أوكرانيا... سيناريوهات توسيع رقعة المواجهة تعود إلى الواجهة

تحوّل في موقف ترمب من بوتين وارتباك في أوروبا... هل دخلت الحرب مرحلة جديدة؟

أوكرانيا... سيناريوهات توسيع رقعة المواجهة تعود إلى الواجهة
TT

أوكرانيا... سيناريوهات توسيع رقعة المواجهة تعود إلى الواجهة

أوكرانيا... سيناريوهات توسيع رقعة المواجهة تعود إلى الواجهة

فجّرت عبارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حول مآلات الحرب الروسية في أوكرانيا، موجة جديدة من السجالات الصاخبة، وفتحت على تكهنات بشأن مصير جهود الوساطة الأميركية لإنهاء الصراع. وُصف كلام ترمب عن أن «أوكرانيا، بدعم من الاتحاد الأوروبي، في وضع يسمح لها بالقتال واستعادة كامل أراضيها إلى حدودها الأصلية»، بأنه تحوّل كامل في موقف إدارته، ما يعكس تنامي خيبة الأمل لدى واشنطن تجاه سياسات الكرملين، ويمهّد لانسحاب أميركي تدريجي من عملية السلام المتعثرة أصلاً. لكن «الانعطافة» الأميركية التي سعت أوساط في موسكو وواشنطن إلى التقليل من تأثيراتها المحتملة، ورفضت وصفها بأنها تحول كامل في مواقف الرئيس الأميركي الذي تعهد قبل أقل من عام بإنهاء الحرب في غضون 24 ساعة، تزامنت مع تغييرات واسعة في المشهد السياسي - العسكري كلّه. لم تقتصر تداعيات هذه الانعطافة على ساحة المواجهة نفسها، بل امتدت لترمي بثقلها على كل اللاعبين الرئيسيين في الصراع.

بعد مرور أسابيع قليلة على اللقاء «التاريخي» الذي جمع الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب في ألاسكا، وأثار الكثير من النقاشات حول مجرياته ونتائجه، بدا أن أجواء التفاؤل المحدودة التي وفّرتها القمة، قد تبخرت سريعاً.

وشكلت تصريحات ترمب حول قدرة أوكرانيا بدعم غربي على «استعادة أراضيها» والعودة إلى حدود عام 2022، أي قبل اندلاع المعارك مباشرة، انقلاباً كاملاً على قناعات البيت الأبيض السابقة التي راهنت بجدية على أن التنازلات الإقليمية من جانب أوكرانيا قد تؤسس لسلام مستدام يضمن مصالح كل الأطراف.

شكّل موقف ترمب الجديد امتداداً طبيعياً لسلسلة مواقف انقلب فيها على سياسته السابقة تجاه روسيا. بدأت بإعلان خيبة أمله تجاه نظيره الروسي، ووصفه بأنه «مجنون» في أحد تعليقاته الصاخبة، ووصلت إلى الحديث عن «حرب عبثية» يشنها بوتين، وتأكيد أنه «بعد دراسة الوضع العسكري والاقتصادي في أوكرانيا وروسيا، يمكن لكييف بدعم من الاتحاد الأوروبي، مواصلة القتال وإعادة أوكرانيا بأكملها». إضافة إلى ذلك، قال ترمب إن القوات الروسية عجزت عن حسم المعركة في أكثر من 3 سنوات، ووصفها بأنها «نمر من ورق».

تحول أم ضغط تكتيكي؟

أثارت تلك التصريحات شهية كييف وعواصم أوروبية، ولم يتردد الرئيس فولوديمير زيلينسكي بإعلان استعداده لترشيح ترمب لجائزة نوبل للسلام «إذا استطاع إنهاء حرب بوتين».

لكن هل حملت تلك التصريحات فعلاً تحولاً جدياً في مواقف إدارة ترمب؟

سارعت أوساط في الإدارة الأميركية إلى التقليل من هذا الاحتمال، والتأكيد على أنها مجرد انعكاس لخيبة الأمل بسبب تعثّر جهود السلام، بينما رأت أوساط روسية أن موقف ترمب يهدف إلى ممارسة نوع من الضغط على الكرملين لحمله على دفع المفاوضات قدماً. بين الموقفين، برزت إشارات عدة إلى أن الإدارة الأميركية تسعى بالفعل إلى تقليص حضورها في هذا الملف، ورمي المسؤولية عن الفشل القائم على أطراف أخرى.

