زعماء أوروبيون يسخرون من خلط ترمب بين ألبانيا وأرمينيا

رئيس الوزراء الألباني إيدي راما والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس أذربيجان إلهام علييف (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الألباني إيدي راما والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس أذربيجان إلهام علييف (أ.ف.ب)
TT

زعماء أوروبيون يسخرون من خلط ترمب بين ألبانيا وأرمينيا

رئيس الوزراء الألباني إيدي راما والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس أذربيجان إلهام علييف (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الألباني إيدي راما والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس أذربيجان إلهام علييف (أ.ف.ب)

كان إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن إنهائه عدة حروب وتوصله للسلام بين عدة دول، منها ألبانيا وأذربيجان، مثار سخرية لزعماء حضروا قمة المجموعة السياسية الأوروبية التي عقدت في كوبنهاغن، الخميس، وفقاً لصحيفة «بوليتيكو» الأميركية.

وذكرت الصحيفة أن حواراً ساخراً دار بين رئيس الوزراء الألباني إيدي راما، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس أذربيجان إلهام علييف، حول تصريحات ترمب.

وقال راما لماكرون: «عليك أن تعتذر لنا... لأنك لم تهنئنا على اتفاق السلام الذي أبرمه الرئيس ترمب بين ألبانيا وأذربيجان»، مما دفع علييف إلى الانفعال ضاحكاً، ورد ماكرون مازحاً: «أنا آسف على ذلك».

ولطالما خلط ترمب بين أرمينيا وألبانيا عند الحديث عن جهوده لحل التوترات طويلة الأمد بين أرمينيا وأذربيجان.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس أذربيجان إلهام علييف (أ.ف.ب)

وقال ترمب خلال ظهوره على قناة «فوكس نيوز» الشهر الماضي: «لقد أنهيت حروباً كانت مستعصية، أذربيجان وألبانيا، استمرت لسنوات طويلة، وكان رئيسا الوزراء والرؤساء في مكتبي».

وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، قال ترمب: «لقد حللنا مسألة أبر بايجان وألبانيا»، مُشوّهاً اسم إحدى دول جنوب القوقاز وخالطاً تماماً باسم الأخرى.

ولفتت الصحيفة إلى أن ترمب توسط بالفعل في اتفاق بين زعيمي أرمينيا وأذربيجان في البيت الأبيض في أغسطس (آب)، حيث التزمت الدولتان بإنهاء عقود من القتال وتوسيع العلاقات مع واشنطن.

وأشاد ترمب بالاتفاق باعتباره انتصاراً دبلوماسياً كبيراً، مُعززاً مكانته في حملته للفوز بجائزة نوبل للسلام، وقد ادعى مراراً وتكراراً أنه أنهى سبع حروب منذ عودته إلى منصبه هذا العام من خلال دوره وسيطاً، وهو أمر راجعته وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء واعتبرته خاطئاً.

وكانت من بين النزاعات التي ادعى ترمب أنه حلّها الحروب بين صربيا وكوسوفو، ومصر وإثيوبيا، ورغم وجود توترات بين هذه الدول، فإنها لم تدخل في حرب مؤخراً.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 23 سبتمبر (أ.ف.ب)

وكانت الهند نفت، من جانبها، ادعاء البيت الأبيض أن ترمب ساهم في تهدئة الأعمال العدائية مع باكستان في مايو (أيار).

وليس هذا الخلط بين أرمينيا وألبانيا أول حالة لأخطاء جغرافية لترمب، فقد سبق أن خلط بين المجر وتركيا خلال حملته الانتخابية 2023، حيث وصف رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان بأنه «زعيم تركيا»، وقال إن بلاده لها «جبهة» مع روسيا، ولكن في الحقيقة لا حدود برية لتركيا ولا للمجر مع روسيا.

وقبيل قمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قال ترمب: «سنذهب إلى روسيا، ستكون زيارة مهمة»، فيما عُقدت القمة في ألاسكا، وهي ولاية أميركية.


مقالات ذات صلة

تقرير: حرب ترمب على العدالة الدولية تطول موظفي المحكمة الجنائية والأمم المتحدة

الولايات المتحدة​ المقررة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: حرب ترمب على العدالة الدولية تطول موظفي المحكمة الجنائية والأمم المتحدة

حذرت الرسائل التي كتبتها فرانشيسكا ألبانيزي مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة أكثر من 12 شركة أميركية.

«الشرق الأوسط» (مودينا)
شؤون إقليمية صور الأقمار الصناعية تُظهر أن إيران تعمل على مواقع الصواريخ والمواقع النووية

صور أقمار صناعية تكشف أعمالاً إيرانية في مواقع صاروخية ونووية

يبدو أن إيران أصلحت بسرعة عدداً من منشآت الصواريخ الباليستية التي تضررت خلال الضربات التي نُفذت العام الماضي.

صمويل غرانادوس (نيويورك) أوريلين بريدين (نيويورك)
شؤون إقليمية رجل يمر أمام لوحة جدارية تصور تمثال الحرية بذراعه الحاملة للشعلة وهي مكسورة ومرسومة على الجدران الخارجية للسفارة الأميركية في طهران التي تطلق عليها السلطات «وكر الجواسيس» (أ.ف.ب)

عقوبات أميركية جديدة تستهدف «أسطول الظل» الإيراني

أعلنت الولايات المتحدة، الجمعة، فرض عقوبات جديدة تستهدف تجارة النفط الإيراني، عقب جولة من المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن عُقدت في سلطنة عُمان.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن»، ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي، تبحر في بحر العرب، فيما تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل، في استعراض للقوة (سنتكوم) p-circle 00:37

محادثات مسقط بلا اختراق... وتفاهم أميركي - إيراني على مواصلة المسار

انتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في مسقط، الجمعة، من دون اختراق حاسم، في حين وصفها وزير الخارجية الإيراني بأنها بداية جيدة.

