«عالهوى سوا»... مسرحية ساخرة تُواجه الانهيار الشامل

بالكوميديا والأغنية ينتقد سامر حنا زمن الأقنعة

مسرح يفضح زيف الصورة المثالية (الشرق الأوسط)
مسرح يفضح زيف الصورة المثالية (الشرق الأوسط)
TT

«عالهوى سوا»... مسرحية ساخرة تُواجه الانهيار الشامل

مسرح يفضح زيف الصورة المثالية (الشرق الأوسط)
مسرح يفضح زيف الصورة المثالية (الشرق الأوسط)

الكوميديا في مسرحية «عالهوى سوا» تنطوي على موضوعات جدّية. فخلف ضحكات تتعالى، يتراءى إلحاحٌ على إعادة التفكير. العرض المستمر على «مسرح المونو» لا يريد فقط أن يُضحك، بقدر سعيه إلى تحريك الأفكار وتصويب المعنى. ومن خلال الشخصيات، يطرح المخرج سامر حنا إشكاليات العلاقة الزوجية، وواقع الإعلام المعاصر، وأقنعة المجتمع.

الكوميديا مرآة الوجع (بوستر المسرحية)

عبر الشخصيتَيْن الرئيسيتَيْن: جوانا طوبية وشربل أبي نادر (كاتيا وكريم)، تتناول المسرحية التبايُن بين الظاهر والمخفيّ. إنهما زوجان يبدوان سعيدَيْن أمام الآخرين، يُمثّلان التوافق ويعرضان صورة الانسجام العاطفي والمهني، لكنهما في العمق تجسيد لشِجار مُتراكم وانفجار مؤجَّل. ينطلق سامر حنا من هذه الإشكالية التي تحضُر بثقلها على كثير من ثنائيات اليوم، ليبني مسرحية تُحاكي واقعاً ملموساً يمكن للجمهور التماهي معه لقربه من الحياة كما هي. ويزيد هذا التوتر حين يجعلهما شريكَيْن في تقديم برنامج تلفزيوني؛ إذ يُرغَمان على الابتسام والانسجام الدائم؛ لأنّ الكاميرا اعتادت صورتهما بهذا الوفاق، والجمهور صار يرى في ثنائيتهما الناجحة جزءاً من سحر البرنامج. نجاحهما بات مشروطاً بالظهور على هيئة صورة واحدة، لا يمكن أن تتناقض مع ما يُعرَض على الشاشة.

ضحكة على الخشبة وندبة في العمق (الشرق الأوسط)

تروي المسرحية قصتها بعيداً عن الدراما المألوفة، وتُثبت أنّ الضحك أحياناً أبلغ من الدمع. وبينما ترصد واقع العلاقات الزوجية، تُضيء أيضاً على واقع آخر لا يقلّ خطورة: الإعلام الذي تحوَّل من قيمة راسخة إلى مجرّد «ترند». فالمشهد الجدّي الذي تُمثّله «كاتيا» بجهدها وتعليمها وتدرُّجها، تقتحمه «مؤثّرة» في وسائل التواصل بخبرة ضئيلة وحضور قائم على السطحية. هنا، تختزل الممثلة ماريا بشارة بدور «رشا ليشيس» واقع الاستسهال الإعلامي في زمننا: الوصول السريع عِوض تعب الدرب، والمكانة المُقترَنة بعدد المتابعين بدلاً من الثقافة والبحث والسعي لإثبات الذات. أداء متماسك وبارز لجميع الشخصيات.

ضحكٌ يخفي خلفه مرارة الأزواج (الشرق الأوسط)

قوة المسرحية في أنها تُقارب الموضوع الثقيل بميزتَيْن: الكوميديا والأغنية. وكما في أعمال سامر حنا السابقة، تحضُر اللوحة الغنائية، فتُقال الكلمة بإيقاع وخطوات راقصة. هنا، يتجاوز دور جاد حرب مجرّد حَمْل اللافتات التي تطلُب من الجمهور التصفيق أو الضحك. صحيح أنّ مثل هذا التوجيه قد يبدو مُصطنعاً، لكنَّ دمجه في قالب إعلامي جعل حضوره «مُبرّراً»، وكأنّ الجمهور جزء من البرنامج نفسه. ومع ذلك، لم يقف دوره عند هذا الحدّ؛ إذ تولَّى تصميم الرقصات على وَقْع ألحان عرَّبت كلماتها جوانا طوبية وغنّتها مع شربل أبي نادر؛ مصمّم الديكور أيضاً. ورغم أنّ الكلمات بدت في بعض الأحيان خفيفة وعابرة، فإنّ الإطار الكوميدي العام للمسرحية، وشخصياتها، وطريقة معالجتها الموضوعات، منحت تلك الخفّة معنى وجعلتها مُضحكة وكاشفة. بهذا التوازن، ظلَّ المشاهد بين الكوميديا والإشكالية، بين الأغنية والمعنى، من دون أن يطغى جانب على آخر، أو تتضاءل قيمة موضوع على حساب سواه.

