فرنسا... الجمهورية الخامسة هرمت والأمل معقود على ربيع 2027

أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سنتان صعبتان (أ.ف.ب)
أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سنتان صعبتان (أ.ف.ب)
TT

فرنسا... الجمهورية الخامسة هرمت والأمل معقود على ربيع 2027

أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سنتان صعبتان (أ.ف.ب)
أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سنتان صعبتان (أ.ف.ب)

لم يكن مفاجئاً البتة ألا ينجح فرنسوا بايرو في الحصول على ثقة الجمعية الوطنية في 8 سبتمبر (أيلول). ومع سقوط الحكومة، صار على إيمانويل ماكرون أن يجد شاغلاً جديداً لقصر «ماتينيون»، تزامناً مع دعوة بعض قوى المعارضة إلى حلّ الجمعية الوطنية وإجراء انتخابات برلمانية مبكرة، بل إن ثمة من يدعو إلى استقالة ماكرون أو حتى عزله دون انتظار الانتخابات الرئاسية في 2027.

من الطبيعي التفكير في المرحلة المقبلة بصورة آنيّة، ومحاولة استقراء السيناريوهات السياسية المحتملة بعد خروج رئيس «الحركة الديمقراطية» من مقر رئاسة الحكومة.

يستطيع ماكرون الذي عرفت خماسيته الرئاسية الأولى ثلاث حكومات؛ ترأس اثنتين منها إدوار فيليب، فيما تعثرت في خماسيته الثانية أربع حكومات حتى الآن، اختيار رئيس وزراء من الحزب الاشتراكي الذي يدعو إلى حكومة يسارية تضم الاشتراكيين والخضر والشيوعيين (من دون حزب «فرنسا الأبية» الذي يتزعمه جان لوك ميلانشون). ويستطيع أيضاً اختيار شخصية تكنوقراطية أو محايدة.

والمهم هو نجاح الحكومة المقبلة في تمرير موازنة 2026. وفي حال الفشل، قد يلجأ ماكرون إلى حلّ الجمعية الوطنية والدعوة لانتخابات مبكرة، بما يوافق رغبة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني اليميني المتطرف.

لكن الأسئلة الحقيقية العميقة تتخطى الواقع الراهن وما بقي من ولاية ماكرون الثانية، ويمكن تلخيصها بالآتي: من يستطيع إنقاذ فرنسا من الإفلاس؟ بمعنى آخر؛ مَن ينجح في وضع موازنة تُرضي القوى السياسية المتناقضة وقواعدها الشعبية؟ وبمعنى أبعد مَن يستطيع إنقاذ فرنسا من نفسها، وهي تبدو كجسم سقيم يهاجمه جهاز مناعته، وهو هنا النظام السياسي للجمهورية الخامسة القائم منذ عام 1958؟

رئيس الوزراء المستقيل فرنسوا بايرو يتحدث في الجمعية الوطنية قُبيل حجب الثقة عن حكومته (أ.ف.ب)

أزمات

أطلق السياسي اليميني رجل الأعمال، فيليب دو فيلييه، عريضة وطنية لفرض استفتاء حول الهجرة. وندّد بأوضاع الجمهورية الخامسة التي قال إنها «على حافة الهاوية»، بفعل العجز السياسي وإفلاس الدولة.

وقال قبل أيام في حديث إلى الصحيفة الأسبوعية «لو جورنال دو ديمانش»: «من بين الأزمات السياسية الكبرى في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، أرى أننا اليوم في الذروة لأننا نعيش تراكم جميع الأزمات في وقت واحد. فنحن أمام أزمة مالية، وأزمة اقتصادية، وكذلك أزمة سياسية، إذ أصبح البرلمان خاضعاً لحكم الأحزاب العاجزة والثرثارة. السياسيون لا يفعلون إلا الدعاية وممارسة الشعبوية. لدينا أيضاً أزمة ديمغرافية؛ فقد شهدت فرنسا للمرة الأولى في تاريخها تجاوز عدد الوفيات عدد المواليد».

