الكشف عن نتائج التحقيقات مع خلية «داعش» منفذة تفجير كنيسة مار إلياس بدمشق

بعد 8 أشهر وإحباطِ آخر في «السيدة زينب»

جانب من الدمار الذي أحدثه التفجير الانتحاري داخل كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة في دمشق يوم 22 يونيو (أ.ف.ب)
جانب من الدمار الذي أحدثه التفجير الانتحاري داخل كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة في دمشق يوم 22 يونيو (أ.ف.ب)
TT

الكشف عن نتائج التحقيقات مع خلية «داعش» منفذة تفجير كنيسة مار إلياس بدمشق

جانب من الدمار الذي أحدثه التفجير الانتحاري داخل كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة في دمشق يوم 22 يونيو (أ.ف.ب)
جانب من الدمار الذي أحدثه التفجير الانتحاري داخل كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة في دمشق يوم 22 يونيو (أ.ف.ب)

بعد 8 أشهر من تفجير كنيسة مار إلياس في الدويلعة بدمشق بهجوم انتحاري خلال يونيو (حزيران) الماضي، كشفت وزارة العدل السورية عن تفاصيل الهجوم؛ بدءاً من التخطيط، والتنفيذ، وحتى القبض على متهمين بالضلوع فيه.

وقالت الوزارة إن التحقيقات أدت إلى فتح سجلات تنظيم «داعش» والكشف عن هويات المنفذين والمخططين الرئيسيين للاعتداء. ووفق التحقيقات، فقد كان مقرراً تنفيذ تفجير آخر في منطقة السيدة زينب.

وقادت نتائج التحقيقات؛ المتعلقة بتفجير كنيسة مار إلياس للأرثوذكس في دمشق، إلى فتح سجلات تنظيم «داعش»، والكشف عن هويات المنفذين والمخططين الرئيسيين للعملية، وفق ما جاء في تقرير من قناة «الإخبارية السورية» الرسمية، أفاد بأن أبرز المتورطين هما: حسن رستم المعروف بـ«أبو وقاص» المكلف تنفيذ عمليات تفجير، وعبد الإله الجميلي الملقب «أبو خطاب» أو «أبو عماد»، الذي شغل منصب ما يسمى «والي الصحراء» في التنظيم، وكان من المخططين الرئيسيين للعملية. إضافة إلى ضلوعهم في التخطيط لاستهداف مقام السيدة زينب.

ووفق الاعترافات، فإن الخلية جاءت إلى ريف دمشق بعد سقوط النظام، ومكثت في حي الدويلعة نحو الشهر، وغادروه مستخدمين طرق تمويه صحراوية للوصول إلى مواقع الاستهداف، حاملين مواد متفجرة وأدوات تفجير، وحُدِّد توقيت تنفيذ تفجير الكنيسة قبل المغرب، على أن ينفَّذ تفجير انتحاري آخر بين المصلين بمقام السيدة زينب في الساعة الـ8 من مساء اليوم نفسه.

عناصر أمن سوريون خلال حملة اعتقالات 23 يونيو بعد تفجير كنيسة مار إلياس في اليوم السابق بدمشق (أ.ف.ب)

وفي تفاصيل التخطيط والتحضير للهجوم، نفذ أفراد الخلية جولات استطلاع عدة لدراسة موقع الكنيسة في حي الدويلعة الشعبي ذي الغالبية المسيحية، ورصد مسارات الدخول والخروج، وآلية التنفيذ، مع تلقيهم دعماً مالياً من قيادات التنظيم لتنفيذ العمليات، وفق ما كشفت عنه وزارة العدل، التي أكدت إحباط هجوم مماثل كان يستهدف مقام السيدة زينب جنوب العاصمة دمشق؛ بسبب الإجراءات الأمنية المشددة، ومنع وصول المنفذ الانتحاري إلى وجهته.

