غروسي يحذر من «نفاد الوقت» في المحادثات مع إيران بشأن التفتيش

قال إن التعاون بين طهران والوكالة يتأثر بتطور المفاوضات مع واشنطن وأوروبا

TT

غروسي يحذر من «نفاد الوقت» في المحادثات مع إيران بشأن التفتيش

صورة نشرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية من خطاب غروسي في مستهل اجتماعها الفصلي في فيينا الاثنين
صورة نشرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية من خطاب غروسي في مستهل اجتماعها الفصلي في فيينا الاثنين

قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، الاثنين، إن محادثاته مع طهران بشأن استئناف عمليات التفتيش في المنشآت الإيرانية بشكل كامل «أحرزت تقدماً، لكن الوقت ينفد»، معرباً عن أمله في اختتامها خلال أيام.

وقال غروسي في مؤتمر صحافي إن الوكالة الذرية «لا يمكنها تأكيد أن البرنامج النووي الإيراني مخصص بالكامل لأغراض سلمية». وأرجع ذلك إلى عدم تلقي الوكالة الذرية «الأجوبة الضرورية من إيران بشأن عدة قضايا، بما فيها المواد النووية غير المعلن عنها».

وتجري الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران حالياً محادثات حول «آليات» الاستئناف الكامل لعمليات التفتيش، لكن غروسي يقول إن ذلك لا يُغير من التزامات إيران بالسماح بإجراءات التحقق، مثل عمليات التفتيش، بصفتها طرفاً في معاهدة حظر الانتشار النووي.

ونبّه غروسي إلى أن الوكالة «لا تتهم إيران بامتلاك سلاح نووي، لكنها لا تملك القدرة على استبعاد هذا الاحتمال بسبب نقص الشفافية». وحرص على توضيح أن الوكالة لا تتبنى مواقف سياسية أو تُطلق اتهامات، لكنها تعتمد فقط على التحقق الفني والوقائع. وشدد على أهمية التعاون الكامل من إيران، وأشار إلى وجود ترابط بين الوضع داخل الوكالة والمفاوضات الجارية حول الاتفاق النووي.

وقال غروسي للصحافيين إن مستوى تعاون إيران مع الوكالة الذرية يتأثر بشدة بما يجري في المفاوضات الثنائية مع الولايات المتحدة وأوروبا. وأضاف: «كلما شعرت إيران أن هناك تقدماً دبلوماسياً، زادت من تعاونها مع الوكالة، والعكس صحيح».

وقال غروسي إننا بحاجة إلى تقدم في كلا المسارين؛ التعاون بين إيران والوكالة الذرية، والمحادثات بين القوى الغربية وطهران، مؤكداً: «إذا تحقق ذلك، فإن النتيجة النهائية ستكون إيجابية».

غروسي يتحدث خلال مؤتمر صحافي على هامش بدء الاجتماع الفصلي للوكالة الذرية (أ.ف.ب)

وحول مستقبل الاتفاق النووي، قال غروسي إنه «صُمم بعناية لينطبق على برنامج نووي إيراني مختلف تماماً عما هو عليه الآن». وأضاف: «حتى لو أردتَ إحياء الاتفاق، فلن يكون كافياً؛ لأن إيران تمتلك الآن تقنيات جديدة. ولهذا قلتُ إننا بحاجة إلى شيء جديد».

وبشأن القضايا الخلافية مع طهران، أكد غروسي أن الوكالة «تمتلك أدلة قاطعة على أن إيران كانت تحتفظ بوثائق سرية جداً تخص الوكالة الدولية نفسها»، مضيفاً: «هذا الأمر يُعد خرقاً خطيراً، ويتعارض مع روح التعاون المطلوبة».

وقال غروسي إن الوكالة «ما زالت تنتظر تفسيرات مُرضية من إيران» بشأن الأنشطة في مواقع ورامين ولويزان وشيان وتوقوز آباد، لافتاً إلى أن الوكالة «لم تحصل بعدُ على أجوبة مقنعة».

