خطة بلير لغزة: هيئة دولية مؤقتة وقوات متعددة ومشاركة رمزية للسلطة

مصادر فلسطينية لـ«الشرق الأوسط»: السلطة يجب أن تحكم القطاع ولا مانع أن تعاونها جهات دولية

رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير يلتقي الرئيس الفلسطيني محمود عباس في عمان في يوليو الماضي لبحث اليوم التالي (وفا)
رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير يلتقي الرئيس الفلسطيني محمود عباس في عمان في يوليو الماضي لبحث اليوم التالي (وفا)
TT

خطة بلير لغزة: هيئة دولية مؤقتة وقوات متعددة ومشاركة رمزية للسلطة

رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير يلتقي الرئيس الفلسطيني محمود عباس في عمان في يوليو الماضي لبحث اليوم التالي (وفا)
رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير يلتقي الرئيس الفلسطيني محمود عباس في عمان في يوليو الماضي لبحث اليوم التالي (وفا)

أورد تقرير مطول نشره موقع «تايمز أوف إسرائيل»، الخميس، أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير طوَّر خطة لليوم التالي لانتهاء الحرب في قطاع غزة، تقوم على تشكيل هيئة دولية مؤقتة وقوات دولية ومحلية متعددة الجنسيات، لحين نقل المسؤولية للسلطة الفلسطينية؛ ولا تشمل تهجير السكان، وإنما ضمان حقهم في العودة والحفاظ على ممتلكاتهم.

واستشهد التقرير بتصريحات من أربعة مصادر مطلعة قالت إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب فوض بلير بحشد الأطراف الإقليمية والدولية للاقتراح.

غير أن مصادر فلسطينية صرَّحت لـ«الشرق الأوسط» بأن السلطة لا تمانع في مساعدة تقدمها لها جهات دولية وعربية، لكن على أن تحكم هي غزة، لا أن تكون تلك الجهات هي الحاكمة.

فلسطينيون ينزحون عن مدينة غزة سيراً وعلى العربات باتجاه جنوب القطاع يوم الخميس (أ.ب)

وبحسب المصادر، فإن ترمب لم يتبنَّ الخطة حتى الآن، ولم يوافق عليها العرب كذلك. وأكدت أن الأولوية تنصب الآن على إطلاق مسار نحو دولة فلسطينية مستقبلية في الضفة وغزة والقدس الشرقية.

ويشير تقرير «تايمز أوف إسرائيل» إلى أن بلير بدأ بصياغة الاقتراح في الأشهر الأولى من الحرب، لكنه طوره في الأشهر الأخيرة إلى خطة لإنهاء الحرب بشكل فعلي، بعدما توصلت إدارة ترمب إلى استنتاج مفاده أن موافقة الأطراف الرئيسية بشأن الهيئة التي ستحل محل «حماس» في غزة ضرورية لضمان اتفاق لوقف إطلاق نار دائم وإطلاق سراح الرهائن، وفقاً لمسؤول أميركي ومصدر ثانٍ مطلع على الأمر.

وينص الاقتراح، الذي قالت «تايمز أوف إسرائيل» إنها اطلعت على مسودة مطورة وموثقة منه، على إنشاء سلطة غزة الانتقالية الدولية (GITA) إلى جانب سلسلة من الهياكل التابعة لها.

تفاصيل الخطة

ويُصوّر اقتراح بلير إنشاء سلطة غزة الانتقالية الدولية بقرار من مجلس الأمن الدولي، على أن تكون هذه السلطة بمثابة «السلطة السياسية والقانونية العليا لغزة خلال الفترة الانتقالية».

وسيكون لدى هذه السلطة مجلس إدارة مُكوَّن من سبعة إلى عشرة أعضاء، من بينهم «ممثل فلسطيني مؤهَّل واحد على الأقل (ربما من قطاع الأعمال أو الأمن)»، ومسؤول كبير في الأمم المتحدة، وشخصيات دولية بارزة ذات خبرة تنفيذية أو مالية، وتمثيل قوي لأعضاء مسلمين لتعزيز الشرعية الإقليمية والمصداقية الثقافية.