وأظهرت اعترافات حسن رستم «أبو وقاص» أنه ركب في مقعد السيارة الخلفي وراء المدعو «أبو هتون العراقي» - أحد قادة التنظيم والمسؤول عن تنظيم عمليتي؛ تفجير الكنيسة، وتفجير مقام السيدة زينب الذي قتل خلال إحباطه - بينما كان «أبو عماد» يقود السيارة.

وزارة الداخلية السورية تداهم وكر منفذي هجوم كنيسة مار إلياس بدمشق في يونيو الماضي (الإخبارية السورية)

واعترف المدعو «أبو وقاص» بعزمهم تنفيذ تفجير آخر في منطقة السيدة زينب، وبأنهم تلقوا مبالغ مالية من قيادات التنظيم لتنفيذ الجريمة.

وأوضح أن تفجير الكنيسة كان محدداً عند الساعة الـ5 مساء قبل المغرب، بينما كان من المقرر تنفيذ التفجير في منطقة السيدة زينب عند الساعة الـ8 مساء؛ وقت العشاء.

وأشار إلى أنهم توجهوا إلى الكنيسة أكثر من مرة، وجرى شرح الموقع ميدانياً: «هنا يتم التفجير، وهذا السلاح سيسلَّم لمجاهد، أو إن المجاهد عند دخوله الكنيسة يطلق النار على الموجودين ثم يفجر نفسه».

كما شرح تفاصيل المبنى وموقعه في السوق، وأنه ليس كسائر المباني؛ لوجود شبك معين، موضحاً مسارَيْ الدخول والخروج، وكيفية التحرك داخل المكان، ثم تفجير النفس في الموقع، لافتاً إلى أن المكان لم يكن فيه مصلون خلال ذلك الوقت.

وأضاف أنهم نزلوا من السيارات، ثم عادوا إلى المنزل وبقوا فيه فترة قصيرة، قبل أن يتواصل الجميلي مع «أبو هتون» لنقل تعليمات تتعلق بتفجير مقام السيدة زينب.

وأوضح أن الحديث شمل المسافة بين المنزل الأول والكنيسة، وأنه جرى التواصل مع «أبو هتون» عبر تطبيق «ماسنجر» بخصوص البارود، حيث قيل: «عند دخولك، كما أخبرناك، تطلق النار ثم تفجر نفسك».

وبين أنه وصل إلى محيط الكنيسة، ثم نزل من السيارة وابتعد قليلاً عنها، في حين كان محمد الجميلي ووالده العراقي يتابعان الوضع عبر موقع «فيسبوك»، مع احتمال تأجيل التنفيذ يومين أو 3 أو 4 أيام، ريثما تهدأ الأوضاع، لكن سرعان ما تم التفجير.

من جهته، كان المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، أوضح في مؤتمر صحافي بعد يومين من التفجير، أن وحدات الأمن السورية نفذت عملية نوعية في ريف دمشق، استناداً إلى معلومات أولية وبتنسيق مشترك مع جهاز الاستخبارات العامة، حيث استهدفت مواقع الخلية الإرهابية المسؤولة عن التفجير.

وأشار إلى أن أفراد الخلية الإرهابية قدِموا من «مخيم الهول»، وأن أحد العناصر الذين أُلقي القبض عليهم أدلى، خلال التحقيق، بمعلومات دقيقة عن أماكن وجود بقية أفراد الخلية وأوكارهم؛ مما أتاح تنفيذ سلسلة مداهمات أسفرت عن إلقاء القبض على جميع أفراد الخلية ومصادرة الأسلحة والمتفجرات التي كانت بحوزتهم.

وبخصوص الانتحاريين، أوضح البابا أن أحدهما نفذ التفجير في الكنيسة، بينما اعتُقل الثاني قبل تنفيذه عملية انتحارية في مقام السيدة زينب بريف دمشق، وأن كليهما ليس من الجنسية السورية، وإنما قَدِمَا من «مخيم الهول» بمساعدة المدعو «أبو عماد الجميلي».