«الشرق الأوسط» (لندن_مسقط_طهران)
الولايات المتحدة​ وزير العدل الأميركية بام بوندي برفقة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل وجانين بيرو المدعية العامة لمنطقة كولومبيا (أ.ب)

تراجع شعبية ترمب تزعج الجمهوريين قبل اقتراب الانتخابات التشريعية

تراجع شعبية ترمب تزعج الجمهوريين قبل اقتراب الانتخابات التشريعية وفوز «ديمقراطي» في تكساس يدق «جرس إنذار» من تكراره في ولايات حمراء أخرى.

هبة القدسي (واشنطن)

ترمب يلغي رسوماً «عقابية» على الهند بعد تعهدها بوقف شراء النفط الروسي

أرشيفية لترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال مؤتمر صحافي مشترك في البيت الأبيض (رويترز)
أرشيفية لترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال مؤتمر صحافي مشترك في البيت الأبيض (رويترز)
TT

ترمب يلغي رسوماً «عقابية» على الهند بعد تعهدها بوقف شراء النفط الروسي

أرشيفية لترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال مؤتمر صحافي مشترك في البيت الأبيض (رويترز)
أرشيفية لترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال مؤتمر صحافي مشترك في البيت الأبيض (رويترز)

اتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، قرارا بإلغاء رسوم جمركية إضافية بنسبة 25 في المائة كان قد فرضها سابقاً على السلع الهندية بسبب مواصلة نيودلهي شراء النفط الروسي، وذلك مع البدء بتنفيذ اتفاقية تجارية توصل إليها الطرفان هذا الأسبوع.

ووفقا لأمر تنفيذي وقعه ترمب، «تعهدت الهند بالتوقف عن استيراد النفط الروسي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر».

كما أعلنت نيودلهي عن عزمها شراء منتجات طاقة أميركية والتزامها «بإطار عمل مع الولايات المتحدة لتوسيع التعاون الدفاعي على مدى السنوات العشر المقبلة»، وفق ما ورد في الأمر التنفيذي.

وسيتم رفع الرسوم الأميركية الإضافية البالغة 25 في المائة في تمام الساعة 12,01 صباحا بتوقيت شرق الولايات المتحدة السبت.

ويأتي هذا القرار بعد أيام من إعلان ترمب عن إبرام اتفاقية تجارية مع الهند تنص على خفض الرسوم الجمركية على السلع الهندية مقابل تعهد رئيس الوزراء ناريندرا مودي بالتوقف عن شراء النفط الروسي بسبب الحرب في أوكرانيا.

وينص الاتفاق أيضا على قيام واشنطن بخفض ما يسمى بالرسوم الجمركية «المتبادلة» على المنتجات الهندية إلى 18 في المائة، بعد أن كانت 25 في المائة.

وأضاف بيان مشترك أصدره البيت الأبيض، أن الهند تعتزم شراء منتجات طاقة وطائرات ومعادن ثمينة ومنتجات تقنية وفحم حجري من الولايات المتحدة بقيمة 500 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

وتخفف هذه الاتفاقية من حدة التوتر الذي استمر لأشهر بين واشنطن ونيودلهي على خلفية شراء النفط الروسي الذي يعتبر ترمب أنه يمول نزاعا يسعى لانهائه.

كما تعيد الاتفاقية العلاقات الوثيقة بين ترمب ومودي، وهو زعيم شعبوي يميني وصفه الرئيس الأميركي ذات يوم بأنه «أحد أعز أصدقائي".


مسؤول أميركي: سنبدأ أنشطة الاختبارات النووية أسوة بالدول الأخرى

القائم بالأعمال والممثل الدائم بالإنابة في بعثة الولايات المتحدة إلى المنظمات الدولية في فيينا هاوارد سولومون (البعثة الأميركية لجنيف عبر منصة «إكس»)
القائم بالأعمال والممثل الدائم بالإنابة في بعثة الولايات المتحدة إلى المنظمات الدولية في فيينا هاوارد سولومون (البعثة الأميركية لجنيف عبر منصة «إكس»)
TT

مسؤول أميركي: سنبدأ أنشطة الاختبارات النووية أسوة بالدول الأخرى

القائم بالأعمال والممثل الدائم بالإنابة في بعثة الولايات المتحدة إلى المنظمات الدولية في فيينا هاوارد سولومون (البعثة الأميركية لجنيف عبر منصة «إكس»)
القائم بالأعمال والممثل الدائم بالإنابة في بعثة الولايات المتحدة إلى المنظمات الدولية في فيينا هاوارد سولومون (البعثة الأميركية لجنيف عبر منصة «إكس»)

أعلن القائم بالأعمال والممثل الدائم بالإنابة لدى بعثة الولايات المتحدة إلى المنظمات الدولية في فيينا، هاوارد سولومون، أن «الولايات المتحدة ستبدأ أنشطة الاختبارات النووية على قدم المساواة مع الدول الأخرى التي تمتلك أسلحة نووية».

وأشار سولومون إلى أن الولايات المتحدة أعربت عن قلقها فيما مضى من أن روسيا والصين لم تلتزما بالتوقف عن إجراء التجارب النووية، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وكان سولومون يشير إلى ما يسمى انفجارات الاختبارات النووية «فوق الحرجة» المحظورة بموجب معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، حيث يتم ضغط المواد الانشطارية لبدء تفاعل نووي متسلسل ذاتي الاستدامة ينجم عنه انفجار.

وتحظر المعاهدة الموقعة عام 1996 تفجيرات التجارب النووية، سواء كان عسكرياً أو سلمياً، فوق سطح الأرض أو في الغلاف الجوي أو تحت الماء أو تحت الأرض، بهدف وقف تطوير الأسلحة النووية.

وتشمل المحظورات الانفجارات «فوق الحرجة» التي تنتج طاقة ناتجة عن تفاعل متسلسل، بينما تستمر بعض الدول في إجراء تجارب «دون حرجة» محدودة النطاق، ينظر إليها تقنياً كمنطقة رمادية.

