التخوين والتنمر… الحرب الخفية على أصوات السودانيين

صناعة وهم تأييد الحرب عبر ترهيب ميداني ورعب إلكتروني

أحد شوارع الخرطوم خلال حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 (أرشيفية - رويترز)
أحد شوارع الخرطوم خلال حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 (أرشيفية - رويترز)
TT

التخوين والتنمر… الحرب الخفية على أصوات السودانيين

أحد شوارع الخرطوم خلال حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 (أرشيفية - رويترز)
أحد شوارع الخرطوم خلال حرب السودان الدائرة منذ أبريل 2023 (أرشيفية - رويترز)

لم يعد السودانيون يميّزون بين دويّ المدافع وضجيج الشتائم، كلاهما يسلب الحياة، وإن اختلفت الأدوات، فمنذ اندلاع الحرب بالسودان في أبريل (نيسان) 2023، تمدّدت الجبهة من الخنادق إلى الهواتف، ومن خطوط التماس إلى قاعات المحاكم، ومن السماء التي تشقّها الطائرات المسيّرة إلى المنصّات الرقمية التي تمطر تعليقات ساخرة وتهديدات بالتخوين والفضيحة.

هكذا نشأت حرب موازية: «حرب على الأصوات»، تريد أن تصنع صمتاً عاماً يُسوَّق بوصفه «تأييداً للحرب»، وأن تحوّل خوف الناس إلى «شرعية» تناسب مَن يقتاتون على طول النزاعات.

في هذه الحرب الموازية، مَن يهمس بالسلام يُتَّهم بـ«التخابر»، مَن يسأل عن مصير المفقودين، يُقدَّم للجمهور على أنه «طابور خامس»، ومَن يختار الصمت يُصنَع منه نموذج للمواطن «العاقل الذي يعرف مصلحته»، مع أن صمته في الحقيقة ليس اقتناعاً، بل رعب.

وبين هذا وذاك، تُمارس آليات يومية دقيقة: اعتقالات ببلاغات فضفاضة، ومحاكمات تُبنى على اعترافات قسرية. وتنمّر إلكتروني ممنهج، يسبق غالباً الاعتقال الفعلي، أو الحملة المشهّرة.

الخوف وصناعة الوهم

في أحاديث الحقوقيين والناشطين يطفو توصيف بات متداولاً: «الخلية الأمنية»، وهي ليست مؤسَّسة رسمية واحدة بقدر ما هي شبكة مترابطة من إسلاميين وعناصر ذات مرجعية إسلامية، ومدنيين يبحثون عن وجاهة أو مكسب أو ليتجنبوا الحساب، ومؤثرين على السوشيال ميديا يوفرون الغطاء الدعائي.

للشبكة التي اسمها «الخلية الأمنية» وظيفة مزدوجة: «على الأرض تدير الاعتقال والتنكيل و(حفلات الإذلال)، وعلى الميديا تنظّم حملات السخرية والتخوين، وتضرب سمعة الضحايا قبل أن يُستدعوا إلى النيابة».

والنتيجة المتوخّاة بسيطة وخطيرة معاً: «إنتاج وهم إجماع، بأن يبدو الشارع كله خلف الإسلاميين، وأن يُوصم أي اعتراض بأنه خيانة». ولا يعود المطلوب إقناع الناس بوجاهة الحرب، بل يكفي أن يخافوا من سؤال أو «إعجاب» أو مشاركة منشور، وأن يشعروا بأن المجتمع كله سيتبرأ منهم إن تحدثوا، فيختارون الصمت؛ والصمت يسوّق تأييداً.

من البيت إلى الزنزانة

عناصر مسلحة في شوارع الخرطوم أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

في الخامسة من فجر يوليو (تموز) 2023، داهمت قوة عسكرية منزل المعلم والناشط المدني الشريف الحامدابي في مروي، «غُطيت عيناه، كبّلت يداه ورجلاه، وأُلقي به في صندوق عربة تاتشر (تسمية شعبية للعربة تويوتا رباعية الدفع)».

قال لـ«الشرق الأوسط»، إنه تعرَّض للضرب بالخرطوش، والركل، والحرق بالسجائر في أثناء التحقيق، الذي لم يكن بحثاً عن حقيقة، بل كان بحثاً عن جملة مكتوبة مُسبقاً: «اعترف بأنك دعامي.. أنت من قوى الحرية والتغيير. إذن أنت مع (الدعم السريع)».

5 أشهر من التنقل بين الزنازين تتوَّج بتسجيل اعتراف قسري، لكنه لم يقنع النيابة، فأطلقت سراحه مع التهديد بأنه إذا تكلم فسيعود مرة أخرى للمعتقل. لكنه وما أن خرج لم يجد غير المنفى، يقول الحامدابي: «الخيار كان بين الصمت أو اللجوء، اخترت اللجوء لأستطيع الكلام، فالصمت يساعدهم على العودة».

قصة الحامدابي ليست قصة معزولة، بل هي «الدرس الأول» الذي تُريد الخلية أن يراه الجميع: «شايف.. الكلام بجيب البل» - عبارات دارجة تُستخدَم بكثافة في التعبئة الحربية - فعندما تنشر على المنصّات نسخة مجتزأة من «اعترافاته، يكون قد اكتمل الفعل: ليس المهم ماذا قال، المهم كيف سيشعر المشاهد العادي وهو يقلب هاتفه عند الفجر، قائلاً: يا زول خلّيك بعيد».

