داريا مدينة مُدمَّرة قرب دمشق تطلب ردَّ تضحياتها في إسقاط نظام الأسد

نموذج يفسر عدم عودة النازحين إلى مناطقهم حيث لا إعادة إعمار ولا تصليح للبنية التحتية

صبي يركب دراجة هوائية متضررة في حيٍّ تضرر جراء الحرب في داريا، إحدى ضواحي دمشق (نيويورك تايمز)
صبي يركب دراجة هوائية متضررة في حيٍّ تضرر جراء الحرب في داريا، إحدى ضواحي دمشق (نيويورك تايمز)
TT

داريا مدينة مُدمَّرة قرب دمشق تطلب ردَّ تضحياتها في إسقاط نظام الأسد

صبي يركب دراجة هوائية متضررة في حيٍّ تضرر جراء الحرب في داريا، إحدى ضواحي دمشق (نيويورك تايمز)
صبي يركب دراجة هوائية متضررة في حيٍّ تضرر جراء الحرب في داريا، إحدى ضواحي دمشق (نيويورك تايمز)

يقود محمد العباد، شاب نحيل يرتدي بنطال جينز أسود ونظارة شمسية، دراجته النارية عدة مرات أسبوعياً على تلة حصوية تراكمت من بقايا حيّه القديم المهشم في مدينة تقع على أطراف دمشق، العاصمة السورية.

في الأعلى، يتأمل مشهداً رملياً قاتماً شبيهاً بمشهد المريخ. لا يوجد ما يشير إلى أن هذا الحي كان يوماً ما مجتمعاً مزدهراً من منازل تقليدية من طابق واحد مبنية حول ساحات وحدائق صغيرة.

في الأفق، يرى عباد، البالغ من العمر 29 عاماً، أبراج الشقق في المزة، وهي منطقة سكنية راقية نسبياً في دمشق، نجت من الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاماً سالمة إلى حد كبير.

قال عباد في ظهيرة أحد أيام الصيف الأخيرة، وقد تصلب صوته: «لم يحدث شيء هناك». هناك، كما ترى، لم يكن هناك قصف، ولا إطلاق نار، لا شيء. جميعهم ممثلون، فنانون، أناسٌ أثرياء، مؤيدون للنظام. لم يلحق بهم مكروه، لم يمسوهم، لكنهم دمروا حياتنا. هذا يُغضبني بشدة.

كان حيّ «الخليج» القديم الذي سكنه عباد، في داريا، المدينة المُدمّرة كغيرها من مدن في أنحاء سوريا. إنعاش هذه المدينة هو أحد التحديات الرئيسية التي تواجهها الحكومة الجديدة التي لا تزال هشة. يجب عليها، بطريقة ما، حشد موارد هائلة للمساعدة في توفير المأوى وفرص العمل لملايين الأشخاص الذين يشعرون أنهم ضحّوا بكل شيء للإطاحة بحكومة الرئيس بشار الأسد، ولم تُستعد منازلهم أو حياتهم بعد.

طوابير للحصول على الأرز واللحم بداريا بعد أن أصبحت المبادرات المحلية والمطابخ الخيرية ضرورية لدعم الأسر في سوريا (نيويورك تايمز)

تقع داريا على بُعد نحو 30 دقيقة بالسيارة من وسط دمشق، لكنها عالمٌ مختلف، فهي واحدة من سلسلة مجتمعاتٍ ذات أغلبية سنية من الطبقة العاملة تُحيط بالعاصمة، التي شكّلت العمود الفقري للمعارضة في المنطقة ضد الأسد.

النظام، المُصمّم على جعل أماكن مثل داريا غير صالحة للعيش، أخضعها لغضبه الوحشي. قُصفت بالبراميل المتفجرة، وقُصفت بالغاز أحياناً، وحوصرت، وجُوّعت، وأُخليت من سكانها، ثم جُردت من كل ما يُحمل تقريباً. «تعفيش»، تُسمع مراراً وتكراراً بالعربية، أي «نهب».

قال محمد جناينة، رئيس بلدية داريا والمهندس المدني: «في البداية، كنا سعداء لأن دمشق لم تُدمر؛ إنها مدينة جميلة جداً. لكن عندما نعود إلى داريا، نشعر بالدمار. لا نتوقف عن سؤال أنفسنا: لماذا حدث هذا لداريا؟ لماذا كل هذا الدمار؟».