وأكد صاحب كتاب «إبادة شعب» الذي يصدر الشهر المقبل، أن فرنسا «تشهد تغيّراً في تركيبة سكانها». ولذلك أطلق عريضة وطنية لإجراء استفتاء حول الهجرة بهدف إجبار إيمانويل ماكرون على إدراج هذا الموضوع في صلب النقاش السياسي.

وأضاف أن الاقتصاد الفرنسي يتغير، وكذلك الثقافة التي دخلت عليها عناصر عديدة. وكشف أنه في بعض المناطق والأحياء، «يقدم تجار المخدرات للسكان خدمات التوصيل إلى المنزل، والمساعدات المالية، واللوازم المدرسية، أو حتى التسوق لكبار السن»... كأنهم يؤدون مهمات عامة موازية لخدمات الدولة.

ورأى دو فيلييه أن على فرنسا «أولاً استعادة الحدود والضوابط» وإعادة النظر في القوانين، مضيفاً أن «هناك ثلاث خطوات لكسر الجمود: حل البرلمان، واستقالة رئيس الجمهورية، ثم إجراء استفتاء عام» حول الهجرة.

يبدو واضحاً أن دو فيلييه يتبنى رأي اليمين المتطرف الذي يجنح دائماً إلى إلقاء اللوم على «الأجانب»، والمقصود بهم هنا المهاجرون الذي يبلغ عددهم في فرنسا بضعة ملايين.

هي نظرة قاصرة بالطبع، بمعنى أن الخروج «السوريالي» لكل الفرنسيين «غير الأصيلين» من البلاد لن يحل قطعاً أزماتها.

متظاهرون خرجوا إلى الشارع في باريس بعد سقوط الحكومة (إ.ب.أ)

المعضلة الاقتصادية

ليست الأزمة في شخص فرنسوا بايرو ولا سلفه ميشال بارنييه أو سواهما ممن تولوا قيادة سفينة الحكومة. بل هي في واقع اقتصادي مرير.

نعم فرنسا في أزمة اقتصادية تعاني أعراضها الخمسة الكلاسيكية: أولاً، ارتفاع معدلات البطالة، لا سيما بين الشباب (+1.5 نقطة مئوية في عام واحد وفقاً للمعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية)، مع ضعف قطاعات مثل البناء والمطاعم وصناعة السيارات.

ثانياً، ازدياد حالات إفلاس الشركات؛ فبعد فترة ركود أعقبت جائحة «كوفيد»، سجل بنك فرنسا المركزي أكثر من 60 ألف حالة إفلاس في عام واحد (+30 في المائة)، طالت خصوصاً شركات صغيرة ومتوسطة.

ثالثاً، تسود حالة من عدم الاستقرار المالي، إذ تتجاوز معدلات الاقتراض 4 في المائة للشركات، في موازاة تقلبات كبيرة تشهدها السوق. والأمر الأكثر إثارة للقلق في الشأن المالي هو أن تكاليف الاقتراض في فرنسا أصبحت الآن أعلى منها في اليونان المعروفة بأنها «مركز» الهزّات الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي.

رابعاً، يسجَّل فقدان للثقة على نطاق واسع، فالأسر تقلل الإنفاق، والمستثمرون يترددون في المغامرة، والشركات الكبرى ترجئ تنفيذ مشاريعها.

خامساً وأخيراً، هناك عجز عام وديون قياسية، إذ يتجاوز الدين العام 110 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.162 تريليون دولار)، مع عجز في مالية الدولة يقارب 6 في المائة، مما يعني أن أي مجال للمناورة في الموازنة يكاد يكون منعدماً.

يحصل كل هذا على خلفية اختلال التوازن الجيوسياسي بسبب السياسة التجارية الأميركية التي اعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرضه رسوماً جمركية عالية على كل الواردات تقريباً.

مؤدَّى ذلك أن الأزمة الاقتصادية هي السبب الأول للأزمة السياسية، والشرارة هذه المرة كانت مشروع موازنة 2026 الذي تضمَّن تخفيضات في الإنفاق مقدارها 44 مليار يورو، وإلغاء عطلات رسمية، وتجميد الإنفاق الاجتماعي.