وقال خبراء إن شبكة المراقبة سجلت جميع الاختبارات النووية الستة التي أجرتها كوريا الشمالية، لكنها غير قادرة على اكتشاف الاختبارات النووية «فوق الحرجة» ذات العائد المنخفض للغاية التي تجرى تحت الأرض في غرف معدنية.

وقال روبرت فلويد، الأمين التنفيذي لمنظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية التي تراقب الامتثال للحظر العالمي، في بيان، يوم الجمعة، إن نظام المراقبة التابع للمنظمة، «لم يرصد أي حدث يتوافق مع خصائص انفجار لاختبار سلاح نووي في 22 يونيو (حزيران) 2020»، الوقت الذي زعمت الولايات المتحدة أن الصين أجرت اختباراً نووياً سرياً.

وكرر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، يوم الجمعة، تصريحات للرئيس دونالد ترمب رافضاً نسخة جديدة من اتفاقية كبرى لنزع السلاح النووي بين روسيا والولايات المتحدة.

وكتب عبر منصة «إكس»: «إن (معاهدة) نيو ستارت لم تعد تؤدي غرضها». وأصر بدلاً من ذلك على ترتيب يتضمن الصين أيضاً، وهو ما دافع عنه ترمب من قبل في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز».

وقال روبيو، في منشور مطول على صفحة وزارة الخارجية على منصة «سابستاك»، إن «دخول عهد جديد يتطلب نهجاً جديداً». وأعربت الحكومة الروسية مؤخراً عن أسفها إزاء انتهاء مدة المعاهدة، وتفهم لموقف بكين من عدم المشاركة في مفاوضات مستقبلية محتملة. وقال الكرملين إن ترسانة الصين النووية لا تماثل قوة الترسانة الروسية أو الأميركية.

وانتهت معاهدة «نيو ستارت»، الخميس، ما أدى إلى عدم وجود أي سقف على أكبر ترسانتين نوويتين لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن وأثار مخاوف من سباق تسلح نووي غير مقيد.


تقرير: حرب ترمب على العدالة الدولية تطول موظفي المحكمة الجنائية والأمم المتحدة

المقررة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)
المقررة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)
TT

تقرير: حرب ترمب على العدالة الدولية تطول موظفي المحكمة الجنائية والأمم المتحدة

المقررة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)
المقررة الأممية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)

وصلت رسائل تحمل علامة «سري» إلى بعض أقوى الشركات الأميركية في ربيع عام 2025. وحذرت الرسائل التي كتبتها فرانشيسكا ألبانيزي مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة أكثر من 12 شركة أميركية ومنظمتين خيريتين من أن ألبانيزي قد تدرج قريباً أسماءها في تقرير للأمم المتحدة «لمساهمتها في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان» ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة والضفة الغربية.

ومن بين هذه الشركات «ألفابت» و«أمازون» و«كاتربيلر» و«شيفرون» و«هيوليت باكارد» (إتش بي) و«آي بي إم» و«لوكهيد مارتن» و«مايكروسوفت» و«بالانتير».

وأظهر تحقيق أجرته وكالة «رويترز» حول الحملة الأميركية ضد ألبانيزي، والمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، أن رسائلها أثارت قلقاً بالغاً لدى الشركات الأميركية لدرجة أن اثنتين منها على الأقل طلبتا المساعدة من البيت الأبيض. ورغم إصرار الأمم المتحدة على أنها تتمتع بحصانة دبلوماسية، فرضت إدارة الرئيس دونالد ترمب عقوبات على ألبانيزي «لكتابة رسائل تهديد» إلى الشركات، وحثت المحكمة الجنائية الدولية على فتح تحقيق.

وتستند نتائج تحقيق «رويترز» إلى مقابلات مع أكثر من 24 مسؤولاً في الولايات المتحدة والأمم المتحدة وموظفين في المحكمة الجنائية الدولية، بالإضافة إلى أفراد يخضعون لعقوبات.

ووجدت «رويترز» أن إجراءات ترمب ضد ألبانيزي كانت ضمن أمر تنفيذي أوسع نطاقاً استخدمه لفرض عقوبات على قضاة ومدعين عامين في المحكمة، في حملة تهدف جزئياً إلى إحباط أي محاولات مستقبلية لمحاسبته أو محاسبة مسؤولين في إدارته على العمليات العسكرية الأميركية في الخارج.

ويندرج حالياً اسم ألبانيزي وموظفي المحكمة الخاضعين لعقوبات على قائمة عقوبات وزارة الخزانة الأميركية، التي تضم إرهابيين مشتبهاً بهم من تنظيم «القاعدة» وتجار مخدرات مكسيكيين، وتجار أسلحة من كوريا الشمالية.

وقالت ألبانيزي، في مقابلة في مودينا في بلدها إيطاليا: «هذا غير عادل وغير منصف، ويعد اضطهاداً... أنا أعاقَب بسبب عملي في مجال حقوق الإنسان».

وقالت إدارة ترمب إنها فرضت عقوبات على موظفين في المحكمة الجنائية الدولية بسبب محاولاتهم «غير المشروعة التي لا أساس لها» للتحقيق في جرائم تقول المحكمة ​إن قادة إسرائيليون ارتكبوها في غزة وجرائم مزعومة ارتكبها أفراد من الجيش الأميركي في أفغانستان.

وقالت وزارة الخارجية الأميركية إن ألبانيزي شجعت المحكمة على التحقيق مع شركات أميركية ومديرين تنفيذيين فيها بعد أن وجهت «اتهامات خطيرة ولا أساس لها» في رسائلها. وقالت الوزارة، في بيان، أعلنت فيه العقوبات «لن نتهاون مع هذه الحملات من الحرب السياسية والاقتصادية».