بعد الدوار الرئيسي عند مدخل داريا، تُعلّق لافتة على الشارع العريض تُنبه الزوار إلى احترام ذكرى الموتى. كُتب عليها: «الرجاء الدخول بهدوء، ففي كل خطوة كان هناك شهيد».

مسعفة تفحص طفلة داخل عيادة متنقلة أمام مبنى مدمر في داريا (نيويورك تايمز)

في عام 2011، قبل الحرب، صرّح رئيس البلدية في مقابلة بأن عدد سكان داريا بلغ 350 ألف نسمة، وكان العديد منهم من النجارين والكهربائيين وغيرهم من الحرفيين المهرة الذين يكسبون عيشاً كريماً في المصانع. استقطبت المنطقة المستشفى الوطني، الذي يضم 160 سريراً، أطباء وممرضين وعاملين في المجال الطبي، وكان يضم مجتمعاً زراعياً كبيراً.

تتاخم داريا قاعدة المزة الجوية، وهي منشأة عسكرية رئيسية تضم مركز احتجاز معروفاً بقسوته للسجناء السياسيين. خشيت القوات الحكومية من تسلل مقاتلي المعارضة إلى القاعدة من شوارع الخليج المتعرجة، التي يقطنها 40 ألف شخص، فقامت بهدم جميع المنازل لإنشاء منطقة عازلة.

كان وضع بقية داريا أفضل قليلاً. وقال السكان إن أسوأ حدث شهده يوم واحد كان مذبحة في أغسطس (آب) 2012، عندما اقتحم الجنود المدينة وقتلوا سكانها. قُتل ما لا يقل عن 700 شخص، وفقاً لياسر جمال الدين، المتحدث باسم قوات الدفاع المحلية.

درج مبنى مدمر في داريا الضاحية التي حوصرت لفترة طويلة وتضررت بشدة خلال الحرب الأهلية في سوريا (نيويورك تايمز)

بعد ذلك، فرّ نحو ثلاثة أرباع السكان. منع جنود النظام السكان من العودة، وطلبوا رشاوى ضخمة للسماح بمرور أي شيء عبر نقاط التفتيش، فارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية كالقهوة والسكر والدقيق والزيت ارتفاعاً جنونياً.

كانت داريا شبه خالية من السكان بين عامي 2016 و2019، عندما بدأ الجنود بالسماح للسكان بالعودة تدريجياً.

وصرح رئيس البلدية بأن عدد سكانها، الذي بلغ 25 ألف نسمة في ديسمبر (كانون الأول) عند سقوط النظام، يتجاوز الآن 150 ألف نسمة. ولا يزال نحو نصف المعتقلين، وعددهم 5400 شخص، في عداد المفقودين، بينما توفي 450 شخصاً في الحجز، وفقاً لنشطاء.

الدمار مُذهل. تصطف المباني السكنية المنهارة جزئياً في شارع تلو الآخر. وتتدلى كتل من الخرسانة، لا تزال مُثبتة على قضبان البناء، على الشوارع الفارغة كتمثال شيطاني متحرك. وقدّر تقرير للبنك الدولي صدر عام 2022 أن 43 في المائة من مساكن داريا قد دُمرت.

من حيث البنية التحتية والخدمات المتضررة، صنّف التقرير داريا أسوأ مدينة من بين المدن الأربع عشرة التي شملها المسح. يحتاج نحو ثلث شبكة طرقها إلى إصلاحات كبيرة. أدى القصف المتواصل إلى تدمير شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي. تسد الأنقاض أنابيب الصرف الصحي، فتتسرب النفايات إلى الأرض. سبعة من أصل ثمانية مرافق صحية معطلة تقريباً. والمستشفى الوطني أصبح هيكلاً فارغاً.

عائلة تتجمع في ما تبقى من شقتها المدمرة بداريا إحدى ضواحي دمشق (نيويورك تايمز)

بعد فراره إلى الخارج عام 2013، عاد رئيس البلدية عام 2020؛ قال: «عندما عدت أول مرة، كنت أتجنب داريا. لم أكن أرغب في رؤية الدمار؛ كان الأمر صادماً. عندما ترى منزلك، وكل ما عملت من أجله، مدمراً بالكامل، تشعر باكتئاب شديد».

