إسرائيل تعلن عدم نجاح أي سفينة من «أسطول الصمود» في كسر حصار غزة

تركيا وصفت الهجوم على السفن بأنه «عمل إرهابي»

TT

إسرائيل تعلن عدم نجاح أي سفينة من «أسطول الصمود» في كسر حصار غزة

لقطة من فيديو مباشر لأفراد طاقم السفينة «فلوريدا» وهم يرفعون أيديهم بعد أن داهمت قوات البحرية الإسرائيلية السفينة التي كانت متجهة إلى غزة (رويترز)
لقطة من فيديو مباشر لأفراد طاقم السفينة «فلوريدا» وهم يرفعون أيديهم بعد أن داهمت قوات البحرية الإسرائيلية السفينة التي كانت متجهة إلى غزة (رويترز)

أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية، الخميس، أنه لم ينجح أيٌّ من قوارب «أسطول الصمود» في اختراق الحصار البحري التي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة.

وأوضحت الوزارة أن «جميع الركاب في حالة جيدة، وهم في طريقهم إلى إسرائيل، حيث سيتم ترحيلهم إلى أوروبا»، حسبما أفادت به صحيفة «تايمز أوف إسرائيل».

ويظل قارب واحد في البحر على بعد مسافة من غزة، ويعاني مشكلة فنية محتملة. وأضافت الوزارة: «إذا اقترب هذا القارب فسيتم أيضاً منع محاولته دخول المنطقة المحظورة أو اختراق الحصار».

كان منظمو «أسطول الصمود العالمي» أعلنوا، في وقت مبكر من يوم الخميس، أن القوات الإسرائيلية اعترضت 13 قارباً على متنها نشطاء أجانب ومساعدات متجهة إلى غزة، لكن 30 قارباً تواصل الإبحار باتجاه القطاع الفلسطيني الذي دمرته الحرب.

وأظهر شريط فيديو من وزارة الخارجية الإسرائيلية تحققت منه «رويترز» أبرز المشاركين في الأسطول، وهي الناشطة السويدية في مجال المناخ غريتا تونبرغ، وهي تجلس على سطح قارب محاطة بجنود.

وقالت الخارجية الإسرائيلية على منصة «إكس»: «تم إيقاف قوارب عدة لأسطول الصمود التابع لـ(حماس) بأمان ويجري نقل ركابها إلى ميناء إسرائيلي... جريتا وأصدقاؤها بخير وصحة جيدة».

ويتألف الأسطول، الذي يحمل أدوية وأغذية إلى غزة، من أكثر من 40 قارباً مدنياً ويقل نحو 500 شخص، بينهم برلمانيون ومحامون ونشطاء.

ونشر الأسطول مقاطع فيديو عدة على تطبيق «تلغرام» تتضمن رسائل من أفراد على متن القوارب المتعددة، بعضهم يحمل جوازات سفرهم، قائلين إنهم اختُطفوا واقتيدوا إلى إسرائيل رغماً عنهم، وشددوا على أن مهمتهم إنسانية غير عنيفة. وحظي تقدمه عبر البحر المتوسط باهتمام دولي، وأرسلت دول مثل تركيا وإسبانيا وإيطاليا قوارب أو طائرات مسيَّرة في حال احتاج رعاياها إلى المساعدة.

وندد الأسطول في وقت سابق باعتراض «غير قانوني» لسفنه، مضيفاً أنه «تم تعطيل الكاميرات، وصعد عسكريون على متن السفن».

وتابع: «نعمل بجد للتأكد من سلامة وحالة جميع المشاركين على متن السفن». كان الأسطول قد ذكر قبل قليل أن إسرائيل وجَّهت تهديدات إلى السفن عبر أجهزة الراديو.

وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية في وقت سابق إن البحرية الإسرائيلية تواصلت مع «أسطول الصمود» وطلبت منه تغيير مساره. وأضافت في بيان على «إكس»: «أبلغت إسرائيل الأسطول بأنه يقترب من منطقة قتال نشط، منتهكاً حصاراً بحرياً قانونياً. وأكدت إسرائيل مجدداً عرضها بنقل أي مساعدات عبر قنوات آمنة إلى غزة»، مشيرة إلى أن الأسطول رفض ذلك.