وأشار غروسي إلى أن إيران تمتلك مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يصل إلى 400 كغ بنسبة 60 في المائة. وقال: «رغم أن التخصيب بهذا المستوى لا يعد في حد ذاته مخالفاً للاتفاقيات الدولية، فإن هذه الكمية تقرب إيران كثيراً من مستوى إنتاج قنبلة نووية». وشدد على أن «هذه الكمية لا يمكن تجاهلها، حتى إن لم تكن سلاحاً نووياً في حد ذاتها».

وفي وقت سابق، أوضح غروسي في مستهل الاجتماع ربع السنوي لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية المؤلف من 35 دولة، أن «البرنامج النووي الإيراني محور جهودنا خلال الأسابيع القليلة الماضية، لا سيما بعد الهجمات التي وقعت في يونيو (حزيران)».

وأقر غروسي بالظروف الحالية التي فرضتها التطورات الأخيرة، مؤكداً استعداد الوكالة للنظر في مخاوف ومقترحات إيران، ما دامت متوافقة مع الاتفاق الشامل للضمانات. وأشار إلى إحراز تقدم في المحادثات مع إيران، معرباً عن أمله أن يتم «التوصل إلى خاتمة ناجحة لهذه المناقشات خلال الأيام القليلة المقبلة». وقال: «لا يزال هناك وقت، ولكن ليس كثيراً».

وتعرضت منشآت تخصيب اليورانيوم الإيراني لضربات أميركية، في إطار حرب الـ12 يوماً التي اندلعت بهجمات إسرائيلية على مقرات عسكرية ونووية في 13 يونيو، وقُتل فيها الكثير من القادة العسكريين والعلماء النوويين الإيرانيين.

وأرسل غروسي تقريراً مفصلاً للدول الأعضاء الأسبوع الماضي بشأن البرنامج النووي الإيراني، مؤكداً أن طهران ترفض الكشف عن مصير مخزونها لليورانيوم المخصب، أو دخول المفتشين الدوليين إلى المنشآت التي تعرضت لهجمات أميركية - إسرائيلية.

وأشار غروسي إلى التقرير الأخير، قائلاً: «لقد تواصلت مع إيران بشكل مستمر ومنهجي لمعالجة المخاوف التي عبّرت عنها، وسعيت لإيجاد سبل لاستعادة التعاون الضروري بين الوكالة وإيران»، وأضاف: «تابعنا عن كثب التطورات الأخيرة في طهران، وبالأخص اعتماد البرلمان الإيراني في 25 يونيو قانوناً يعلق التعاون مع الوكالة، والذي وافق عليه رئيس الجمهورية في 2 يوليو (تموز)».

صورة نشرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية من اجتماعها الفصلي في فيينا اليوم... ويبدو السفير الإيراني رضا نجفي في الوسط

وأفاد غروسي بأنه في المحادثات مع إيران أكد استعداده لأخذ التطورات بعين الاعتبار، مع التأكيد على أن القانون الذي أقره البرلمان الإيراني «قد يفرض التزامات داخلية، لكنه لا يلزم الوكالة الدولية للطاقة الذرية».

وشدد غروسي على أن «الاتفاق الشامل للضمانات الخاص بإيران بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي يبقى سارياً، وهو المعاهدة القانونية الوحيدة التي تحكم حقوق والتزامات الوكالة وإيران في ما يتعلق بتنفيذ الضمانات» في إيران.

وأوضح غروسي أن المناقشات الفنية بين الطرفين، والتي جرت في طهران وفيينا «تهدف إلى التوصل لاتفاق حول الخطوات العملية التي سيتم تطبيقها لتنفيذ أنشطة التحقق في إيران وفقاً لاتفاق الضمانات».

وقال غروسي: «لقد أحرزنا تقدماً، وآمل بصدق أن يكون من الممكن خلال الأيام القليلة القادمة التوصل إلى خاتمة ناجحة لهذه المناقشات، مما يسهل استئناف عملنا الضروري مع إيران»، معرباً عن ثقته بأن «تمهد الخطوات العملية الأرضية لتقدم المشاورات والعمليات الدبلوماسية المهمة الأخرى نحو تحقيق نتائج إيجابية».