داريا مثالٌ نموذجيٌّ على سبب قلة عدد العائدين من بين ملايين اللاجئين. فهم لا يملكون منازل ولا وظائفَ يعودون إليها، وعادةً ما يفتقرون إلى الموارد اللازمة لإعادة الإعمار. في جوبر، حيٌّ من أحياء دمشق المُدمَّرة مثل داريا، لم يُسمح للسكان بالعودة إلا مؤخراً.

بعد خطبة صلاة الجمعة الأخيرة، احتشد المصلون للمطالبة بإعادة الإعمار. وثار جدلٌ حول ما إذا كان ينبغي الضغط على الحكومة أم منحها المزيد من الوقت.

كان المسجد أشبه بلوحةٍ بريديةٍ من الدمار. حثّ إمامه عمر ربيعة، الواقف أمام جدارٍ خرسانيٍّ عارٍ، الحكومة على حماية العائدين وبناء منازلهم. وقال: «منذ التحرير، ننتظر حلولاً عمليةً تُبيّن لأبنائنا أن شيئاً ما يتغير». وحذّر المصلين من الاستياء من أولئك الذين يملكون المال لإعادة الإعمار. وقال: «لن يُبنى هذا البلد على كل هذه الضغائن».

صرح وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، مؤخراً، وهو اقتصادي بارز، بأنه لن تكون هناك أموال عامة لإعادة الإعمار في أي وقت قريب، وأن الحكومة تتطلع إلى القطاع الخاص. وقال في مقابلة قصيرة: «نحن بحاجة إلى الابتكار».

لكن السكان قلقون من أنه ما لم تُصلح الحكومة البنية التحتية الأساسية، سيتردد المستثمرون من القطاع الخاص في البناء.

العائدون الفقراء إلى مساكن متهالكة

قالت هند صادق، البالغة من العمر 55 عاماً، وهي أم لعائلة مكونة من سبعة أفراد تعيش على أرضية إسمنتية في إحدى الغرف التي تم ترميمها: «ليس لدينا مكان نذهب إليه، هذا منزلنا». تنتشر ثقوب الرصاص على جدران المبنى، ومعظم الغرف عبارة عن مسار عوائق من الأنقاض المحطمة والنوافذ المكسورة، تبرز الأنابيب المتشققة والقضبان بزوايا غريبة.

عادت ست عائلات إلى ما كان في السابق 24 شقة في مبنى عائلي من ستة طوابق. لا أحد يخرج ليلاً، حين لا يوجد أناس ولا سيارات ولا إنارة في الشوارع المظلمة، فقط قطعان الكلاب الضالة تجوب الشوارع. قالت صادق: «لا يزال الوضع أفضل من العيش في ظل النظام السابق».

خديجة القرة بين أنقاض منزلها السابق في داريا (نيويورك تايمز)

وافقتها الرأي خديجة القرة، شقيقة زوجها. قالت إنها تبلغ من العمر 51 عاماً، ثم أضافت: «بالنظر إلى ما رأيته (في سنوات الحرب)، يجب أن يكون عمري 500». وعندما سُئلت عن تأثير العيش وسط الدمار الشامل على مزاجها، قالت: «لقد اعتدنا على ذلك. الدمار يعكس حياتنا».

يستأجر عباد الآن منزلاً في داريا، ولكن عندما يشتد غضبه حيال منزله المدمر، يقفز على دراجته النارية ليشعر، ولو جسدياً، بقربه من حياته السابقة، قال: «نأتي إلى هنا لتخفيف الضغط عن قلوبنا».

وقال إنه بدون مساعدة، لا يمكن للحي أن ينتعش. «قد يستغرق الأمر 20 عاماً. الأمر لا يقتصر على داريا فقط، بالطبع - إنه كذلك في كل أنحاء سوريا».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الرئاسة السورية تعلن حصرية الإعلان عن الزيارات «عبر القنوات الرسمية»

المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)

الرئاسة السورية تعلن حصرية الإعلان عن الزيارات «عبر القنوات الرسمية»

قالت مديرية الإعلام في رئاسة الجمهورية لوكالة سانا، اليوم الخميس، إن الإعلان عن زيارات الرئيس أحمد الشرع يتم حصراً عبر القنوات والمنصات الرسمية.