هذا؛ وعدّت وزارة العدل السورية، في تقريرها الأخير، تفجير كنيسة مار إلياس «جريمة إرهابية خطيرة استهدفت السلم الأهلي وأمن المجتمع»، نفذها تنظيم «داعش»؛ بهدف إثارة الفتنة وزعزعة الاستقرار، معلنة عزمها تحريك الدعوى العامة بحق جميع الفاعلين والمساهمين، وإحالتهم إلى القضاء المختص، ليبقى الفصل النهائي بيد المحكمة الجنائية وفق القوانين النافذة.

وكانت كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة شهدت في 22 يونيو 2025 هجوماً انتحارياً أسفر عن مقتل 24 مدنياً من المصلين، وإصابة نحو 63 آخرين. وأعلنت وزارة الداخلية السورية حينذاك القبض على متزعم خلية تابعة لتنظيم «داعش» تقف وراء تفجير الكنيسة، إضافة إلى 5 عناصر، وقتل اثنين آخرين، وذلك في عملية أمنية نفذتها بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة في حرستا وكفربطنا بريف دمشق، حيث عُثر على سترات ناسفة وألغام ودراجات نارية مفخخة كانت مجهزة للتفجير.


مقالات ذات صلة

البرلمان السوري يُكمل ثلثه وينطلق الأسبوع المقبل

المشرق العربي رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحم يتلو قائمة الثلث المكمل لعضوية مجلس الشعب والمتضمنة أسماء 70 عضواً (سانا)

البرلمان السوري يُكمل ثلثه وينطلق الأسبوع المقبل

استكملت سوريا عضوية الثلث المتبقي في مجلس الشعب الانتقالي، بإعلان حصة الرئيس أحمد الشرع، أمس (الأربعاء)، على أن تعقد أولى الجلسات، منذ إطاحة الحكم السابق.

سعاد جرّوس (دمشق)
المشرق العربي مقر مجلس الشعب السوري (سانا)

الثلث المكمل لـ«مجلس الشعب»... توسيع التمثيل واحتواء القوى التقليدية واسترضاء للمرأة

مع إعلان استكمال تشكيل مجلس الشعب السوري، تجتاز المرحلة الانتقالية نقطة تحول مفصلية، تنهي حالة انتظار استكمال البنية القانونية اللازمة لتنظيم عمل مؤسسات الدولة

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي المتحدث باسم «الحرس الوطني» الرائد طلال عامر (متداولة)

تصاعد حالة «الانفلات الأمني» في السويداء ومطالبات ببسط سلطة الدولة

عزت مصادر في مناطق سيطرة «الحرس الوطني» في السويداء الصدامات بين الأفراد إلى «لانفلات الأمني وغياب سلطة القانون وتفاقم سوء الأوضاع المعيشية

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحم يتلو قائمة الثلث المكمل لعضوية مجلس الشعب والمتضمنة أسماء 70 عضواً (سانا)

انطلاق مجلس الشعب السوري الاثنين المقبل

الثلث المكمّل من أعضاء مجلس الشعب، الذي عيّنه الرئيس الشرع، يضم 5 من ذوي الاحتياجات الخاصة، و13 من المعتقلين السابقين، و16 امرأة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الاقتصاد رجل يقود دراجة نارية في قرية عابدين بمحافظة درعا في سوريا (أ.ب)

«زين» تقتنص رخصة اتصالات جديدة في سوريا بقيمة 747 مليون دولار

أعلنت الشركة العُمانية للاتصالات (عمانتل)، يوم الأربعاء، فوز مجموعة «زين» للاتصالات برخصة جديدة لتشغيل الهاتف المحمول في سوريا.