الأسطول هو أحدث محاولة بحرية لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع الفلسطيني الذي تحولت مساحات كبيرة منه أنقاضاً بسبب الحرب المستمرة منذ ما يقرب من عامين. وندَّد منظمو الأسطول بالمداهمة الإسرائيلية، الأربعاء ووصفوها بأنها «جريمة حرب».

وقالوا إن الجيش استخدم أساليب عدائية، بما في ذلك توجيه خراطيم المياه نحو القوارب، لكن لم يُصَب أحدٌ بأذى. وقال المنظمون في بيان: «قوارب عدة... اعترضتها واعتلتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في المياه الدولية بشكل غير قانوني».

واتهم الأسطول أيضاً البحرية الإسرائيلية بمحاولة إغراق القارب «ماريا كريستينا».

ولم تتمكن «رويترز» من تأكيد الرواية بشكل مستقل.

ولم يرد الجيش الإسرائيلي بعد على طلب للتعليق على هذا الاتهام. ودعا الأسطول الحكومات والمؤسسات الدولية مراراً إلى المطالبة بالحفاظ على سلامة المشاركين في الأسطول، والإفراج عن النشطاء العزل في هذه المهمة.

ووفقاً لبيانات تتبع القوارب الخاصة بالأسطول، تم اعتراض أو إيقاف 13 قارباً حتى فجر الخميس. بينما تحدى المنظمون الإجراءات الإسرائيلية، قائلين في بيان لهم إن الأسطول «سيستمر دون رادع».

وقال منظمو الأسطول في منشور على «تلغرام» في وقت مبكر من الخميس إن 30 قارباً لا تزال تبحر باتجاه غزة، وأضافوا أنهم على بعد 46 ميلاً بحرياً من وجهتهم.

نشطاء يرفعون علامة النصر على متن قارب «كابتن نيكوس» ضمن أسطول الصمود المتجه إلى غزة (رويترز)

«عمل إرهابي»

واتّهمت وزارة الخارجية التركية إسرائيل بارتكاب «عمل إرهابي» باعتراضها أسطول الناشطين المتّجه إلى غزة والمحمّل مساعدات إنسانية. وقالت الوزارة في بيان إن «الهجوم الذي شنته قوات إسرائيلية في المياه الدولية ضد (أسطول الصمود العالمي) الذي كان في طريقه لإيصال مساعدات إنسانية لسكان غزة، هو عمل إرهابي يشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي ويعرض حياة المدنيين الأبرياء للخطر».

وكان «أسطول الصمود» قد أفاد في وقت سابق من مساء الخميس، بأنه رصد على أجهزة الرادار أكثر من 20 سفينة مجهولة الهوية تبعد مسافة 3 أميال بحرية فقط عن موقعه، وفق ما نشرت «رويترز». وتوقع منظمو «أسطول الصمود» أن تبدأ القوات البحرية الإسرائيلية في اعتراض عشرات القوارب التابعة له خلال ساعة.

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاياني، إن إسرائيل أكدت له أن قواتها لن تستخدم أي عنف ضد الأسطول، داعياً إسرائيل إلى نقل الأشخاص الموجودين على متن سفن الأسطول إلى ميناء أسدود.

ولاحقاً، قال وزير الخارجية الفرنسي جان - نويل بارو إن «السلطات الإسرائيلية بصدد اعتراض» سفن «أسطول الصمود العالمي» المتجه إلى غزة والتي كانت مساء الأربعاء قبالة الساحل المصري.

وقال بارو عبر منصة «إكس» إن «فرنسا تدعو السلطات الإسرائيلية إلى ضمان سلامة المشاركين، وأن تكفل لهم حق الحماية القنصلية وتسمح بعودتهم إلى فرنسا في أقرب وقت».

نشطاء على متن قوارب «أسطول الصمود» في طريقهم إلى غزة قالوا إن البحرية الإسرائيلية بدأت في اعتراضهم لدى اقترابهم من الأراضي الفلسطينية المحاصرة (أ.ب)

وكان منظمو «أسطول الصمود العالمي» الذي أبحر من تونس في منتصف سبتمبر (أيلول) قد أكدوا أنه سيواصل رحلته من قبالة السواحل المصرية، رغم ما وصفها بـ«مناورات ترهيب» اتهم «سفناً عسكرية إسرائيلية» بتنفيذها خلال الليل.