«الشرق الأوسط» (دمشق - واشنطن)
شؤون إقليمية مواجهة العدو من «الشمال الشرقي»... تعهد القائد الجديد لإسرائيل في سوريا

مواجهة العدو من «الشمال الشرقي»... تعهد القائد الجديد لإسرائيل في سوريا

عين قائد جديد للجيش الإسرائيلي على الجولان المحتل هو العقيد «ي»، الذي وعد بأن يكمل مسيرة سلفه في تعزيز سيطرته ومواصلة القيام في «مبادرات لمباغتة العدو».

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي الرئيس ترمب مستقبلاً نظيره السوري أحمد الشرع بالبيت الأبيض في نوفمبر الماضي (الرئاسة السورية)

مصدر دبلوماسي: الشرع تلقى دعوة لزيارة واشنطن منتصف يونيو

تلقى الرئيس السوري أحمد الشرع دعوة لزيارة الولايات المتحدّة في 14 يونيو، وفق ما أفاد به مصدر دبلوماسي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، اليوم (الخميس)، وذلك بعد أشهر

«الشرق الأوسط» (دمشق)
رياضة عربية فراس تيت قال إن الأموال ليست مجمدة بالمعنى الحقيقي (الاتحاد السوري)

من الأموال المجمدة إلى فوضى الإدارة... ما الذي يحدث في الاتحاد السوري لكرة القدم؟

يواجه الاتحاد السوري لكرة القدم انتقادات لاذعة ومتصاعدة على خلفية أزمات إدارية متلاحقة حمّلها كثير من المهتمين بالشأن الرياضي لضعف التخطيط وغياب الشفافية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي إحياء ذكرى «يوم الحزن» الشركسي 21 مايو أمام قلعة حلب شمال سوريا (قبائل الشركس في سوريا)

«شركس الجولان» يتمسكون بمواطَنتهم السورية أمام استفزازات إسرائيل

جدَّد السوريون الشركس موقفهم الرافض لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مايو (أيار) الماضي، التي وصف فيها الدروز والشركس بأنهم «إخوة في الدم...».

موفق محمد (دمشق)

الرئاسة السورية تعلن حصرية الإعلان عن الزيارات «عبر القنوات الرسمية»

الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)
TT

الرئاسة السورية تعلن حصرية الإعلان عن الزيارات «عبر القنوات الرسمية»

الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)
الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)

قالت مديرية الإعلام في رئاسة الجمهورية لوكالة «سانا»، اليوم الخميس، إن الإعلان عن زيارات الرئيس أحمد الشرع يتم حصراً عبر القنوات والمنصات الرسمية.

ودعت المديرية وسائل الإعلام كافة إلى الاعتماد على المصادر الرسمية في استقاء المعلومات، حرصاً على دقة المعلومة.

ويأتي ذلك، بعد أن تداولت بعض الوسائل الإعلامية والصفحات خبراً يفيد بتلقي الرئيس الشرع دعوة لزيارة واشنطن منتصف يونيو (حزيران) الحالي، نقلاً عن مصادر دبلوماسية لم تسمها.

وفي سياق متصل، صرح مسؤول في البيت الأبيض معلقاً على خبر الدعوة الذي جرى تداوله في الإعلام اليوم: «هذا الاجتماع ليس مدرجاً على جدول الأعمال في الوقت الحالي». وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «ومع ذلك، تربط الرئيس ترمب والرئيس الشرع علاقة قوية، وهما على اتصال دائم كلما دعت الحاجة».

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية»، عن مصدر دبلوماسي، اليوم (الخميس) أنه قد تلقى الرئيس السوري أحمد الشرع دعوة لزيارة الولايات المتحدّة في 14 يونيو، وتابعت: «وقال المصدر الدبلوماسي، طالباً عدم كشف هويته، إن الرئيس الشرع تلقى دعوة لزيارة الولايات المتحدة في 14 يونيو»، من دون أن يؤكد ما إن كان سيسافر إلى الولايات المتحدة أم لا.