إلا أن الشرارة تُخفي وراءها أزمة تتجاوز بكثير الموازنة، فهناك انهيار للثقة بين الفرنسيين وقادتهم، مما يُؤجج الغضب الذي قد يُعيد رسم المشهد السياسي في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية للعام 2027.

 

المشكلة الهيكلية

سيكلف ماكرون شخصية لتأليف حكومة قد تنال الثقة وتحاول العمل... لكن المشكلة هيكلية. ففرنسا من أكثر الدول الأوروبية فرضاً للضرائب وتكثيفاً للقيود، بما يعوق تنافسية الأعمال ويُثبّط الاستثمار الإنتاجي بشكل كبير. وبينما يحاول الشركاء الأوروبيون تخفيف الضغوط الضريبية ويُشجّعون المبادرات الخاصة، يواصل الواقع الفرنسي خنق الاقتصاد تحت وطأة بيروقراطية قاسية وضرائب «عقابية».

يعتمد الاقتصاد الفرنسي بشكل كبير على قطاع الخدمات (78.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي)، مما يعكس تراجعاً مقلقاً في التصنيع. فالصناعة، التي كانت قوة رئيسية في الماضي، لا تُمثل الآن سوى 19.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تقلصت حصة الزراعة، الضرورية للأمن الغذائي، إلى نسبة ضئيلة.

متظاهران في مدينة نانت يحملان لافتة «تودّع» بايرو بعد سقوط حكومته (أ.ف.ب)

هذا الاعتماد المفرط على الخدمات يجعل فرنسا «مدمنة» للاستيراد، ويُضعف موقفها في مواجهة الأزمات الدولية.

والواقع أن هذا الخلل ناتج إلى حد كبير عن عقود من السياسات العامة التي ضحّت بالإنتاج لمصلحة إعادة التوزيع. فبإعطاء الأولوية للإنفاق الاجتماعي على الاستثمار المُربح، ضعفت الصناعة الفرنسية وصارت إدارة الاقتصاد مكلفة جداً.

لا شيء في الأفق ينبئ بأن السنتين الأخيرتين من حكم إيمانويل ماكرون ستشهدان حلولاً تُنهي الأزمة المتمادية، فالدولة الفرنسية ستبقى في دوّامة الإنفاق الذي يفوق المدخول، وقوى اليمين واليسار والوسط ستتصارع لتُسقط إحداها الأخرى، فيما تعجز كلها عن تقديم الوصفات العلاجية الفعّالة.

قد يكون الموعد الحاسم ربيع 2027، موعد إجراء الانتخابات الرئاسية. وقد يكون على الرئيس المقبل أن يقود فرنسا إلى انقلاب سياسي واقتصادي واجتماعي ينتشلها من رواسب الجمهورية الخامسة وينقلها إلى رحاب الجمهورية السادسة.


مقالات ذات صلة

ماكرون يعلن اعتراض سفينة يشتبه في انتمائها إلى «أسطول الظل» الروسي

أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس (رويترز)

ماكرون يعلن اعتراض سفينة يشتبه في انتمائها إلى «أسطول الظل» الروسي

أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن البحرية الفرنسية اعترضت أمس (الاثنين) سفينة «يُشتبه في أنها تبحر تحت علم مزيف» و«متورطة» في عمليات «نقل وقود» روسي.

«الشرق الأوسط» (باريس )
خاص مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب) p-circle

خاص مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: لا فرصة للتراجع عن تأجيل الانتخابات

أكد مصدر فلسطيني مطلع أنه «لا يوجد فرصة للتراجع» عن قرار الرئيس محمود عباس بتأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

كفاح زبون (رام الله)
أوروبا عناصر من الشرطة البلدية الفرنسية ينفذون دورية أمام مدرسة «جوزيف لاكانال» الإعدادية في أوباني جنوب فرنسا بعد إصابة مديرها بطلق ناري من بندقية صيد وتوقيف مراهق اليوم (أ.ف.ب)

طالب يطلق النار على مدرّسين ببندقية صيد في الجنوب الفرنسي

قال مسؤول محلي فرنسي إن طالباً في المرحلة الإعدادية أطلق النار باستخدام بندقية صيد فأصاب مدير مدرسة ومعلمة بمدرسة قرب مرسيليا، اليوم (الاثنين).