قبل 10 أيام فقط من إطلاق هذه التصريحات، دعا ترمب، مجدداً، دول حلف «الناتو» إلى عدم شراء النفط الروسي، ووصف الأحداث في أوكرانيا بأنها «حرب (الرئيس السابق جو) بايدن وزيلينسكي». وفي وقت سابق، كان ترمب متحمساً جداً لفكرة التنازلات الإقليمية من جانب أوكرانيا، ولم يوفر جهداً لتأكيد موقفه الضاغط بقوة على زيلينسكي في هذا الشأن، بما في ذلك خلال لقاء الطرفين الشهير في فبراير (شباط) الماضي في البيت الأبيض.

تقول أولغا ستيفانيشينا، سفيرة أوكرانيا لدى واشنطن، التي كانت حاضرةً في المكتب البيضاوي خلال الخلاف العلني بين رئيسي الدولتين، إن «تحولاً كبيراً قد حدث» في علاقتهما، وإن «كلا الجانبين قد قطع شوطاً طويلاً». ويعود ذلك بالأساس إلى المحادثات العديدة التي أجراها ترمب مع بوتين هاتفياً أو بشكل مباشر في ألاسكا. وتخلص إلى أن ترمب بالفعل قد «فقد الأمل لأن بوتين قطع وعوداً كثيرة، ونشر أكاذيب ومعلومات مضللة».

إذا كان هذا التحليل صائباً، فهذا مؤشر إلى تحول حقيقي، وهو أمر أكده بشكل جزئي الناطق باسم الخارجية الأميركية، إيان باتيسون، عندما أقر بأن «الرئيس ترمب إذا التقى بشخص ما، وتحدث معه، واعتقد فعلاً أنه يقدّم حججاً جيدة وصحيحة، يمكنه تغيير موقفه. وبصفته رئيساً، يمكنه تغيير السياسة (..) رأينا هذا بالأمس: بدأ يتحدث بشكل مختلف عن الجيش الأوكراني، وعن شجاعته ونجاحاته».

لكن موسكو، في المقابل، لا ترى تحولاً حقيقياً في موقف الإدارة الأميركية. وفضلت عدم التسرّع في الرد بعنف على تصريحات ترمب، وجددت التأكيد على 3 عناصر رئيسية:

الأول: مواصلة العمل مع الرئيس الأميركي لرفع العراقيل المتراكمة أمام تطبيع العلاقات منذ عهد الرئيس السابق. والثاني: التذكير بتحولات الوضع الميداني واستحالة عودة الوضع إلى حدود 2022. والثالث: الإشارة إلى حجم المكاسب المنتظرة للشركات الأميركية في السوق الروسية وتأكيد انفتاح موسكو على التعامل معها لتحل مكان الشركات الأوروبية.

الموقف الروسي انطلق ليس من قناعة بأن الوضع على الأرض تغيّر إلى درجة يصعب معها إحداث تحول عسكري ميداني كبير فقط، بل أيضاً من فهم بأن ترمب حتى لو انسحب من عملية السلام فهو لن يخوض «حرب بايدن»، وفقاً لتعبيره، وأن المتغيرات السياسية والميدانية سوف تجعله يرمي بثقل هذه العملية على كاهل الأوروبيين وحدهم. وهذا يفسر، وفقاً للفهم الروسي، سياسة ترمب التي ركزت على تفاهمات مع الاتحاد الأوروبي لشراء الأسلحة والمعدات من الولايات المتحدة لنقلها إلى أوكرانيا. ثم تلويحه بأنه قد يفرض عقوبات صارمة على بوتين فقط في حالة امتناع كل بلدان الاتحاد والحلف الأطلسي عن شراء مصادر الطاقة الروسية، وهو أمر يبدو مستحيلاً في المدى المنظور.

أكد ترمب للقادة الأوروبيين خلال خطابه في الأمم المتحدة استعداده لفرض رسوم جمركية قاسية على روسيا إذا كانت دول الاتحاد الأوروبي مستعدة للقيام بالمثل، وقال: «الدول الأوروبية تشن حرباً على نفسها. من جهة، تريد إنهاء الحرب في أوكرانيا، ومن جهة أخرى، تشتري النفط والغاز من روسيا، وتمنحها الفرصة والوسائل لمواصلة هذه الحرب المروعة».

إذن، يسعى ترمب في سياسته الجديدة تجاه الملف الأوكراني، وفق الفهم الروسي، إلى ممارسة ضغوط، ليس على موسكو وحدها، بل على الأطراف الأوروبية صاحبة المصلحة الحقيقية في إنهاء هذه الحرب.