وبحسب الخطة، سيُكلَّف المجلس بإصدار قرارات مُلزِمة، والموافقة على التشريعات والتعيينات، وتقديم التوجيه الاستراتيجي، مع رفع تقارير إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وسيعَيَّن رئيس المجلس بتوافق الآراء الدولية، وسيقود المشاركة الخارجية والدبلوماسية للسلطة، ويحدد التوجه السياسي لها، بالتنسيق الوثيق مع السلطة الفلسطينية، وفقاً للوثيقة.

كما سيكون لرئيس المجلس فريق دعم يضم ما يصل إلى 25 شخصاً يعملون في «الأمانة الاستراتيجية»، وسيتم إنشاء وحدة حماية تنفيذية تضم نخبة من الموظفين من المساهمين العرب والدوليين، وستوضع تحت سلطة (GITA) «أمانة تنفيذية»، وستكون بمثابة المركز الإداري والذراع التنفيذية لها، مع الإشراف المباشر على السلطة التنفيذية الفلسطينية (لجنة التكنوقراط الفلسطينيين المستقلين) الذين سيكونون مسؤولين عن إدارة غزة بعد الحرب.

أما مهمة اللجنة التنفيذية فتتمثل في متابعة المجالات الرئيسية لإدارة غزة: الشؤون الإنسانية، وإعادة الإعمار، والتشريعات والشؤون القانونية، والأمن، والتنسيق مع السلطة الفلسطينية.

نازحون في خيام بمدينة غزة رغم تواصل العملية العسكرية الإسرائيلية يوم الخميس (رويترز)

وتؤكد الخطة وجود مفوض التنسيق في السلطة الفلسطينية، ومهمته «ضمان توافق قرارات سلطة غزة الانتقالية وقرارات السلطة الفلسطينية، قدر الإمكان، مع التوحيد النهائي لجميع الأراضي الفلسطينية تحت السلطة الفلسطينية».

كما سيتابع المفوض «جهود إصلاح السلطة الفلسطينية بالتنسيق مع الجهات المانحة الدولية والمؤسسات المالية والشركاء العرب المنخرطين في تطوير المؤسسات الفلسطينية».

التكاليف والأمن

وأكد المصدر المشارك في المناقشات أن الإصلاحات التي تتوقعها خطة بلير من السلطة الفلسطينية «ليست تجميلية»، وأن تسليم غزة للسلطة الفلسطينية عملية «تعتمد على الأداء». وأوضح المصدر أن الجدول الزمني سيكون «بضع سنوات»، وليس «عشر سنوات».

وتتضمن الخطة إنشاء هيئة تشجيع الاستثمار والتنمية الاقتصادية في غزة لتأمين الاستثمارات اللازمة وإعادة إعمار غزة. وسيتم إنشاء هيئة منفصلة لتأمين وتوزيع المنح الحكومية.

كما ستخضع لـ(GITA) بلديات غزة، التي ستكون مسؤولة عن تقديم الخدمات على المستوى المحلي، وقوة شرطة مدنية في غزة مؤلفة من عناصر «مجندين على الصعيد الوطني، وخاضعين لفحص مهني، وغير حزبيين» مكلفين بالحفاظ على النظام العام وحماية المدنيين، ومجلس قضائي برئاسة قاض عربي سيشرف على محاكم غزة ومكتب النيابة العامة.

وستدعم قوة الشرطة المدنية «قوة الاستقرار الدولية»، وهي قوة أمنية متعددة الجنسيات مُفوَّضة دولياً، سيتم إنشاؤها لتوفير الاستقرار الاستراتيجي والحماية العملياتية في غزة خلال الفترة الانتقالية.

الدخان يتصاعد جراء الضربات الإسرائيلية بمدينة غزة يوم الخميس (رويترز)

وتنص الخطة على أن هذه القوة «تضمن سلامة الحدود، وتمنع عودة الجماعات المسلحة، وتحمي العمليات الإنسانية وعمليات إعادة الإعمار، وتدعم إنفاذ القانون المحلي».