وشدد غروسي على ضرورة التنفيذ الكامل لحقوق والتزامات الطرفين بموجب اتفاق الضمانات الملحق بمعاهدة حظر الانتشار النووي، لـ«تمهيد الطريق نحو تحسن حقيقي في الوضع العام».

وبموجب اتفاق الضمانات، فإن إيران ملزمة بإبلاغ الوكالة الدولية عن مخزون المواد والمعدات النووية، وأماكن تخزينها.

وقال غروسي في ختام الجزء المتعلق بإيران: «لا يزال هناك وقت، ليس كثيراً، ولكنه كافٍ دائماً عندما تتوفر النيات الحسنة والشعور الواضح بالمسؤولية».

وتجري المحادثات بين الجانبين على خلفية إطلاق القوى الأوروبية الثلاث الكبرى (الترويكا) عملية مدتها 30 يوماً، في 28 أغسطس (آب)، لإعادة فرض العقوبات على إيران. ورُفعت هذه العقوبات بموجب الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين إيران والقوى الكبرى، والذي انهار بعد انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منه عام 2018.

وأعلنت دول «الترويكا» الأوروبية - فرنسا وبريطانيا وألمانيا - أنها ستمضي قدماً في إعادة فرض العقوبات بموجب ما يُسمى بعملية «الآلية السريعة لإعادة فرض العقوبات» ما لم تُستأنف عمليات التفتيش التي تجريها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إيران بالكامل، وتُحدد طهران مخزونها الكبير من اليورانيوم شبه الصالح للاستخدام في صنع الأسلحة، وتستأنف المحادثات النووية مع الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

الكلاشنيكوف في ساحات طهران مع ترقب عودة الحرب

شؤون إقليمية عسكري إيراني يشرح للناس كيفية استخدام سلاح في ساحة هفت تير وسط طهران (أ.ف.ب)

الكلاشنيكوف في ساحات طهران مع ترقب عودة الحرب

نقلت السلطات الإيرانية مظاهر التعبئة العسكرية إلى ساحات طهران حيث أقامت أكشاكاً لتعليم المدنيين أساسيات استخدام الكلاشنيكوف في ظل مخاوف من استئناف القتال

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
تحليل إخباري ترمب في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض بعد عودته من بكين الجمعة (أ.ب)

تحليل إخباري غالبية أمميّة ساحقة تواجه شبح «الفيتو» حول «هرمز»

رغم التصريحات الإيجابية التي أطلقها الرئيس الأميركي عن القمة التي جمعته مع نظيره الصيني في بكين، لا يبدو أنه حقق اختراقاً فيما يتعلق بحرب إيران.

علي بردى (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة نشرها الجيش الإسرائيلي لرئيس الأركان إيال زامير خلال متابعة الضربات على إيران في غرفة العمليات مارس الماضي

إسرائيل تخشى ضربة إيرانية «استباقية»

عادت أوساط إسرائيلية إلى الحديث عن خطر إقدام إيران على ضربة «استباقية»، في أعقاب تصاعد التقديرات بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تستعدان لاستئناف الحرب.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية مقاتلة شبح أميركية من طراز «إف-35» تتزود بالوقود خلال دورية روتينية فوق مياه إقليمية في الشرق الأوسط (سنتكوم)

ترمب يغلق باب التنازلات: إيران تعرف ما «سيحدث قريباً»

أعلنت إيران، الاثنين، أنها ردّت على مقترح أميركي جديد يهدف إلى إنهاء الحرب، مؤكدةً استمرار التواصل مع واشنطن عبر الوسيط الباكستاني، فيما اتهمها ترمب بالمراوغة.