الكواليس أصدق من البثّ المباشر (الشرق الأوسط)

وكما تنهار العلاقات، ينهار الواقع من جهات متعدّدة. فالإعلام ليس وحده، في نظر المسرحية، المُنهَك بالعطب. ثمة انهيارات أخرى تُطاول مناحي الحياة المختلفة. يُدخل سامر حنا شخصيات معروفة من المسرح والتمثيل والغناء لتطلّ عبر الشاشة وتُقدّم صورة بانورامية لانهيار أشمل. لعبة ذكية مرَّر عبرها المخرج الذي ظهر أيضاً بدور مُخرج البرنامج التلفزيوني الباحث عن «الرايتينغ» مهما كلَّف الأمر، رسالة مفادها أنّ ما يحدُث بين «كاتيا» و«كريم» في الفواصل الإعلانية، حين يُسقطان القناع، هو انعكاس لما يحدُث في الواقع: عالم مُثقل بالخيبات والتوتّر، تحكمه السرعة والاستهلاك والأقنعة الزائفة، حيث يتسلَّق كثيرون مناصب لا يملكون مقوّماتها بدعم الدعاية والتسويق والأضواء الخادعة.

المسرح مرآة تُريك ما لا تحتمله العيون (الشرق الأوسط)

ومن خلال بناء المَشاهد وحواراتها وإيقاع أغنياتها، تُمرّر المسرحية إشكالية جوهرية تتحكَّم بالعلاقات: الفرص. ولأنَّ الزوجين يتشاركان المهنة، يفضح العرض السرَّ الذي فجَّر تراكُم الخلافات وزرع في النفوس سوء الفهم والظنون، حتى وصلت الأمور إلى عتبة الطلاق. ومع ذلك، يبقى الحبّ، حين يكون صادقاً، قادراً على إعادة الأشياء إلى موضعها. تنتصر المسرحية لهذا المعنى، ولو أنّ التحوُّل من رفض العلاقة إلى الرغبة في استمرارها بدا سريعاً أو غير مُحكَم، أشبه بثغرة في منطق الحكاية، تماماً كما بدت فكرة امتلاك أحدهما للرمز السرّي لهاتف الآخر هفوة أمكن تفاديها.

وليس مصادفةً أن يختار سامر حنا الإعلام قالباً لمسرحيته، ليصبّ فيه موضوعاً آخر لا يقلّ تعقيداً، هو العلاقات الزوجية. فالإعلام، مثل الزواج، يُواجه بدوره رخاوة المعايير، وصعوبة الإنتاج، وتبدُّل القيم الفكرية إلى مجرّد «وجهات نظر» مُتقلّبة. كأنّ حنا أراد أن يكتب مُرافعة غير مباشرة عن نفسه أيضاً؛ عن تجربته بكونه فناناً ومُنتِجاً يحاول الاستمرار وسط واقع إنتاجي قاسٍ يُحوّل البقاء إلى معركة يومية، ويصبح الحفاظ على القيمة ضرباً من الصمود. في هذا التداخُل بين الخاص والعام، بين أزمة الأزواج وأزمة الإعلام، يُلقي المخرج خطابه أمام مرايا متعدّدة: مرآة الزوجَيْن المتشظيَيْن، ومرآة الإعلام المتهاوي، ومرآته الشخصية بصفته فناناً يصرُّ على قول كلمته. وبينما يرفع صوته، يُقدّم معالجته بلغة مسرحية تمزج الضحك بالنقد، والأغنية بالدراما، ليُذكِّر بأننا جميعاً، بشكل أو بآخر، نعيش «عالهوى سوا». نبتسم أمام الجمهور، ونخفي خلف الكواليس انهيارات لا يراها أحد.