الأجساد إلى السلاح

لم تكن المحامية حنان حسن تتخيّل أن ملامح وجهها ستصبح موضوعاً سياسياً، فمنذ عملها في «لجنة مراجعة قانون الأحوال الشخصية» عام 2020، فُتحت عليها أبواب جحيم إلكتروني فصارت: «أم نخرة»، و«العانس». كلمات ووابل من إهانات جسدية وجنسية، تحضر معها جيوش حسابات وهمية وأخرى حقيقية.

ومع اشتعال الحرب، قفز التنمر إلى خانة التخوين: «عميلة، بل حتى عاهرة»، لرسم صورة أن الجسد بذاته دليل على الانحلال، وتصبح صورة امرأة في المرافعة القضائية قرينة على مؤامرة. لاحقاً حُرمت حنان من تجديد جواز سفرها، وبذلك تعذّرت لقاءات الأمومة مع أطفالها اليتامى المقيمين في بلد آخر، ثم انتهى بها الأمر في كمبالا، لكنها لم تفلت من التهديدات.

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «عادة أتلقى رسائل تهديد بالقتل والاغتصاب، بعضها ممهور بتوقيع جماعات متطرفة مثل (كتائب البراء ابن مالك)». وتتابع: «لا يستهدفونني وحدي، بل يستهدفون كل امرأة تفتح فمها، يريدوننا دروساً في الصمت».

حفلة بيت الأشباح

الحرب التي تدمر البشر قبل الحجر (رويترز)

في يناير (كانون الثاني) 2025، أُخذت الطالبة الجامعية ضحى شعيب من دار إيواء لنازحين في منطقة كرري بمدينة أم درمان، إلى منزلٍ حوَّله عناصر الخلية الأمنية إلى معتقل غير رسمي، وهناك صودِر هاتفها وأُجبرت على فتحه.

بعد ساعات من ضرب الذكور، سلّموها لمجموعة «نساء مُستنفرات» وقِيل لهن: «اعملوا لها حفلة»، والحفلة - كما هو متعارف عليه - جلسة تعذيب ليلية تُستخدَم فيها الإهانات والتهديدات واللكمات، وربما «التعليق من الأيدي والأرجل».

لم تقصّر المستنفرات، بل أوسعنها ضرباً، وحاولت إحداهن تشويه وجهها، وسط التهديد بمواجهة الإعدام، لاحقاً وُجِّهت لها تهمٌ بـ«تقويض النظام الدستوري، وتهديد الأمن والسلامة، والتعاون مع (الدعم السريع)، وجرائم ضد الإنسانية».

أمضت الطالبة الصغيرة 6 أشهر بين بيوت التعذيب والتحقيق و«سجن أم درمان»، قبل أن تُشطَب قضيتها لعدم كفاية الأدلة، لكن شطب القضية لم يكن شطباً للخوف داخلها، فقد عرفت أن النيابة استأنفت الحكم.

غادرت ضحى البلاد هرباً بمعاونة صديقاتها إلى أوغندا. وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أظن البراءة نهاية القصة، فعرفت أن الاعتقال ينتظرني عند أول نقطة تفتيش».

نساء على حبل المشنقة

ويقول محامٍ، طلب عدم ذكر اسمه: «في داخل السجون تنام نساء بأحكام إعدام أو مؤبد، بعضهن مع أطفال يدخلون ويخرجون بعيون لا تفهم، وأخريات وحيدات ينتظرن تنفيذ القرار». إحداهن حُكم عليها بالإعدام، فقط لأن زوجها أرسل لها حوالة عبر تاجر صغير في منطقة تغيّرت السيطرة عليها، لم يسلمها المبلغ، بل انتقم منها و«وشى بها على أنها متعاونة» مع العدو.

وطبيبة ظلت 9 أشهر رهن الاعتقال لأن عيادتها كانت في منطقة تحت سيطرة «قوات الدعم السريع». قالت في التحقيق: «أنا أعالج المرضى أياً كانوا، هذا واجبي»، فقيل لها: «تعطيهم الدواء ليرجعوا فيحاربوننا». في لحظة مثل هذه، يتحوَّل الطب إلى تهمة، والواجب المهني إلى دليل على الخيانة.

شهور في العدم

الأطباء أيضاً يتعرضون للاختطاف والتعذيب (منظمة الصحة العالمية)

عند نقطة ارتكاز في مدينة دنقلا بشمال البلاد، أُوقِف 3 شباب كانوا عائدين من عمل شاق في التنقيب عن الذهب في مناجم داخل مصر، تنقلوا بين مراكز اعتقال مختلفة في مدينة مروي. أمضوا 11 شهراً دون محاكمة، ودون استحمام، وصار القمل يسير على أكتافهم، وتقطعت ملابسهم على أجسادهم، حتى استطاع محامٍ لقاءهم.

قال أحدهم وهو ينظر إلى قميصه البالي: «هذه هي الفنيلة - تي شيرت - التي قبضوني بها من 11 شهراً، لم أنزعها أو أغسلها، وأهلي ما عارفين عني حاجة».

لاحقاً ستُلغى الأحكام على الشباب الثلاثة في الاستئناف لغياب البيانات، لكن ماذا بعد الحرية؟ «لا أوراق، لا مال، لا مكان، سينامون في المساجد»، حتى عثروا على رجل تبرع بإعادتهم إلى ذويهم، «سيبقون في ذاكرة مَن رآهم، 3 ظلال خرجت من العدم وعادت إليه».

فائزة وصباح وبشارةفي بلدة القرير أُوقفت الشابة فائزة، وهي عروس جاءت من الخرطوم لتلتقي زوجها بشارة العائد من مصر. أُبلغ زوجها باعتقالها، وعند وصوله عصبوا عينيه هو الآخر، وظلّ حبيساً إلى أن أطلقوا سراحه، وأبلغوه بأن زوجته أُرسلت إلى مكان معين، لكنه لم يجدها فيه.