«الشرق الأوسط» (لندن -واشنطن_طهران)
شؤون إقليمية وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي يلتقي رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف في طهران الأحد (موقع البرلمان)

واشنطن تطرح 5 شروط على طهران... «هدوء قبل العاصفة»

أفادت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» بأن واشنطن حدّدت 5 شروط رئيسية في ردها على المقترحات الإيرانية بإطار محادثات محتملة بين الجانبين.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

ترمب يُمهل إيران يومين لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

ترمب يُمهل إيران يومين لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

أمهل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، إيران، «يومين أو ثلاثة أيام» لتفادي ضربة عسكرية جديدة، قائلاً إنه كان على بُعد ساعة واحدة من اتخاذ قرار بالمضي في الهجوم قبل أن يؤجله لإفساح المجال أمام مسار تفاوضي. وشدد ترمب على أن المهلة «محدودة» لأن واشنطن لا تستطيع السماح لطهران بامتلاك «سلاح نووي جديد»، مضيفاً أن قادة إيران «يتوسلون» للتوصل إلى اتفاق.

وتمسّكت طهران بمقترحها الأخير للتسوية. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية كاظم غريب آبادي، لنواب البرلمان، إن المقترح يتضمن إنهاء الأعمال القتالية على جميع الجبهات، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحصار البحري الأميركي، إضافة إلى انسحاب القوات الأميركية من المناطق القريبة من إيران ودفع تعويضات عن أضرار الحرب.

كما حذر المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا، من فتح «جبهات جديدة» إذا استؤنفت الهجمات.

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إن الحرب أضعفت بدرجة كبيرة الصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيرانية، ودمّرت 90 في المائة من القاعدة الصناعية الدفاعية لإيران.

وبدأ حلف شمال الأطلسي «الناتو» مناقشة إطلاق مهمة بحرية محتملة إذا استمر إغلاق المضيق حتى يوليو (تموز) المقبل، حسبما نقلت وكالة «بلومبرغ».


مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)

لم يكن إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تعليق ضربة عسكرية جديدة ضد إيران مجرد قرار عابر في مسار الحرب المستمرة منذ أسابيع، بل بدا كاشفاً عن مأزق أوسع: هل يفتح إرجاء الهجوم نافذة حقيقية لاتفاق سياسي، أم إن القرار يندرج في نمط مألوف من التهديدات عالية السقف ثم التراجع في اللحظة الأخيرة؟

المفارقة أن ترمب قدّم التعليق بوصفه استجابة لوساطة خليجية ترى أن «مفاوضات جدية» جارية، وأن اتفاقاً «مقبولاً» يمكن أن يولد قريباً. لكنه، في الوقت نفسه، أبقى التهديد قائماً، موجهاً الجيش إلى الاستعداد لـ«هجوم واسع النطاق» إذا لم تصل المفاوضات إلى نتيجة.

هنا تكمن دلالة اللحظة: واشنطن لا تبدو في موقع الحسم العسكري الكامل، ولا في موقع التسوية السياسية الناضجة، بل في منطقة وسطى تتداخل فيها حسابات الردع، وأسعار النفط، وضغوط الحلفاء، ومحدودية قدرة القوة الجوية على فرض استسلام سياسي كامل.

تجنب دفع التكلفة

ورغم الضربات القاسية التي استهدفت قيادات إيران وبناها العسكرية والبحرية، فإنها ما زالت تحتفظ بأدوات ضغط مؤلمة، مثل الصواريخ، والمسيّرات، والقدرة على تعطيل مضيق هرمز، والتهديد بنقل التوتر إلى باب المندب... ولذلك؛ فإن طلب تأجيل الضربة لا يعني بالضرورة أن طهران قدمت تنازلات جوهرية، بل ربما تكسب الوقت للانخراط مجدداً في حرب إقليمية أكبر تكلفة.

فرزين نديمي؛ كبير الباحثين بالشأن الإيراني في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، يضع هذا العامل في صلب تفسير القرار. وقال في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «أسباباً عسكرية وراء تأجيل الضربة» تتعلق بتهديدات إيران، واحتمال وقوع إصابات وأضرار في صفوف القوات الأميركية، إضافة إلى الردود الإيرانية الأخرى. وبرأيه، فإن ترمب «قد يفضل عدم تجديد العملية العسكرية إذا كان ممكناً تحقيق حد أدنى من الشروط مع تقليص الأخطار»، لكن «احتمالات العمل العسكري تبدو متساوية مع فرص الحل الدبلوماسي».