مقالات ذات صلة

مصر: العروض المسرحية تزاحم أفلام السينما في موسم «عيد الأضحى»

يوميات الشرق مسرحية «التياترو» ضمن موسم عيد الأضحى (وزارة الثقافة المصرية)

مصر: العروض المسرحية تزاحم أفلام السينما في موسم «عيد الأضحى»

تزاحم العروض المسرحية أفلام السينما بمصر خلال موسم «عيد الأضحى»، إذ يشهد المسرح خلال أيام العيد انتعاشةً فنية لافتة، تنوعت بين العروض المسرحية القديمة والجديدة.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق الضحك يطرق باب مرحلة أثقل من أن تُفتَح بهذه السهولة (الجهة المنظّمة)

«إسعاف» زياد عيتاني... كوميديا تصل إلى الخشبة ولا ترسَخ بعدها

الجمهور المُتعب من الحرب يستحق الضحك، لكنه يستحق ضحكاً يترك داخله أثراً يستمرّ بعد العودة إلى البيت.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق دخل الملك كأنه جزء من العرض (رويترز)

الملك تشارلز يُفاجئ جمهور شكسبير... وظهور يُشعِل «العاصفة»

خطف الملك تشارلز الثالث أنظار جمهور مسرحية «العاصفة» بعدما ظهر بشكل مفاجئ خلال العرض الذي قدَّمته «فرقة شكسبير الملكية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الإضاءة لعبت دوراً بارزاً في العرض (مخرجة المسرحية)

«ولاد البطة السودا»... كوميديا مصرية تسخر من العنصرية والتهميش

رغم ما يوحي به الاسم من أجواء تميل إلى التراجيديا والميلودراما والشفقة على الذات، فإنّ العرض يسير في اتجاه معاكس تماماً.

رشا أحمد (القاهرة )
يوميات الشرق لقطة لبطلي العمل (مخرج المسرحية)

«أداجيو»... ابتسامة أخيرة تكسر صمت لحظات الفقد القاسية

يطرح العرض المسرحي المصري «أداجيو» المأخوذ عن رواية بالاسم نفسه للكاتب المصري البارز إبراهيم عبد المجيد تساؤلات عبر حبكة درامية تتسم بالشجن.

رشا أحمد (القاهرة)

«كما نحن» لجوزيف هيكل... كائنات غريبة تفيض بالمشاعر

يرسم جوزيف هيكل مشاعره بحلوها ومرّها (الشرق الأوسط)
يرسم جوزيف هيكل مشاعره بحلوها ومرّها (الشرق الأوسط)
TT

«كما نحن» لجوزيف هيكل... كائنات غريبة تفيض بالمشاعر

يرسم جوزيف هيكل مشاعره بحلوها ومرّها (الشرق الأوسط)
يرسم جوزيف هيكل مشاعره بحلوها ومرّها (الشرق الأوسط)

ألوان جريئة، وتناقضات حادة، وريشة ديناميكية، تجتمع في معرض «كما نحن» للتشكيلي جوزيف هيكل. وبأسلوب يخرج عن المألوف، يستخدم فيه تقنية الأكليريك، تتوزَّع لوحاته في غاليري «آرت ديستريكت» في الجميزة البيروتية، لتُشكّل فسحة فنّية تأخذ مُشاهدها إلى عالمَي الطفولة والعفوية.

اعتمد هيكل في أعماله على إبراز شخصياته بملامح غريبة، فتشعر كأنك تتعرَّف إلى كائنات تعيش على كوكب آخر. وتأتي الألوان الزاهية التي يستخدمها لتضفي عليها حضوراً قوياً يكتنفه الغموض. فهي تفيض بمشاعر مختلطة تُترجم حالة من التخبّط، وتعكس حالة إرهاق نفسي عاشها هيكل لأشهر، كما يقول لـ«الشرق الأوسط». فكانت الريشة ملاذه الذي عبَرَ به إلى شاطئ الأمان، واستعار من تجاربه الشخصية وهواجسه الداخلية عوالم بصرية تتأرجح بين الواقع والخيال.

من معرض «كما نحن» في غاليري «آرت ديستريكت» في الجميزة (الشرق الأوسط)

تطغى على لوحاته هوية بصرية مميزة، فيُخيّل لمُشاهدها أنه أمام شريط متحرّك نابض بالتفاصيل والانفعالات. وتُخاطب رسومات هيكل الكبار والصغار على السواء، فتركيبتها تختزن البراءة والدهشة، كما تنطوي على أحاسيس عفوية، فتتسلّل بسلاسة إلى المتلقّي لتُلامس داخله الإنساني.

