايات المتحدة.

اليوم معارضو ميلر لا يقتصرون على الديمقراطيين والمنظمات الحقوقية. فحتى داخل الحزب الجمهوري، هناك من يرى أن تشدد ميلر قد يكلّف الحزب خسارة أصوات المعتدلين والمستقلين، خصوصاً في الولايات المتأرجحة. في المقابل، يرى جناح «ماغا» المتطرف أن هذه المخاطرة ضرورية؛ لأن القاعدة الشعبية المحافظة تحتاج إلى سياسات واضحة وحادة تحميها مما تعدّه «غزواً ثقافياً» يغيّر هوية البلاد. وبين هذا وذاك، يبدو الحزب الجمهوري مقبلاً على اختبار هويته: هل يظل حزباً محافظاً تقليدياً يجمع بين اليمين المعتدل واليمين المتشدد، أم يتحول إلى حزب «ماغا» بامتياز يقوده خطاب الهوية والصرامة التنفيذية؟

النقاش الدائر حول ميلر يعكس هذا الاختبار بدقة. فمن جهة، نراه يمثل التيار الذي يرى في مركزية السلطة التنفيذية وسيلة لتجاوز الشلل السياسي في الكونغرس. ومن جهة أخرى، يراه خصومه تهديداً لفصل السلطات ومقدمة لانزلاق النظام الأميركي نحو سلطوية تنفيذية تضعف الضوابط القضائية والتشريعية.

«ماغا»... ومستقبل الحزب الجمهوري

في هذا السياق، يصبح مستقبل الحزب الجمهوري مرهوناً بما إذا كان سيواصل السير وراء رؤية ميلر وترمب، أم سيحاول التوفيق بين هذا التيار الشعبوي المتشدد وأجنحة أخرى أكثر اعتدالاً. وإذا كان الماضي القريب يشير إلى أن لغة ميلر تجذب قاعدة مؤثرة وفاعلة في الحزب، فإن المستقبل يطرح أسئلة أصعب: هل ستستطيع هذه اللغة أن توسّع القاعدة الجمهورية بما يكفي للفوز في الانتخابات المقبلة، أم أنها ستعزل الحزب داخل شرنقة آيديولوجية ضيقة؟في كل الأحوال، ستيفن ميلر لم يعد مجرد مستشار سياسي يكتب خطابات رنانة، بل بات رمزاً لصراع أكبر حول معنى الهوية الأميركية ومستقبل الحكم في البلاد. وإذا كان الحزب الجمهوري سيبقى متمسكاً بمبادئه التقليدية في الاقتصاد والسياسة الخارجية، أو سيعيد تعريف نفسه وفق رؤية «ماغا»، فإن ميلر هو بلا شك من بين أبرز من يرسمون ملامح هذا التحول. نجاحه في تحويل خطاب الهوية إلى سياسات ملموسة يعني أن «ماغا» قد تصبح هوية الحزب على المدى البعيد. لكن إذا تعثرت سياساته في المحاكم، أو أثارت رد فعل اجتماعي واقتصادي عكسي، فقد يضطر الحزب لمراجعة خياراته والبحث عن هوية جديدة أو العودة إلى توازنات الماضي.

 


مقالات ذات صلة

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

حصاد الأسبوع الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع إسماعيل قاآني (آ ب)

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

> تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً

حصاد الأسبوع كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي

حصاد الأسبوع رئيس الأرجنتين ميلاي (آ ب)

رياح الإعصار اليميني تشتدّ بلا هوادة في أميركا اللاتينية

تعتبر الأوساط اليمينية في أميركا اللاتينية أن أهمية وصول آبيلاردو دي لا إسبيريلّا إلى الرئاسة في كولومبيا - ثالثة كبرى دول «منطقة» أميركا اللاتينية بعد البرازيل

«الشرق الأوسط» ( مدريد)
حصاد الأسبوع أعلام إسرائيلية على طريق شمال غور الأردن في الضفة الغربية... وثمة مخاوف في عمّان من ترحيل إسرائيل فلسطينيين إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن (أ.ب)