ذهب إلى سجن مروي حيث نُقلت عروسته إلى هناك، وقبل أن يراها سمع أولاً «صوت الجنازير»، دخلت فائزة ببطء لأن القيود الثقيلة تقيد حركتها. انفجر بشارة بالبكاء وهو يُمسك بيديها التي تكافح الحديد، فتبكي هي الأخرى حتى ينقطع نفسها، وهنا يعلن الحارس انتهاء الزيارة فتجرجر جنازيرها عائدة.

تعرفت العروس في السجن على صباح الممرضة، وزوجها فني الأكسجين، اللذين سبقاها إلى الزنزانة، برّأت المحكمة لاحقاً العروس فائزة والممرضة صباح. خرجت الأولى مع زوجها إلى اللجوء بعيداً، أما صباح فكانت لديها رغبة واحدة: «أن تعرف مصير زوجها.

وظلت تطرق أبواب النيابة، وتسمع أخباراً مطمئنة، ثم يأتي اليوم الذي تُبلَّغ فيه بأن زوجها مات في المعتقلات منذ 6 أشهر. تلتفت من حولها فلا تجد إلا نسوة أخريات ينتظرن أخباراً لا تأتي.

محامية في مرمى الهدف

المحامية ازدهار جمعة وهي مغمى عليها وملقاة على الأرض في الصحراء (متداولة)

تجسِّد قصة المحامية أزدهار جمعة ذروة هذا الخط البياني: «من قاعة الدفاع إلى سرير العمليات، ومن نصّ القانون إلى الاعتراف الجاهز». بدأت حكايتها من قاعدة أصولية حفظها طلاب القانون: «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، واختارت أن تعمل حيث تشتد الريح: «قضايا التخابر وتقويض النظام، الدفاع عن متهمين تصّر النيابة أنهم خطر على الدولة».

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أستطيع أن أترك إنساناً في محنة وأنا قادرة على العون. التقاعس خيانة للمهنة». لم يكن هذا النوع من الدفاع مُرحَّباً به، ففي إحدى المرات أصدر شخص أمر قبض بحقها، بعد أن زعموا أن في هاتفها رسائل تدينها، لكن المشكلة أن الهاتف كان قد نُهب منها يوم اختطافها.

في يوم الاختطاف أُغلق الطريق بقوة مسلحة من الجهتين، ضُربت حتى تكسّرت عظام يديها. المهاجمون حاولوا فقء عينيها، ثم رميت في صحراء وسط جبال «وادي الضباع»، وعثر عليها معدّنون أهليون، ثم لفوها ببطانية لنقلها.

تقول: «كان الألم لا يُطاق، كلما احتكّت العظام المكسورة أصرخ»، ثم نقلوها إلى مدينة كريمة «المستشفى الصيني»، وخضعت هناك لعملية استغرقت 12 ساعة. خلال ذلك كانت رسائل تصل إلى بريد النيابة من خاطفيها أنفسهم: «افتحوا ضدها بلاغاً تحت المواد (51/50/26) من القانون الجنائي، وإلا سنقوم بتصفيتها داخل المستشفى».

بعد 8 أيام يصل خطاب يطلب فتح بلاغات ضدها، فتتحرك وكيلة نيابة - من تنظيم إسلامي معروف - لمخاطبة النائب العام برفع الحصانة عنها، ليوافق ويخاطب نقابة المحامين، فتمنح إذن المقاضاة دون أن تكلف نفسها سؤال صاحبة الشأن.

تتوالى المفارقات في حكاية ازدهار، تقول: «الجهاز نفسه الذي غطى على واقعة الاعتداء، بات الآن هو الاتهام، والهاتف المنهوب يعاد للنيابة مع إضافة محتويات تناسب التهمة الملفقة»، ثم يَظهر ضابط سبق أن هدّدها بالتصفية في حوادث كريمة، ليعترف علناً: «هسه بخش بصفيها جوه».

تواجه ازدهار مشهداً دراماتيكياً في المحاكم: «أفراد يملأون القاعات، شهود يُعتَقلون عند الأبواب، محامون يُؤمرون بالجلوس (تحت) في غرف التحقيق، سيارات قتالية مزوّدة برشاشات الدوشكا قبالة السلالم».

وتقول ازدهار: «القانون صار ديكوراً لإخفاء العصا». دفعت أسرة ازدهار أثماناً مركبة: زوج يترك عمله ليلازمها، ابن يودّع دراسة الطيران ليحرسها في الطريق، أخت تُفصَل عن العمل، وأطفال يدخلون ويخرجون في بيتٍ لم يعد بيتاً، ومع ذلك تقول بجملة تكرّرها كثيراً: «انسحاب وين؟ قدّام بس».

التشهير الإلكتروني

في العالم الموازي، حيث تلمع الشاشات الصغيرة، تُدار الحملة بذكاء: حسابات وهمية ترمي الطعم، مؤثرون يلتقطون مقطعاً مبتوراً ويُضيفون عليه قصة جاهزة، صفحات محلية تعيد توزيع المادة 100 مرة، وتكفي عشرات التعليقات التي تكرّر كلمات: «دعامة»، و«خونة»، و«قحاتية»، لتخلق انطباعاً بأن الناس مقتنعون.

يصف مهندس معلوماتية من الخرطوم، طلب عدم ذكر اسمه، المشهد: «هناك منشورات واضحة، ومجموعات ولجان تحرّك الوسوم، لكن الأخطر الحسابات الحقيقية التي ترفع معنوياً وتحفِّز المتنمرين، وتظهرهم كأنهم مقاومة وطنية، وخلط متعمّد بين النقد المشروع والتحريض على الأذى».