وفي ملحق يتعلق بتكاليف (GITA)، توضح الخطة أن الميزانية ستتوسع سنوياً؛ إذ تبلغ في السنة الأولى 90 مليون دولار، والسنة الثانية 135 مليون دولار، والسنة الثالثة 164 مليون دولار.

تعليق المصادر الفلسطينية

وفيما رفض مكتب بلير التعليق رسمياً على هذا التقرير، قالت مصادر فلسطينية لـ«الشرق الأوسط» إن الخطة معروفة لصناع القرار في رام الله، ولم تتم الموافقة عليها.

وقال مصدر: «السلطة يجب أن تحكم غزة، ولا تمانع في مساعدة ووجود جهات وقوات دولية وعربية، ولكن ليس العكس: جهات دولية تحكم والسلطة تشارك».

وبحسب المصدر، فإن الجهد العربي والفلسطيني ينصب الآن على إطلاق مسار نحو دولة فلسطينية مستقبلية في الضفة وغزة والقدس الشرقية.

وأكد المصدر أن ترمب لم يتبنَّ الخطة حتى الآن، ولم يوافق عليها العرب كذلك.

ويتضح من التقرير أن خطة بلير لم تحظَ بعد بموافقة الأطراف. وأقرت المصادر بأنه واجه عقبات بسبب حظر الولايات المتحدة منح تأشيراتٍ لكبار مسؤولي السلطة الفلسطينية والضربة الإسرائيلية التي استهدفت قادة «حماس» في الدوحة في التاسع من سبتمبر (أيلول) الحالي.

وأضاف مصدر أن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق كان يُجري اتصالاتٍ مع مصر وقطر لإقناع «حماس» بعدم الوقوف في طريق الخطة.

ماذا عن التهجير؟ وماذا عن «حماس»؟

تعارض الخطة فكرة ترمب حول تهجير الفلسطينيين من غزة، وتنص على إنشاء «وحدة لحفظ حقوق الملكية» تهدف إلى ضمان ألا يُمس أي رحيل طوعي لسكان غزة بحقهم في العودة إلى القطاع أو الاحتفاظ بملكيتهم.

وقال مصدر مُشارك في مناقشات خطة بلير: «ليست لدينا خطة لإخراج سكان غزة. غزة لأهل غزة».

طفل فلسطيني بين النازحين الفارين من مدينة غزة باتجاه جنوب القطاع يوم الخميس (رويترز)

وكان ترمب قد أعطى الشرعية لأول مرة لمفهوم «الهجرة الطوعية» في فبراير (شباط) عندما أعلن عن خطته للسيطرة على غزة ونقل سكان القطاع بالكامل بشكل دائم؛ لكنه بحسب مسؤول إسرائيلي نأى بنفسه عن الفكرة منذ ذلك الحين، وأعلن بوضوح خلال جلسة السياسة العامة التي عقدت في البيت الأبيض في 27 أغسطس (آب) الماضي أنه سيتبنى خطة بلير بدلاً من ذلك.

وإلى جانب إنشاء بديل لـ«حماس» من خلال (GITA)، تشير الخطة صراحةً إلى مفهوم «نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج»، في إشارة إلى إمكانية بقاء «حماس»، لكن كعنصر غير مسلح بدلاً من عدم وجودها أصلاً.

السلطة والإصلاحات

ودخل بلير على خط اليوم التالي عبر صهر الرئيس الأميركي، جاريد كوشنر، الذي شغل منصب كبير مستشاريه خلال ولايته الأولى.

وقال مصدر مطلع ودبلوماسي عربي إن بلير التقى مسؤولي ترمب والتقى برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في يوليو (تموز) من أجل بلورة خطته.

ويتصور اقتراح بلير أن تخضع السلطة الفلسطينية لإصلاحات جوهرية، وأن تقتصر مشاركة رام الله في (GITA) بشكل كبير على مسائل التنسيق. ومع ذلك، فإن السلطة الفلسطينية مذكورة صراحة في جميع أجزاء الخطة التي تنص على «توحيد جميع الأراضي الفلسطينية في نهاية المطاف تحت سلطة السلطة الفلسطينية».