الأردن أمام «مرحلة مفصلية»... تحديات إقليمية واستحقاقات داخلية

تتزاحم التحديات التي يواجهها الأردن. وأمام حالة عدم اليقين التي تعيشها المنطقة، بفعل الاضطرابات المُرشحة للتوسُّع، واحتمالات استمرار الصراع بين أطراف الحرب

محمد خير الرواشدة (عمّان)

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين البلدين. وقال روبيو خلال حفل التوقيع الذي رفعت فيه أعلام الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل جنباً الى جنب «يسرنا الاعلان عن اتفاق إطار بين الحكومة اللبنانية ذات السيادة وبالطبع حكومة إسرائيل، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة»، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار الى أن هذا الاتفاق يمّهد الطريق «لإطار من أجل سلام دائم وأمن».وتناولت جولة المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة، الانتقال من البحث في وقف النار إلى مناقشة نموذج ميداني يفترض أن تنسحب بموجبه إسرائيل تدريجياً من أراضٍ تحتلها في جنوب لبنان، ليتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها ويمنع عودة الوجود العسكري لـ«حزب الله».

الفريق الأميركي في المفاوضات ممثلاً بوزير الخارجية روبيو يحط به السفير الأميركي لدى لدى ميشال عيسى (يمين الصورة) والمسؤول في الخارجية مايكل نيدهام (غيتي/آ ف ب)

وخلف الأبواب وقبيل توقيع الاتفاق وفي غمرة الضجيج الإعلامي الصادر من طهران وأذرعها حول «الانتصارات والمقاومة»، تكشف التفاصيل المسرّبة من غرف التفاوض المغلقة في العاصمة الأميركية واشنطن وسويسرا عن مشهد مغاير تماماً. إنه مشهد تتقاطع فيه الضغوط الأميركية الحازمة مع رغبة إسرائيلية في انتزاع مكاسب أمنية جوهرية، وتنازلات إيرانية هيكلية تعيد صياغة نفوذها الإقليمي من بيروت إلى بغداد.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن الطرفين الإسرائيلي واللبناني أحرزا تقدماً وباتا قريبين جداً من «التزام نيات» (كلامه هذا جاء قبل إعلان الاتفاق الإطاري الجمعة). في حين أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات تتناول الإجراءات الأمنية اللازمة لإعادة الاستقرار وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً. غير أن مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين نفوا كلاماً أميركياً عن انسحاب من جزء من «المنطقة العازلة» باعتباره «بادرة حسن نية».

هذه الفجوة لا تلغي أهمية الجولة، لكنها تحدد طبيعتها؛ فما تحقق هو تفاهم أوّلي على الاتجاه، لا اتفاق على التنفيذ. لذا تبدو الجولة بداية مسار سياسي وأمني جديد أكثر منها خاتمة لمسار عسكري قائم.

والأهم أن المفاوضات اللبنانية باتت متصلة، من دون أن تكون مندمجة بالكامل، بالتفاوض الأميركي مع إيران؛ إذ تصر واشنطن على أن مستقبل لبنان يناقش مع حكومته، لكنها تحمّل طهران في الوقت نفسه مسؤولية ضبط «حزب الله» ووقف تمويله وتسليحه، بما يجعل الجولة جزءاً من اختبار أوسع لترتيب إقليمي مختلف عمّا ساد قبل الحرب.

من «التزام النيات» إلى اختبار الانسحاب

أبرز ما خرجت به الجولة هو قبول مبدئي بفكرة «المناطق النموذجية» أو «التجريبية». وتقوم الخطة على اختيار مساحة محدّدة تنسحب منها القوات الإسرائيلية بعد التحقق من إزالة البنية العسكرية لـ«حزب الله»، ثم تدخلها وحدات من الجيش اللبناني وتتولّى تأمينها، قبل تكرار النموذج في مناطق أخرى. وهذه صيغة تجمع بين المطلب اللبناني بالانسحاب واستعادة السيادة، والمطلب الإسرائيلي بضمان ألا تتحوّل الأرض المُخلاة إلى منصّة يعيد الحزب منها بناء قدراته.

