إيتيل عدنان كما لم تُكتَشف من قبل: سيرة روح تنتمي إلى الكون

المخرجة الأميركية ماري فالنتين ريغان تفتح أبواب منزلها الباريسي على عالم لا تحدّه الهويات

الريشة عندها وسيلة لالتقاط الوجود (لقطة من الفيلم)
الريشة عندها وسيلة لالتقاط الوجود (لقطة من الفيلم)
TT

إيتيل عدنان كما لم تُكتَشف من قبل: سيرة روح تنتمي إلى الكون

الريشة عندها وسيلة لالتقاط الوجود (لقطة من الفيلم)
الريشة عندها وسيلة لالتقاط الوجود (لقطة من الفيلم)

الدفء الذي تبثُّه المخرجة الأميركية ماري فالنتين ريغان في فيلمها «عدنان: الوجود والزمان» لم يكن بعيداً عن روح الفنانة التي يتناولها. بدا امتداداً لها، إذ شَعَر به الحضور الذي ملأ صالتَي سينما «متروبوليس» في بيروت خلال الأمسية الافتتاحية لمهرجان «شاشات الواقع» في دورته العشرين. وقبل بدء العرض، ذكَّرت مؤسِّسة هذه السينما، هانية مروّة، أنّ الاستمرار في بلد مثل لبنان على مدى عقدَيْن متواصلَيْن ليس أمراً يسيراً، فكلّ دورة هنا هي مواجهة مع واقع مُتحوّل، ومرآة لهواجس السينمائيين والسينمائيات.

هانية مروّة تصرّ على أن يبقى للفنّ مقعد في بيروت (الشرق الأوسط)

حين أُعطيت الكلمة للمُخرجة الضيفة، التي تزور بيروت للمرة الأولى، أسرها حجم الجمهور الذي جاء ليُشاهد فيلماً يُقدّم صورة تعبيرية لفنانة استثنائية. اكتفت بكلمات قليلة لكنها صادقة، كافية لأن تُشعر الحاضرين أنّ فيلمها ليس عملاً تقنياً بارداً، وإنما تجربة قلبيّة نابعة من علاقة حميمة مع إيتيل عدنان بدأت بمصادفة حين اكتشفت أنها ابنة تلميذة لهذه الفنانة قبل نصف قرن، ثم تحوَّلت إلى صداقة أليفة فتحت لها أبواب المنزل والذاكرة والروح.

الطبيعة وطنها الأول والكون وطنها الأخير (لقطة من الفيلم)

هكذا، تعمَّدت ألا تُقدِّم فيلماً يكتفي بأن يكون بورتريهاً لأعمالها التشكيلية والشعرية. أرادته مساحة إنسانية تُضيء على فلسفة عدنان ونظرتها للوجود. فهي التي لم تؤمن يوماً بالهويات الضيّقة، رأت أنّ الحياة تُقاس بأسئلتها لا بانتماءاتها: ما معنى أن تكون موجوداً؟ أن تواجه الكارثة؟ أن تعيش الزمن في جريانه القاسي؟ تحلّى الفيلم بحساسية عالية، مُتحوّلاً من لقاء شخصي إلى سَفَر بصري في المناظر الطبيعية وفي الإدراك العميق للزمن والوعي.

بين بيروت وباريس وكاليفورنيا... نسجت روحاً لا يحدّها مكان (لقطة من الفيلم)

داخل منزلها الباريسي، حيث رحلت عام 2021 عن 96 عاماً، التقطت الكاميرا تفاصيل المكان الذي يُشبهها: الريشات والألوان المُبعثرة، رائحة الزيت، دفء الجدران، والخصوصية التي تُغلّف المساحة كما لو أنها امتداد لجسدها. بلُغتها الإنجليزية المُطعَّمة بالفرنسية، تحدَّثت عدنان بينما ترسم وتأكل وتُشارك الأصدقاء، من بينهم رفيقة العُمر، الرسّامة سيمون فتّال، لحظات مكثَّفة، كأنها تريد للمُشاهد أن يخترقها عوض الاكتفاء بتأمّلها من بعيد. 70 دقيقة يمتلئ خلالها الفيلم بروحها قبل أن يمتلئ برسومها، وبحضورها الإنساني والعاطفي قبل الحضور الفنّي.

تتناثر الألوان كما تتناثر الذكريات (لقطة من الفيلم)

قدَّمتها المخرجة كما هي: إيتيل التي يسند ظهرها المنحني عمرٌ طويل وأسفارٌ وتجاعيد، والتي تحمل في نظرتها للوجود عمقاً يتجاوز الزمن. إيتيل التي تأكل بشهيّة، وتُطفئ شموع عيد ميلادها مثل طفلة تحتفل بالحياة، وترى في الطبيعة والجبال تمجيداً للجمال اللامتناهي. لم تُخفِ الكاميرا لُهاثها وهي ترسم، كأنّ الريشة سباق مع العمر. لكنّ ذلك اللُّهاث تحوَّل إلى موسيقى داخلية تُعلن عن حيوية فكرية لا تخبو، وعن عقل كتب قبل أن يرسم، وقصيدة سبقت اللون وأكملته.