مهمة إنسانية... وشخصيات بارزة

ويضم «أسطول الصمود العالمي» الذي انطلق من إسبانيا، نحو 45 سفينة على متنها مئات الناشطين المؤيدين للفلسطينيين من أكثر من 40 دولة. وينقل حليب أطفال ومواد غذائية ومساعدات طبية، ويؤكد أنه في «مهمة سلمية وغير عنيفة».

وقرابة الساعة 15:00 بتوقيت غرينتش، قال الأسطول إنه موجود في البحر الأبيض المتوسط شمال السواحل المصرية على بعد 90 ميلاً بحرياً، أي نحو 170 كيلومتراً من الأراضي الفلسطينية.

غادر أسطول من القوارب ميناء سان جيوفاني لي كوتي في كاتانيا صقلية جنوب إيطاليا 27 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)

ويشارك في هذا التحرك حفيد نيلسون مانديلا، النائب السابق في جنوب أفريقيا ماندلا مانديلا، والناشطة السويدية غريتا تونبرغ، والنائبة الأوروبية الفرنسية ريما حسن، ورئيسة بلدية برشلونة السابقة آدا كولاو؛ بهدف «كسر الحصار الإسرائيلي على غزة» و«تسليم المساعدات الإنسانية إلى السكان المحاصرين والذين يعانون الجوع والإبادة الجماعية».

وكان «أسطول الصمود» قد أكد في بيان في وقت سابق أنه «في الصباح الباكر، نفذت قوات البحرية التابعة للاحتلال الإسرائيلي عملية ترهيب» ضد الأسطول.

وأوضح البيان أن «ألما»، إحدى السفن الرئيسية في الأسطول، «حاصرتها سفينة حربية إسرائيلية بشكل عدائي لدقائق عدة».

وخلال الحادث، «تم تعطيل الاتصالات من بُعد»؛ ما اضطر القبطان إلى «إجراء مناورة مفاجئة لتجنب الاصطدام المباشر» بالسفينة الإسرائيلية، حسب البيان.

وأضاف: «بعد فترة وجيزة، استهدفت السفينة نفسها (مركب) سيريوس، مكررة مناورات الترهيب ذاتها لفترة طويلة نسبياً قبل أن تنصرف».

«أسطول الصمود» انطلق إلى غزة ويضم 10 قوارب من كاتانيا وعلى متنه العشرات (إ.ب.أ)

وقالت ماري ميسمور، النائبة الفرنسية عن حزب فرنسا الأبية الفرنسي (يسار راديكالي)، الموجودة على متن السفينة سيريوس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنها شاهدت سفينتين مجهولتين على الأقل، كانت إحداهما «قريبة للغاية».

وأشارت إلى وجود «سفينة تدخل عسكرية قامت بتوجيه ضوء مبهر نحونا»، وبالتزامن تم قطع «الاتصالات عبر الرادار والإنترنت» قبل رفع حالة التأهب.

واتّهمت النائبة الأوروبية الفرنسية ريما حسن المشاركة في الأسطول إسرائيل بتوقيف «مئات الأشخاص» بصورة «غير قانونية» و«تعسفاً».

وبدأت النائبة الأوروبية بثاً مباشراً على «إنستغرام» بعدما شهدت صعود عناصر البحرية الإسرائيلية إلى أحد القوارب، قبل أن ترمي هاتفها في المياه بينما كانت البحرية تصعد إلى المركب الذي كانت على متنه.


مقالات ذات صلة

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

أظهر استطلاع بحثي، نشره معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، أن 29 في المائة فقط من الإسرائيليين أعطوا تقييماً إيجابياً للوضع الأمني الذي يعيشونه حالياً

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص فلسطينيون إلى جوار جثماني الشقيقين عبد الملك وعبد الستار العطار اللذين قُتلا في غارة إسرائيلية قبل تشييعهما في مدينة غزة يوم الخميس (رويترز) p-circle

خاص «تهديد مبطن وتوتر»... ماذا دار في لقاء الحية ومسؤول أميركي بالقاهرة؟

كُشف النقاب عن لقاء عُقد في القاهرة، جمع رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، شهد تهديداً وخيم عليه التوتر... فما كواليسه؟