لكن عبارة «التزام نيات» التي استخدمها روبيو تكشف عن حدود الإنجاز بقدر ما تعكسه؛ فهي تشير إلى توافق على الهدف العام، من دون أن تعني اتفاقاً على الخرائط والجداول الزمنية وقواعد المراقبة.

كذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول موقع المنطقة الأولى: هل تبدأ من مساحة تقع شمال الليطاني، كما أفادت معلومات لبنانية، أم من داخل «المنطقة العازلة» التي أقامتها إسرائيل؟

وهل يكون الانسحاب خطوة نحو خريطة شاملة، أم قراراً منفصلاً يخضع في كل مرة إلى تقييم أمني إسرائيلي؟

لقد جاء الالتباس حول الانسحاب ليؤكد أن هذه الأسئلة لم تحسم بعد؛ فالمسؤول الأميركي قال إن إسرائيل «سحبت قوات من جزء من المنطقة»، من دون تحديد مساحته أو موقعه. وفي المقابل، بينما قال مسؤول أمني إسرائيلي إن الجيش لم ينسحب، أفاد مسؤول لبناني كبير بأن بيروت لا تعلم شيئاً عن الخطوة. وقد يعني ذلك أن واشنطن أعلنت عن موافقة سياسية إسرائيلية قبل تنفيذها، أو أن ما جرى إعادة انتشار محدودة لا تعدّها إسرائيل انسحاباً ولا تملك بيروت معلومات عملياتية عنها.

في الحالتين، تحاول الإدارة الأميركية، على ما يبدو، منع انهيار المفاوضات تحت ضغط المناوشات والضربات. فالجنوب لا يزال منطقة حرب فعلية بالنسبة إلى عشرات آلاف النازحين الذين لا يستطيعون العودة، إما بسبب بقاء القوات الإسرائيلية وإما بسبب الدمار الواسع، ولذلك تقاس قيمة الجولة بقدرتها على إنتاج أول تسليم واضح وموثق للأرض إلى الجيش.

«المناطق النموذجية»

تختلف دلالة الخطة باختلاف الطرف الذي ينظر إليها؛ فبالنسبة إلى لبنان، ينبغي أن تكون «المنطقة النموذجية» أول حلقة في مسار ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، ووقف الغارات والاغتيالات، وعودة السكان، وانتشار الدولة حتى الحدود الدولية.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهي «اختبار لقدرة» الجيش اللبناني على إزالة منشآت «حزب الله»، وضبط طرق الإمداد، ومنع عودة عناصر الحزب بصفة مدنية أو عبر هياكل محلية.

لذلك تتمسك إسرائيل بمقاربة «منطقة بعد أخرى»؛ لأنها لا تريد الالتزام سلفاً بخريطة انسحاب شاملة قبل أن ترى نتائج المرحلة الأولى. كما أنها تربط أي تراجع بنزع سلاح الحزب أو، في الحد الأدنى، بتجريد المنطقة المعنية من البنية العسكرية والأسلحة القادرة على تهديد مستوطنات الشمال. في المقابل، تخشى بيروت أن تتحوّل الخطة إلى «إعادة تنظيم للاحتلال»، بانسحاب من نقاط ثانوية والإبقاء على شريط أمني أضيق.

هذا الخلاف يترك سؤالاً أساسياً بلا جواب: ما المقصود حقاً بنزع سلاح «حزب الله»؟ هل يقتصر في المرحلة الأولى على إبعاد السلاح والمقاتلين عن المناطق التي ستنتشر فيها الدولة؟ أم يشمل ترسانة الحزب على مستوى لبنان؟

وما الأولوية بين الصواريخ الدقيقة والبعيدة، والطائرات المسيّرة، والدفاعات الجوية، والصواريخ المضادة للدروع، والأنفاق ومراكز القيادة؟

المُعلن حتى الآن لا يثبت اتفاقاً نهائياً على نوع السلاح أو جدول جمعه. والأرجح أن واشنطن تحاول «تفكيك» المشكلة إلى مراحل: تثبيت مناطق خالية من الوجود العسكري أولاً، ثم الانتقال إلى السلاح الثقيل والاستراتيجي، مع ترك ملف السلاح الفردي والبنية التنظيمية إلى عملية لبنانية أطول. لكن بينما تقول إسرائيل إنها تخشى أن يمنح التدرّج الحزب وقتاً لإعادة التموضع، يخشى لبنان صداماً داخلياً يعجز الجيش عن احتوائه.