وهذا تطور حارب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشدة لمنعه، وهو ما يثير شكوكاً حول قبوله بالخطة، رغم أن التقرير قال إن إسرائيل تعاملت أيضاً بشكل بنَّاء مع جهود بلير.


مقالات ذات صلة

روبيو: مشاهد عنف المستوطنين في الضفة الغربية «مزعجة»

الولايات المتحدة​ مسعفون فلسطينيون يعاينون رجلاً أصابه رصاص إسرائيلي في الضفة الغربية بعد اعتداء مستوطنين على قاطفي الزيتون في قرية خربة أبو فلاح (أ.ب)

روبيو: مشاهد عنف المستوطنين في الضفة الغربية «مزعجة»

قال ‌وزير الخارجية ‌الأميركي ​ماركو ‌روبيو، إن ⁠أحدث ⁠مشاهد ‌عنف المستوطنين ‌في ​الضفة ‌الغربية «مزعجة»، بما ‌في ‌ذلك لقطات لواقعة تعرض ⁠مصور صحفي للاعتداء.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

«حماس» ترفض انحياز ميلادينوف للرواية الإسرائيلية

رفضت حركة «حماس» الفلسطينية بشدة تبنّي ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف الرواية الإسرائيلية بشأن تعليق إدخال البضائع المخصصة للقطاع الخاص إلى غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية وزير ​الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)

إيطاليا تدرج كاتس ومسؤولين إسرائيليين كباراً في تحقيق «أسطول غزة»

أدرجت إيطاليا أسماء وزير ​الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ومسؤولين في الجيش والشرطة والسجون الإسرائيلية ضمن تحقيق يتعلق بمعاملة نشطاء أسطول غزة.

«الشرق الأوسط» (روما )
المشرق العربي فلسطينيون يبحثون عن ناجين تحت أنقاض بناية دمرها القصف الإسرائيلي ليلاً في «مخيم المغازي» (أ.ب)

إسرائيل تواصل التدمير وتوسع نطاق عمليات سيطرتها داخل غزة

نشرت وزارة الصحة في غزة بياناً بمناسبة «يوم الغذاء العالمي»، أكدت فيه أن معدلات سوء التغذية والتجويع بلغت مستويات كارثية تفتك بالأطفال وكبار السن والفئات الهشة.

«الشرق الأوسط» (غزّة)
شؤون إقليمية ملصق انتخابي يظهر فيه غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) ومنافسه رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

لكمات متبادلة وثقيلة قبل أسبوعين من الانتخابات الإسرائيلية

لجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومنافسه على رئاسة الحكومة غادي آيزنكوت، إلى تبادل اللكمات الثقيلة خلال الأسبوعين المتبقيين من المعركة الانتخابية.

نظير مجلي (تل أبيب)

موجة هجمات جديدة في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
TT

موجة هجمات جديدة في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)

تتصاعد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة في الخليج مع تسجيل ارتفاع غير مسبوق في الهجمات على السفن وناقلات النفط منذ اندلاع الحرب.

وأظهرت إحصائية نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية أن 24 سفينة تعرَّضت للاستهداف خلال الأسبوعين الأولين من أكتوبر (تشرين الأول)، أي نحو ضعف العدد المُسجَّل خلال أول أسبوعين من الحرب، عندما أُصيبت 13 سفينة.

في غضون ذلك، أفادت «وكالة الأمن البحري البريطاني»، أمس، بتعرض ناقلتَي نفط لهجوم قبالة سواحل مدينة الجبيل السعودية، مضيفة أن الناقلة الأولى أُصيبت بمقذوف غير محدد، فيما أبلغ قبطان ناقلة نفط أخرى بتعرُّض سفينته لهجوم بقذيفة صاروخية أُطلقت من قارب صغير، أيضاً قبالة الجبيل، ما ألحق أضراراً بالجزء الخلفي منها.

وعزا «الحرس الثوري» حوادث السفن إلى اصطدامها بألغام، لكن القيادة المركزية الأميركية أكدت أن الإصابات تعود إلى استهدافات إيرانية متعمدة.