كما أفاد مصدر خاص لتلفزيون سوريا، الخميس، بأن الرئيس السوري أحمد الشرع يعتزم زيارة العاصمة الأميركية واشنطن، يوم الأحد المقبل، تلبية لدعوة وجهها إليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.


10 جرحى من طاقم مستشفى في مدينة صور جرّاء غارة إسرائيلية

صورة التُقطت من المنطقة الجنوبية لمدينة صور تُظهر تصاعد الدخان من مواقع غارات إسرائيلية على قرية القليلة في 10 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
صورة التُقطت من المنطقة الجنوبية لمدينة صور تُظهر تصاعد الدخان من مواقع غارات إسرائيلية على قرية القليلة في 10 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

10 جرحى من طاقم مستشفى في مدينة صور جرّاء غارة إسرائيلية

صورة التُقطت من المنطقة الجنوبية لمدينة صور تُظهر تصاعد الدخان من مواقع غارات إسرائيلية على قرية القليلة في 10 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
صورة التُقطت من المنطقة الجنوبية لمدينة صور تُظهر تصاعد الدخان من مواقع غارات إسرائيلية على قرية القليلة في 10 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

أُصيب 10 من طاقم مستشفى في مدينة صور، جنوب لبنان، جرّاء غارة إسرائيلية على محيطه، الخميس، كما أفاد رئيس مجلس إدارته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتتعرّض صور الساحلية، التي تُعدّ من كبرى مدن جنوب لبنان وتؤوي آلاف النازحين من القرى المجاورة لها، لضربات إسرائيلية مكثّفة منذ بدء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» في الثاني من مارس (آذار)، لم يحدّ منها وقف إطلاق النار المعلن في 17 أبريل (نيسان)، والذي لم يغيّر كثيراً على أرض الواقع.

وأصدر الجيش الإسرائيلي مطلع الأسبوع إنذار إخلاء شمل المدينة كاملة، ما أرغم بعض من بقي فيها على المغادرة.

وتضمّ المدينة 3 مستشفيات ما زالت تعمل، لكنّها تعرّضت جميعها لأضرار جرّاء الضربات الإسرائيلية.

وقال رئيس مجلس إدارة مستشفى حيرام الطبي، الدكتور سلمان عيديبي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن غارة إسرائيلية «اليوم استهدفت منطقة تبعد نحو 15 متراً فقط عن المستشفى، ما أدى إلى إصابة 10 أشخاص من أفراد الطاقم التمريضي والإداري بجروح متفاوتة».

وأضاف أنها «المرة السادسة» التي يتعرّض فيها «محيط المستشفى لغارات إسرائيلية منذ بداية الحرب» بين إسرائيل و«حزب الله» في 2 مارس.

وأشار إلى أن الضربة تسبّبت كذلك في أضرار مادية في سيارات الأطباء والموظفين المتوقفة في موقف السيارات قبالة موقع الاستهداف، فضلاً عن تحطم عدد من النوافذ داخل المبنى.

ولم تسلم المستشفيات في جنوب لبنان عموماً من الضربات الإسرائيلية منذ بدء الحرب في 2 مارس، وهو ما ندّدت به وزارة الصحة مراراً.

ومطلع يونيو (حزيران)، تعرّض مستشفى جبل عامل في مدينة صور أيضاً لأضرار كبيرة جرّاء غارات إسرائيلية في محيطه، وأدّت وفق وزارة الصحة إلى مقتل 4 أشخاص وإصابة 127 شخصاً من بينهم 39 من طاقمه.

وفي 31 مايو (أيار)، أدّت غارة إسرائيلية على محيط مستشفى حيرام أيضاً إلى إصابة 13 شخصاً من طاقمه بجروح، وتسببت في أضرار كبيرة فيه، وفق وزارة الصحة التي قالت إن المستشفى سبق أن تضرّر جراء غارات أخرى على محيطه خلال الحرب.

وبالمجمل، أحصت وزارة الصحة تضرّر 17 مستشفى جراء الغارات الإسرائيلية في حين أُغلقت 3 مستشفيات منذ بدء الحرب، بالإضافة إلى مقتل 132 مسعفاً وعاملاً في القطاع الصحي بضربات إسرائيلية.