«الضمانة الأميركية»

هنا تبرز أهمية الضمانة الأميركية؛ فنجاح النموذج يتطلب آلية تحقق تحدّد من يقرّر أن المنطقة أصبحت خالية من السلاح، وكيف ترصد الخروق، وما الذي يحدث إذا حاول الحزب العودة إليها، وما حدود الحق الإسرائيلي في التحرك. ذلك أنه من دون اتفاق على هذه القواعد، قد يصبح كل خرق ذريعة لاستئناف الغارات، وكل غارة سبباً لعودة لقتال.

فصل مسار لبنان ومسؤولية إيران

للوهلة الأولى، تبدو السياسة الأميركية حيال لبنان «مزدوجة».

وزير الخارجية روبيو يؤكد أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل «منفصلة» عن المباحثات مع إيران؛ لأن لبنان دولة ذات سيادة، ولديه حكومة تتعامل واشنطن معها مباشرة. لكن نائب الرئيس جي دي فانس يقود في موازاة ذلك مساراً تفاوضياً مع طهران يتضمّن وقف القتال في لبنان، وبين هذا وذاك، يهدد الرئيس دونالد ترمب بضرب إيران مجدداً إذا لم تمنع «حزب الله» من «إثارة المتاعب».

غير أن هذا «التعدّد» قد يكون توزيعاً للأدوار أكثر منه تناقضاً. فمسار روبيو يحدد صاحب الحق في القرار... أي الحكومة اللبنانية، لا إيران ولا «حزب الله». أما مسار فانس فيتعامل مع الطرف القادر على تعطيل القرار عبر التمويل والتسليح والتوجيه السياسي. وبهذا المعنى، تحاول واشنطن الفصل بين «شرعية» التفاوض و«مسؤولية» التخريب: إنها تتفاوض على مستقبل لبنان مع بيروت، لكنها تتفاوض مع طهران على وقف دعم القوة التي تستطيع إفشال أي ترتيب. ومن ثم، تستخدم الإدارة حاجة طهران إلى تثبيت وقف الحرب وتخفيف العقوبات للضغط عليها في ملف «حزب الله»، من دون منحها وصاية على لبنان.

لذلك تبدو تصريحات ترمب أكثر من تهديد عابر؛ فهي تنقل المسؤولية عن عمليات الحزب من مستوى التنظيم المحلي إلى الدولة الراعية، وتقول عملياً إن استمرار العنف في لبنان قد تكون له كلفة مباشرة على إيران.

بيد أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة واضحة؛ فإدراج لبنان في «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية» يمنح طهران ورقة للقول إن انسحاب إسرائيل تحقق نتيجة ضغطها ومفاوضاتها، لا نتيجة المسار اللبناني. وأيضاً، يثير خشية في بيروت وتل أبيب من أن تصبح تفاصيل الأمن اللبناني جزءاً من مساومات تتعلق بالنووي والعقوبات ومضيق هرمز. ولهذا يصرّ روبيو على الفصل العلني، حتى وهو يقرّ بأنه لا يمكن تجاهل البُعد الإيراني بسبب علاقة طهران بـ«حزب الله».

من هنا، يرى البعض أن واشنطن لا تستطيع الفصل الكامل بين المسارين، لكنها تمنع دمجهما سياسياً، وأن نجاحها يتوقّف على قدرتها على استخدام النفوذ الإيراني لضبط الحزب من دون تحويل إيران إلى شريك في تقرير شكل الدولة اللبنانية أو حدود الترتيبات مع إسرائيل.

من افتتاح جلسة المفاوضات الخامسة في واشنطن (الوكالة الوطنية للأنباء - لبنان)

مخاوف إسرائيل وامتحان الجيش اللبناني

ينطلق القلق الإسرائيلي من أن التفاهم الأميركي مع إيران قد ينقذ «حزب الله» من نتائج الحرب؛ فمسؤولون إسرائيليون يخشون أن تنتقل الأولوية الأميركية من تفكيك الحزب وإخراج النفوذ الإيراني إلى مجرد وقف النار ومنع الاحتكاك، وأن تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب قبل قيام ضمانات أمنية قادرة على الصمود.