موجة هجمات متصاعدة تستهدف السفن في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
TT

موجة هجمات متصاعدة تستهدف السفن في «هرمز»

ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)
ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق «هرمز» (رويترز)

تتصاعد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة البحرية في الخليج، مع تسجيل ارتفاع غير مسبوق في الهجمات على السفن وناقلات النفط منذ اندلاع الحرب، في تطور يفاقم المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية، ويدفع أسعار النفط إلى الارتفاع.

وبينما تتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط العسكري حول مضيق «هرمز»، تزداد تكلفة العبور ومخاطره، وسط غموض يحيط بمصير المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب.

رقم قياسي للإصابات

وأظهرت إحصائية نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية أن 24 سفينة تعرَّضت للاستهداف خلال الأسبوعين الأولين من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أي نحو ضعف العدد المُسجَّل خلال أول أسبوعين من الحرب، عندما أُصيبت 13 سفينة.

ويعكس هذا التصاعد اتساع نطاق المخاطر البحرية في المنطقة، بعدما تحوَّلت حركة العبور عبر مضيق «هرمز» إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة بين طهران وواشنطن.

وبلغت المخاطر مستوى بات معه عبور المضيق يتطلب، وفق المعطيات الواردة، دفع نحو 100 ألف دولار شهرياً لقبطان السفينة مقابل المجازفة بالمرور، في مؤشر على الارتفاع الكبير في تكلفة التشغيل والتأمين المرتبطة بالملاحة.

هجمات جديدة... وحرائق

ناقلة ترفع العلم الهندي خلال تفريغها النفط الخام في محطة تفريغ بعد عبورها مضيق «هرمز» (رويترز)

وفي أحدث التطورات الميدانية، أفادت «وكالة الأمن البحري البريطاني»، يوم السبت، بتعرض ناقلتَي نفط لهجوم قبالة السواحل السعودية في مياه الخليج مساء الجمعة. وقالت الوكالة إن الناقلة الأولى أُصيبت بمقذوف غير محدد على بُعد 68 ميلاً بحرياً شمال شرقي مدينة الجبيل، ما استدعى إجلاء طاقمها، الذي لم يُصب أفراده بأذى، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية». ولم ترد تقارير عن آثار بيئية ناجمة عن الحادثة حتى ذلك الوقت.

وفي واقعة ثانية، أبلغ قبطان ناقلة نفط بتعرُّض سفينته لهجوم بقذيفة صاروخية أُطلقت من قارب صغير، على بُعد 78 ميلاً بحرياً من الجبيل، ما ألحق أضراراً بالجزء الخلفي منها. وأكدت الوكالة تحديد موقع أفراد الطاقم وسلامتهم، بينما بقي حجم الأضرار والتأثير البيئي غير واضحَين.

وعرَّفت شركة الأمن البحري «فانغارد» إحدى السفينتين بأنها ناقلة النفط «إس تي 3»، التي ترفع علم جزر مارشال، مشيرة إلى نقل طاقمها إلى سفينة حاويات قريبة ترفع علم الإمارات.

ومن جانبها، أعلنت القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، السبت، اشتعال النيران في ناقلة نفط بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها مضيق «هرمز». وقال «الحرس الثوري»، وفق ما نقلته وسائل إعلام إيرانية، إن الناقلة كانت تحمل أكثر من مليونَي برميل من النفط الخام، وإنها حاولت عبور المضيق عبر مسار لا تسمح به إيران.

كما نقلت وكالة «رويترز» عن وسائل إعلام إيرانية تقارير تحدَّثت عن تعرُّض ناقلتين لألغام بحرية واندلاع النيران فيهما، من دون توافر تأكيد مستقل لهذه الروايات. واتهمت طهران السفينتين بتعطيل أنظمة تحديد المواقع والرادار ومحاولة استخدام مسار غير مُصرَّح به، بينما لم تتضح جميع تفاصيل الحوادث وملابساتها.

غير أنَّ القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) كذَّبت الرواية الإيرانية بأن ناقلات النفط تصطدم بألغام بحرية، مؤكدة أن المسارات التي استخدمتها السفن خالية من الألغام، وسبب الإصابات هو استهدافات بمقذوفات أو مسيّرات إيرانية.