ارتباك أوروبا

رحّب كبار المسؤولين الأوروبيين بتصريحات ترمب حول حرب روسيا ضد أوكرانيا. وكتبت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، التي التقت أيضاً بالزعيم الأميركي على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنهما اتفقا على ضرورة خفض عائدات روسيا من الوقود الأحفوري و«القيام بذلك بسرعة». ووعدت بإنهاء مشتريات الطاقة الروسية «بشكل دائم» بحلول عام 2027.

تراقب موسكو الوضع الأوروبي وهي تدرك أن بلدان الاتحاد تواجه صعوبة في التخلي تماماً عن إمدادات الطاقة الروسية. فرغم دعوات الرئيس الأميركي، ترفض المجر التوقف عن شرائها. وهناك العديد من الدول الأخرى التي تعتمد بنسب متفاوتة على واردات الطاقة من روسيا، ولا تبدو مستعدة للعثور على مصادر بديلة سريعاً.

لكن المشكلة الأوروبية لا تقتصر على آليات التعامل مع الموقف الأميركي الجديد.

لقد رمى ترمب بثقل العملية العسكرية برمتها على كاهل أوروبا. ووفقاً لروجر هيلتون، الباحث في شؤون الدفاع في مركز الأبحاث السلوفاكي «غلوبسيك»، فإن «كلمات ترمب بشأن الكرملين مشجعة بحد ذاتها، لكنه يؤكد أن كييف قادرة على إحداث تحول ميداني بدعم من الاتحاد الأوروبي، وليس بالتنسيق مع واشنطن، وهو ما يُضعف، في رأيي، مصداقية هذا التصريح».

كما أن نائبي البرلمان الأوكراني، أوليكسي هونتشارينكو وفولوديمير أرييف، من حزب المعارضة «التضامن الأوروبي»، لا يشاركان التفاؤل الذي أبداه العديد من المراقبين عقب تصريحات الرئيس الأميركي. وكتب هونتشارينكو على قناة «تلغرام»: «تصريح ترمب لا يتعلق بانتصار أوكرانيا، بل يتعلق بغسل يديه من الحرب. إنه يقول بصراحة: تعاملوا مع الاتحاد الأوروبي. أتمنى لكم النجاح. بالتوفيق للجميع».

«اختبار» هجمات المسيّرات

لكن الاستحقاق الأهم الذي تواجهه أوروبا، تمثل في تفاقم الوضع مع اتساع نطاق اختراقات حدودية لمسيّرات مجهولة. ونفت موسكو صحة تقارير غربية اتهمتها بتأجيج الوضع، فيما هددت بولندا باستخدام قدرات عسكرية لمواجهة الموقف، وصعّدت الدنمارك لهجتها متهمة موسكو باستهداف خطير لمنشآت البنى التحتية الحيوية، بينها مطار أوسلو الذي أصابه شلل كامل لساعات طويلة قبل أيام عندما تم تسجيل انتهاك خطير للأجواء بمسيّرات لم يتم تحديد مصدرها.

وبدا أن التدهور المتواصل على خلفية تزايد الانتهاكات الحدودية، بدأ يتخذ أبعاداً أوسع وأخطر، بعد انضمام النرويج والدنمارك إلى لاتفيا وأستونيا وبولندا في اتهام الكرملين بتنظيم استفزاز متعمد.

لا يخفي خبراء أن هذه التطورات قد تكون مرتبطة بمحاولة روسية لجسّ نبض ردود الفعل الغربية، وفحص مستوى جاهزية حلف شمال الأطلسي للتعامل مع احتمالات تطور الموقف بشكل دراماتيكي.

اللافت هنا أن تحليلات الخبراء العسكريين الروس، وتعليقات وسائل الإعلام الحكومية، ركزت على حال الارتباك التي أصابت أوروبا، وأظهرت عجزاً عن مواجهة الموقف. أيضاً تحدثت عن نتائج محددة، بينها مثلاً أن بولندا بعد تشغيل أنظمة الدفاع الجوي لمواجهة 19 مسيّرة الأسبوع الماضي، نجحت بتعاون مع دفاعات دول مجاورة في إسقاط 4 منها فقط.

يعزو خبراء هذا الوضع إلى ضعف جاهزية بلدان الحلف لمواجهة افتراضية مع موسكو أو أي طرف آخر، على رغم أن الحرب على حدود أوروبا مستمرة منذ أكثر من 3 سنوات، وأن بلدان الفضاء الأوروبي ضاعفت الإنفاق العسكري عدة مرات خلال تلك الفترة.