لكن «رويترز» وجدت انقسامات عميقة داخل الحكومة الأميركية حول نطاق وتوقيت العقوبات ضد ألبانيزي والمحكمة الجنائية الدولية؛ فقد وضعت خطة معاقبتهما في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، عندما أعيد انتخاب ترمب، ووجهت المحكمة اتهامات إلى حليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وفي الوقت الذي حث فيه بعض الدبلوماسيين الأميركيين على ضبط النفس، ضغط مسؤولون كبار عيَّنهم ترمب من أجل اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتعطيل عمل المحكمة الجنائية الدولية ومعاقبة ألبانيزي. وبالإضافة إلى الأخيرة، فرضت إدارة ترمب عقوبات على 8 قضاة و3 مدعين عامين العام الماضي، في ضربة قوية للهيئات القضائية الدولية وهيئات حقوق الإنسان.

مقررة الأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي تتحدث في جنيف عن وضع حقوق الإنسان في غزة (أ.ف.ب)

واستهداف المحكمة الجنائية الدولية وألبانيزي هو جزء من نهج ترمب في السياسة الخارجية القائم على السعي لتحقيق أهدافه بأي وسيلة ضغط. ففي الشهور القليلة الماضية، اعتقل رئيس فنزويلا وسجنه في نيويورك، وهدد بمهاجمة إيران بسبب عمليات القمع التي أسفرت عن سقوط قتلى في احتجاجات شعبية، وأثار أزمة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) بمحاولته إجبار الدنمارك العضو في الحلف على تسليم غرينلاند.

ويقدم صدام ترمب مع ألبانيزي والمحكمة الجنائية صورة جلية للتداعيات المؤسسية والشخصية لهجومه المتصاعد على الهيئات الدولية. وكثيراً ما استخدمت واشنطن العقوبات لمعاقبة الدول المارقة، وردع منتهكي حقوق الإنسان.

وقال 8 خبراء في العقوبات الأميركية إن استهداف خبيرة مفوضة من الأمم المتحدة والعديد من موظفي المحكمة الجنائية الدولية، منهم 8 من قضاتها الذين يبلغ عددهم 18، يمثل تطوراً خطيراً؛ فالأفراد والمؤسسات العالمية الذين كانوا في السابق يتلقون مجرد التوبيخ من الولايات المتحدة، يواجهون الآن محاولات لتعطيل عملهم أو تفكيك هذه المؤسسات إذا اعتُبروا تهديداً لترمب أو لمصالح الشركات الأميركية.

وتعود معارضة ترمب للمنظمات الدولية إلى ولايته الأولى، عندما انسحب من اتفاقية باريس وهي معاهدة دولية بشأن المناخ، وخفض التمويل التقديري لبعض وكالات الأمم المتحدة. واليوم، تدين واشنطن بأكثر من 2.1 مليار دولار من الرسوم الإلزامية للأمم المتحدة، وحذر الأمين العام أنطونيو غوتيريش في رسالة بتاريخ 28 يناير (كانون الثاني) إلى الدول الأعضاء، اطلعت عليها وكالة «رويترز»، من أن المنظمة الدولية معرضة لخطر «انهيار مالي وشيك».

ويمضي ترمب الآن إلى ما هو أبعد من ذلك، فقد أطلق مؤخراً ما يسمى «مجلس السلام» الذي يهدف، تحت قيادته، إلى حل النزاعات العالمية، متجاوزاً الدور التقليدي للأمم المتحدة بوصفها الهيئة الدبلوماسية الرئيسية في العالم. وانضمت إلى المجلس 20 دولة على الأقل، ولا توجد بينها، باستثناء الولايات المتحدة، أي قوى غربية كبرى.

وكانت العواقب على ألبانيزي وكبار مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية سريعة. أغلقت حساباتهم المصرفية، وألغيت بطاقاتهم الائتمانية. وقالت ألبانيزي، لـ«رويترز»، إنها اضطرت إلى استعارة بطاقات من أصدقائها حتى تتمكن من السفر. وبعد أن تلقت تهديدات، شددت الأمم المتحدة الإجراءات الأمنية لها ولعائلتها. لم يعد بوسع طفليها البالغين من العمر 12 و9 سنوات، التجول بحُرية في الحي الذي تعيش فيه الأسرة في تونس. وقالت ألبانيزي: «لا يمكنهما الخروج من المنزل كما اعتادا واللعب».

وقالت مارغريت ساترثوايت مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين إن العقوبات تمثل سابقة خطيرة. وأوضحت ساترثويت وهي أستاذة قانون بجامعة نيويورك: «من المثير للصدمة أن ينظر إلى عمل شخص ما في مجال حقوق الإنسان على أنه خطير لدرجة أنه يعامل كإرهابي».

ورفض البيت الأبيض التعليق. ونقلت «رويترز»، في ديسمبر (كانون الأول)، عن مسؤول أميركي كبير قوله إن ترمب كان قلقاً من أن المحكمة الجنائية الدولية قد تسعى يوماً ما إلى ملاحقته أو ملاحقة أعضاء كبار في إدارته. وقال المسؤول إن الإدارة ستلجأ لفرض عقوبات إضافية إذا لم تعدل المحكمة نظامها الأساسي بما ينص صراحة على حظر أي تحقيقات تستهدف ترمب أو كبار مساعديه.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية تومي بيغوت إن الولايات المتحدة ترفض «نموذجاً عفا عليه ‌الزمن من التعددية»، ولن تشارك بعد الآن أو ‌تمول المنظمات الدولية إذا رأت أنها تتعارض مع المصالح الوطنية الأميركية. وأضاف أن العقوبات ضد المحكمة الجنائية الدولية تظهر أن الولايات المتحدة «لن تتهاون مع أي محاولات لانتهاك سيادتها أو إخضاع مواطنين أميركيين أو إسرائيليين بشكل غير قانوني للولاية القضائية غير العادلة للمحكمة الجنائية الدولية».

ويمكن أن يؤدي هجوم ترمب على المحكمة إلى إضعاف إحدى الهيئات القليلة التي يمكنها محاسبة قادة ‌نافذين، بمن فيهم أميركيون. ويقول بعض المحامين والدبلوماسيين إن ​العملية الأميركية في فنزويلا، والهجمات القاتلة التي ‌استهدفت مهربي مخدرات مزعومين في منطقة البحر الكاريبي، قد تمثل انتهاكاً للقانون الدولي، غير أن المتحدث باسم الخارجية بيغوت وصف تلك الإجراءات بأنها عملية قانونية «محددة الأهداف لتطبيق القانون».