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي يجلس فاضل الناجي البالغ 14 عاماً الذي فقد ساقيه بجانب شقيقه أمير صاحب الـ11 عاماً الذي فقد إحدى عينيه بعد إصابتهما خلال غارة إسرائيلية في منزلهما بمدينة غزة (رويترز)

القيود الإسرائيلية تزيد من معاناة مبتوري الأطراف في غزة

كان الطفل الفلسطيني فضل الناجي، البالغ من العمر 14 عاماً، يعشق لعب كرة القدم، لكنه الآن بات حبيس منزله في مدينة غزة معظم الأوقات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون وسط غزة يفحصون موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة شرطة (رويترز) p-circle

خاص فصائل غزة تتحسب لهجوم إسرائيلي على «المنطقة الوسطى»

تهدد إسرائيل بالعودة إلى الحرب في غزة حال رفضت حركة «حماس» والفصائل الأخرى نزع سلاحها، بينما كثف الجيش الإسرائيلي من عملياته في مناطق وسط القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«استعراض ناري» لمناصري «حزب الله» يثير مخاوف أمنية وسياسية

عمال ينظفون شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت من الركام تمهيداً لعودة السكان (الشرق الأوسط)
عمال ينظفون شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت من الركام تمهيداً لعودة السكان (الشرق الأوسط)
TT

«استعراض ناري» لمناصري «حزب الله» يثير مخاوف أمنية وسياسية

عمال ينظفون شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت من الركام تمهيداً لعودة السكان (الشرق الأوسط)
عمال ينظفون شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت من الركام تمهيداً لعودة السكان (الشرق الأوسط)

فرض مشهد إطلاق النار الذي تزامن مع الساعات الأولى لدخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في لبنان، نفسه عنواناً مركزياً لمرحلة ما بعد الهدنة في لبنان، حيث أطلق مناصرو «حزب الله» الرصاص وقذائف صاروخية بكثافة؛ ما عُدَّ رسائل أمنية للداخل، استدعت تحركاً أمنياً للجيش اللبناني، وسياسياً بتأكيد رئيس البرلمان نبيه بري أن السلم الأهلي خط أحمر.

وأطلق مناصرو الحزب النار بكثافة من الضاحية، وسُجل إطلاق ثماني قذائف «آر بي جي» تردد دوي انفجاراتها في سماء العاصمة بيروت، وأسفر الرصاص الطائش عن مقتل شخص، وإصابة 14 آخرين بجروح، واستدعت تنديداً سياسياً.

تحرّك أمني وقضائي

تعاملت الأجهزة الأمنية والقضائية مع الظاهرة بوصفها تهديداً مباشراً للاستقرار، فسارعت إلى إجراءات ميدانية وقانونية متزامنة؛ فقد أعلن الجيش اللبناني توقيف 7 لبنانيين، إضافة إلى سوري وفلسطيني، في بيروت والضاحية الجنوبية، لإطلاقهم النار في الهواء، مع مباشرة التحقيق تمهيداً لإحالتهم إلى القضاء المختص.

وفي الإطار القضائي، كلّف مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم الأجهزة الأمنية «اتخاذ الإجراءات الفورية لإجراء التحقيقات اللازمة لكشف هوية مطلقي النار»، مشدداً على «رصد المشتبه بهم وتوقيفهم، إضافة إلى دهم أماكن سكنهم وتفتيشها، وضبط الأسلحة المستخدمة».

كما باشرت قوى الأمن الداخلي ملاحقة مطلقي النار والقذائف الصاروخية، مؤكدة أنها «لن تتهاون في ملاحقة كل من يُخلّ بالأمن والنظام العام»، في محاولة لقطع الطريق على تحوّل هذه الظاهرة إلى نمط متكرر في كل محطة سياسية أو ميدانية.

موقف بري

في هذا السياق، رسم رئيس مجلس النواب نبيه بري سقفاً سياسياً واضحاً للموقف، محذراً من أي انزلاق داخلي؛ إذ أكد أن «الوحدة الوطنية والسلم الأهلي خط أحمر لن يُسمح تحت أي ظرف من الظروف تجاوزه على الإطلاق، وأن أي مس بهاتين الركيزتين من أي جهة كان هو مساس لوجود لبنان وهدية مجانية للعدو الإسرائيلي ومشاريعه التي لا يمكن أن يُكتب لها النجاح إلا من خلال الفتنة».