ورغم تفاوت هذه الحالات بحلوها ومرّها، فإنها تحمل نفحة تفاؤلية تدفعك إلى مراقبتها مع ابتسامة عفوية على وجهك. وبين وجه عابس، وآخر غاضب، وثالث مُشتّت، تلفتك عيون كبيرة جاحظة. يُعلّق هيكل: «العينان تشيران إلى شخص آخر أستطيع رؤيته. كما أنهما تعكسان مزاج الإنسان وأحزانه وأفراحه. ولذلك أعطيتهما مساحة في لوحاتي، حيث تتماهيان مع الحقيقة والحبّ والعاطفة». ويتابع: «لا أستطيع أن أرسم من دون أحاسيسي مجتمعةً. وكل ما وضعته في لوحات (كما نحن) جاء بصورة تلقائية ليعكس مرحلة ثقيلة مررتُ بها. ولا بد لأي شخص أن يجد في إحداها ما يُعبّر عن مشاعره».

«رأس مثقل» بالأحكام المسبقة بريشة جوزيف هيكل (الشرق الأوسط)

ومن عناوين لوحاته تلتقط طبيعة موضوعاتها بشكل مباشر. وكما في «حياة متقلّبة»، و«الصوت غير مسموع»، و«رأس مثقل»، تلمس صورة الشراكة. فالثنائية تلعب دوراً أساسياً في أعماله، ونلاحظها بوضوح في «لا يزال متوهجاً»، و«خارج عن التركيز»، و«هوية صامتة»، و«نبض واحد». ويعبّر في كلّ منها عن حاجة الإنسان الدائمة إلى المساندة. ويوضح في سياق حديثه: «الشراكة مهمة جداً في حياتنا، وباستطاعتها وحدها أن تنتشلنا من سقطاتنا. وحاجتنا دائمة إلى من يمسك بيدنا كي نُكمل طريقنا بأمان».

تأخذك قصص جوزيف هيكل إلى عوالم مختلفة، وتجذبك بتفاصيل وجوهها والألوان التي تسبح فيها. وبين الحلم، والأحكام المُسبقة، وأثقال الحياة، والعائلة، وفرحة الانتصار، ينسج حكايات درامية تضعك في مواجهة مباشرة مع نفسك. هنا، لا شيء يحدّ المشاعر أو يمنعها من الانفجار على سطح اللوحة، فتخرج صادقة بكلّ تناقضاتها وضعفها وقوتها.

هيكل أمام لوحته المحبَّبة إلى قلبه «انهيار ناعم» (الشرق الأوسط)

تفوح من لوحات هيكل رائحة الطفولة. ومع الزهري والبرتقالي والأصفر والأبيض، نستعيد ذكرى دفاتر التلوين وما تختزنه من براءة. وكأن جوزيف هيكل يتعمَّد الاحتماء بهذه الألوان المشرقة ليخفّف وطأة المواضيع النفسية والإنسانية الثقيلة التي تعكسها أعماله. ويوضح: «القصة التي أخبرها في أعمالي لا تنطلق من ألوان محدّدة مسبقاً، إنما تأتي بصورة تلقائية وفق المشاعر التي أمرُّ بها. ولكن بصورة عامة، أحبُّ هذه النظرة التفاؤلية التي تتمتَّع بها لوحاتي، وكلّما لجأت إلى الألوان شعرتُ بأن اللوحة أجمل».

وأحياناً يُلغي اللوحة بعد اكتمالها ليأتي بنسخة أخرى منها تُخاطبه بشكل أفضل، وهو ما حدث معه في لوحة «أحكام مجتمعة». وفيها يتطرّق إلى موضوع الأحكام المُسبقة، ويصوّرها برأس يحمل دوائر كثيفة تسكنها عيون ملوَّنة بالزهري والأسود: «في البداية اعتمدتُ الأزرق خلفية لهذه اللوحة، وعندما انتهيتُ منها وجدت الأسود يلائمها بشكل أفضل».

أما اللوحة الأقرب إلى قلبه فهي «انهيار ناعم»، التي يصوّر فيها كائناً أشبه بـ«روبوت» يعيش حالة من الضياع، فتبدو ملامحه الغريبة مفكَّكة وكأنها بحاجة إلى ترميم نفسي وإنساني. ويُعلّق: «النهوض بعد أي سقطة نتيجة طبيعية بالنسبة إليّ، لأن الاستسلام ممنوع. ومع الألوان الزاهية الطاغية في اللوحة، أشير إلى الأمل بغدٍ مُشرق».