ويضيف: «الهدف ليس فقط إحراج الضحية، بل تهيئة الأرضية للاعتقال، وعندما يصل الاستدعاء أو المداهمة يكون الرأي العام قد أُعِد للتقبل سلفاً». ويستطرد: «لن يتعاطف كثيرون مع مَن رأوه لأيام يُجلد على المنصات بالسخرية والتخوين».

إعدامات خارج القانون

مظاهر التسلح تنتشر في العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)

في أواخر مارس (آذار) 2025، وثَّقت منظمات ومحامون عمليات قتل خارج نطاق القضاء في أحياء بري والجريف والصحافات ومايو والكلاكلات في الخرطوم، ومشاهد صادمة في مدن أخرى، من بينها إلقاء شاب من أعلى «جسر حنتوب» في ود مدني وهو مقيّد، ثم إطلاق النار عليه، وجثامين «تشخر» والدم يسيل من أعناقها التي ذبحت ولم يحسن الذبح... وبالطبع هذه مشاهد تجعل من الصمت خياراً «حكيماً».

يقول محامٍ، هذه ليست «فلتات» غضب، بل ممارسة متكررة رافقتها حملة دعائية تبررها. ويتابع: «عند هذه النقطة تتجاوز الانتهاكات عتبة الجريمة الفردية، إلى جرائم حرب وفق اتفاقات جنيف، بل إلى جرائم ضد الإنسانية عندما تصاغ في نمط عام».

مشروع سياسي

يقول الأكاديمي السوداني الدكتور أبو بكر شبو لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يحدث ليس انحرافاً طارئاً، بل مشروع يستثمر الحرب، لاستعادة سلطة عرفت كيف تدير المجتمع بالخوف.

ويذكّر بمفاخرة الرئيس المخلوع عمر البشير بأنه صانع «الدعم السريع»، بينما هو ورجال نظامه ينعمون الآن بامتيازات رفاهية، في حين يساق مواطنون بسطاء إلى مشانق ومحاكمات صورية لأنهم «ظلّوا» في بيوتهم عندما تبدَّلت السيطرة.

وبحسب الأكاديمي، فإن هذا التحليل يعطي معنى لاستخدام تعبيرات مثل «قانون الوجوه الغريبة» الذي يعرّفه بأنه «قانون غير مكتوب، لكنه فاعل، يتيح الشك في كل قادمٍ من حيّ أو ولاية، ويُحوّل بطاقة الهوية ومكان الإقامة إلى قرينتين على الولاء». ويقول: «ليس القصد أمناً، بقدر ما هو إرهاب مدنيين ومنع تشكّل كتلة رافضة للحرب».

استراتيجية التخوين

يؤكد بعض علماء النفس أن «الخوف يسبق التفكير»، لذلك عندما يرى الناس محامياً يسحب إلى عربة «بوكس» فقط لأنه دافع عن متّهم، أو شاهِداً يُعتَقل بعد أن قال كلمته في القاعة، أو محاميةً تُكسر ذراعاها وتُرمى في الصحراء، ثم تُلاحق بتهم «تقويض النظام»، يتعلمون الدرس: «ابعد عن الشر وغني له».

وعندما تتكرر هذه اللقطات على «فيسبوك» و«تيك توك» و«تويتر» مصحوبة بضحكاتٍ مكتوبة وإيموجيات ساخرة، يتكون مناخ عام يقول: «أحسن تسكت».

ويقول ناشط: «ينتج وهم الإجماع هكذا... الصامتون - وهم الأغلبية - يُسوَّقون كأنهم مؤيدون. المنخرطون في الحملات الإلكترونية يُقدَّمون بوصفهم صوت الشعب. المعترضون يخوَّنون، والنتيجة السياسية واضحة: إطالة عمر الحرب، وإضعاف أي مبادرة للسلام، وإعادة تدوير سلطات تتغذّى على زمن الطوارئ».

أين العدالة؟

ثمة قضاة شجعان، بشهادات محامين، يتركون للمتهمين مساحة دفاع حقيقية، وتأتي أحكامهم منضبطةً للنصوص، لكن ثمة أيضاً محاكمات تُبنى على أوراق خاوية واعترافات مُنتزعة بالترهيب والتعذيب.

وبموازاة ذلك، يطرح حقوقيون توصيات عملية: «عدم قبول أي اعتراف قضائي بعد احتجاز طويل دون ضمانات، حظر استخدام محتويات الأجهزة المصادَرة ما لم تُراعَ إجراءات السلسلة والحيازة، تمكين المتهم من محامٍ منذ لحظة القبض عليه، حماية الشهود ومنع اعتقالهم بعد الإدلاء بإفاداتهم، وإبعاد المسلحين عن محيط المحاكم».

أما نقابة المحامين فمطالبها أكبر من بيانات، تقول محامية لـ«الشرق الأوسط»: «لا بد من انتخابات حرّة تعيد للنقابة شرعيتها واستقلالها، ومن آلية طوارئ قانونية للدفاع عن أعضاء المهنة الذين أصبحوا هدفاً مباشراً».

درس قصة ازدهار

أرغمت الحرب السودانية آلاف الأسر على الفرار من مساكنها واللجوء إلى المخيمات (رويترز)

تضع قصة ازدهار جمعة كل الخيوط على الطاولة: «محامية تؤمن بأن المتهم بريء، تُدافع عن العروس والممرضة، وتبكي مع الشباب الثلاثة، وتواجه رجالاً يبتسمون أمام صرخات العظام المكسورة، ثم تجد نفسها في قلب ماكينة تريد أن تقنع الناس بأن مَن يُدافع عن القانون عدوّ الدولة».