رأت في الجبل مُعلّماً أكبر من البشر (لقطة من الفيلم)

ولم يكن مُمكناً أن تُختَزل سيرة عدنان بحدود لبنان وحده، وإن كان هو مكان ولادتها والشاهد الأول على انفتاحها على الشمس والبحر وأشجار البرتقال. فهي أيضاً ابنة باريس التي احتضنتها، وابنة كاليفورنيا حيث وجدت سماء أخرى، وابنة لغات متعدّدة رأت فيها مادة تُكوِّن البشر. عالمُها خُلِق من أمكنة مرَّت بها وأمكنة ابتكرتها بخيالها، من ذاكرة وصور ولغات، ومن انتماء لا ينغلق في وطن ليتَّسع للكون.

الزمن هو ما يتجسّد في نظرة أو قصيدة (لقطة من الفيلم)

عندما سُئلت عن أهم شخص التقت به في حياتها، أجابت بلا تردُّد: «الجبل»! ولعلَّ الجبال التي أحبَّت شملت أيضاً جبل لبنان الذي طبع شبابها وأعطاها أول درس في الخلود والسكينة، حيث فهمت أنّ الطبيعة أعمق من البشر، وأنّ الجبل هو المُعلِّم الأكبر. وروت كيف ناقشت أندريه جِيْد في بيروت وهي في العشرين ضمن حوار ثقافي شكَّل وعيها المبكر. هذه اللحظات الحميمية هي ما يمنح الفيلم قوته، إذ تجعله أقرب إلى بوح شخصي من أن يكون وثائقياً جامداً.

بين الشِّعر واللوحة، والقصيدة واللون، عاشت إيتيل عدنان على إيقاع زمني خاص، لا يخضع للسنوات بقدر ما يخضع لامتلاء اللحظة. ظلَّت مثل ريشة في مهبّ الريح، خفيفة ومشحونة بالجمال، عصيّة على الاحتواء في مكان أو هوية. وكان الجبل الذي أحبَّته شاهداً على أن روحها حلَّقت أبعد من الجغرافيا، نحو ما لا يُطال ولا يُرى.


مقالات ذات صلة

من هو ميخايلو دراباتي القائد الجديد للجيش الأوكراني؟

أوروبا اللواء ميخايلو دراباتي يحضر اجتماعاً مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وسط الهجوم الروسي على أوكرانيا في كييف... 20 يوليو 2026 (رويترز)

من هو ميخايلو دراباتي القائد الجديد للجيش الأوكراني؟

تولّى ميخايلو دراباتي قيادة الجيش الأوكراني وسط أزمة سياسية، مدعوماً بسمعة إصلاحية وشعبية واسعة، فيما يواجه تحديات عسكرية وتنظيمية وتوقعات مرتفعة في الحرب.

«الشرق الأوسط» (كييف)
يوميات الشرق من قصة حبّ إلى بداية عُمر (أ.ف.ب)

تايلور سويفت وترافيس كيلسي... العالم يشهد «زفاف القرن»

سادت حالة من الإثارة بشأن ما وُصف بـ«الزفاف الملكي» الأميركي، الذي يتزامن مع احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
ثقافة وفنون الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير خلال جلسة تصوير لفيلم «أغنى امرأة في العالم» بروما 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انتخاب أول امرأة لرئاسة مؤسسة «سينيماتيك فرنسيز» للأعمال السينمائية

أصبحت الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير، الخميس، أول امرأة تُنتخب رئيسة لمؤسسة «سينيماتيك فرنسيز» (مكتبة السينما الفرنسية) المعنية بالأعمال السينمائية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق يقدَّم الفيلم للمرة الأولى ضمن سوق مهرجان «أنسي» في فرنسا (الشركة المنتجة)

آلان دوجون: الذكاء الاصطناعي يوسِّع خيال صنّاع الأفلام ولا يلغيهم

«ألعاب المملكة» يُمثّل فرصة لإظهار ما يمكن تحقيقه عندما تعمل التكنولوجيا والإبداع البشري جنباً إلى جنب.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الغموض أيضاً يصنع العناوين (إنستغرام)

تكهّنات لا تتوقَّف حول زفاف تايلور سويفت وترافيس كيلسي

تتزايد تكهّنات المعجبين ومراهناتهم بشأن تفاصيل حفل زفاف نجمة الغناء العالمية والفائزة بجائزة «غرامي»، تايلور سويفت، واللاعب البارز ترافيس كيلسي...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)