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يغمز بعينه خلال فعالية في مدينة سبليت الكرواتية يوم 7 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

ماكرون يدعو إلى ضبط النفس مع استمرار احتجاجات المدارس في فرنسا

دعا ماكرون لضبط النفس مع استمرار الاحتجاجات الطلابية وإغلاق 528 مدرسة كلياً أو جزئياً، بينما علّقت السلطات استخدام القنابل الصوتية ودعت النقابات لمظاهرات جديدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا دميتري بيسكوف المتحدث باسم «الكرملين» (د.ب.أ)

روسيا تدين «عسكرة» الاتحاد الأوروبي بعد اختبار صاروخي فرنسي

ندّدت روسيا، الأربعاء، بـ«عسكرة» الاتحاد الأوروبي، غداة اختبار فرنسا صاروخاً جديداً عابراً للقارات قادراً على حمل رأس نووي ويطلق من غواصة

«الشرق الأوسط» (موسكو)

موسكو تتجاهل «هدنة الطاقة» وتستهدف كييف

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
TT

موسكو تتجاهل «هدنة الطاقة» وتستهدف كييف

أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)
أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب)

شنّت القوات الروسية هجوماً واسعاً على بنى تحتية للطاقة في العاصمة الأوكرانية ومحيطها ومدن أوكرانية أخرى، فيما بدا تجاهلاً لـ«هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في وقت سابق، ولم تؤكد موسكو التزامها بها.

ووجّهت كييف انتقادات قاسية لواشنطن، إذ اتهمتها بـ«مساعدة روسيا في حربها» على خلفية تراجع الدعم الاستخباراتي، على الرغم من تأكيد الإدارة الأميركية أنها لم تقلص التعاون مع الأوكرانيين في هذا المجال. وانعكس التوتر المتفاقم في العلاقات الأميركية بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، على الوضع الميداني في جبهات القتال.

وكرّر زيلينسكي، أمس (الأربعاء)، التحذير بأن أوكرانيا «لم تتلقَّ تحذيرات مرتين بشأن إطلاق صواريخ باليستية على كييف». وكتب: «أبلغتكم بالضربة الروسية على كييف وعدم تلقينا أي تحذير من شركائنا بشأن إطلاق الصاروخ الباليستي. هذه ثاني مرة لا تتلقى فيها أوكرانيا أي تحذير».

واتهم مسؤول أوكراني رفيع المستوى، فضّل عدم الكشف عن هويته، واشنطن، بمساعدة روسيا ضد أوكرانيا، مؤكداً أنها لم تحذّر كييف مسبقاً بشأن هجمات روسية، كما أنها أبطأت خدمات «ستارلينك». وأضاف المسؤول الأوكراني: «لم نتلقَّ تحذيرات من واشنطن في حالتين حتى الآن بشأن إطلاق صواريخ باليستية روسية في هجوم باليستي واسع النطاق على قطاع الطاقة».


زيلينسكي: من «المؤلم» اختيار ترمب الانحياز إلى الطرف الآخر في الحرب

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي: من «المؤلم» اختيار ترمب الانحياز إلى الطرف الآخر في الحرب

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام في مقر الحكومة بـ«10 داونينغ ستريت» في لندن يوم 14 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مقابلة، الأربعاء، إن الأمر كان «مؤلماً»، عندما انحاز الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الطرف الآخر في الحرب الدائرة بين أوكرانيا وروسيا، وذلك بعد أن قال إن زيلينسكي يجب استبداله.

وقال زيلينسكي لبرنامج بيرس مورغان «أنسنسورد» إنه «من المؤلم أن يختار الرئيس ترمب جانباً واحداً... ليس جانبنا».

وقال أيضاً إنه لا يمانع في أن يكون ترمب في الوسط بين أوكرانيا وروسيا، لكنه أضاف: «إذا كنتَ في الوسط، فعليك أن تبقى في الوسط».