وقالت نانسي كومبس، أستاذة القانون الدولي في كلية «وليام آند ماري» للحقوق بولاية فرجينيا: «العقوبات الأميركية ضد المحكمة الجنائية الدولية تمثل بوضوح محاولة لتقويض مؤسسة كثيراً ما عارضتها إدارة ترمب... إنها جزء من رؤية إدارة ترمب الأوسع للعالم، والتي تقوم على أن الأميركيين يستفيدون عندما لا يتقيدون بمجموعة من المعايير الدولية الضعيفة».

ونددت المحكمة الجنائية بالعقوبات الأميركية، وتعهدت «بمواصلة تقديم العدالة والأمل لملايين الضحايا الأبرياء للفظائع في جميع أنحاء العالم». وفي مذكرات التوقيف الصادرة في نوفمبر 2024، اتهمت المحكمة نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك استخدام ما وصفته «بالتجويع كوسيلة من وسائل الحرب».

وأسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة عن مقتل أكثر من 70 ألف فلسطيني منذ أن قتل مسلحو حركة «حماس» 1200 إسرائيلي في هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ووصف نتنياهو مذكرات التوقيف بأنها «معادية للسامية» و«يوم أسود» للإنسانية، بينما قال غالانت إن محاولة إنكار حق إسرائيل في شن «حرب عادلة» ستبوء بالفشل.

وفي الوقت نفسه، أصدرت المحكمة الجنائية مذكرة توقيف بحق محمد الضيف قائد الجناح العسكري لحركة «حماس» بتهمة القتل والتعذيب والاغتصاب واحتجاز رهائن وجرائم أخرى. وأسقطت المحكمة المذكرة لاحقاً بعد أن أكدت «حماس» مقتل الضيف في غارة جوية إسرائيلية في يوليو (تموز) 2024.

وفي ديسمبر، فرضت واشنطن عقوبات على قاضيين آخرين في المحكمة. وتواجه المحكمة مشاكل أخرى أيضاً، فقد هزتها فضيحة تتعلق بالمدعي العام كريم خان، أول مسؤول في المحكمة تُفرض عليه عقوبات العام الماضي. وبدأ خان إجازة في مايو (أيار) الماضي وسط تحقيق تجريه الأمم المتحدة في مزاعم بسوء السلوك الجنسي، وهي اتهامات ينفيها خان.

وفي حديثه لوكالة «رويترز» من منزله في لاهاي، قال خان إن القضاة والمدعين العامين والمسؤولين الآخرين كانوا «أهدافاً سهلة لدولة كبيرة تملك كل هذه القوة».

المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان (أرشيفية - رويترز)

حملة أميركية

النهج الذي تتبناه إدارة ترمب تجاه المحكمة الجنائية الدولية والأمم المتحدة جزء من توجه أوسع للانسحاب من ملفات حقوق الإنسان عالمياً، سواء على صعيد الجهود الدبلوماسية أو المؤسسات؛ فقد قلصت الولايات المتحدة المساعدات الخارجية بشكل كبير، بما في ذلك المنح المقدمة للمدافعين عن حقوق الإنسان، كما انسحبت واشنطن من عشرات من هيئات الأمم المتحدة، أو خفضت تمويلها لها بشكل حاد، بما في ذلك مجلس حقوق الإنسان ومنظمة الصحة العالمية وبرنامج الأغذية العالمي.

أُسست المحكمة الجنائية الدولية في 2002 بموجب معاهدة دولية، وتدعمها 125 دولة ليست منها الولايات المتحدة ولا الصين ولا إسرائيل. ورفضت الإدارات الأميركية المختلفة من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي أن تكون للمحكمة سلطة محاسبة الولايات المتحدة أو أي من حلفائها.

وبدأت أولى خطوات ترمب ضد المحكمة في فبراير (شباط) 2025 عندما أصدر أمره التنفيذي الذي يجيز فرض عقوبات تستهدفها، بدءاً من المدعي العام للمحكمة كريم خان. ووفقاً لمقابلات مع 8 مسؤولين مطلعين، ناقش كبار مسؤولي وزارة الخارجية إلى أي مدى يمكن توسيع نطاق العقوبات المفروضة على المحكمة، وما إذا كان من الممكن فرض عقوبات على شخص لديه تفويض من الأمم المتحدة مثل ألبانيزي.

ويختلف السياسيون والدبلوماسيون المعينون في إدارة ترمب في كثير من الأحيان بشأن الاستراتيجيات. وقال أحد الذين حضروا اجتماعاً، عُقد في مارس (آذار)، ومصدر آخر مطّلع على ما دار في الاجتماع إن مسؤولين في الخارجية الأميركية بحثوا فرض مزيد من العقوبات ذات الصلة بالمحكمة؛ إذ دعا بعضهم إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية وفرض عقوبات محدودة على موظفين من المستويات الأدنى لدفع المحكمة إلى إسقاط التحقيقات بشأن غزة وأفغانستان.

فرانشيسكا ألبانيزي مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة تتحدث في جنيف (رويترز)

وقال المصدر الذي حضر الاجتماع إن ديفيد ميلستين المستشار الكبير للسفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي اتهم المسؤولين بتعطيل تنفيذ أمر ترمب. وميلستين معارض للمحكمة الجنائية الدولية منذ مدة طويلة. وفي 2021، وصفها بأنها «مؤسسة سياسية فاسدة تعاني خللاً عميقاً» لأسباب منها «ملاحقتها لإسرائيل ظلماً».

وأضاف المصدر نفسه أن ميلستين حث الإدارة الأميركية خلال الاجتماع على فرض عقوبات على المحكمة بأكملها بغض النظر عن أي ردود فعل سلبية قد تواجهها الولايات المتحدة من الحلفاء الأوروبيين. وعند التواصل معهما عبر وزارة الخارجية الأميركية، أحجم ميلستين وهاكابي عن التعليق.