وتخاطبك شخصيات «كما نحن» عن قرب، فتلامس هشاشتك الإنسانية، كأنها تواسيك وتربّت على كتفك، هامسةً بما تختزنه النفس من ألم وأمل، فتشعر تلقائياً بدفء علاقة إنسانية تنشأ بينك وبينها. فغرابة اللوحات لا تُخيفك، بل تختصر أي مسافة بينك وبينها. وفي 3 لوحات أصغر حجماً تصطف على رفٍّ وسط المعرض، يدعوك جوزيف هيكل إلى حوارات مباشرة مع أعماله. وتحمل كل واحدة منها حالة شعورية مختلفة، فتزوّدك بطاقة إيجابية توُاجه معها لحظة معقَّدة أو حقيقة جارحة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الجيل «زد» والعيش في الماضي... بحثٌ عن هويَّة أم عن هواية؟

TT

الجيل «زد» والعيش في الماضي... بحثٌ عن هويَّة أم عن هواية؟

ينبش أبناء الجيل «زد» في صندوق الثمانينيات والتسعينيات بحثاً عن أغراض من الذاكرة (بكسلز)
ينبش أبناء الجيل «زد» في صندوق الثمانينيات والتسعينيات بحثاً عن أغراض من الذاكرة (بكسلز)

في تنقيبه الدائم عن أغراضٍ من حقبة التسعينيات واعتماده موضة عام 2000، ربما يبحث الجيل «زد» عن هوية أو انتماء. فمواليدُ ما بين 1997 و2012، تَزامنت سنواتهم الأولى والعصر الذهبي للهاتف الذكي، كما نشأوا على ثقافة الإنترنت والتواصل الاجتماعي.

عندما يُصاب أبناء هذا الجيل بالحنين إلى زمنٍ لم يعرفوه، فهذا يعني أنهم على الأرجح متعبون من زمنهم الحالي. ووفق استطلاع أجرته شبكة «إن بي سي» الأميركية قبل أسبوعين، فإنَّ 47 في المائة من المستطلَعين المتراوحة أعمارهم ما بين 18 و29 عاماً، يؤثِرون العيش في حقبة ماضية مع أفضليَّة للثمانينيات والتسعينيات ومطلع الألفية الثانية. وقد برّروا خيارهم هذا بكونهم متعبين من التكنولوجيا و«السوشيال ميديا» والاتصال المستمر بشبكة الإنترنت.

باقتناء الهواتف القديمة يعبِّر الجيل «زد» عن تعبه من الهواتف المحمولة وسطوة الإنترنت (بكسلز)

حنين الجيل «زد» لـ«الكاسيت» والهاتف بأزرار

ليس من قبيل الصدفة أن تكون الهواتف المحمولة القديمة ذات الأزرار وتلك القابلة للطي وغير المجهّزة للاتصال بالإنترنت، قد شهدت عودة مدويّة في الآونة الأخيرة. ولا تتوقف نوستالجيا الجيل «زد» عند هذا الحدّ؛ بل تمتدّ إلى الملابس، والإلكترونيات، والكاميرات، والموسيقى، والأفلام، والمسلسلات، وألعاب الفيديو، والديكور، والسيارات، وحتى الهوايات. كما أنهم درجوا على تنظيم حفلات وسهرات ممنوعٌ فيها استخدام الهواتف، في وعي منهم بأهمية الحدّ من الإدمان على تصفّح الإنترنت ووسائل التواصل.

مَن كان يتخيّل أنّ شريط «الكاسيت» سيعود إلى الضوء بعد سنواتٍ على اندثاره، وأنّ سوق أسطوانات «الفينيل» سيرجع إلى أمجاده السابقة. يبدو أنّ الجيل الصاعد قد ملّ فعلاً من حَصرِ مصادر ترفيهه بآلة واحدة هي الهاتف الذكي وتطبيقاته الرقميّة، فراح ينبش وسائل التسلية التي كان يعتمدُها أهلُه في مراهقتهم وشبابهم.

عادت المسجّلة أو جهاز الراديو، ومعها الأسطوانات المدمجة (سي دي)، كما خرج «الووكمان» من أدراج النسيان. تخلَّى الجيل «زد» عن السمّاعات اللاسلكيّة، واسترجع تلك التي بأشرطة طويلة. وفجأة وجدت شركة «أبل» نفسها تصنّع «الآي بود» من جديد، نظراً للطلب المتزايد على هذا الجهاز الذي أبصر النور عام 2001، والذي يتيح الاستماع إلى الموسيقى من دون الاتصال بالإنترنت، وبعيداً عن إشعارات وسائل التواصل الاجتماعي.