ورداً على سؤال عما إذا كان يشعر بالخيانة من ترمب، الذي دعا مطلع الأسبوع إلى أن يكون هناك رئيس جديد لأوكرانيا، بعد أن وافق على رفع العقوبات عن صادرات الديزل الروسية، أجاب زيلينسكي: «حقّاً، نعم... لكن الأمر أكثر تعقيداً قليلاً من مجرد عواطفي أو مشاعري».

وأضاف: «من المؤسف أننا نفقد شريكاً قوياً».

وقال زيلينسكي أيضاً: «لا نبيع بلدنا... الأمر لا يتعلّق بالأعمال بالنسبة لنا. إنها حياتنا فحسب، وهذا بلدنا».


مثول جندي أوكراني متهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم» أمام المحكمة

الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
TT

مثول جندي أوكراني متهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم» أمام المحكمة

الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)
الجندي الأوكراني «سيرهي.ك» المتهم بتفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» ماثلاً أمام المحكمة العليا في هامبورغ (إ.ب.أ)

في محاكمة مشحونة سياسياً وتشكل حرجاً للحكومة الألمانية، مثل جندي أوكراني سابق أمام المحكمة العليا في مدينة هامبورغ بقضية تخريب خط أنابيب الغاز «نورد ستريم1» الذي كان يوصل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا، قبل 4 سنوات.

ويواجه «سيرهي.ك»؛ الذي كان اعتقل بإيطاليا في أغسطس (آب) 2025 بناء على مذكرة توقيف ألمانية، اتهامات بارتكاب جرائم حرب بالتخطيط لاستهداف بنى تحتية مدنية. ويقول الادعاء إن سيرهي نفذ أوامر دولة؛ مما يعني أنه يتهم الحكومة الأوكرانية بإعطاء الأوامر لتخريب خط الأنابيب الروسي. ونفى الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، تورط بلاده في العملية، متهماً روسيا بها.

قاعة المحكمة العليا في هامبورغ مع انطلاق محاكمة «سيرهي.ك» بقضية تفجير خط أنابيب «نورد ستريم1» (إ.ب.أ)

وقد اعترض محامو الدفاع على الاتهامات الموجهة إلى سيرهي، وعدّوا أن أنبوب الغاز «لا يمكن عدّه بنية تحتية مدنية، بل إنه كان أداة حرب عسكرية وسياسية ومالية في يد روسيا ضد كييف؛ نظراً إلى أن عائداتها كانت تتدفق إلى ميزانية الدولة لتمويل الحرب على أوكرانيا». وقال المحامون إن سيرهي ملزم الصمت وإنه لا يمكنه الدفاع عن نفسه؛ بسبب السرية التي هو محكوم بها بصفته جندياً سابقاً. وطالبوا إثر ذلك بإسقاط القضية عنه.

والتزم بالفعل سيرهي الصمت في اليوم الأول من محاكمته، في حين تداول محاموه الثلاثة على قراءة بيانات؛ رافضين القضية برمتها. وقال أحد المحامين إن هناك «مصالح سياسية تلعب دوراً في القضية؛ مما يحول المحاكمة استعراضاً سياسياً».

ويُتهم سيرهي بقيادة فريق من الغواصين والمختصين في المتفجرات لزرع عبوة ناسفة أسفل المحيط لتفجير خط الأنابيب. وقد عثر المحققون على قارب في بولندا قادهم إلى المتهمين بعد العثور على آثار متفجرات وحمض نووي فيه.

وفي حين كانت المحاكمة تُجرى في الداخل، تجمع في الخارج العشرات من مؤيدي أوكرانيا رافعين لافتات تتهم روسيا بارتكاب جرائم حرب.

وتواجه الحكومة الألمانية، التي تعدّ أكبر داعم عسكري لكييف في حربها ضد روسيا، حرجاً كبيراً من القضية التي قد تورط الحكومة الأوكرانية. وحتى الآن تلتزم برلين الصمت بشأن الموضوع، وتكتفي بالقول إنها تنتظر انتهاء المحاكمة.