مروحية أميركية تحلق بجوار سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

فجوة في الأولويات

تتحدث تسريبات عن تبادل مقترحات وردود مضادة عبر وسطاء، بينهم باكستانيون، وعن نقاشات تشمل الملف النووي، وفتح مضيق هرمز، ورفع بعض القيود أو العقوبات عن النفط الإيراني، وربما إرسال جزء من مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج، لكن المشكلة ليست في وجود أفكار تفاوضية، بل في ترتيبها...

تريد إيران، وفق ما تسرّب، اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم يترك الملف النووي؛ الأعلى حساسية، لمسار لاحق. أما واشنطن فتريد اتفاقاً متزامناً يثبت نتائج الحرب: قيود طويلة الأمد على التخصيب، وضمانات ضد امتلاك سلاح نووي، وربما التزامات تتعلق بالصواريخ، والوكلاء، وفتح «هرمز». هذه الفجوة تجعل الحديث عن «تقدم حقيقي» مشروطاً لا مؤكداً.

الأرجح أن ترمب، تحت ضغط أسعار الطاقة والانتخابات النصفية المقبلة، بدأ يضيّق نطاق مطالبه العملية؛ فبدلاً من الإصرار على التزامن بشأن تغيير سلوك إيران الإقليمي، وتفكيك قدراتها الصاروخية، وإنهاء شبكة الوكلاء، بات التركيز العلني أوضح على «الملف النووي» و«هرمز». ولا يعني هذا أن الشروط الأخرى اختفت، لكن الإدارة قد تكون مضطرة إلى التمييز بين ما تريد تحقيقه سياسياً وما تستطيع فرضه عسكرياً.

بين الردع وحدود القوة

تشكك وسائل الإعلام وصحف أميركية عدة في رواية البيت الأبيض، ليس بالضرورة لأنها تعارض ترمب سياسياً فقط؛ بل لأن مسار الأزمة نفسه يعطي أسباباً لهذا التشكيك. الرئيس حدد مواعيد، وأطلق تهديدات، وأعلن أن الحرب تقترب من نهايتها، ثم عاد إلى تمديد المهل. كما أن إيران، رغم الخسائر الكبيرة، لم تقبل حتى الآن شروطاً تعدّها استسلامية، ولم تتخلَّ عن أوراقها الأساسية في «هرمز» أو «الردع الصاروخي».

مايكل روبن، كبير الباحثين في «معهد أميركان إنتربرايز»، يذهب أبعد من ذلك في حديثه مع «الشرق الأوسط»؛ إذ يرى أن ترمب «يرتجل وهو يمضي»، «رغم امتلاكه فرقاً قادرة على التخطيط لاستراتيجيات معقدة». ويقول إن «ما يحرك الرئيس غالباً هو شعوره بأن إيران تهينه شخصياً؛ مما قد يدفعه إلى ضربات أعمق تركيزاً على الملف النووي، أو حتى إلى اغتيالات مستهدفة، لكنه لا يقود إلى استراتيجية متماسكة».

هذا التقييم قاسٍ، لكنه يلامس معضلة حقيقية في إدارة الأزمة: ترمب يريد أن يظهر بمظهر الرئيس الذي لا يتراجع، لكنه يريد أيضاً تجنب حرب مفتوحة لا تحظى بشعبية داخلية وتستنزف الذخائر وترفع أسعار الوقود... يريد إعلان النصر، لكنه لم يحصل بعد على وثيقة استسلام... يريد استخدام القوة لإنتاج اتفاق، لكنه يواجه خصماً اعتاد امتصاص الضغط وإعادة تعريف الخسارة بوصفها صموداً.

لذلك؛ لا يمكن اختزال المسألة في «انتصار الدبلوماسية» أو «ضعف ترمب». التعليق يعكس توازناً متبادلاً: واشنطن تخشى تكلفة التصعيد، وطهران تخشى ضربة أشد تدميراً.