وأضاف بري: «الفتنة نائمة، لعن الله من يوقظها، فكيف إذا ما كان الأمر بين أبناء البلد الواحد والوطن الواحد والهوية الواحدة، ونعم بين أبناء الدين الواحد، وفي هذا الظرف أعود وأعلن أنني شيعي الهوية سني الهوى وعربي المنتهى».

كما أعرب عن «استيائه واستنكاره، ورفضه لظاهرة إطلاق النار»، معتبراً أن «كل رصاصة تطلَق في الهواء بقدر ما يمكن لها أن تشكل من خطر على حياة الآمنين، وتهدد أملاك الناس هي إساءة لكرامة الشهداء، وهي مخالفة ليس للقانون فحسب إنما لكل الشرائع السماوية».

نافذة سياسية للطائفة الشيعية

ترى أوساط رافضة لظاهرة اطلاق النار أن «موقف بري يتجاوز الإطار التحذيري التقليدي، ليحمل دلالات سياسية تتصل بإعادة التموضع داخل المشهد اللبناني بعد الحرب».

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (رويترز)

وتشير إلى أن خطاب بري، بما تضمّنه من عبارات جامعة، لا سيما قوله «شيعي الهوية سني الهوى وعربي المنتهى»، يندرج في سياق «السعي إلى تبريد المناخات الداخلية، وإبعاد البلاد عن أي صدام داخلي محتمل، في ظل توترات قابلة للانفجار».

وتذهب هذه القراءة أبعد من ذلك، معتبرة أن موقفه يشكّل أيضاً «محاولة لفتح نافذة سياسية أمام الطائفة الشيعية لتفادي مزيد من العزل الداخلي أو الخارجي، عبر التأكيد على الانخراط في معادلة الدولة لا في مواجهتها، في مرحلة تزداد فيها الضغوط السياسية والأمنية».

«القوات اللبنانية»

استنكر حزب «القوات اللبنانية» إطلاق النار، وقال في بيان: «ما شهدناه البارحة، عند منتصف الليل، هو مهزلة كبرى سنبقى نعيش فصولها تباعاً، ما لم تتحرّك الدولة العميقة في لبنان، وتُنفّذ القرارات السياسية السيادية التي اتخذتها الحكومة».

إطلاق النار كـ«رسالة»

تتجاوز القراءة السياسية لما جرى البعد الأمني المباشر، لتضعه في سياق أوسع من مجرد احتفالات عفوية. وفي هذا الإطار، يرى الكاتب السياسي علي الأمين أنّ مشهد إطلاق النار الذي رافق بعض اللحظات الميدانية في الداخل اللبناني «لا يمكن تفسيره في سياق طبيعي أو عقلاني»، لافتاً إلى أنّ الانطباع الأول لدى كثيرين كان ربط هذه الأصوات بعمل عسكري إسرائيلي نتيجة كثافتها وطبيعتها المرعبة، قبل أن يتبيّن أنّها عمليات إطلاق نار ذات طابع داخلي.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «السؤال الجوهري الذي يُطرح هو: على ماذا تُبنى هذه المظاهر الاحتفالية؟ فإذا كانت الحرب قد خلّفت هذا القدر من الدمار والخسائر، فما الذي يبرّر إظهار البهجة في لحظة بهذا الحجم من الانهيار؟»، معتبراً أنّ التفسير الأقرب هو أنّ هذه الممارسات «تشكل رسالة موجّهة إلى الداخل اللبناني، في محاولة للضغط على الدولة ومؤسساتها، من الجيش إلى السلطة السياسية، وكذلك إلى البيئات الأخرى».

ورأى الأمين أنّ هذه الرسائل تعكس «حالة من الارتباك والتصدّع داخل الحزب، وحالة ضياع في تحديد الاتجاه، يجري التعويض عنها باستعراضات شكلية لا تغيّر في الواقع شيئاً»، مؤكداً أن «لا مبرر فعلياً لإطلاق النار بهذا الشكل».