يبحث الجيل «زد» عن وسائل تسلية كان يعتمدها أهلهم في مراهقتهم (بكسلز)

الجيل «زد» يُحيي «تتريس» و«غيم بوي»

وفق استطلاع أجرته شركة «هاريس بول» الأميركية عام 2023، عبّر 80 في المائة من أبناء الجيل «زد» المتراوحة أعمارهم حينذاك ما بين 18 و26 سنة، عن قلقهم من أنّ جيلهم يعاني التبعيّة المُفرطة للتكنولوجيا. وقد تَرافقَ ذلك مع اتّجاهٍ لدى عدد كبير من المستهلكين الشباب إلى اقتناء أغراضٍ لا تمتّ للحداثة بصِلة، مثل أشرطة الفيديو، وألبومات الصوَر، والكاميرات ذات الاستخدام الواحد، وكاميرات تصوير الفيديو ذات الطراز القديم، إضافة إلى الألعاب الإلكترونية القديمة، مثل «تتريس»، و«غيم بوي».

عادت لعبة «تتريس» إلى الضوء على يد الجيل «زد» (بكسلز)

الجائحة أصابت الجيل «زد» بالحنين

إلى جانب التعب من سطوة الإنترنت، تُضاف إلى أسباب طفرة الحنين هذه عوامل أخرى، من بينها تردّدات جائحة «كورونا». ما بين 2020 و2022، وجد الجزء الأكبر من الجيل «زد» نفسه مرغماً على التعلّم عن بُعد، والتواصل مع الأصدقاء حصراً عبر الهاتف. بمواجهة تلك العزلة، بدأ البحث عن سبُلٍ للتكيّف مع الواقع الجديد، كان من بينها استكشاف حقبة التسعينيات ومطلع الألفية الثانية، عندما لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي موجودة بعد.

لردّ الفعل هذا تفسيرٌ نفسيّ، ففي أوقات الاضطراب وانعدام الأمان يبدو الماضي مكتمل الملامح، وبسيطاً ومنظَّماً، مقارنة مع القلق والخوف الناتجَين عن الجائحة.

أيقظت جائحة «كورونا» فضول الجيل «زد» لاستكشاف حقبة زمنية أكثر أماناً (بكسلز)

لانغماس الجيل «زد» في الماضي أسبابٌ اقتصادية كذلك، فقد كانوا في طليعة المتضررين من الجائحة على المستوى المالي. مَن تَزامنَ انتشار الوباء مع دخولهم سوق العمل وتَعثّرِهم في إيجاد وظائف وفي سداد أقساطهم وإيجاراتهم، وجدوا أنفسهم مجرّدين من شبكة أمان مادّي. فأصبح الحنين إلى الماضي ملاذاً بالنسبة إليهم، لا سيما أنّ المخيّلة تُظهر الزمن الغابر على أنه منطقة أمان جميلة وهانئة.

وليس من باب الصُّدفة أنّ مسلسلاتٍ كثيرة من الثمانينيات والتسعينيات ومطلع الألفية الثانية عادت إلى الرواج بالتزامن مع الجائحة، من بينها «فريندز»، و«غيلمور غيرلز»، و«ذا سوبرانوز» كما أُعيد إنتاج «غوسيب غيرل» نظراً إلى فورة الإقبال على مواسمه السابقة من قِبَل الجيل «زد» تحديداً.

بالنسبة إلى الجيل «زد» صار كل قديم مرغوباً (بكسلز)

تفسير نفسي لحنين الجيل «زد»

استكملت شبكة «إن بي سي» استطلاع الرأي الذي أجرته مؤخّراً بحوارٍ مع عالم النفس كلاي روتليدج، الذي قال إنه «عندما تكثر الاضطرابات؛ كالجوائح، والحروب، والمخاوف من الذكاء الاصطناعي، أو غيرها من التغيرات الاجتماعية أو التكنولوجية أو الثقافية، يميل الناس للحنين إلى الماضي، كي يساعدهم في مواجهة مخاوفهم». وأضاف أنّ الغوص في ثقافة التسعينيات يمنح الجيل «زد» صورة عن العالم، قبل أن يصبح الإنترنت جزءاً لا يتجزّأ من حياتهم، وهو ما قد يكون جذّاباً ومريحاً.