إيرانيون أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مَخيطتين (رويترز)

تنازلات متزامنة

رد ترمب العنيف على الإعلام يعكس حساسيته المعروفة تجاه أي تصوير له بوصفه متردداً أو عاجزاً عن فرض شروطه. لكن السؤال الأهم: «هل تشكيك الإعلام نابع من حقائق أم من حسابات سياسية؟ الجواب الأقرب أنه مزيج من الاثنين، مع أفضلية واضحة للوقائع في هذه الحالة»، وفق فرزين نديمي. ويضيف أن «الوقائع تقول إن الضربات الأميركية - الإسرائيلية أضعفت إيران عسكرياً، لكنها لم تحلّ المعضلة السياسية».

والوقائع تقول إن أسعار النفط، والقلق الاقتصادي الأميركي، أصبحا عاملين في حسابات البيت الأبيض. والوقائع تقول أيضاً إن إيران لم تقدم بعد تنازلاً يرقى إلى قبول كامل بالشروط الأميركية، وإن الوسطاء يتحدثون عن صيغ جزئية أكثر مما يتحدثون عن صفقة نهائية.

أما البعد السياسي، فيظهر في طريقة قراءة هذه الوقائع داخل واشنطن... خصوم ترمب يرون في كل تراجع دليلاً على الفوضى. أنصاره يرون في كل تعليق للضربة مناورة ذكية تمنح الخصم فرصة أخيرة. لكن بين القراءتين، تبدو الحقيقة أشد تعقيداً: ترمب يستخدم التهديد العسكري أداةً تفاوضية، لكنه لم ينجح بعد في تحويله اتفاقاً نهائياً.

كما أن إيران تستخدم قدرتها على تعطيل الطاقة والرد الإقليمي لتقليل أثر الضغط الأميركي، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل تكلفة الحرب والحصار عليها.

لهذا؛ فإن تعليق الضربة لا يكشف بالضرورة عن قرب اتفاق يرضي الجميع؛ لأن اتفاقاً كهذا يفترض تنازلات متزامنة لم تظهر بعد. لكنه لا يعني أيضاً مجرد تراجع مجاني. إنه بالأحرى محاولة لإدارة مأزق: إبقاء العصا مرفوعة من دون استخدامها فوراً، ومنح الوسطاء فرصة قصيرة، وطمأنة الأسواق والحلفاء، مع الحفاظ على صورة الرئيس الذي يستطيع العودة إلى القصف «في أي لحظة».


«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
TT

«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)

جدَّد وزراء مالية «مجموعة السبع» تأكيدهم على إعادة فتح مضيق هرمز لمواجهة الاختلالات ‌العالمية ⁠الجارية، بينما دعا ممثل الولايات المتحدة إلى إجراءات «أكثر صرامة» لتعطيل ما وصفها بـ«شبكات التمويل الإيرانية».

ويحاول الغرب منذ أسابيع التوصل إلى أفكار عملية لتحرير الملاحة في مضيق هرمز، الذي يتعرض لحصار مزدوج من واشنطن وطهران، لكن التباينات السياسية بين أوروبا والولايات المتحدة تعوق التوصل إلى أرضية مشتركة.

وقال بيان مشترك عن المجموعة، عقب اجتماعها في باريس الثلاثاء، إن دولها ملتزمة «بالتعاون متعدد الأطراف من ⁠أجل التصدي للمخاطر ‌التي ‌تهدد الاقتصاد ‌العالمي».

ودعا وزراء ‌كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وبريطانيا والولايات ‌المتحدة جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات. جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات.

كريستين لاغارد لدى وصولها للمشاركة في اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة السبع بباريس (أ.ف.ب)

ودعا وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، حلفاء بلاده إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتعطيل شبكات ‌التمويل ‌الإيرانية، وقال ‌إن ⁠بلاده ستحذف الأسماء «⁠التي عفا عليها الزمن» من قائمة العقوبات لتسهيل مهمة المؤسسات ⁠المالية في القضاء ‌على مخططات ‌تمويل الإرهاب تعقيداً.