عمال يقومون بفتح الطرقات في الضاحية الجنوبية لبيروت تمهيداً لعودة السكان (الشرق الأوسط)

وفي ما يتصل بالسياق السياسي، أشار إلى أنّ «المرحلة الحالية مرتبطة بما هو مطلوب من الحكومة اللبنانية بعد الهدنة، أي اتخاذ إجراءات واضحة باتجاه حصرية السلاح بيد الدولة، وضبط الوضع الأمني»، معتبراً أنّ «إطلاق النار الذي حصل يمكن قراءته كرسالة مباشرة إلى الحكومة مفادها عدم الاقتراب من هذا الملف، في مواجهة القرارات التي يُفترض أن تنفّذها السلطة في هذا الاتجاه».

وأضاف أنّ «الهدنة، كما طُرحت، جاءت في سياق اختبار ما ستقوم به الحكومة، لا سيما في ما يتعلق بتنفيذ قرارات مجلس الوزراء المرتبطة بسحب السلاح غير الشرعي، وتعزيز سلطة الدولة»، لافتاً إلى أنّ «إطلاق النار لم يقتصر على بيروت، بل امتد إلى مناطق عدة، من البقاع إلى الجنوب؛ ما يؤكد طابعه المنظّم والهادف إلى إيصال رسالة سياسية».

وأكد أنّ «المرحلة المقبلة تتطلب من الدولة إظهار قدرتها على فرض هيبتها بوضوح، من خلال إجراءات أمنية حازمة وشفافة، لأن أي تردد سيؤدي إلى مزيد من التفلّت؛ ما يهدد بتقويض ما تبقى من سلطة الدولة ومؤسساتها».


اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)
صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)
TT

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)
صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

كشفت مصادر إعلامية في تل أبيب عن أنَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أوعز بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة، والبحث في إمكانية إنشاء ميناء تجاري في القطاع، وإعادة الإعمار.

ويربط المراقبون بين هذَين الاجتماعَين والتصعيد الذي بادر إليه الجيش الإسرائيلي، وفيه تمَّ قصف مناطق عدة على هامش العمليات الحربية في لبنان. والغرض من ذلك، هو التغطية على هذه المداولات، التي يعارضها اليمين المتطرف في الحكومة.

وبحسب ما أوردت القناة الإسرائيلية 12، الخميس، فإنَّ الاجتماع الذي عُقد خلال الأسبوع الحالي، ترأسته المديرة العامة بالإنابة لمكتب رئيس الحكومة، دروريت شتاينميتس، بمشاركة ممثّلين عن وزارة المالية، ومجلس الأمن القومي، ومنسّق أعمال الحكومة في المناطق المحتلة، ووزارة الطاقة، ووزارة النقل، ووزارة حماية البيئة، وهيئات أخرى.

نتنياهو يتوسط المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر خلال اجتماع الحكومة الإسرائيلية بالقدس مساء الخميس (إ.ب.أ)

وذكرت القناة نقلاً عن 5 مصادر لم تسمّها، أنَّ هذا الاجتماع، جاء استجابةً لضغوط أميركية، وبناءً على مطالب طرحها أعضاء القيادة الأميركية في مركز التنسيق بشأن قطاع غزة في كريات جات. وأورد التقرير أنَّ «هذا هو الاجتماع الحكومي الثاني الذي يُعقَد بشأن هذا الموضوع، في سرية تامة»، مشيراً إلى أنَّ «المناقشات تتناول إدارة القوات الأميركية داخل قطاع غزة... كما يشمل جدول الأعمال، قضايا تتعلق بإدارة المعابر الحدودية، وتنظيم حركة البضائع على المدى القريب».

وأضافت القناة في تقريرها: «طُلب من مختلف الوزارات الحكومية، تقديم موقفها، بشأن إمكانية إنشاء ميناء مدني في غزة». كما طُرحت الرؤية الإسرائيلية لمشروع إعادة إعمار غزة، مقابل الاقتراحات التي قدَّمها المقرّ الرئيسي في كريات غات، بقيادة الولايات المتحدة، وبمشاركة ممثلين عن دول أجنبية، ومنظمات إغاثة. وجاءت هذه الاقتراحات تحت العنوان الذي اختاره المبعوثان الأميركيان، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، «رؤية غزة الجديدة»، والتي تشمل «بناء ناطحات سحاب، ومناطق صناعية، ومحطات تحلية مياه، ومنصة غاز، ومطار»، بحسب ما أشار التقرير.

وطُلب من ممثلي هيئة الكهرباء، وهيئة المياه، ووزارة النقل المشاركين في المناقشات، تقديم ردود مهنية على هذه المبادرات.