ثلُثا مَن استطلعتهم شركة «هاريس بول» أفادوا بأنّ استكشافهم حقباتٍ سبقت مجيئهم إلى الدنيا، ساعدهم في تخطّي توتّرات الحياة العصريّة والقلق بشأن المستقبل. لذلك، لا يقتصر اهتمام الجيل «زد» على الأمور ذات الطابع المادي، كالملابس والأدوات العائدة إلى حقبة التسعينيات؛ بل ينسحب أيضاً على الهوايات والاهتمامات المعنويّة.

استكشاف الجيل «زد» حقبات ماضية يساعدهم في تخطِّي توتُّرات الحياة العصريَّة (بكسلز)

ألعاب الزمن الجميل

عادت إلى الرواج خلال السنوات القليلة الماضية هواياتٌ كلاسيكية؛ كالخياطة، والتطريز، وتدوين الخواطر، وجمع قصاصات الورق وصور الفنانين وملصقات الأفلام، و«البولينغ» (bowling)، و«البلياردو»، والتزلّج على اللوح (skateboard).

ومن خانة الذكريات، سحب الجيل «زد» كذلك الآلة الكاتبة القديمة، والكتب والمجلات الورقيّة، كبديلٍ عن قراءاتهم الإلكترونية، وألعاب «البورد غيمز» التقليدية، مثل الشطرنج، و«مونوبولي»، و«ريسك»، و«سكرابل»، وغيرها، مكتشفين متعة الألعاب الملموسة والواقعية، بعيداً عن تلك الافتراضية والمحصورة بالشاشات.

عادت إلى الضوء ألعاب مثل الشطرنج بعيداً عن ألعاب الفيديو (بكسلز)

ووفق دراسة نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، فإنّ الذكريات التي تحمل طابع الحنين غالباً ما تشكّل مصدراً للراحة والإلهام. «قضاء بضع دقائق في استحضار ذكرى عزيزة أو الاستماع إلى أغنية قديمة مألوفة يمكن أن يحسّن المزاج، ويعزّز الشعور بالانتماء، ويمنح معنى للحياة».

وخلُصت الدراسة إلى أنّ أبناء الجيل «زد» يستلهمون من الماضي لإثراء حاضرهم، لا سيما من خلال تقديرهم الحياة الواقعية بعيداً عن العالم الافتراضي.

لكنّ المُضحكَ المُبكي في الموضوع أنّ الجيل «زد» يستعرض هواية الغوص في الماضي على وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يشارك اكتشافاته من زمن ما قبل الإنترنت على الشاشات الافتراضيّة.


مصطفى الرزاز يستعيد عالمه الخاص في المرويات الشعبية والأسطورية

لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)
لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)
TT

مصطفى الرزاز يستعيد عالمه الخاص في المرويات الشعبية والأسطورية

لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)
لوحات الرزاز تتجاور فيها الكائنات ومشاهد الطبيعة (إدارة الغاليري)

في معرضه الجديد «شذرات من الفن والروح»، يفتح الفنان التشكيلي المصري مصطفى الرزاز أبواب عالم بصري حافل بالبشر والأزهار، والكائنات المألوفة والعجيبة في آن واحد. لتبدو الأعمال، التي تتجاوز مائة عملٍ فني، كأنها ومضات من حلم طويل مشبع بالروح الشعبية، تتجاور فيه الأسطورة مع الحياة البسيطة، تذوب فيه الحدود بين الإنسان والطبيعة والعناصر الزُخرفية.

في المعرض الذي يستضيفه غاليري «ببليوتك» (غرب القاهرة) حتى نهاية مايو (أيار) الحالي، يُعزز الدكتور مصطفى الرزاز عبر لغته التشكيلية حالة الحساسية البصرية الخاصة بالفن الشعبي؛ تلك البراءة المقصودة، والتبسيط، والمبالغة في الملامح، والزخارف المُكررة، بوصفها لغة جمالية تخاطب المتلقي، فلا تبدو أعماله وكأنها تستعيد التراث الشعبي بقدر ما تعيش وتتفاعل داخله.