وقال ناشط حقوقي: «إن لم يقف المدافعون في وجه التخوين اليوم، فلن يجدوا غداً مَن يقف معهم عندما تتبدَّل الأدوار». ويتابع: «إن تُركت الساحة للتنمر الإلكتروني والاعتقالات الاستعراضية، فسيتحوّل المجتمع كله إلى قاعة محكمة ذات قاضٍ واحد وميكروفون مفتوح، مَن يصرخ أعلى يفز».

الخوف أطول عمراً من الرصاص

ما يجري في السودان ليس فقط حرباً على الأرض، بل حرب على الكلمة، تُستعمَل فيها أدوات ناعمة وخشنة: من بوست (منشور) مسيّس إلى حفلة تعذيب، من سيارة بوكس دون لوحات إلى تريند على (تيك توك)، من اتهامٍ بالتخابر إلى رصاصٍ يُطلَق على مقيّد يُرمى من أعلى جسر.

والقاسم المشترك: «إسكات الأصوات وصناعة صمت، يباع للعالم بوصفه تأييداً، ولأن الخوف لا يرى ولا يحصى، فهو أطول عمراً من أي هدنة، وأقوى من أي بندقية».

ويضيف الناشط الحقوقي: «كسر هذه الحلقة يبدأ من الاعتراف بأن التنمر الإلكتروني ليس مزاحاً، وأن التخوين ليس حماساً وطنياً، وأن العدالة ليست ورقة تُملأ، بل شبكة ضمانات تحمي الإنسان عندما يُصبح الجميع ضده».

ويقول محامٍ: «الأمر يبدأ من حماية المحامين والشهود، ومن وضع حدودٍ صلبة لعسكرة القضاء، ومن استعادة النقابات والمجتمع المدني أدواراً أفرغتها الحرب من معناها».

ويتابع: «عندها فقط يمكن أن تعود الكلمات إلى أماكنها، ويصبح الاتهام اتهاماً يُثبت أو يُلغى، والاختلاف يصبح اختلافاً يُحترَم، والسخرية تعود فنّاً لا أداة قتل معنوي». ويستطرد: «عندها فقط يمكن أن تُقاس المعارك بخرائط أخرى، مثل خريطة تُظهر كيف استعاد المجتمع صوته، وكيف صار الكلام - مرة أخرى- حياة».


مقالات ذات صلة

رئيس وزراء السودان يعلن عودة للحكومة إلى الخرطوم

شمال افريقيا جنود تابعون للجيش السوداني في شوارع مدينة القضارف شرق البلاد في 14 أغسطس 2025 احتفالاً بالذكرى الـ71 لتأسيس الجيش (أ.ف.ب)

رئيس وزراء السودان يعلن عودة للحكومة إلى الخرطوم

أعلن رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، عودة الحكومة رسمياً إلى العاصمة الخرطوم بعد نحو 3 سنوات من انتقالها إلى مقرها المؤقت في بورتسودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا آلاف اللاجئين من دارفور يعيشون حالياً بمخيم أدري الحدودي في تشاد هرباً من الحرب (رويترز)

حرب مُسيَّرات متصاعدة في دارفور ومعارك قرب الحدود التشادية

تواصلت المواجهات بين الجيش وحليفته «القوة المشتركة»، و«قوات الدعم السريع»، قرب حدود تشاد، وسط تبادل للاتهامات بشأن السيطرة الميدانية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزارة الري المصرية تؤكد متابعة حالة الجاهزية الفنية لمنظومة «السد العالي» وخزان أسوان (مجلس الوزراء المصري)

مصر تطور منظومة تشغيل «السد العالي» لحماية أمنها المائي

احتفت مصر، الجمعة، بمرور 66 عاماً على قيام الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر بوضع حجر الأساس لمشروع «السد العالي» في 9 يناير عام 1960.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا مقاتلة باكستانية من طراز جاي.إف 17 ثاندر في استعراض خلال إحدى المناسبات الباكستانية (رويترز)

باكستان لتزويد السودان بطائرات هجومية ومسيرات بقيمة 1.5 مليار دولار

قال مسؤول كبير سابق في القوات الجوية إن باكستان في المراحل النهائية لإبرام صفقة بقيمة 1.5 مليار دولار لتزويد السودان بأسلحة وطائرات هجومية ومسيّرات.

محمد أمين ياسين (نيروبي) «الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا اللهب والدخان يتصاعدان بعد هجوم لـ«قوات الدعم السريع» بطائرات مسيرة على بورتسودان (رويترز) play-circle

برلين تعلن عن مؤتمر لدعم السودان في أبريل

تخطط ألمانيا لاستضافة مؤتمر خلال الربيع يهدف لجمع مساعدات طارئة للسودان، بحسب ما أعلنت وزارة الخارجية، الجمعة.

«الشرق الأوسط» (برلين)

«النواب المصري» المنتخب يبدأ أولى جلساته الاثنين عقب «تعيينات السيسي»

مجلس النواب المصري (الصفحة الرسمية للمجلس)
مجلس النواب المصري (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

«النواب المصري» المنتخب يبدأ أولى جلساته الاثنين عقب «تعيينات السيسي»

مجلس النواب المصري (الصفحة الرسمية للمجلس)
مجلس النواب المصري (الصفحة الرسمية للمجلس)

يعقد مجلس النواب المصري المنتخب حديثاً أولى جلساته، الاثنين، بعد قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي بتعيين 28 عضواً بالمجلس، نصفهم من النساء.