وقُتل أكثر من 3700 شخص على الأقل منذ اندلاع الحرب في لبنان، وفق آخر حصيلة لوزارة الصحة.


إسرائيل تتقدم في جنوب لبنان نحو آخر مرتفعات النبطية والجليل

علم للجيش الإسرائيلي على أنقاض مبانٍ مدمرة في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
علم للجيش الإسرائيلي على أنقاض مبانٍ مدمرة في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تتقدم في جنوب لبنان نحو آخر مرتفعات النبطية والجليل

علم للجيش الإسرائيلي على أنقاض مبانٍ مدمرة في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (إ.ب.أ)
علم للجيش الإسرائيلي على أنقاض مبانٍ مدمرة في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

تقدّم الجيش الإسرائيلي، الخميس، مجدداً في محيط مدينة النبطية، جنوب لبنان، في مسعى للوصول إلى مرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية التي واظب على قصفها بعشرات الغارات على مدى العامين الماضيين، وسط اعتقادات أمنية لبنانية بأنه يهدف إلى بلوغ أنفاق ومنشآت لـ«حزب الله» فيها.

ويأتي هذا التقدم بعد تقدم استراتيجي مشابه قبل أسبوعين، حيث وصل إلى قلعة الشقيف الاستراتيجية الواقعة شرق النبطية، قبل أن يبدأ بالتمدد في محيطها، بهدف الوصول إلى تلة علي الطاهر، وهي واحدة من آخر المرتفعات الاستراتيجية المطلة على مدينة النبطية من الغرب، وتشرف على البلدات اللبنانية المحتلة من قبل إسرائيل، وتصل في بعض النقاط إلى الإشراف على مستوطنات وبلدات الجليل، شمال إسرائيل، في القطاع الشرقي.

تقدم جديد

ورُصدت آليات عسكرية وجرافات إسرائيلية في موقع الزفاتة في بلدة كفرتبنيت، الواقعة شرق النبطية، وتتضمن الطريق الرئيسي الذي يربط مرجعيون بالنبطية، كما تحدثت معلومات عن السيطرة على الأحياء الشرقية في بلدة كفرتبنيت ووسطها، وسط دمار واسع. كما أفادت وسائل إعلام محلية بتقدم الدبابات إلى بلدة النبطية الفوقا الواقعة جنوب شرقي مدينة النبطية، انطلاقاً من كفرتبنيت.

وقالت مصادر أمنية في جنوب لبنان، إن التقدم باتجاه النبطية الفوقا «تستهدف منه القوات الإسرائيلية توسعة منطقة الأمان الناري، لمنع مقاتلي (حزب الله) من إطلاق المسيرات والصواريخ الموجهة باتجاه المدرعات الإسرائيلية»، وأشارت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذه التوسعة «تعني محاولة لإبعاد المقاتلين من منطقة الشقيف ومحيطها، بما يمكن المدرعات والآليات من التقدم إلى المرتفعات من دون استهدافها».

أما الوصول إلى موقع الزفاتة، وهو مربض مدفعي سابق كانت القوات الإسرائيلية تشغله قبل الانسحاب من جنوب لبنان في عام 2000، «فيعني أن الهدف هو احتلال مرتفعات علي الطاهر التي لا تبعد أكثر من كيلومترين عن موقع الوصول»، مضيفة أن احتلال التلة «هو هدف استراتيجي للقوات الإسرائيلية، على ضوء مواظبتها على قصفها خلال الأشهر الماضية، واستخدمت في استهدافها قنابل خارقة للتحصينات وأخرى ارتجاجية، مما يزيد الاعتقاد بأنها تسعى للدخول إلى منشآت يُعتقد أنها لـ(حزب الله) في باطنه».

قريبات لمقاتل في «حزب الله» يبكين على نعشه خلال دفنه في مقبرة مؤقتة في حارة صيدا بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

ومهّد الجيش الإسرائيلي لهذا التقدم ليل الأربعاء - الخميس، بقصف جوي مكثف استهدف المناطق الحرجية في الجرمق وكفرمان والتلال المشرفة على هذه التلة، منعاً لاستهداف المدرعات بالصواريخ الموجهة أو المسيرات. كما تكثّف القصف المدفعي على سائر المنطقة المحيطة، وهو تكتيك عادة ما تعتمده خلال محاولات التوغل في مناطق جديدة.