كما تشير تقديرات الخبراء إلى عنصر فريد برز في هذا «الاختبار»، يتمثل في غياب واشنطن عن المشاركة في رد فعل مباشر، على الرغم من انتشار 100 ألف عسكري أميركي مدججين بقدرات هائلة في العواصم الأوروبية تحت لواء حلف شمال الأطلسي.

لكن، هل تحمل الانتهاكات الحدودية مؤشرات إلى احتمال توسيع نطاق المواجهة نحو أوروبا؟

يجيب الجزء الأكبر من الخبراء بالنفي على هذا السؤال. فهذا تحرّك هدفه محدود، وهو يوجّه رسائل جدية إلى أوروبا وإلى واشنطن في ظروف الضغوط المتزايدة على موسكو عسكرياً من خلال زيادة الموازنات الحربية، واقتصادياً عبر التجهيز لرزم عقوبات إضافية، وسياسياً في مواجهة التبدلات المحتملة حيال آليات التوصل إلى تسوية مرضية للكرملين في أوكرانيا.

تصعيد حول مولدوفا

التصعيد المحتمل على الصعيد العسكري يبدو منتظراً على جبهة أخرى تماماً غير أوكرانيا. إذ يميل الوضع حول مولدوفا بسرعة نحو التدهور، مع تفاقم التوتر وتزايد الاتهامات الروسية لهذه الجمهورية التي تؤيد أوكرانيا وتتجه نحو تعزيز اندماجها مع أوروبا في مواجهة سياسات الكرملين.

وتقع مولدوفا جنوب غربي أوكرانيا، وكان ينظر إليها باستمرار كساحة مواجهة محتملة أو منصة لتوسيع المواجهة الجارية في أوكرانيا، خصوصاً أنها محاذية لإقليم أوديسا الذي يصفه سياسيون روس بأنه «ارض روسية» مثل الأقاليم الأربعة التي ضمّتها موسكو في وقت سابق.

وبدا أن تفاقم التوتر الحالي، يرتبط باستحقاق الانتخابات النيابية في هذا البلد، علماً بأن الرئيسة الحالية مايا ساندو قادت سياسة واسعة للتقارب مع أوروبا ورفضت ما وصفته بـ«الطموحات التوسعية» للكرملين.

وكان لافتاً أن موسكو شنّت قبل أيام ضربةً انتقاميةً ضد القوات الأوكرانية في منطقة أوديسا رداً على هجوم أوكراني في شبه جزيرة القرم.

وهذا الربط للهجوم على القرم مع منطقة أوديسا، بدا أنه مرتبط بتطورات الوضع في مولودفا المجاورة، خصوصاً مع صدور تقرير لجهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، تحدث عن «سعي الاتحاد الأوروبي لاحتلال مولدوفا».

ورأى التقرير أن جهات أوروبية ستعمل على استخدام قوات عسكرية تابعة لحلف شمال الأطلسي لفرض سيطرة مباشرة في مولدوفا بغضّ النظر عن نتائج الانتخابات البرلمانية.

ووفقاً للتقرير الذي نشرته وكالة أنباء «نوفوستي» الحكومية الروسية، فإن «بروكسل لا تنوي التخلي عن خططها لاحتلال مولدوفا حتى لو لم يتطلب الوضع بعد الانتخابات تدخلاً خارجياً. من المتوقع نشر القوات في وقت لاحق. ولإيجاد ذريعة، يُتوقع القيام باستفزازات مسلحة ضد ترانسنيستريا والقوات الروسية المتمركزة في المنطقة».

وذكر التقرير أنه في إطار التحضيرات لذلك، تتمركز وحدات عسكرية تابعة لحلف الناتو حالياً في رومانيا بالقرب من الحدود المولدوفية. ويُجهّز الاتحاد الأوروبي «قوة إنزال» في منطقة أوديسا لتخويف ترانسنيستريا. وزاد أنه «وصلت بالفعل أول دفعة من العسكريين المحترفين من فرنسا والمملكة المتحدة إلى أوديسا».


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)
حصاد الأسبوع في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع الرئيس لولا يسعى إلى ولاية جديدة (إ.ب.أ)

البرازيل... اليمين يهدد آخر معاقل اليسار في أميركا اللاتينية

أحرز اليمين المتطرف الذي يهبّ على أميركا اللاتينية كالإعصار، نصراً مفاجئاً ومفصلياً في البرازيل، يوم الأحد قبل الماضي، 4 أكتوبر، (تشرين الأول)؛ فقد حقَّق

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً،

نظير مجلي ( القدس)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