«الشرق الأوسط» (مسقط)

داخل «صولة الفجر»... عملية سرية لـ«فصل التوأم» بين بغداد وطهران

لقطة مأخوذة من فيديو وثَّقه ناشطون لدبابة عراقية داخل المنطقة الخضراء بالتزامن مع اعتقال مسؤولين بتهم فساد
لقطة مأخوذة من فيديو وثَّقه ناشطون لدبابة عراقية داخل المنطقة الخضراء بالتزامن مع اعتقال مسؤولين بتهم فساد
TT

داخل «صولة الفجر»... عملية سرية لـ«فصل التوأم» بين بغداد وطهران

لقطة مأخوذة من فيديو وثَّقه ناشطون لدبابة عراقية داخل المنطقة الخضراء بالتزامن مع اعتقال مسؤولين بتهم فساد
لقطة مأخوذة من فيديو وثَّقه ناشطون لدبابة عراقية داخل المنطقة الخضراء بالتزامن مع اعتقال مسؤولين بتهم فساد

كشفت مصادر حكومية وأمنية عن أن حملة الاعتقالات التي شنتها السلطات العراقية الأحد الماضي نُفذت ضمن مسارين متوازيين، أحدهما سري استهدف ما وصفته المصادر بـ«فصل التوأم» بين شخصيات مرتبطة بطهران داخل جماعات مسلحة وشبكات تهريب النفط وبين مؤسسات الدولة في بغداد.

وقالت المصادر إن رئيس الحكومة علي الزيدي ناقش تفاصيل الخطة قبل أسبوعين من ساعة الصفر بشكل سري مع «دائرة محدودة من كبار الضباط»، من دون إطلاع قادة «الإطار التنسيقي» على مجرياتها؛ وهو ما أدى إلى توتر داخل اجتماعهم الأخير في بغداد، وأعاد طرح أسئلة حول توازنات السلطة داخل التحالف الحاكم.

ووصف مسؤول أميركي سابق العملية «السرية» في بغداد بأنها «جراحة كبرى، من المبكر الحكم على نجاحها»، لكنها «جريئة بالنسبة لرئيس حكومة شاب جاء من المجهول»، محذراً من أن «رد فعل إيران لم يسمع بعد».

وبينما تركزت الخطة على أهداف داخل «المنطقة الخضراء» وسط بغداد، كانت قوات خاصة تتحرك بالتزامن في مناطق بعيدة لاستهداف مقرات ومنازل تابعة لشخصيات على صلة مباشرة بالنفوذ الإيراني. وقالت مصادر إن «جماعات مؤيدة لإيران تداولت تقديرات أمنية في بداية العملية بأن ما كان يجري هو انقلاب عسكري».

وأفاد مصدر بأن «عناصر الفصائل سمعوا كلمة (انقلاب) تتردد في أجهزة النداء الخاصة بهم لوقت محدود قبل أن تتضح الصورة».

كانت الحكومة العراقية قد أفصحت في بيانات عن حصيلة الحملة التي أُطلق عليها رسمياً «صولة الفجر». وأسفرت حتى الآن عن اعتقال العشرات من المتهمين باختلاس المال العام، بينما تعهدت هيئة النزاهة بمواصلة الاعتقالات، في حين تستكمل التحقيق مع الموقوفين.

وحظيت الحملة، التي نفذتها قوات نخبة من الجيش العراقي وجهاز مكافحة الإرهاب والفرقة الخاصة، باهتمام واسع في العراق. ويعتقد أن بث صور الأموال المخبأة في منازل ومزارع المتهمين، وتداول لقطات لدبابة تنفذ مناورة استعراضية في إحدى ساحات المنطقة الخضراء، كان رسالة لمنح المسار السري من الخطة الزخم المطلوب لإنجاحها، وللحد أيضاً من رد فعل جماعات مؤيدة لإيران، وفق مصادر.

وقال قيادي في فصيل شيعي لـ«الشرق الأوسط» إن «صولة الفجر» قد تكون غطاءً لتفكيك مجموعات المقاومة في العراق، واصفاً ذلك في حال صحته بأنه «عملية ذكية».

أفراد من الأمن العراقي يقومون بدورية في أحد شوارع بغداد 28 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

ساعة الصفر

وأكد أشخاص مطلعون على خطة اعتقال ما قيل إنهم «متهمون باختلاس المال العام» أن «طريقة تنفيذها وصنوف القوات المكلفة كانت سرية للغاية في المسارين على حد سواء».