من زوار المعرض (إدارة الغاليري)

تتفاوت مساحات اللوحات المعروضة بشكل كبير، ومن اللافت حضور أعمال بأحجام صغيرة تصل لحجم «المنمنمات» التي يقول الرزاز إنه استلهم فكرتها خلال إعداده للمعرض، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «وجدت نفسي أعود إلى حصيلة ستين عاماً من العمل الفني، فوجدت أعمالاً بمساحات صغيرة لم تكتمل، وظلّت أعمالاً مفتوحةً عبر سنوات طويلة، فعندما عدت إليها لإعداد المعرض، بدأت أنجزها بسعادة طفل دخل غرفة ألعابه». ولعل هذه الروح «الطفولية» قد وجدت صداها في أعمال المعرض، بما تحمله من فانتازيا، وتجاور حميم للكائنات، والعلاقة التلقائية بين اللون والزخرفة والأحلام.

يظهر بوضوحٍ المزج بين البراءة الكامنة في العناصر الشعبية والعوالم الأسطورية، فالوجوه هادئةٌ، واسعة العينين أو مغمضةٌ كأنها في حالة تأمل أو إنصات داخلي، فيما تبدو الكائنات المحيطة بها من طيور وخيول ونباتات وكأنها امتدادٌ لتلك الوجوه.

تكوينات النباتات والطيور في حوار بصري مع بطلة اللوحة المركزية (إدارة الغاليري)

وفي بعض الأعمال، خصوصاً تلك التي تحضر فيها الأسماك والنساء الريفيات، يبدو أن الرزاز يستدعي ذاكرةً مصريةً قديمةً مرتبطةً بالنهر والخصب والحياة اليومية، لتتجاور البيوت الطينية والخلفيات الريفية مع شخصيات أقرب إلى الأيقونات الشعبية.

من اللافت اعتماد الفنان على الموتيفات التي تمنح الأعمال روح الجداريات الشعبية ورسوم الحكايات القديمة، حتى الألوان نفسها تبدو حرارتها مشتقةً من فانتازيا الأساطير، مستدرجةً طاقات الطبيعة الحرة.

أيقونات شعبية ذات طابع فانتازي (إدارة الغاليري)

ولا تبدو العلاقات بين الكائنات والعناصر داخل اللوحات ناتجةً عن بناء صارم أو تخطيط مسبق، بقدر ما تتولد تدريجياً على سطح اللوحة، فكما يقول الرزاز: «أحياناً قد أبدأ برسم عصفور، أو نباتٍ يتسلّق عبر اللوحة، ثم تتداعى العناصر لاحقاً وفق حالة شعورية أريد أن أعكسها مثل التقابل أو التعاطف، فأرسم عبر ارتجالاتٍ تلتئم فيما بعد لتبني عناصر ومشاهد اللوحة»، وربما يفسر حديث الفنان ذلك الإحساس العضوي الذي تمنحه الأعمال، إذ تبدو العناصر وكأنها تنمو داخل اللوحة لا تُفرض عليها.

من أعمال الفنان التشكيلي مصطفى الرزاز (إدارة الغاليري)

كما يشير الفنان إلى انشغاله بتوجيه عين المتلقي داخل العمل، ليس من باب الإبهار البصري المباشر، بل عبر «خلق مسارٍ داخلي للحركة والتأمل، بحيث تتحرك العين وفق الفكرة الرمزية وراء اللوحة، لذلك تبدو نظرات البشر والكائنات الأخرى متشابكةً داخل شبكة من العلاقات، كأن الكائنات جميعها تتبادل النظر والإشارات، وتدعو المشاهد إلى الدخول في هذا النسيج البصري الهادئ، لا مجرد التطلع إليه من الخارج».

ففي إحدى اللوحات، على سبيل المثال، تبدو بطلة اللوحة وكأنها تخرج من قلب الطبيعة؛ فيتحوّل شعرها إلى خطوطٍ زخرفيةٍ، والطيور تكاد تحط على كتفيها أو تخرج من جسدها نفسه.

أعمال بحجم صغير تلفت الأنظار (إدارة الغاليري)

ينطلق الدكتور مصطفى الرزاز، الحائز على جائزة «النيل» الرفيعة في مصر عام 2017، في ممارسة الفن التشكيلي من الثقافة الموسوعية الواسعة، فقد تشكّل وعيه عبر قراءات ممتدة في التراث العربي القديم؛ عبر شغف مبكر بكتب مثل «الأغاني» للأصفهاني و«عجائب المخلوقات» للقزويني، كما يشير. وهي عوالم مشبعة بالحكايات والكائنات الغريبة والأساطير، بما جعل مخيلته البصرية تتكوّن بوصفها امتداداً لذاكرة سردية وشعبية طويلة.