وأفاد التقرير بأنَّ القيادة السياسية والحكومة الإسرائيلية، عموماً، أصدرتا «توجيهاً واضحاً مفاده بأنَّه لن يتم الدفع بأي مبادرات لإعادة الإعمار، بشكل عملي، ما لم يتم نزع سلاح قطاع غزة بالكامل، ونزع سلاح حماس». كما أوضحت إسرائيل أنَّها «لا تنوي تمويل أي مبادرة تتعلق بإعادة إعمار القطاع».

جنود إسرائيليون وأميركيون داخل مركز التنسيق الدولي المدني العسكري الذي تقوده واشنطن ويقام جنوب إسرائيل (أرشيفية - رويترز)

وفي هذا الصدد، أشار تقرير القناة 12 إلى أنَّه «على الرغم من التصريحات الرسمية، يبدو أن إسرائيل تُجبَر بالفعل على التعامل مع مبادرات خارجية تتعارض مع موقف الحكومة الرسمي».

ونشرت القناة رداً على تقريرها من مكتب نتنياهو، جاء فيه أنها «وضعت سياسة واضحة تقضي بعدم البدء في إعادة إعمار قطاع غزة، إلا بعد نزع سلاح (حماس) وتجريد القطاع بالكامل من السلاح، وهذا شرط لم يلبَّ حتى الآن، على الرغم من التزامات (حماس) للإدارة الأميركية والوسطاء».

وقال مكت نتنياهو: «إن المناقشات الجارية على المستوى المهني، برئاسة المديرة العامة لمكتب رئيس الحكومة، لا تهدف إلى تعزيز إعادة الإعمار، بل إلى دراسة تداعيات مختلف المبادرات الدولية، وذلك لمنع ترسيخ وقائع على الأرض، قد تضر بمصالح إسرائيل».


سكان الضاحية الجنوبية يتريثون بعودتهم: الاتفاق لا يطمئن

نازحة من الضاحية الجنوبية لبيروت تعود إليها بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان حيز التنفيذ (الشرق الأوسط)
نازحة من الضاحية الجنوبية لبيروت تعود إليها بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان حيز التنفيذ (الشرق الأوسط)
TT

سكان الضاحية الجنوبية يتريثون بعودتهم: الاتفاق لا يطمئن

نازحة من الضاحية الجنوبية لبيروت تعود إليها بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان حيز التنفيذ (الشرق الأوسط)
نازحة من الضاحية الجنوبية لبيروت تعود إليها بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان حيز التنفيذ (الشرق الأوسط)

يلملم علي جواد (35 عاماً) سلعاً اختلطت بالزجاج المطحون في دكانه بمنطقة حارة حريك بضاحية بيروت الجنوبية، ويوضبها بأكياس تمهيداً لإتلافها. لا يكترث للخسائر المادية، «طالما أننا على قيد الحياة»، حسبما يقول لـ«الشرق الأوسط»، ويمضي بجمع سلع أخرى من البرادات، أفسدها انقطاع الكهرباء، استعداداً لاستئناف الحياة.

وزار سكان الضاحية الجنوبية لبيروت، ديارهم، لتفقدها فقط، بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ منتصف ليل الخميس - الجمعة. ولم تشهد الضاحية حركة كبيرة، وخلت من الزحمة، فيما تعمل البلدية على فتح ما تبقى من طرقات، وكنس الشوارع من الردم والزجاج المتطاير، إثر تعرض المنطقة لوابل من الصواريخ والغارات الجوية، على مدى أكثر من 30 يوماً.

سكان يسيرون إلى جانب دمار واسع تسببت به غارات إسرائيلية في منطقة الصفير بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ب)

وإذا كان علي يتهيّأ لاستئناف العمل في متجره، بعد 45 يوماً من الحرب والقصف والموت، فإن السكان هنا لا يخططون للعودة إلى منازلهم فوراً. «تبدو الهدنة هشّة، ولا تطمينات حتى الآن بانتهاء الحرب»، تقول ريما التي حضرت لتفقد منزلها، وخرجت مطمئنة إلى أن المنزل «لا يزال واقفاً» رغم الأضرار التي تعرض لها، لجهة تحطم النوافذ والسقف المستعار على الشرفات، وبعض الشظايا في الستائر والأثاث، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتمتلك ريما خياراً آخر؛ إذ اضطرت لاستئجار منزل لمدة 3 أشهر ودفعت إيجاره بشكل مسبق في جبل لبنان. «يمكنني البقاء فيه لشهر إضافي ريثما تتضح الصورة»، لكن نورا، التي تقيم في فندق بمنطقة الحمراء، تخطط للعودة «حتى لو اضطررت لنزوح جديد»، وتنتظر إصلاح شبكة الكهرباء وإعادة تشغيل مولدات الاشتراك «كي لا أجلس على العتمة».