وقال هؤلاء لـ«الشرق الأوسط» إن «الخطة كانت قد وُضعت قبل أسبوعين من موعدها»، في حين «قلّص رئيس الحكومة علي الزيدي دائرة النقاشات بشأنها إلى نحو 4 من قادة الأجهزة الأمنية»، دون إطلاع رؤساء الأحزاب والائتلافات في «الإطار التنسيقي»، التحالف الحاكم الذي رشحه للمنصب في أبريل (نيسان) الماضي.

وحددت السلطات «الساعة الثانية فجر يوم الأحد 30 يونيو (حزيران) 2026 موعداً لساعة الصفر». ورغم أن العملية بدأت، حسب مصادر موثوقة، بإغلاق بوابات المنطقة الخضراء ومداخل ومخارج بغداد، ونشر قوات في محيط مطار بغداد الدولي، فإن العملية المعنية بالمسار السري كانت قد انطلقت في الوقت نفسه في مناطق أخرى داخل بغداد وجنوب البلاد.

وقال مصدران أمنيان إن «قوات خاصة كانت تداهم، في وقت العملية، مواقع في شرق بغداد»، حيث تتمركز مقار تابعة لفصائل مسلحة موالية لإيران.

وداهمت «قوات نخبة» منازل ومقار بحثاً عن مطلوبين على مستوى عالٍ من الأهمية وأسلحة ووثائق، لكن عدداً منهم تمكن من الهرب قبل وقت قصير من وصول تلك القوات، حسب مصدرين مطلعين.

صورة متداولة تُظهر عجلات «همفي» عراقية عند أحد مداخل المنطقة الخضراء فجر 28 يونيو 2026

اتصال هاتفي

وقالت مصادر إن «القوات الأمنية استخدمت مدرعات وناقلات جنود ودبابات ومئات العناصر لمنح العملية زخماً كبيراً بهدف الردع؛ تحسباً للاحتكاك مع مسلحين على صلة بفصائل».

وأكدت مصادر أن «أحد المطلوبين كان يحظى بحماية نخبة من أمن (الحشد الشعبي)».

وقال مسؤولون إن «السلطات كانت قد أحكمت سرية المعلومات المتعلقة بالخطة وطريقة تنفيذها، إلا أن بعض المطلوبين حصلوا على تسريبات في وقت متأخر من شخصيات تنفيذية وسياسية».

وقال أحد هؤلاء: «نعم، تمكن البعض من الهرب بسبب علاقات خاصة وفَّرت لهم معلومات عن الاستهداف حتى قبل ساعة من الوقت المتوقع لوصول القوات».

ولسنوات، نجحت الجماعات المرتبطة بإيران في نسج شبكة واسعة من النفوذ داخل الدولة، عبر زرع شخصيات تتمتع بولاء مطلق لإيران.

إذا تأكدت هذه المعلومات، فإن اختراق مؤسسات إنفاذ القانون سيكون أكبر امتحان تواجهه خطط الحكومة لتقويض النفوذ الإيراني وشبكات الفساد المرتبطة به.

وقال حامد السيد، وهو سياسي عراقي، إن «نجاح حملة الاعتقالات يتطلب منع تسريب المعلومات التي توفر للمطلوبين فرصة للإفلات».

وتلقَّى ضباط وعناصر من جهات إنفاذ القانون أوامر قبل ساعات فقط من عملية «صولة الفجر» بالتحرك إلى أهداف من دون معلومات كافية عن هوياتها أو أماكن وجودها. وقال مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط»: «هناك مكالمات سريعة جرت».

وحسب مصدرين، فإن المسار العام للخطة كان مصمماً لاعتقال وجبة أولى من سياسيين تحوم حولهم شبهات فساد ويثيرون حنق الرأي العام منذ سنوات، في حين يركز المسار السري على قائمة شخصيات ضالعة في مد صلات «الحرس الثوري» الإيراني داخل مؤسسات الدولة الأمنية والنفطية. وقال مسؤول سياسي إن المسار الثاني كان هو «الصيد الثمين».