صادرات النفط تتراجع

صورة لمضيق «هرمز» مع براميل نفط (رويترز)

ولا تقتصر تداعيات التصعيد على سلامة السفن وأطقمها، بل تمتد مباشرة إلى تدفقات النفط من الخليج نحو الأسواق العالمية.

وبحسب بيانات شركة «كبلر» المتخصصة في تحليل بيانات الشحن والطاقة، بلغ متوسط صادرات النفط نحو 15.5 مليون برميل يومياً خلال سبتمبر (أيلول)، قبل أن ينخفض إلى 2.9 مليون برميل يومياً في 11 أكتوبر، في تراجع حاد يعكس حجم الاضطراب الذي أصاب حركة الإمدادات.

وانعكس تقلص المعروض على الأسعار، إذ ارتفع خام برنت إلى نحو 110 دولارات للبرميل عند إغلاق التداولات يوم الجمعة، مُسجِّلاً أعلى مستوى له منذ مايو (أيار) الماضي.

وتثير هذه التطورات مخاوف من أن يؤدي استمرار تعطل الملاحة إلى مزيد من الضغوط على أسواق الطاقة، خصوصاً إذا طال أمد القيود المفروضة على عبور الناقلات، أو اتسع نطاق الهجمات ليشمل مزيداً من السفن والمنشآت المرتبطة بتصدير النفط.

ولا تقتصر المخاطر على ارتفاع أسعار الخام، إذ يمكن أن تنتقل آثار اضطراب الإمدادات إلى تكاليف النقل والتأمين وأسعار الوقود، بما يزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة.

«هرمز» يعود إلى قلب المواجهة

القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من ألفَي سفينة تجارية على عبور مضيق «هرمز» (سنتكوم)

ظلَّ مضيق «هرمز» في صلب المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران منذ بداية الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، نظراً إلى أهميته الاستراتيجية بوصفه ممراً رئيسياً لصادرات النفط والغاز من الخليج إلى الأسواق الدولية.

ومنذ ذلك التاريخ وإثر ضربات أميركية إسرائيلية على إيران، فرضت طهران قيوداً على حركة الملاحة عبر المضيق، واستهدفت مراراً سفناً حاولت العبور من دون الحصول على إذن منها. وفي المقابل، فرضت واشنطن حصاراً على الموانئ الإيرانية، وعزَّزت حضورها البحري، مع مواكبة قطعها البحرية ناقلات نفط تعبر المضيق بأعداد متزايدة.

وكان قائد القوات البحرية في «الحرس الثوري»، علي عظمائي، قد حذَّر، الأسبوع الماضي، من أن أي سفينة تعطل أجهزة التتبع لتجنب رصدها في أثناء العبور ستُعدُّ «هدفاً معادياً»، في تهديد يعكس تشدُّد طهران في فرض رقابتها على حركة السفن.

وبين الحين والآخر تزداد وتيرة التصعيد ضد السفن، خصوصاً عندما تتعثر فرص المفاوضات وتعلو التصريحات والمؤشرات بعودة الأعمال القتالية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، مثلما هي الحال في الوقت الحالي، إذ لمَّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً إلى طلبه من القوات الأميركية تزويده بخطط لعودة المواجهات المسلحة، وكان آخرها تلميحه إلى قصف المنشأة النووية الإيرانية في منطقة «جبل الفأس» مستخدماً «أم القنابل».

من جانبها، تتمسَّك إيران بحقها في الإشراف على حركة العبور وتحديد المسارات المسموح بها، في حين ترفض الولايات المتحدة وأطراف أخرى إخضاع الملاحة في هذا الممر الدولي لقيود أحادية. وبذلك، لم يعد المضيق مجرد ممر تجاري، بل تحوَّل إلى أداة ضغط متبادلة في الصراع على النفوذ وشروط إنهاء الحرب.

اتساع التداعيات الاقتصادية

ويزيد استمرار الهجمات والغموض المحيط بالعبور من صعوبة استعادة حركة الملاحة مستوياتها الطبيعية، في وقت تتعرَّض فيه السفن التجارية لمخاطر متنامية، ويواجه قطاع الشحن ضغوطاً متزايدة لضمان سلامة الأطقم والبضائع.