ويبلغ عدد الأعضاء المنتخبين 568 نائباً، ليصل إجمالي عدد أعضاء المجلس إلى 596 نائباً. وتُعقد الجلسة وسط تكهنات واسعة بشأن هوية رئيس المجلس الجديد، مع ترجيحات كبيرة تصب في صالح المستشار هشام بدوي، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات سابقاً.

ويأتي انعقاد المجلس عقب مسار انتخابي معقد وطويل استمر 99 يوماً، وشهد ثماني جولات تصويت شملت 27 محافظة على مرحلتين، إضافة إلى جولتي إعادة بكل مرحلة. كما تخللت العملية الانتخابية إعادة التصويت في 19 دائرة ألغيت بقرارات من «الهيئة الوطنية للانتخابات»، و30 دائرة أخرى أُلغيت بأحكام قضائية.

ونشرت الجريدة الرسمية، الأحد، قرار رئيس الجمهورية بدعوة مجلس النواب لافتتاح دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الثالث في تمام الساعة الحادية عشرة صباح الاثنين الموافق 12 يناير (كانون الثاني) 2026.

ومن المقرر، حسب قرار رئيس الجمهورية المنشور في الجريدة الرسمية، أن تُعقد الجلسة الإجرائية برئاسة أكبر الأعضاء سنّاً، حيث تبدأ بأداء النواب اليمين الدستورية، يليها انتخاب رئيس المجلس ووكيلين له، وفقاً للإجراءات المنصوص عليها في اللائحة الداخلية.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات البرلمانية نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

وحتى مساء الأحد، لم تُحسم أسماء المرشحين رسمياً لرئاسة المجلس، غير أن تكهنات إعلامية تحدثت عن عدة أسماء بارزة، من بينها المستشار بدوي، وأستاذ القانون الدستوري الدكتور صلاح فوزي.

وتُعد كفة بدوي الأرجح، وفق البرلماني والإعلامي المصري مصطفى بكري الذي قال في تغريدة عبر منصة «إكس»: «كل المؤشرات تؤكد أن المستشار هشام بدوي يتجه إلى منصب رئيس مجلس النواب».

وضمت أسماء الأعضاء الثمانية والعشرين، الذين أصدر رئيس الجمهورية قراراً بتعيينهم في المجلس، شخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، من بينها وزير الخارجية المصري السابق سامح شكري، ووزير التعليم العالي الأسبق أشرف الشيحي، إلى جانب عضوة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ثريا البدوي، وهي أيضا أستاذة للإعلام في جامعة القاهرة.

وأثار تعيين شكري اهتمام باحثين ومراقبين، من بينهم أستاذ العلاقات الدولية رامي عاشور الذي عدّ أن انضمام وزير الخارجية السابق إلى البرلمان «يعكس توجهاً للاستفادة من خبرته الدبلوماسية الممتدة التي قاربت عقداً من الزمن في منصبه الوزاري، فضلاً عن مسيرته الطويلة في السلك الدبلوماسي».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال تكريم وزير الخارجية السابق سامح شكري (وزارة الخارجية)

ويرجح عاشور، في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، أن يتولى شكري دوراً بارزاً داخل البرلمان، خصوصاً في لجنة العلاقات الخارجية أو لجنة الدفاع والأمن القومي، في ظل ما تواجهه مصر من تحديات تتصل بملفات غزة وليبيا والسودان وسد النهضة، وهي ملفات تفرض وفق تقديره «وجود ثقل دبلوماسي وخبرة تفاوضية داخل المؤسسة التشريعية».

وينص قانون مجلس النواب على أن لرئيس الجمهورية حق تعيين عدد من الأعضاء لا يزيد على 5 في المائة من المنتخبين، على أن يكون نصفهم على الأقل من النساء، وذلك لتمثيل الخبراء وأصحاب الإنجازات العلمية والعملية، والفئات التي يرى الدستور ضرورة تمثيلها، استناداً إلى ترشيحات جهات ومؤسسات وطنية مختلفة.

ومن المقرر أن تنعقد جلسة النواب الإجرائية بتركيبة سياسية جديدة، إذ أظهرت نتائج الانتخابات فوز 15 حزباً سياسياً بأكثرية مقاعد مجلس النواب، وفق تقرير أولي من «هيئة الاستعلامات المصرية» الأسبوع الماضي.

وأشار التقرير إلى أن أحزاب المعارضة حصلت على 53 مقعداً بما يقارب 10 في المائة من الأعضاء المنتخبين، إلى جانب فوز 105 أعضاء من المستقلين، بنسبة تزيد على 18 في المائة.

وقال رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات المستشار حازم بدوي، السبت، إن نسبة المشاركة في العملية الانتخابية بلغت 32.41 في المائة، مشيراً إلى أن إجمالي عدد المقيدين بقاعدة بيانات الناخبين وصل إلى 69 مليوناً و891913 ناخباً، فيما أدلى 22 مليوناً و657211 ناخباً بأصواتهم.

ومع بدء أولى جلساته، يواجه البرلمان الجديد اختباراً مزدوجاً يتمثل في تشكيل هيئته القيادية من جهة، وترجمة تطلعات الشارع إلى أداء تشريعي ورقابي فعّال من جهة أخرى، في ظل تحديات سياسية واقتصادية وأمنية إقليمية متشابكة.