واعتقلت السلطات حتى الآن العشرات من المسؤولين التنفيذيين، لكن نائبَي وزير النفط علي معارج وعدنان الجميلي قد يكونان «الصيد الثمين» الذي قد يفكك شبكة متجذرة في بغداد تدير عمليات تهريب النفط الإيراني تحت غطاء عراقي.

وتستخدم شبكات التهريب وثائق مزورة لتمرير شحنات نفط عبر العراق، بما في ذلك خلط زيت الوقود العراقي بمنتجات إيرانية ثم تصديرها على أنها عراقية؛ وهو ما يتيح لطهران الالتفاف على العقوبات الأميركية، في حين يوفر عائدات لفصائل عراقية مسلحة موالية لإيران وشبكات مرتبطة بها.

وكانت وزارة الخزانة قد فرضت على معارج في 7 مايو (أيار) 2026 عقوبات جراء ما وصفته بـ«استغلال منصبه لتسهيل تحويل شحنات نفط لصالح إيران وفصائل عراقية موالية لها»، لكن العراق نفى الاتهامات.

ويعتقد على نطاق واسع في بغداد أن العقوبات الأميركية «نسفت أحلام معارج في الحصول على منصب وزير النفط»، وأن ترشيحه كان «هدية ثمينة تتوج نفوذ (الحرس الثوري) في بغداد».

ووصف دبلوماسي أميركي سابق رفض الكشف عن هويته العملية الأخيرة في بغداد بأنها «جراحة كبرى لفصل التوأم بين ممثلي إيران في العراق والمؤسسات الرسمية». وتابع: «من المبكر الحكم على نجاح العملية، لكن جرأة العملية مثيرة للإعجاب، وتمهد لمزاج مختلف في بغداد».

وتشهد الحملة الحكومية الآن حالة من التهدئة. وقال مسؤول سياسي لـ«الشرق الأوسط» إن السلطات تقيس الآن سقف القوة ومخاطر الاشتباك قبل استئناف العملية.

وقال حامد السيد إن «التراجع عن الحملة سيكون مكلفاً (...) لقد وضع الزيدي نفسه أمام خيار واحد: اصطياد زعماء سياسيين متهمين بالفساد».

إلا أن المسؤول السياسي أكد أن «المرحلة الثانية قد تكون قيد التنفيذ بينما نتحدث الآن، بشكل سري».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي (إعلام حكومي)

اجتماع عاصف

والاثنين الماضي، بعد يوم من «صولة الفجر»، عقد التحالف الحاكم اجتماعه الروتيني بحضور رئيس الحكومة. وقال مسؤولون سياسيون إن «قادة في التحالف أبلغوا الزيدي أنهم لا يعترضون على عمليات مكافحة الفساد، لكنهم اتفقوا منذ سنوات على تنسيق آلياتها».

ولم يكن الاجتماع هادئاً مع الزيدي، بسبب شعور عام داخل التحالف الحاكم بأن رئيس الوزراء غامر بتنفيذ العملية من وراء ظهرهم. وقال أحد قادة التحالف، وفق مصادر: «كان من الأفضل إشراكنا في الخطة حفاظاً على استقرار العملية السياسية». ورد الزيدي بالقول: «ما ضمانات عدم تسرب المعلومات إذا أبلغتكم؟».

وتصاعدت حدة النقاشات حين اتهم أحد أعضاء التحالف الحاكم بأن الحملة تستهدف نفوذ كتلته في البرلمان. ونقلت مصادر أنه «اعترض على محاصرة منزل قيادي في تحالفه السياسي»، عادَّاً ذلك «إجراءً مرهباً».

ويظهر هذا النمط من النقاشات تحولاً في طبيعة التوازنات داخل التحالف الحاكم. وقال قيادي في حزب شيعي متنفذ إن «الاجتماع الأخير مع الزيدي كان غريباً بعض الشيء (...) كما لو أنه يخسر احتكار الديناميكيات والفاعلية التي تنتج القرار السياسي».