وبصفتها مقررة خاصة للأمم المتحدة، لم تكن ألبانيزي على صلة بصورة رسمية بالمحكمة الجنائية الدولية. إلا أن عملها البارز بشأن غزة ودعمها للمحكمة جعلاها هدفاً رئيسياً آخر لمسؤولي ترمب.

صارت ‌ألبانيزي، المعروفة بنظارتها السميكة ذات الإطار العريض، بمثابة أيقونة عالمية بالنسبة لكثير من الفلسطينيين ومناصريهم. وتوقفت مقابلتها مع «رويترز» في أحد مقاهي مودينا عدة مرات بسبب مارة حرصوا على معانقتها أو مصافحتها وشكرها على تسليط الضوء على المعاناة في غزة.

وقالت ألبانيزي، البالغة من العمر (48 عاماً): «تسببت العقوبات الأميركية في حالة من التضامن ألمسها أينما ذهبت». وفي ‍وقت لاحق، امتد طابور من الناس حول مبنى في مودينا كان من المقرر أن تلقي فيه كلمة.

مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الضفة الغربية وغزة فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ب)

وتحظى ألبانيزي بإعجاب كثير من المدافعين عن حقوق الإنسان، بينما يكرهها مؤيدو إسرائيل. وانتقدها مسؤولون في إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن عام 2024 على خلفية ما وصفوها بأنها تصريحات معادية ‍للسامية، وذلك بعد تعليقها على منشور على «إكس» يقارن صورة لأدولف هتلر مع مؤيديه في 1933 بصورة لنتنياهو وهو يتلقى الترحيب من مشرعين أميركيين. وكتبت ألبانيزي أسفل المنشور «هذا بالضبط ما كنت أفكر فيه اليوم».

وفي وقت لاحق، دافعت عن تعليقها، وكتبت على «إكس»: «ذكرى المحرقة لا تزال مصونة ومقدسة»، و: «الغضب الأخلاقي الانتقائي» لن يوقف مسار العدالة. وقالت لـ«رويترز»: «أسيء فهم تعليقي».

تم تعيين ألبانيزي في 2022، وهي واحدة من أكثر من 80 خبيراً مستقلاً في مجال حقوق الإنسان مكلفين من الأمم المتحدة بالتحقيق في قضايا مثل؛ التعذيب وحرية التعبير أو بمراقبة دول بعينها. ويكون تعيينهم من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لمدة لا تقل عن 6 سنوات. وهم يعملون من دون أجر، ولا يمثلون حكومات بلدانهم، ومصدر دخل ألبانيزي هو مؤلفاتها.

ورغم عدم وجود علاقة رسمية بين هؤلاء الخبراء والمحكمة الجنائية الدولية، قال 3 خبراء سابقين وحاليين نالوا تفويضاً من الأمم المتحدة إن بإمكانهم تقديم تقارير تقصي الحقائق إلى المحكمة والاجتماع مع مسؤوليها واستخدام نفوذهم في مؤسسات ومنتديات دولية أخرى. ويمنحهم وضعهم في الأمم المتحدة حصانة دبلوماسية، وهو أمر بالغ الأهمية لأداء عملهم الذي غالباً ما يجعلهم هدفاً لشخصيات من أصحاب النفوذ.

وقالت أجنيس كالامار المقررة الخاصة السابقة للأمم المتحدة المعنية بحالات القتل خارج نطاق القضاء، والتي ترأس حالياً «منظمة العفو الدولية»: «إذا ألغيت الحصانة الدبلوماسية، فإن ذلك يعني تقويض مبدأ أساسي يقوم عليه النظام الدولي».

وقال مصدران مطلعان إن الحصانة الدبلوماسية كانت قضية محورية في نقاشات داخلية لمسؤولين أميركيين خلال بحثهم فرض عقوبات على ألبانيزي.

وفي الثاني من أبريل (نيسان)، كتبت دوروثي شيا القائمة بأعمال مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش للاستفسار عن الوضع الوظيفي الرسمي لألبانيزي داخل المنظمة، وذلك وفقاً لما ورد في رسالة لاحقة من شيا إلى غوتيريش. وامتنع ستيفان دوغاريك المتحدث باسم غوتيريش عن التعليق على رد الأمين العام، لكن دوغاريك قال، في رسالة عبر البريد الإلكتروني، إن الأمين العام أوضح للحكومة الأميركية أن «ألبانيزي، فيما يتعلق بمهامها كمقررة خاصة، تتمتع بوضع قانوني وحصانة».

ولم تطلع وكالة «رويترز» على مراسلات مكتوبة بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة، وقالت ألبانيزي إنها لم تكن على علم بها، وامتنعت شيا عن التعليق.

وفي ذلك الوقت تقريباً، أرسلت ألبانيزي رسائل تم تصنيفها على أنها «سرية» إلى الشركات الأميركية والمنظمتين الخيريتين. وتشير نسخة من الرسائل التي اطلعت عليها «رويترز» إلى أنها حذرت من إمكانية إدراجها في تقرير تعتزم تقديمه إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة «للمساهمة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان» من خلال دعمها غير المباشر للعملية العسكرية الإسرائيلية في غزة.

المقررة الأممية المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي تتحدث بمؤتمر صحافي في جنيف يوم الاثنين (أ.ف.ب)

ومن بين هذه الشركات شركات أميركية كبرى مثل؛ «لوكهيد مارتن» و«كاتربيلر» و«ألفابت» و«أمازون» و«شيفرون» و«مايكروسوفت» و«آي بي إم» و«هيوليت باكارد» و«بالانتير». وقال متحدث باسم «بالانتير» إن الشركة قدمت لألبانيزي أدلة ​تثبت أن مزاعمها «لا أساس لها على الإطلاق»، إلا أنها «تجاهلتها تماماً». وقالت ألبانيزي، لوكالة «رويترز» إن «بالانتير» لم تطعن في أي من الحقائق الواردة في تقريرها خلال ردها عليها.