وخلال ‌كلمة معدة للإلقاء في مؤتمر لمكافحة تمويل ‌الإرهاب عقب اجتماع وزراء مالية ومسؤولين ماليين ⁠من ⁠دول مجموعة السبع في باريس، أكَّد بيسنت أن المشاركين بحاجة إلى «الوقوف معنا بكل قوة» ضد إيران.

وأكد بيسنت، في تصريحاته للصحافيين، أن الولايات المتحدة مصممة على تطبيق سياسة «الضغط الأقصى» لوقف تمويل النشاطات العسكرية والإرهابية الإيرانية، مشيراً إلى أن هذا النهج يهدف إلى إضعاف قدرات إيران من دون الاعتماد فقط على الخيارات العسكرية.

وأكد بيسنت أن «وزارة الخزانة ستحدث هيكل عقوباتها، لجعل الأمر أكثر فاعلية، لأن أعداءنا يتكيفون ويبتكرون ‌من خلال إنشاء شركات وهمية جديدة»، على حد تعبيره.

وعقب الاجتماع، أظهر ‌موقع ‌وزارة ​الخزانة الأميركية ⁠الثلاثاء ​أن ⁠الولايات ⁠المتحدة ‌فرضت ‌عقوبات ​جديدة على ‌إيران.

من جهته، قال وزير المالية الكندي، فرانسوا فيليب، في تصريحات للصحافيين، إن «مجموعة السبع متحدة بشأن ضرورة فتح هرمز وإيقاف القتال».

المرور الآمن

أكد البيان الختامي التزام المجموعة بضمان استقرار أسواق الطاقة ودعم الدول الأكثر هشاشة من خلال تعزيز دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كما حثَّ البيان على «العودة السريعة إلى حرية المرور الآمنة» عبر مضيق هرمز، الذي لا تزال الملاحة فيه مقيدة بشدة بعد الحصار الفعلي الذي فرضته إيران في بداية الصراع.

وقال مراقبون إن اجتماع الدول السبع تعامل بارتياح مع إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وقف هجوماً كان مخططاً له ضد إيران الثلاثاء والاستجابة لطلب الدول الخليجية لمحاولة إعطاء الدبلوماسية فرصة للتوصل إلى اتفاق يحد من البرنامج النووي الإيراني.

وناقش وزراء المالية قضايا أخرى تتعلق بضرورة تنويع سلاسل الإمداد للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية، لتقليل الاعتماد على الصين.

وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور لدى وصوله إلى اجتماع مجموعة السبع في باريس (أ.ب)

وشارك في الاجتماع ممثلون عن دول خليجية في بعض الجلسات لمناقشة الأزمة، كما شاركت كل من سوريا وأوكرانيا في أجزاء من المناقشات أيضاً، إلى جانب مسؤولين من البرازيل والهند وكوريا الجنوبية.

وينظر إلى إشراك طيف أوسع من الدول في النقاشات المتعلقة بمستقبل الملاحة في الشرق الأوسط، إلى أنه انعكاس لحاجة ملحة لكسر الجمود السياسي، والبحث عن خيارات بديلة، وزيادة الضغط على طرفي الحصار في «هرمز»؛ واشنطن وطهران.

ويقول محللون إن اجتماع المجموعة في باريس قد يعطي الرئاسة الفرنسية دفعة دبلوماسية للتوصل إلى مقاربة مشتركة من شأنها إعادة فتح هرمز، رغم الخلافات في النهج بين الولايات المتحدة، التي تركز على الخيار العسكري والعقوبات، والنهج الأوروبي الذي يركز على تحقيق توازن بين الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.

غير أن المناقشات، التي وصفها وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور بأنها «صعبة»، عكست تحديات حقيقية في توحيد السياسات عبر ضفتي الأطلسي، مع ميل الإدارة الأميركية إلى تطبيق شعار «أميركا أولاً» في بعض الملفات.