وقال عضوان في التحالف الحاكم إنهما «شاهدوا الزيدي متماسكاً وهادئاً بعد الاجتماع العاصف في بغداد».

ومع ذلك، يحاول رئيس الحكومة استعادة شيء من التوازن بهدف «استمرارية الحملة». وقالت مصادر إن «الحملة الآن دخلت استراحة ما بين الشوطين».

وحسب قيادي كردي، فإن «الزيدي، الذي يحظى بدعم غير مسبوق من المبعوث الأميركي توم براك، يطمح إلى تحقيق مكاسب من الزيارة المرتقبة إلى واشنطن». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الرجل يريد أن يأخذ حقائب فارغة إلى واشنطن ليعيدها ممتلئة إلى بغداد»، في إشارة مجازية إلى تعزيز موقعه السياسي.

وقال الدبلوماسي الأميركي السابق إن الزيدي ربما يتوقع أن يكون «نجم السهرة» في البيت الأبيض حين يلتقي الرئيس دونالد ترمب منتصف يوليو المقبل، إلا أن بلوغ هذا المستوى من ممارسة السلطة في نظام سياسي متشظٍ قد يكون سلاحاً ذا حدين إذا لم يتسم بالحذر.


الشيباني من بيروت: منفتحون على لقاء «حزب الله» إذا اقتضت المصلحة

الرئيس اللبناني مستقبلاً الشيباني (رئاسة الجمهورية على «إكس»)
الرئيس اللبناني مستقبلاً الشيباني (رئاسة الجمهورية على «إكس»)
TT

الشيباني من بيروت: منفتحون على لقاء «حزب الله» إذا اقتضت المصلحة

الرئيس اللبناني مستقبلاً الشيباني (رئاسة الجمهورية على «إكس»)
الرئيس اللبناني مستقبلاً الشيباني (رئاسة الجمهورية على «إكس»)

فتح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الباب أمام احتمال عقد لقاء مع «حزب الله» مستقبلاً، مؤكداً أن ذلك «ممكن إذا اقتضت المصلحة»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه لا يوجد أي لقاء مقرر مع الحزب خلال زيارته الحالية للعاصمة اللبنانية بيروت.

واستهل الشيباني زيارته بيروت اليوم (الخميس)، بلقاء مع الرئيس اللبناني جوزيف عون في قصر بعبدا، بحضور الوفد المرافق.

وأكّد عون للشيباني أنّ «لبنان متمسك بإقامة علاقات أخوية بين البلدين قائمة على التعاون والتنسيق وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكلا البلدين»، مؤكداً الحرص «على استقرار سوريا تماماً كما تحرص سوريا على استقرار لبنان».

وأعرب عن ارتياحه «للتنسيق بين البلدين لا سيما في مجالات ضبط الحدود ومنع تهريب الأشخاص والسلاح وكل ما هو مسيء لأمن البلدين».

وقال: «الرئيس الشرع أكد لي في أكثر من لقاء واتصال أن دور سوريا لن يكون مثل دورها في الماضي، وأن صفحة جديدة فُتحت بين البلدين لن تكون فيها سوريا مع طرف ضد آخر، بل إلى جانب جميع اللبنانيين».

كما رحّب بتشكيل اللجنة العليا بين البلدين للحفاظ على مصالح لبنان وسوريا على حد سواء.

ونقل الشيباني إلى الرئيس عون تحيات الشرع ودعوة رسمية لزيارة دمشق، مؤكداً أن زيارته تهدف إلى تعزيز العلاقات بين البلدين وتفعيل التنسيق لا سيما في المجال الاقتصادي.

من جهتها، قالت الخارجية السورية إن الشيباني والرئيس عون بحثا في التطورات الإقليمية والدولية وتعزيز العلاقات على أساس حسن الجوار.

دعوة رسمية لعون

في سياق متصل، أعلنت الرئاسة اللبنانية أن عون تلقى دعوة رسمية من الشرع لزيارة دمشق.

وتعدّ هذه الزيارة الثانية للشيباني إلى لبنان.