نازحون عائدون إلى ضاحية بيروت الجنوبية يتفقدون الأضرار الناتجة عن غارات إسرائيلية (أ.ف.ب)

لا تشبه الضاحية ما درجت عليه خلال أشهر ما قبل الحرب. استعادت آنذاك جزءاً من عافيتها، ومنحها النزوح من القرى الحدودية، بعضاً من الحيوية، بوصف ذلك بديلاً عن الآلاف، ومعظمهم من ميسوري الحال أو الطبقة المتوسطة، الذين أخلوها بعد الحرب الماضية في عام 2024. ويسيطر هدوء حذر على المنطقة، ويتريث السكان بالعودة، ويكتفون بزيارة لا تمتد لأكثر من ساعتين، وهي مدة كافية لتفقد المنازل، والاطلاع على الأضرار.

في سوق بئر العبد، تبدو المنطقة منكوبة، جراء غارات جوية هشّمت الأبنية، وتركت الشظايا في كل مكان. سنتر «داغر» الذي تدمر بالكامل في حرب 2006، وأعيد إنشاؤه قبل 20 عاماً، وهو من أكبر المباني في المنطقة، لا يصلح للسكن في الوقت الراهن... كذلك مبانٍ كانت تضم متاجر لبيع المجوهرات والملابس الفاخرة وصرافة الأموال، تضررت أيضاً... وعلى مدخل الشارع، مبانٍ تعرضت لقصف بالقنابل، أدت إلى تدمير طابقين أو 3، وتركت آثارها التدميرية على سائر المباني القريبة.

غير أن الدمار، يتوسع على أوتوستراد هادي نصر الله، حيث لم تبقَ أبنية تعرضت للقصف، واقفة. أكثر من 10 مبانٍ على طول الأوتوستراد، تدمرت بالكامل، ومثلها في منطقة صفير على مدخل الضاحية الشمالي... أما محيط مجمع سيد الشهداء الذي أقفلت البلدية الطرقات إليه، فنال حصة كبيرة من التدمير. الأبنية الجديدة «تحولت إلى رماد»، حسب تعبير أحد سكان المنطقة، كذلك المجمع نفسه الذي شهد في وقت سابق، أبرز احتفالات «حزب الله». «انظر إليه، أشبه بساحة حرب»، يقول أحد السكان، لافتاً إلى أن محيط المجمع «تدمر بالكامل جراء غارات متتالية».

مجمع سيد الشهداء الذي تعرض لغارات إسرائيلية وأدت إلى تدميره (أ.ف.ب)

يتشابه المشهد هنا، بالمشهد بمنطقة الجاموس في الحدت. مبانٍ ضخمة، هوت وتحولت إلى ركام. في شارع مدرسة المهدي، 4 مبانٍ سقطت بالكامل، أما الشارع المؤدي من الجاموس إلى أوتوستراد هادي نصر الله، فعاثت به الغارات خراباً، إثر تدمير مبنيين على الأقل، وتعرُّض مبانٍ أخرى لأضرار. ويتوسع الدمار إلى محيط مجمع القائم، وحي الأميركان.

تتفقد امرأة مدخل متجرها في الجاموس، وتطلب من عمال تنظيف الركام. تقول إنها دفعت مبالغ طائلة لإعادة ترميم المؤسسة بعد الحرب الماضية، والآن «لن أجرؤ على ترميم أي شي، قبل تثبيت وقف إطلاق النار». تخطط لنقل محتويات المتجر إلى خارج الضاحية. «كفانا بطالة لأكثر من 45 يوماً... الخروج من الضاحية يحتاج إلى قرار وقد اتخذته، ولن أعود قبل تثبيت الاستقرار ونهاية فكرة الحرب الكامل».