ولهذا تتمسّك إسرائيل بحرية العمل ضد ما تعتبره إعادة تسلح أو تهديداً وشيكاً، وترفض حتى الآن تقديم التزام غير مشروط بالعودة إلى الحدود. وبالفعل، باتت «المنطقة العازلة» ورقة تفاوض وضمانة أمنية؛ وبالتالي، فإن التخلي عنها بلا نزع للسلاح يعرّض نتنياهو لانتقادات داخلية.

في المقابل، يواجه الجيش اللبناني امتحاناً يتجاوز دخول الأرض التي تنسحب منها إسرائيل؛ إذ عليه أن يثبت قدرته على البقاء فيها وضبطها، وأيضاً منع عودة الحزب، والتعامل مع مخازن السلاح والأنفاق، من دون الانجرار إلى مواجهة أهلية. يضاف إلى ذلك أنه يحتاج إلى عديد وتجهيز وتمويل وغطاء سياسي، لا تزال كلها موضع سؤال، خصوصاً مع اتساع الدمار والحاجة إلى حماية عودة السكان وتأمين الحدود.

في هذه الأثناء، تبحث الولايات المتحدة تدريب الوحدات اللبنانية والتحقق من جاهزيتها وموثوقيتها. ولقد تداولت تقارير دوراً محتملاً للقيادة الوسطى الأميركية (سينتكوم) في الإشراف أو المراقبة، لكن لم يصدر حتى الآن أي إعلان نهائي يحدّد ما إذا كانت الـ«سينتكوم» ستتولى تدقيقاً مباشراً في العناصر... أم ستكتفي بالدعم والتنسيق.

محللون يرون أن المشكلة الأعمق هي أن انتشار الجيش ليس مرادفاً لنزع السلاح؛ إذ يمكن للجيش أن يتولى الإشراف على منطقة محدّدة إذا انسحبت إسرائيل منها وتوافرت له المساعدة، لكن تفكيك منظومة «حزب الله» في أنحاء لبنان يحتاج إلى قرار سياسي وطني وآلية تدريجية وضمانات للطائفة الشيعية، إضافة إلى منع إيران من إعادة بناء قنوات التمويل والتسليح.

وإذا حمّلت واشنطن الجيش وحده أكثر مما يستطيع تحمّله، فقد يتحول النموذج من اختبار لسيادة الدولة إلى اختبار يكشف عن حدودها.


عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)
TT

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)

تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً أو «تفرّ مهزومة»؛ في محاولة واضحة لتقديم المسار التفاوضي باعتباره ثمرة صمود محور طهران.

ومع أن تصريح قاآني لا يخفي بأنه خطاب تعبوي موجّه إلى الداخل ولأذرع إيران في المنطقة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن إيران نجحت في إدراج وقف القتال في لبنان ضمن تفاهماتها مع واشنطن، وأنها حافظت على النظام وعلى ورقة تفاوض إقليمية رغم الضربات.

في المقابل، صورة القوة الإيرانية تبدو مختلفة عند قياسها بما اضطرت طهران إلى قبوله. فلبنان يخوض «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل حول انتشار الجيش ونزع سلاح أبرز حلفائها. وواشنطن تحمّل إيران علناً مسؤولية سلوك «حزب الله»، في حين تواجه الفصائل الموالية لطهران في العراق ضغوطاً للاندماج في مؤسسات الدولة أو تقليص مظاهر سلاحها المستقل. وهذا، بجانب أن التفاوض على العقوبات والملف النووي بات مرتبطاً بدرجة ما بقدرة إيران على ضبط شبكتها الإقليمية.

هنا، يرى السفير الأميركي السابق جيمس جيفري في «فورين أفيرز» أن الإخفاق في تحقيق الأهداف القصوى لا يعني انتصار إيران؛ لأن المواجهات منذ 2023 أضعفت قدراتها وشبكة وكلائها وعززت موقع واشنطن. غير أن هذا التقييم يظل موضع نقاش، خصوصاً أن «حزب الله» لم يختف، والفصائل العراقية لم تُنزع أسلحتها، وإيران أظهرت قدرة على استخدام هرمز وملفات المنطقة لفرض تفاوض مباشر.