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في زيارته لمقر إقامة رئيس البرلمان اللبناني في بيروت (أ.ف.ب)

عين التينة... النقاش مع بري لم يتطرق إلى «حزب الله»

بعدها، توجه الشيباني إلى عين التينة للقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري.

وبعد اللقاء، أكد الشيباني أن «البحث تناول سبل تطوير العلاقات بين لبنان وسوريا»، نافياً أن «يكون ملف (حزب الله) قد طُرح خلال الاجتماع».

التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني (يسار) رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري في مقر إقامته في بيروت (أ.ف.ب)

ورداً على سؤال بشأن احتمال عقد لقاء مع «حزب الله»، قال الشيباني: «إذا اقتضت المصلحة لقاء (حزب الله)، فنحن منفتحون».

وشدد على أن «النقاش مع بري انحصر في كيفية تعزيز العلاقات بين البلدين».

وتوجه الشيباني بعدها إلى السراي الحكومي للقاء رئيس الحكومة نواف سلام.

وستشمل جولة الشيباني إلى جانب الرؤساء الثلاثة، وزير الخارجية يوسف رجّي وأقطاباً سياسيين.

نواف سلام مستقبلاً الشيباني (أ.ب)

وفي مايو (أيار)، أجرى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، زيارة لدمشق التقى خلالها الشرع وبحثا قضايا تتعلق بالأمن والنقل والطاقة.

ويشترك لبنان وسوريا في حدود تصل إلى 330 كيلومتراً، ويكثر عبرها تهريب الأشخاص والبضائع.


لبنان يستعين بالأميركيين لتثبيت «اتفاق الإطار»

إسرائيلي متشدد يلتقط صورة قرب عَلَمَي لبنان وإسرائيل مرفوعين على نصب تذكاري في بلدة المطلة المحاذية للحدود اللبنانية (أ.ب)
إسرائيلي متشدد يلتقط صورة قرب عَلَمَي لبنان وإسرائيل مرفوعين على نصب تذكاري في بلدة المطلة المحاذية للحدود اللبنانية (أ.ب)
TT

لبنان يستعين بالأميركيين لتثبيت «اتفاق الإطار»

إسرائيلي متشدد يلتقط صورة قرب عَلَمَي لبنان وإسرائيل مرفوعين على نصب تذكاري في بلدة المطلة المحاذية للحدود اللبنانية (أ.ب)
إسرائيلي متشدد يلتقط صورة قرب عَلَمَي لبنان وإسرائيل مرفوعين على نصب تذكاري في بلدة المطلة المحاذية للحدود اللبنانية (أ.ب)

يستعين لبنان بالولايات المتحدة لتثبيت نتائج «اتفاق الإطار» مع إسرائيل، لا سيما الانسحابات التي تم التوافق عليها، بعد مؤشرات إسرائيلية «مقلقة» حيال تأجيل العملية، واتخاذ خطوات مخالفة، كوضع بوابات عبور في المناطق التي تحتلها في جنوب لبنان.

وقالت مصادر لبنانية واسعة الاطلاع لـ«الشرق الأوسط» إن قائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» براد كوبر، «وضع مع المسؤولين اللبنانيين خلال زيارته الأخيرة الأسس التي سيتم اعتمادها في المناطق التجريبية التي ستنسحب منها إسرائيل». وكشفت المصادر عن أن أحد كبار مساعديه بقي في لبنان من أجل متابعة التنفيذ، موضحة أن لبنان «لم يتبلغ بتأجيل الانسحاب أو أي ما يخالف ما اتفق عليه مع الأميركيين».

جاء ذلك إثر قلق مسؤولين لبنانيين من إجراءات أمنية وتصريحات إسرائيلية، إذ أقام الجيش الإسرائيلي، أمس، بوابات وعزل منطقة الشريط الأمني الذي استحدثه داخل الأراضي اللبنانية عن العمق اللبناني، في أول إجراء عملي منذ عام 2000، ويتعزز بتأكيدات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن جيشه لن ينسحب من جنوب لبنان.