واستهدف القصف المدفعي الإسرائيلي خراج القطراني في منطقة جزين قرب مدرسة شبيل، كما شن الطيران الحربي 4 غارات على المكان ذاته، كما استهدفت المدفعية حرج علي الطاهر عند أطراف النبطية الفوقا، محيط مستشفى النجدة الشعبية في النبطية ومستديرة كفررمان، وهي مناطق قريبة من نقاط التوغل.

القطاع الغربي

تزامن هذا التوغل، مع توغلات أخرى هي بمثابة «جس نبض عسكري» لدفاعات «حزب الله» في منطقة المنصوري في القطاع الغربي، حيث رُصدت آليتان عسكريتان في بلدة المنصوري، وذلك بعد تقدمهما من بلدتي طيرحرفا وشمع، لكنهما سرعان ما عادتا أدراجهما إلى العمق.

وقال «حزب الله»، في بيانين منفصلين، إنه استهدف تجمّعات لآليات وجنود إسرائيليّين عند منطقة الرجمان في محيط بلدة طيرحرفا جنوب لبنان بالصواريخ.

وأفادت وسائل إعلام محلية بأن القوات الإسرائيلية حاولت التقدم من محور مثلث طير حرفا - الجبين باتجاه الوادي تمهيداً للدخول إلى مجدل زون، وذلك بالتزامن مع أكثر من 15 غارة جوية استهدفت مجدل زون ووادي حسن، إضافة إلى قصف مدفعي كثيف.

الدخان يتصاعد جراء غارة إسرائيلية استهدفت بلدة شوكين بمحيط النبطية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

واندلعت ليل الأربعاء - الخميس، مواجهات عنيفة مع عناصر من «حزب الله-، استخدمت خلالها القذائف الصاروخية وطائرة مسيّرة انقضاضية، ما أدى إلى تراجع قوات إسرائيل وانسحابها من المحور الذي تقدمت عبره.

وجدّدت مدفعية الجيش الإسرائيلي، صباح الخميس، قصفها لوادي حسن ومحيطه بقذائف ثقيلة من عيار 155 ملم، بالتزامن مع تحليق مكثف للطيران الحربي والطائرات المسيّرة في أجواء المنطقة.

قصف متواصل

بالموازاة، أسفرت غارة شنتها الطائرات الإسرائيلية على المبنى السكني في محيط مستشفى حيرام في مدينة صور، إلى مقتل شخص وإصابة 17 شخصاً بجروح بينهم 10 ممرضين وموظفين في المستشفى، جراء تطاير زجاج النوافذ والأبواب، إضافة إلى تضرر أسقف بعض غرف المرضى والطوارئ وألواح زجاج النوافذ، إضافة إلى تحطم سيارات الأطباء والموظفين في باحة المستشفى.

وصدر عن مركز عمليات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامة، بيان أعلن أن غارات إسرائيلية على بلدة طيردبا قضاء صور أدت إلى سقوط 9 قتلى بينهم سيدة و10 جرحى.

عمليات داخل لبنان

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي، الخميس، أن قوات اللواء 91 تمكنت من قتل 35 مسلحاً من «حزب الله» خلال تحركاتهم قرب القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان خلال الأسبوع الماضي. وأضاف البيان أن القوات دمرت منصة لإطلاق صواريخ كانت مخبأة بين الأشجار، كما قتلت مسلحاً آخر في المنطقة خلال اليوم الماضي.

وأشار أيضاً إلى ضبط كميات من الأسلحة والذخائر، بينها صواريخ وقذائف RPG، في مواقع متفرقة ضمن العمليات العسكرية الجارية.

وصباحاً، قال الجيش الإسرائيلي ‌إن ‌قيادة ​الجبهة ‌الداخلية ⁠أصدرت ​توجيهاً احترازياً ⁠بعد رصد عمليات ⁠إطلاق ‌من ‌لبنان ​باتجاه ‌شمال إسرائيل، ‌وحث على ‌دخول المناطق المحمية عند تفعيل ⁠التحذير.