بناءً عليه، قد يكون من الأدق القول إن المنطقة تدخل «مرحلة انتقال»، لا نهاية مكتملة لمحور إيران. إذ تنتقل طهران من الاعتماد على تنظيمات كبيرة ومعلنة تملك ترسانات واسعة إلى شبكات أصغر وأكثر سرّيّة، أو تقبل بدمج شكلي لبعض الفصائل مع احتفاظها بنفوذ داخل مؤسسات الدولة.

لذلك؛ سيكون نجاح النموذج اللبناني مهماً أبعد من حدوده: فإذا انسحبت إسرائيل، وانتشر الجيش، ومُنع الحزب من استعادة وجوده، يصبح هذا الواقع سابقة لحصر السلاح بيد الدولة. وعندها فقط يمكن القول إن الجولة الخامسة دشّنت مرحلة مختلفة في لبنان والمنطقة. أما إذا بقي الانسحاب معلقاً أو عاد الحزب إلى المناطق المُخلاة، فستتحول الجولة الخامسة هدنة تفاوضية أخرى.


آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
TT

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي والداني بفوزه في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية في كولومبيا قال إن انتصاره يعني «الهزيمة الكاملة لجميع السياسيين والأحزاب التي حكمت البلاد إلى اليوم». ولكن على الرغم من خطاب آبيلاردو دي لا اسبيريلّا، الذي أكّد فيه على امتداد حملة الانتخابات الرئاسية بأنه «نزل إلى الميدان» ليطوي صفحة الماضي إلى غير رجعة، جاء فوزه بفارق صغير جداً على منافسه اليساري، ليضع بلاده كولومبيا ضمن المعسكر اليميني المتطرف الذي انضمت إليه 12 دولة في أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث الماضية.

عندما ظهرت النتائج النهائية للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، معلنة فوز المرشح اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا اسبيريلّا بنسبة 49.66 في المائة من الأصوات مقابل 48.70 في المائة لمنافسه اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي غوستافو بترو، خرج الرئيس المنتخب أمام أنصاره في مدينة بارّانكيّا، ليقول: «أرث بلداً صعباً، بلداً منقسماً على ذاته، مثقلاً بالديون وفي حاجة إلى إعادة الإعمار. لن أعدكم بالمعجزات ولن أخادع الشعب بحلول سحرية. النهوض من الهاوية يقتضي جهداً وتضحيات وانضباطاً ومثابرة». ثم أضاف: «أعرف أننا قد ورثنا كارثة، لكن ما إن أتولى السلطة في السابع من أغسطس (آب) المقبل، سأكشف النقاب عن تسعين مرسوماً في الأمن والاقتصاد والصحة والتعليم، من شأنها أن تغيّر ملامح البلاد إلى الأبد».

وبالمناسبة، فإن بارانكيّا، ميناء البلاد الأول، دارت فيه أحداث رائعة غابرييل غارسيّا ماركيز «وقائع موت معلن»، التي تروي قصة حقيقية بطلها مهاجر متحدر من أصول لبنانية يدعى سانتياغو نصّار.

سياسياً، على رغم التأييد الشعبي الواسع الذي ناله دي لا اسبيريلّا في هذه الانتخابات وناهز 13 مليوناً من الأصوات، أي ربع عدد السكان تقريباً، فإنه كان يعلم أن منافسه اليساري حصد هو أيضاً نسبة عالية من الأصوات تقارب ما حصل عليه هو. ومن ثم، فبرنامجه لتحقيق «المعجزة الكولومبية» الموعودة وتعهده بإحداث تغيير جذري في كل القطاعات، ستكون دونهما عقبات كثيرة ليس أقلّها أن نصف البلاد تقريباً يعارض سياسته بشدة.