وامتنعت «مايكروسوفت» و«هيوليت باكارد» عن التعليق، بينما لم ترد الشركات الأخرى على طلبات التعقيب.

وفي بعض الرسائل، اتهمت ألبانيزي هذه الشركات بالمساعدة في العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وحثتها على قطع العلاقات مع إسرائيل، وحذرت المسؤولين التنفيذيين من احتمال انتهاكهم للقانون الدولي.

وأفاد 3 مسؤولين أميركيين بأن شركتين أميركيتين على الأقل من الشركات التي تلقت رسائل ألبانيزي طلبتا المساعدة من إدارة ترمب. وقال أحد المسؤولين إن الشركتين اشتكتا من رسائل ألبانيزي إلى المجلس الوطني للهيمنة في مجال الطاقة، وهو مكتب جديد استحدثه ترمب في البيت الأبيض لدعم وتطبيق سياسته في مجال الطاقة. ولم يتسن لوكالة «رويترز» تحديد هوية الشركتين. ولم يرد المجلس على طلب للتعليق تم تقديمه عبر البيت الأبيض.

وفي 20 يونيو (حزيران)، كتبت شيا لغوتيريش مجدداً، قائلة إن واشنطن اطلعت على مسودة تقرير ألبانيزي وإنها «مليئة بالخطاب التحريضي وبالاتهامات الباطلة». وكتبت السفيرة الأميركية أن ألبانيزي ارتكبت «أخطاءً قانونية جوهرية»، وشككت في أحقيتها في «أي امتيازات أو حصانات مزعومة» تتمتع بها بصفتها خبيرة في الأمم المتحدة.

لكن الأمم المتحدة رفضت ذلك. وقال دوغاريك، لـ «رويترز»، «موقف الأمم المتحدة الذي تم إبلاغه مباشرة لوزارة الخارجية الأميركية والذي تم الإعلان عنه مراراً هو أن السيدة ألبانيزي، فيما يتعلق بمهامها كمقررة خاصة، تتمتع بوضع قانوني وحصانة بصفتها خبيرة مكلفة بمهمة للأمم المتحدة».

وقالت ألبانيزي، لـ«رويترز»، «من الواضح أن حصانتي الدبلوماسية لم تُحترم... المسؤولية عن ذلك لا تقع على عاتق الأمم المتحدة، بل على عاتق الدول الأعضاء لتقاعسها عن اتخاذ إجراءات حاسمة، لا سيما بلدي إيطاليا التي التزمت الصمت التام حيال هذه المسألة».

وقال بيغوت المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن المراسلات الأميركية مع الأمم المتحدة «تطرقت إلى مطالبات بإقالة السيدة ألبانيزي من مهمتها»، ولم تتناول مسألة تمتعها بالحصانة الدبلوماسية.

وفي الأول من يوليو، نشرت الأمم المتحدة تقرير ألبانيزي الذي اتهمت فيه شركات أميركية كبرى بالتواطؤ فيما وصفتها بأنها «حملة إبادة جماعية إسرائيلية مستمرة في غزة». وقالت إن من بين الجرائم والانتهاكات التي تسببت هذه الشركات في ارتكابها في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ الإبادة الجماعية والتهجير القسري والتجويع. وكتبت أن الشركات ومسؤوليها التنفيذيين قد يحاسبون جنائياً، بما في ذلك أمام المحكمة الجنائية الدولية.

ورداً على ذلك، حثت واشنطن غوتيريش علنا على إقالة ألبانيزي وحذرت من أن عدم فعل ذلك سيستدعي «إجراءات حاسمة» من جانب واشنطن. وبعد 8 أيام، وفي التاسع من يوليو، فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها، مستندة إلى الأمر التنفيذي الذي أصدره ترمب ضد المحكمة الجنائية الدولية.

غضب شديد

تم تطبيق العقوبات على ألبانيزي بأثر فوري؛ فبعد أيام قليلة من فرضها شاهدها مراسل لوكالة «رويترز» في العاصمة البوسنية سراييفو محاطة بحارسين شخصيين. ورغم غياب الحارسين في مودينا، قالت ألبانيزي إنها تلقت «بعض التهديدات الجسدية» منذ فرض العقوبات عليها، ما أدى إلى تشديد إجراءات تأمينها. ورفضت الكشف عن تفاصيل التهديدات.

فرانشيسكا ألبانيزي مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة (رويترز)

وتعيش هي وزوجها الإيطالي ماسيميليانو كالي، وهو خبير اقتصادي في البنك الدولي، في تونس منذ أكثر من 4 سنوات. وكان قد أمضيا 3 سنوات في واشنطن العاصمة، حيث كان كالي يعمل في البنك هناك. وأحجم كالي والبنك الدولي عن التعقيب.

وحرمت العقوبات الأميركية ألبانيزي من خدمات مالية أساسية يعدها معظم الناس أمراً مفروغاً منه. وقالت إن حسابها المصرفي في الولايات المتحدة مغلق حالياً، وإن العقوبات منعتها من فتح حساب في بلد آخر، بما في ذلك إيطاليا. وتم تجميد أصولها في الولايات المتحدة، والتي تشمل شقة في واشنطن قيمتها 700 ألف دولار تقريباً تملكها هي وزوجها. وبموجب القانون الأميركي، لا يمكن بيع أو تأجير العقار في هذه الحالة.

والعقوبات الأميركية أداة فعالة للغاية، فلا تقتصر على تجميد الأصول في الولايات المتحدة فحسب، وإنما تمنع المستهدفين فعلياً من استخدام النظام المالي الأميركي، وهو شبكة عالمية يمكنها عرقلة الوصول إلى الخدمات المصرفية في معظم دول العالم. ويواجه الأميركيون والشركات والأجانب المقيمون بشكل قانوني في الولايات المتحدة غرامات باهظة أو أحكاماً بالسجن إذا قاموا بتمويل أو مساعدة أي أفراد خاضعين لعقوبات. ويمكن منع البنوك الأوروبية من التعامل بالدولار أو استبعادها من أنظمة الدفع الدولية، ما قد يوجه ضربة قاصمة لأعمالها.