تنسيق عسكري مصري - ليبي لمواجهة «التهديدات والتحديات» الإقليمية

وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)
وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)
TT

تنسيق عسكري مصري - ليبي لمواجهة «التهديدات والتحديات» الإقليمية

وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)
وزير الدفاع المصري ورئيس أركان الجيش يستقبلان صدام حفتر (القيادة العامة الليبية)

فرضت ملفات عدة و«تحديات مشتركة» نفسها على لقاء مسؤولين عسكريين مصريين، بالفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، في ظل ما تشهده المنطقة من مستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن والاستقرار لكلا البلدين.

جانب من زيارة صدام حفتر إلى مصر (القيادة العامة الليبية)

ووصل صدام حفتر إلى القاهرة، السبت، في ثاني زيارة له في غضون شهر، تلبية لدعوة رسمية من القائد العام للقوات المسلحة المصرية وزير الدفاع والإنتاج الحربي، الفريق أول عبد المجيد صقر. وأُجريت له مراسم استقبال رسمية بمقر الأمانة العامة لوزارة الدفاع، وعزفت الموسيقى العسكرية السلام الوطني لكلا البلدين.

وقال المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية، يوم الأحد، إن لقاء صقر مع صدام حفتر تناول «مناقشة علاقات التعاون العسكري بين القوات المسلحة لكلا البلدين، بالإضافة إلى أبرز المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن والاستقرار بالمنطقة».

وتأتي زيارة صدام حفتر في ظل انشغال مصر بالوضع المتأزم في السودان، وسعياً إلى الحفاظ على وحدته، والحفاظ على مؤسساته الوطنية، دون تدخلات خارجية. وكان صدام قد رافق والده المشير خليفة حفتر في زيارته الأخيرة إلى القاهرة في 8 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، التقاه فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وتناولت بحث الحدود البحرية المشتركة، والوضع في السودان.

وتباينت في ليبيا ردود الفعل حيال زيارة صدام إلى القاهرة، في أجواء لم تخلُ من الانقسام، إذ ذهب كل فريق لتفسيرها على النحو الذي يرضي جبهته، لكنّ المحلل السياسي أحمد أبو عرقوب، يرى أنها تأتي في إطار «تعزيز الأمن الإقليمي، وبحث ملفات من بينها الأوضاع في السودان».

جانب من القيادات العسكرية الليبية (القيادة العامة الليبية)

وقال أبو عرقوب لـ«الشرق الأوسط» إن «ملف السودان يحظى باهتمام مشترك بين مصر وليبيا، على أساس أن ما يجري في هذا البلد الشقيق يمس الأمن القومي للبلدين»، لافتاً إلى أن الحرب في السودان تؤثر سلباً على استقرار دول الجوار والمنطقة بشكل عام.

ويتوقع أبو عرقوب أن هذه الزيارة «جاءت للتنسيق بين البلدين للحد من التدخلات السلبية الخارجية في السودان، بما يعطي فرصة لإيجاد تسوية سياسية شاملة لضمان وحدة واستقرار السودان».

كما التقى الفريق أحمد خليفة، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، الفريق صدام حفتر، وتناول اللقاء - حسب المتحدث العسكري المصري - عدداً من الملفات والموضوعات ذات الاهتمام المشترك في ضوء دعم العلاقات العسكرية الثنائية بين الجانبين.

وأكد رئيس الأركان المصري على «اعتزازه بالعلاقات الراسخة التي تربط القوات المسلحة المصرية والليبية»، وفيما أشار إلى حرص القيادة العامة للقوات المسلحة على تعزيز أواصر التعاون في مختلف المجالات العسكرية بين البلدين الشقيقين، أكد على «أهمية تضافر الجهود المشتركة لمواجهة التهديدات كافة التي من شأنها المساس بأمن واستقرار الدولة الليبية».

وتعمل مصر على دعم ليبيا «بشكل كامل»، كما تجدد تأكيدها على دعم المبادرات والجهود كافة الرامية إلى تسوية الأزمة الليبية، ولا سيما تلك التي تستهدف إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن. وشدّد على «ضرورة التصدي لأي تدخلات خارجية والعمل على إخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا».

وأعرب صدام حفتر عن «تقديره لدور مصر الداعم للشعب الليبي في الحفاظ على سلامة ووحدة أراضيه، وسعي مصر الدائم إلى إرساء دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة». ونقل مكتب الإعلام للقيادة العامة في ليبيا أنه جرى خلال اللقاء بحث آفاق التعاون المشترك، خصوصاً في مجال التدريب، وتبادل الخبرات بين الجانبين.

وأمام تصاعد التأويلات في ليبيا بشأن الزيارة وما تناولته، عدّ المحلل السياسي هيثم الورفلي، زيارة الفريق صدام حفتر إلى مصر «عادية ومتكررة» بالنظر إلى زيارته الأخيرة الشهر الماضي، التي رافقه فيها أيضاً رئيس الأركان العامة للجيش الفريق خالد حفتر.

وعبّر الورفلي عن اعتقاده بأن مصر «حليف استراتيجي للقيادة العامة الليبية، ودلالة هذه الزيارة هي دحض كل الافتراءات التي تتحدث عن توتر العلاقات بين مصر والقيادة العامة».

صدام يتلقى هدية تذكارية عبارة عن عربة حربية فرعونية من القيادة العامة المصرية (القيادة العامة الليبية)

وسبق أن شدّد السيسي خلال لقائه حفتر الشهر الماضي في القاهرة على «التزام مصر بمواصلة تقديم جميع أشكال الدعم والمساندة للجيش والمؤسسات الوطنية الليبية؛ في إطار العلاقات الأخوية التاريخية التي تجمع بين البلدين والشعبين الشقيقين، وسط تأكيد على عمق العلاقات المصرية الليبية وخصوصيتها».