البداية والمسيرة

ولد آبيلاردو دي لا اسبيريلّا في بوغوتا عاصمة كولومبيا قبل 47 سنة، وبعد نيله شهادة الحقوق من جامعة بوغوتا أسّس مكتباً للمحاماة سرعان ما اكتسب شهرة واسعة بعدما تولّى الدفاع في قضايا عدة عن متهمين بأعمال احتيال ضخمة واغتيالات تعرّض لها زعماء نقابيون وسياسيون. وكذلك تولّى أيضاً الدفاع عن رجل الأعمال المعروف أليكس صعب الذي كان الذراع المالية لنظام الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.

وإلى جانب نشاطه في المحاماة، خاض دي لا اسبيريلّا أيضاً مجال الأعمال، حيث أسس مؤسسات عدة للملابس الرجالية الفاخرة والمشروبات والمطاعم، إلا أنه بعد فشلها، قرّر إقفالها جميعاً مطالع العام الماضي في أعقاب تسجيلها خسائر تقدّر بملايين الدولارات. كذلك، سبق للرجل دخول مجال الغناء كمغنٍ يؤدي وصلات من الأغاني الشعبية الإيطالية المشهورة والأوبرا.

الترشّح للرئاسة

مطلع الصيف الماضي أعلن دي لا اسبيريلّا عن نيّته الترشّح للانتخابات الرئاسية، علماً بأنه لم يسبق أن تولّى أي وظيفة رسمية، ولم يشارك في أي نشاط سياسي. ولم يطل الوقت حتى أطلق حملة لجمع التواقيع دعماً للتيّار الذي ترشّح باسمه «المدافعون عن الوطن»، وتحالف مع الوزير السابق خوسيه مانويل رستريبو، الذي يحظى بتأييد واسع في الأوساط اليمينية، كمرشح لمنصب نائب الرئيس.

والواقع، أنه عندما أعلن دي لا اسبيريلّا ترشحه الرسمي وكشف عن برنامجه السياسي الذي يتضمّن مقترحات راديكالية لم يسبق أن طرحها أي حزب أو زعيم سياسي في كولومبيا، لم تكن شعبيته تتجاوز 10 في المائة من الناخبين وفق استطلاعات الرأي الأولى. وكان من مقترحات برنامجه: إنهاء جميع عمليات السلام مع الجماعات المسلحة وإلغاء الاتفاقات الموقّعة في إطارها، وترخيص حمل السلاح للمدنيين، وإلغاء عدد من الوزارات والانسحاب من منظمات دولية مثل محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، وترميم العلاقات مع إسرائيل بعدما كان قرّر قطعها الرئيس الحالي غوستافو بترو... بل وفتح سفارة لكولومبيا في مدينة القدس.

«إيمان» متأخر... وتقارب مع إسرائيل

أيضاً، أعلن المرشح اليميني المتطرف أنه سيقارب العلاقات مع «الجارة» فنزويلا، ولكن عن طريق وزارة الخارجية الأميركية لا عن طريق حكومة الرئيسة دلسي رودريغيز. وكان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»، مع الإشارة إلى أنه كان ملحداً حتى عام 2021 عندما أعلن اعتناقه الكاثوليكية. وأيضاً، هناك توعّده الضرب بيد من حديد لمكافحة الجريمة، والدفاع عن الأسرة التقليدية والملكية الخاصة، ومنع الإجهاض والموت الرحيم والسماح للمثليين بالتبنّي، كما تعهد إقفال محكمة السلام التي أسّست لمحاكمة الثوار والعسكريين السابقين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.

من ناحية ثانية، ملفّات كثيرة حول علاقات دي لا اسبيريلّا بأشخاص ضالعين في قضايا فساد وجرائم، أثارت جدلاً واسعاً حول أهليته للترشح في الانتخابات الرئاسية، وأيضاً حيازته الجنسية الأميركية التي نالها خلال فترة قصيرة عندما أقام في ميامي؛ ما أثار شبهات حول الأسباب وراء حصوله عليه بسرعة وسهولة. وتقدّمت جهات عدة بطعون في ترشيحه، لكن القضاء بتّ لصاح أهليته للترشح.