وكان مسؤولون في قطاع الملاحة قد أفادوا، مؤخراً بغرق سفينة حاويات وسفينة بضائع سائبة قرب المضيق، إثر إصابتهما بقذائف في حادثتين منفصلتين، في تطور يضيف إلى مؤشرات اتساع نطاق الأضرار التي تطال حركة النقل البحري.

وفي ظلِّ استمرار الحصار الأميركي والقيود الإيرانية، يبقى مسار التصعيد مرهوناً بقدرة الطرفين على التَّوصُّل إلى تفاهمات بشأن الملاحة والأمن البحري.

وحتى ذلك الحين، ستظل أسواق الطاقة عرضةً للتقلبات، مع احتمال أن تتحوَّل الهجمات المتكررة على السفن من أزمة أمنية إقليمية إلى عامل ضغط أوسع على الاقتصاد العالمي، عبر ارتفاع أسعار النفط وتكاليف النقل والتأمين وازدياد مخاطر التضخم.


قلق إسرائيلي من «قوة» الجيش المصري رغم إعلان السيسي «التمسك بالسلام»

جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)
جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)
TT

قلق إسرائيلي من «قوة» الجيش المصري رغم إعلان السيسي «التمسك بالسلام»

جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)
جانب من تدريبات «نسور الحضارة 2026» بين القاهرة وبكين في أغسطس الماضي (موقع وزارة الدفاع المصرية)

في الوقت الذي أبرز فيه تقرير عبري قلقاً إسرائيلياً «من تعاظم قوة الجيش المصري»، أكد عسكريون سابقون بمصر أن «القاهرة تعمل على تقوية الجيش وتدريبه وتنويع تسليحه من أجل حماية السلام وحفظ الأمن، لا من أجل الاعتداء على أحد».

وركزت منصة «ناتسيف نت» الإسرائيلية، السبت، على التقارير الصادرة عن شبكات الإعلام الصينية والدولية حول المناورات الجوية الأخيرة بين مصر والصين «نسور الحضارة 2026» التي اختُتمت في سبتمبر (أيلول) الماضي، وأشارت إلى أن تلك التقارير «كشفت عن ديناميكية عسكرية مثيرة للاهتمام؛ إذ اختبرت الطائرات المصرية قدراتها أمام أحدث المقاتلات الصينية في سيناريو يحاكي تحديات المنطقة»، بحسب المنصة العبرية.

وتحدثت المنصة ذاتها عن سيناريو التمرين الذي حمل عنوان «التفوق العددي» وفق التقرير الرسمي لشبكة «سي سي تي في» الصينية الذي وصفه بـ«معركة جوية تتجاوز مدى الرؤية البصرية؛ إذ وجد الطيارون الصينيون الذين يقودون 4 مقاتلات من طراز (جيه 16) الثقيلة ذات المحركين أنفسهم في موضع نقص عددي أمام 6 مقاتلات مصرية تضم مقاتلتين من طراز (رافال) الفرنسية، و4 مقاتلات من طراز (ميغ 29) الروسية، مثلت القوة المهاجمة».

وأشارت التقارير الصينية والدولية التي نقلت عنها المنصة العبرية إلى أن «الحل الصيني تمثل في دمج طائرة إنذار مبكر وتحكم من طراز (كي جيه 500) وطائرات حرب إلكترونية مثل (واي 9 إل جي) لتعويض الفجوة العددية». وأوضحت أن «الطيارين الصينيين ركزوا في المراحل الأولى على مناورات التهرب من الصواريخ (جو - جو) طويلة المدى المصرية».

وفي رأي مستشار «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية» بمصر اللواء محمود طلحة، فإن «إسرائيل دائماً تتبع سياسة ادعاء المظلومية وأنها مهددة دوماً، وأن مصر والدول العربية ترغب في إنهاء وجود إسرائيل، وهي مزاعم غير سليمة، وفي ذات الوقت تتبع سياسة التباهي بأي عملية عسكرية تقوم بتنفيذها بهدف تضخيم قدراتها وتحقيق ما يسمى بـ(الردع المعنوي) للدول في المنطقة».