ونقل المتحدث الرئاسي حينها أن الجانبين «توافقا على أهمية تكثيف الجهود الدولية والإقليمية للوصول إلى تسوية سلمية تحفظ استقرار السودان وسيادته ووحدة أراضيه؛ وتم التأكيد في هذا الصدد على أن استقرار السودان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي لمصر وليبيا».


هدوء حذر في طرابلس بعد اشتباكات محدودة بين ميليشيات لـ«الوحدة»

الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)
TT

هدوء حذر في طرابلس بعد اشتباكات محدودة بين ميليشيات لـ«الوحدة»

الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)
الدبيبة يتوسط وزير الداخلية عماد الطرابلسي (يمين) والزوبي نوفمبر 2025 (حكومة «الوحدة»)

عاد الهدوء الحذر عقب اشتباكات محدودة شهدتها العاصمة الليبية طرابلس مساء السبت، ما أعاد إلى الواجهة هشاشة الوضع الأمني؛ في وقت أعلنت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، الأحد، استئناف «مسار الحوكمة» ضمن «الحوار السياسي المهيكل» باجتماع حضوري في طرابلس.

وجاء التصعيد الميداني المفاجئ ليعكس الانقسامات داخل بنية المؤسسة العسكرية التابعة لحكومة «الوحدة» المؤقتة، إثر اشتباكات محدودة في منطقة «القره بوللي» (البوابة الشرقية للعاصمة) بين رفقاء الأمس؛ «اللواء 444 قتال» بقيادة محمود حمزة، و«اللواء 111 مجحفل» بقيادة وكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، وسط تحشيدات عسكرية كبرى شملت تحرك أرتال من مصراتة وميليشيات الأمن العام داخل طرابلس.

وعزت مصادر محلية سبب الاشتباكات إلى اعتداء من عناصر «اللواء 444» على أفراد من «اللواء 111»، مما أشعل المناوشات وأدى إلى تبادل إطلاق نار بالأسلحة الثقيلة، في أحدث مواجهة مباشرة بين قطبين أمنيين في الغرب الليبي؛ مما يجعل الصراع «داخلياً» بامتياز داخل أروقة المؤسسة العسكرية التابعة للحكومة.

ورصدت لقطات مصورة بثتها وسائل إعلام محلية، تحرك أرتال إضافية مثل «الأمن العام» في طرابلس، مما أثار المخاوف من اتساع رقعة الحرب لتهدد استقرار العاصمة والعملية السياسية برمتها.

ورغم أن الشرارة المباشرة غالباً ما تبدأ بخلافات على تمركزات أمنية أو نقاط تفتيش، لكن الأسباب العميقة تعود إلى الصراع الكلاسيكي المعتاد على مناطق النفوذ والسيطرة، حيث يسعى كل طرف لفرض سطوته باعتباره قوة وحيدة مسيطرة على الطريق الساحلي الرابط بين طرابلس ومصراتة.

ورغم أن هذه الأحداث تضع حكومة «الوحدة» في موقف محرج للغاية، حيث تظهر عجزها عن السيطرة على الفصائل التي تمولها، فإنها التزمت الصمت ولم تعلق هي أو أجهزتها الأمنية والعسكرية الأخرى على هذه التطورات.

لكن محمود حمزة، آمر «اللواء 444 قتال» اعتبر، خلال لقاء مفاجئ الأحد مع أهالي وأعيان وشخصيات بلدية سوق الجمعة، أن مدينة طرابلس وسوق الجمعة ستبقيان «واحة للاستقرار والأمن»، ولن تكونا ساحة للصراعات، مشدداً على أهمية التعاون والتكامل بين مختلف الجهات العسكرية والأمنية.

إلى ذلك، أكد رئيس مجلس الدولة، محمد تكالة، لدى اجتماعه مساء السبت مع اللواء حسين البكوري مدير مديرية أمن المرقب، أهمية رفع مستوى الجاهزية والاستعداد لدى الأجهزة الأمنية، بما يضمن أمن وسلامة المواطنين، ويحمي الممتلكات العامة والخاصة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الوحدات الأمنية لتحقيق الاستقرار بالمنطقة.

صورة وزعتها البعثة الأممية لاستئناف مسار الحوكمة بـ«الحوار المهيكل»

وأعلنت البعثة الأممية الأحد استئناف «مسار الحوكمة»، أحد المسارات الأربعة للحوار السياسي الليبي المهيكل، بعقد اجتماع حضوري بطرابلس، سيستمر حتى نهاية الأسبوع الجاري.

ويأتي هذا الاجتماع بعد سلسلة من اللقاءات التي عُقدت عبر الإنترنت خلال الأسابيع الماضية، ناقش خلالها المشاركون عدداً من الملفات المتعلقة بتعزيز الحوكمة وإدارة المرحلة السياسية الراهنة.

وبجانب «مسار الحوكمة» الذي ترعاه البعثة الأممية ستجرى مناقشات فيما بعد تتعلق بالمسارات: السياسي والأمني والاقتصادي. وتهدف مجتمعة إلى تحقيق توافق وطني شامل يقود إلى توحيد مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة الانقسام، وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المؤجلة وإنهاء الفترة الانتقالية، بما يدعم الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.

في سياق ذي صلة، أكد رئيس مجلس الدولة، محمد تكالة، لدى اجتماعه مساء السبت، مع اللواء حسين البكوري مدير مديرية أمن المرقب، أهمية رفع مستوى الجاهزية والاستعداد لدى الأجهزة الأمنية، بما يضمن أمن وسلامة المواطنين، ويحمى الممتلكات العامة والخاصة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الوحدات الأمنية لتحقيق الاستقرار بالمنطقة.