حليف طبيعي لترمب ... ولليمين التقليدي

النتائج النهائية بيّنت أن دي لا اسبيريلّا حصل على تأييد واسع بين الناخبين الذين كانوا دعموا المرشحة المحافظة بالوما فالنسيا في الدورة الأولى. والأخيرة كانت مدعومة بدورها من القيادات اليمينية التقليدية، وبخاصة، الرئيس الأسبق مانويل أوريبي، وأيضاً من مجتمع الأعمال والنخب الاقتصادية الذي كان يخشى ولاية يسارية ثانية بعد الرئيس الحالي بترو.

ولكن، بناءً على كل ما سبق ذكره، لم يكن مستغرباً أبداً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان أول مهنئي الرئيس الكولومبي الجديد. وللعلم، غرّد ترمب على حسابه «تشرّفت كثيراً بدعم (النمر)، وأتطلع إلى العمل معه لبناء علاقة وطيدة بين كولومبيا والولايات المتحدة تعود بالخير والعظمة على البلدين». أيضاً الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلاي، الذي يطلق هو أيضاً على نفسه لقب «الأسد»، صرّح قائلاً: «الأسد والنمر يُسمع زئيرهما الآن في أرجاء أميركا اللاتينية».

أما الرئيس المنتخب نفسه، فقد عرض في تصريحاته الأولى بعد الفوز على منافسه اليساري إيفان سيبيدا توقيع «اتفاق وطني» عوضاً عن فتح جبهة سياسية واجتماعية بينهما، بيد أنه حذّر في الوقت نفسه من أنه لن يتهاون في التعاطي مع التعبئة الشعبية والاحتجاجات والإضرابات التي هددت بها النقابات العمالية والتنظيمات الاجتماعية.

وعود انتخابية ومصاعب معيشية

للتذكير، كان دي لا اسبيريلّا قد وعد بخفض الضرائب وتقديم محفّزات مالية للشركات المنتجة؛ بهدف تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وخفض العجز المالي الذي سجّل ارتفاعاً ملحوظاً خلال ولاية بترو. كان العجز قد ارتفع خصوصاً بسبب المشاريع الاجتماعية التي أقرَّتها حكومة بترو دعماً للطبقات العاملة والفقيرة والمناطق الريفية التي يقطنها السكان الأصليون.

بالتوازي، كان بين التدابير التي وعد بها الرئيس الجديد في برنامجه الانتخابي، ولقيت ترحيباً واسعاً في الأوساط المحافظة، القضاء على زراعة الكوكايين بواسطة رشّ 330 ألف هكتار من المساحات الزراعية بالمبيدات. إلا أنه من المتوقع، في حال تنفيذه هذا الوعد، أن يواجه معارضة شديدة من سكان الريف الذين يعيشون بنسبة كبيرة على هذه الزراعة، ويطالبون بتحويلها إلى الاستهلاك الطبي.

أيضاً، تعهّد دي لا اسبيريلّا في برنامجه ببناء 10 سجون ضخمة في مناطق نائية عن المدن الكبرى، واعتقال 10 من كبار زعماء التنظيمات المسلحة في البلاد وإحالتهم إلى القضاء، واستعادة سيطرة الأجهزة الأمنية ومؤسّسات الدولة على ما أسماه «الأراضي الضائعة»، أي تلك التي تقع تحت سيطرة الجماعات المسلحة منذ عقود.

ومن الأزمات الأخرى المستعصية منذ سنوات في كولومبيا تراجع الخدمات الصحية، خاصة في الأرياف، ونقص الأدوية الأساسية في مرافق كثيرة، ناهيك من هجرة الأطباء سعياً وراء رواتب لائقة. ولقد تعهّد دي لا اسبيريلّا بـ«ضخ ما يلزم من أموال» في القطاع الصحي لإنهاضه، بل وقال إن لديه خطة لتحويل كولومبيا مركزاً إقليمياً لصناعة الأدوية.

المراقبون يرون أن دي لا اسبيريلّا نجح، كما فعل دونالد ترمب في الولايات المتحدة، في تسويق أسلوب عيشه الفاخر كعلامة للنجاح، لكنه سيصطدم قريباً - على الأرجح - بواقع اجتماعي مختلف جداً، وبنقابات عمالية في حال من التعبئة والجهوزية للدفاع عن المكتسبات التي حققتها خلال ولاية بترو.