وقد كرر وزير الخارجية الألماني، يوهان فادفول، ذلك، وقال؛ بعيد انطلاق محاكمة سيرهي، رداً على سؤال خلال مؤتمر صحافي في برلين، إنه يجب انتظار انتهاء المحاكمة ونتائجها. ولكنه أشار إلى نفي الرئيس الأوكراني تورطه في القضية، مضيفاً أنه مع ذلك؛ فإن الحكومة الألمانية ستتعامل مع أي نتيجة تظهر، وأنها ستحدد موقفها آنذاك.

وحذر سياسيون ألمان من استغلال الأحزاب الشعبوية المؤيدة لروسيا المحاكمة، وتحديداً «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي يحل بالطليعة في استطلاعات الرأي، وكذلك حزب آخر صغير من أقصى اليسار ترأسه زارا فغنكناشت. ويطالب الحزبان بوقف المساعدات عن أوكرانيا التي يقولان إنها تزيد من الأزمة الاقتصادية في ألمانيا. ويتهم الحزبان الحكومة بإنفاق أموال الميزانية العامة على كييف بدلاً من إنفاقها على الداخل لإنعاش الاقتصاد، ويقولان إن كييف كانت مسؤولة عن تفجير خط الأنابيب الذي كان يجلب الغاز الرخيص إلى البلاد.

وكانت الحكومة الألمانية قد أوقفت استيراد الغاز الروسي عبر خط «نورد ستريم» قبل تفجيره، من ضمن العقوبات ضدها؛ بسب شنها حرباً على أوكرانيا. ويدعو الحزبان الآن إلى فرض عقوبات على أوكرانيا بعد اتهامها بالمسؤولية عن تفجير خط أنابيب الغاز، وليس فقط وقف المساعدات المقدمة إليها.

متظاهرون خارج قاعة المحكمة من مؤيدي أوكرانيا يرفعون لافتات تتهم روسيا بالإرهاب (إ.ب.أ)

ويتهم حزب «البديل من أجل ألمانيا» الحكومة بازدواجية المعايير، ويقول إنها لم تتردد في فرض عقوبات على موسكو بعد اتهامات بالمسؤولية عن الهجوم الفاشل بالمسيّرات على مطار لايبزيغ في أغسطس الماضي، وإنها فعلت ذلك في حين كانت التحقيقات ما زالت مستمرة. وأعلنت الحكومة الألمانية مطلع الشهر إغلاق القنصلية الروسية في بون و«المركز الثقافي الروسي» في برلين؛ رداً على العثور على مسيرات محملة بمتفجرات في مطار لايبزيغ قالت إن الكرملين مسؤول عنها.

وقد رد المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، على تلك الاتهامات في كلمة أمام «البرلمان الفيدرالي (بوندستاغ)»، قبيل سفره إلى بروكسل للمشاركة في القمة الأوروبية يومي الخميس والجمعة، وقال إنه «على عكس ما نسمع؛ فإن الأموال التي ترسل إلى أوكرانيا لا تؤخذ من نظامنا الاجتماعي». وأضاف: «الأموال المتعلقة بالدفاع تُنفَق من صندوق خاص ومنفصل عن الإنفاق على نظامينا؛ الصحي والاجتماعي». وشدد؛ متوجهاً إلى الحزبين المؤيدين لروسيا، بالقول إن «التهديد حقيقي، ونحن نرى أن روسيا دائماً مستعدة للتصعيد»، مضيفاً: «لا أفهم كيف يمكن لأقصى اليمين وأقصى اليسار التقليل من شأن ذلك».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس متحدثاً أمام الـ«بوندستاغ» في برلين مع انطلاق محاكمة «سيرهي.ك» (د.ب.أ)

ويستبعد خبراء أن تُثبت المحاكمة الجارية تورط الحكومة الأوكرانية أو استبعاد تورطها، ونقلت القناة الألمانية العامة «إن دي آر» عن الخبير في الشؤون الجيوسياسية يواكيم ويبر، من جامعة بون، قوله إن الحقيقة لن تظهر؛ «لأنه لا أحد سيعترف بمن هي السلطة العليا إلى أعطت أوامر» تفجير الأنابيب. وأضاف أن هذا يعني أن «التخمينات بشأن ما إذا كان الرئيس زيلينسكي قد أعطى الأوامر، أو كان يعلم بها، ستبقى على الأرجح تخمينات» في نهاية المحاكمة.