وأوضح اللواء طلحة لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر استردت كامل أرضها وعقدت معاهدة سلام مع إسرائيل، وللحفاظ على هذا الوضع آمناً لا بد من امتلاك القدرات العسكرية والاقتصادية وغيرهما، والتدريبات العسكرية التي تجريها مصر مع الصين أو غيرها هي أمر يخضع للسيادة المصرية ما دام يتم في أرض مصرية، ولا يجب الالتفات لما تثيره إسرائيل من دعايات وقلق في هذا الشأن».

الطائرات المصرية نفذت مناورات مع نظيرتها الصينية خلال تدريبات «نسور الحضارة 2026» (موقع وزارة الدفاع المصرية)

كما شدد طلحة في الوقت ذاته على أن «مصر تضع في اعتبارها دوماً أن الفكر الإسرائيلي يقوم على التوسع والاستيلاء، ومن ثم رغم التزام مصر بالسلام فهي دوماً تعظّم من قدراتها العسكرية لردع أي مخاطر أو تحول قد يحدث للسياسة الإسرائيلية نحو مصر».

ويأتي القلق الإسرائيلي على الرغم من «تطمينات» الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن «السلام»، مؤكداً «التزام بلاده بالسلام».

وعلّق السيسي خلال ندوة للقوات المسلحة المصرية، مساء الأربعاء الماضي، احتفالاً بذكرى حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، على تصريحات وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، عن سيناء، والتي زعم فيها أن «مصر لا تهاجم إسرائيل خوفاً من عودة احتلال سيناء»، قائلاً إنه «سمع وتابع تصريحات الوزير الإسرائيلي عن سيناء».

وأكد السيسي أن «الهدف الأول والأخير لمصر هو الحفاظ على أمنها واستقرارها وصون مقدرات شعبها»، لافتاً إلى أن «الدولة المصرية لا تحمل أي أجندات خفية»، وأن «أولويتها الأساسية تتمثل في الحفاظ على حدودها وأمنها القومي في إطار من السلام والاستقرار».

وأضاف الرئيس المصري أن «معاهدة السلام»، الموقَّعة بين مصر وإسرائيل عام 1979، تمثل إطاراً حاكماً للعلاقات بين الجانبين، موضحاً أنه «لا توجد لمصر أي مطامع تجاه أحد».

ورأى زميل كلية الدفاع الوطني بمصر، اللواء أسامة الجمال، أن «مصر منذ عام 1980 وهي منفتحة على كل الدول فيما يخص تنوع مصادر التسليح، بحيث لا يتم الاعتماد على سوق واحدة، وخاصة أننا في منطقة ملتهبة».

وقال: «مصر رغم أنها عقدت معاهدة سلام مع إسرائيل وملتزمة بها، فهي تعمل أيضاً على تطوير وتنويع تسليح جيشها؛ لأن التحديات كثيرة، كما أنه للحفاظ على السلام لا بد من الاستعداد للحرب؛ لأن السلام يحتاج الدفاع عنه».

تدريبات «نسور الحضارة» في أغسطس الماضي شملت محاضرات نظرية ومحاكاة عملية (موقع وزارة الدفاع المصرية)

وأوضح الجمال لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر تجري تدريبات مع الصين ومع روسيا ومع أميركا... وهي على مسافة واحدة من كل الدول وكل القوى العظمى في العالم، وكانت من أوائل الدول التي نادت بعدم الانحياز لمعسكر ضد الآخر».

وأضاف: «مصر لا تهاجم أحداً ولا تعادي أحداً، وهي تدرك تماماً أن هناك دولاً تحاول دائماً إشعال الحروب في المنطقة من أجل تحقيق أغراضها التوسعية، وفي تل أبيب يتم إطلاق التصريحات الاستفزازية دوماً تجاه مصر وتجاه تسليح الجيش المصري، والقاهرة منتبهة لذلك، وتؤكد دوماً أنها تحمي أمنها القومي وأمن المنطقة ولا تهاجم أحداً».