وقالت ألبانيزي إنها «تلقت عروضاً لفتح حسابات مصرفية في ما يسمى بالملاذات المالية أو الضريبية»، لكنها رفضت وقالت إن ذلك يتعارض مع مبادئها الأخلاقية، ولن يحل «مشكلة عدم شرعية العقوبات الأميركية المفروضة عليّ».

وخلال احتفال بعيد الأنوار (حانوكا) استضافته البعثة الإسرائيلية لدى الأمم المتحدة في ديسمبر، لم يبد السفير الأميركي مايك والتز أي تعاطف يذكر مع ألبانيزي، وفقاً لمقطع فيديو للاحتفال شاهدته «رويترز».

وقال: «أنا سعيد لأنها لا تستطيع الحصول على بطاقة ائتمان أو تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة... نتخذ إجراءات حقيقية لفرض عواقب على أولئك الذين يواصلون أفعالهم المعادية للسامية». ورفض المتحدث باسم والتز الإدلاء بمزيد من التعليقات.

ووزارة الخزانة الأميركية هي التي تنفذ العقوبات، لكنها تستثني الحالات الطبية وحالات الطوارئ الأخرى. ووافقت الوزارة في ديسمبر على طلب من جمعية دراسات الشرق الأوسط في أريزونا بأن تحضر ألبانيزي مؤتمراً عبر الإنترنت. وقال جورج وانغ محامي الجمعية إن ألبانيزي طلبت موافقة الحكومة الأميركية خوفاً من أن يكون ذلك انتهاكاً للعقوبات. وقال متحدث باسم وزارة الخزانة إن الوزارة لا تعلق على الحالات الفردية.

«عازمون على المضي قدماً»

بعد ستة أسابيع من فرض العقوبات على ألبانيزي، استهدفت الولايات المتحدة في 20 أغسطس (آب) موظفين آخرين في المحكمة الجنائية الدولية، هم قاضيان أحدهما الكندية كيمبرلي بروست، واثنان من المدعين العامين.

وقالت وزارة الخارجية إنه تم فرض عقوبات على بروست لأنها «أصدرت حكماً يجيز للمحكمة الجنائية الدولية التحقيق في تصرفات أفراد من الجيش الأميركي في أفغانستان»، وهو قرار اتخذته في عام 2020. لكن المحكمة قالت في العام التالي إنها ستركز على الجرائم التي يتردد أن «طالبان» وتنظيم «داعش» ارتكباها، وإنها ستعطي «أولوية أقل لجوانب أخرى» من التحقيق، والتي تشمل اتهامات للقوات الأميركية بالتعذيب. وتقول بروست إنه «لا يوجد حالياً أي تحقيق جار على حد علمي» بشأن تصرفات الولايات المتحدة في أفغانستان.

القاضية الكندية في المحكمة الجنائية الدولية كيمبرلي بروست (رويترز)

وأردفت تقول، لـ «رويترز»، «فوجئت إلى حد ما بفرض عقوبات عليَّ بسبب شيء فعلته قبل خمس سنوات... خاصة أن الهدف من العقوبات ليس العقاب، وإنما تغيير سلوكك وردعك. وبالطبع، لا ينطبق أي من ذلك عليّ»، لأن التحقيق مع القوات الأميركية متوقف.

وأضافت أنه بعد مسيرة طويلة قضتها في مجال العدالة الجنائية كان إدراج اسمها على قائمة المتورطين في الإرهاب وجرائم خطيرة أخرى «أمراً صعباً جداً من الناحية النفسية».

وتواجه المحكمة صعوبات بالغة في تسيير عملها. وقالت أوليكساندرا ماتفييتشوك رئيسة «مركز ‌الحريات المدنية في أوكرانيا»، وهو منظمة غير ربحية فازت بجائزة نوبل للسلام لتوثيقها انتهاكات حقوق الإنسان، إن العقوبات تشكل «مشكلة عويصة» للتحقيقات التي تجريها المحكمة الجنائية الدولية في الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

وذكرت أن المحكمة تنظر في قضايا ترحيل روسيا لأطفال أوكرانيين، وهجماتها على البنية التحتية المدنية، لكن «قدرات المحكمة المحدودة» بسبب العقوبات الأميركية أخرت ما كانت تتوقع أن يكون مساراً جديداً من التحقيقات في مزاعم إساءة معاملة الأوكرانيين في السجون التي تديرها روسيا.

وفي سبتمبر (أيلول)، تم استخدام أمر ترمب بشأن المحكمة من جديد، وهذه المرة لفرض عقوبات على 3 منظمات فلسطينية لحقوق الإنسان كانت تزود المحكمة بأدلة على مزاعم انتهاكات إسرائيلية.

القاضية في المحكمة الجنائية الدولية كيمبرلي بروست في لاهاي (رويترز)

وذكر شعوان جبارين مدير «مؤسسة الحق»، إحدى هذه المنظمات، أن الإجراءات أوقفت دفع رواتب 45 موظفا، كما أجبرت المؤسسة على الاستغناء عن كاثرين غالاغر محاميتها الأميركية والمدعية السابقة في جرائم الحرب.

ولا تزال ألبانيزي تجاهر بمواقفها في أحاديثها، وقالت أمام حشد في حفل «معاً من أجل فلسطين» الموسيقي لجمع التبرعات، والذي حضره عدد من النجوم في لندن، في سبتمبر، «فلسطين ستكون حرة... الاستسلام ليس خياراً، ليس لدينا هذا الترف».

وهي لا تزال في منصبها. وألقت كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك عن بعد من جنوب أفريقيا، في أكتوبر، بعد منعها من دخول الولايات المتحدة. وأكدت لـ «رويترز»: «لن أتوقف عما أفعله... مستحيل».