في عصر الذكاء الاصطناعي على الآباء التريّث بنشر صور أطفالهم

«برامج التعرية» توظف وجوه الصغار في عروض إباحية على الإنترنت

في عصر الذكاء الاصطناعي على الآباء التريّث بنشر صور أطفالهم
TT

في عصر الذكاء الاصطناعي على الآباء التريّث بنشر صور أطفالهم

في عصر الذكاء الاصطناعي على الآباء التريّث بنشر صور أطفالهم

على امتداد عقود، انخرط الآباء والأمهات في نقاشات حول مخاطر وفوائد نشر صور أطفالهم عبر الإنترنت ـ منذ تاريخ ظهور مواقع مشاركة الصور تقريباً. غير أنه مع اندماج شبكات التواصل الاجتماعي في نسيج المجتمع، أصبح ما يُعرف بـ«المشاركة» بمثابة العرف السائد. وبحسب دراسات عديدة، فإن ربع الآباء فقط لا يشاركون صور أطفالهم على الإنترنت، انطلاقاً من مخاوف من أن يقدم المتحرشون عبر الإنترنت أو الشركات، على جمع بياناتهم الشخصية.

التخوف من برامج «التعرية»

غير أن آباءً مثلي انضموا إلى معسكر «الامتناع التام عن النشر» بسبب تهديد أحدث: تطبيقات يمكنها تلقائياً توليد صور عارية مزيّفة لأي شخص باستخدام وجهه، عبر الذكاء الاصطناعي التوليدي: التكنولوجيا التي تشغّل برامج الدردشة الشهيرة.

ما يزيد الأمر تعقيداً أن هذه التطبيقات، التي يطلق عليها اسم «المُعرّيات» nudifier apps، بسيطة ورخيصة ويمكن لأي شخص استخدامها، وبعضها يقدّم نسخاً تجريبية مجانية.

وقد ألقيتُ من جانبي نظرة على بعضٍ منها. واتضح أنه يجري استخدام هذه التطبيقات على نطاق واسع من قبل طلاب في المدارس. وفيما يخص الضحايا، فإن وجود صور عارية مولدة اصطناعياً لهم على الإنترنت، كان صادماً لهم بالقدر نفسه كما لو كانت الصور حقيقية. ورغم أن قانوناً فيدرالياً جديداً يجرّم نشر الصور العارية المزيّفة من دون موافقة أصحابها، فإنه لا يوجد ما يمنع الأشخاص من استخدام تطبيقات «المُعرّيات» التي انتشرت بكثرة عبر الإنترنت. وبالفعل تجني عشرات المواقع من هذا النوع ملايين الدولارات سنوياً.

في هذا السياق، قال ألكسيوس مانتزارليس، مؤسس منصة «إنديكيتر» التكنولوجية، التي أجرت تحقيقاً بخصوص 85 موقعاً من هذه المواقع: «إنها (البرامج) في كل مكان. أي طفل لديه وصول إلى الإنترنت يمكن أن يكون ضحية أو جانياً».

وبالإضافة إلى صور الذكاء الاصطناعي المزيّفة، هناك مخاطر أخرى على صلة بنشر الصور ـ مثل احتمال كشف المعلومات الشخصية الحساسة الخاصة بالصغار أمام أشخاص يحملون نوايا سيئة ـ قد تدفع الآباء للتوقف عن نشر صور أطفالهم.

ولتوضيح الأمر، فإن قرار نشر الصور العائلية من عدمه يظل اختياراً شخصياً. وعليه، فإن هذا المقال ليس بأية حال إدانة للآباء الذين ينشرون صور أطفالهم.

حقائق عن تزييف الصور

لكن دعونا نشرح هنا لما يجب أخذه في الاعتبار عند نشر صور الأطفال على الإنترنت.

* انتشار الصور المزيفة العميقة (Deepfakes). في الواقع، فإن الصور العارية المزيّفة لأشخاص حقيقيين ليست بالأمر الجديد. على مدى سنوات، كانت تطبيقات تعديل الصور مثل «أدوبي فوتوشوب» قادرة على تعديل الصور لتبدو واقعية. غير أنه بسبب الوقت والمهارة المطلوبين لإنشاء تزييف مقنع، غالباً ما كان الضحايا من المشاهير.

وبعد ذلك، جاءت تطبيقات «المُعرّيات» المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، لتغير قواعد اللعبة. اليوم، المسيء يحتاج فقط لزيارة أحد المواقع ورفع صورة لضحاياه. وغالباً ما تقبل هذه التطبيقات الدفع عبر البطاقات الائتمانية أو العملات الرقمية، مقابل «رموز» افتراضية تُستخدم لإنتاج الصور العارية المزيّفة.

وحديثاً، اعتُبر نشر الصور المزيفة العميقة جريمة فيدرالية، عندما وقّع الرئيس دونالد ترمب «قانون الإزالة» (Take It Down Act) ـ مشروع قانون، يجرّم «الانتقام الإباحي»، بما في ذلك الصور العارية غير المصرح بها، والصور المولّدة بالذكاء الاصطناعي. ورغم أن القانون يُلزم منصات التواصل الاجتماعي بحذف الصور المخالفة، فإنه لا يمنع الشركات من طرح تطبيقات توليد هذه الصور.

* تطبيقات التعرية بين الحظر والانتشار. من جهتها، تحظر شركات معنية بشبكات التواصل الاجتماعي، مثل «سناب» و«تيك توك» و«ميتا»، الإعلان عن تطبيقات «المُعرّيات» على منصاتها، كما شرعت بعض الولايات في مناقشة تشريعات تحظر على الشركات تقديم هذه التطبيقات. ومع ذلك، فإنه حتى إذا حدث ذلك، فإن تنفيذ الحظر سيكون صعباً، بالنظر إلى أن الكثير من مطوري هذه التطبيقات يعملون من خارج البلاد.

بمعنى آخر، يمكن لأي شخص بسهولة استخدام تطبيق «مُعرّي» على صورة طفل والاحتفاظ بها، دون أن يعرف أحد.

وقد قدم أحد المواقع التي فحصتها طريقة للقيام بتجربة مجانية لتجريد شخص من ملابسه رقمياً في صورة واحدة، ثم عرض اشتراكاً بقيمة 49 دولاراً شهرياً، مقابل 600 نقطة (أي نحو 8 سنتات للصورة الواحدة). كما أتاح التطبيق للمستخدمين إنشاء رسوم متحركة إباحية.

في هذا الصدد، أوضح مانتزارليس أن عدداً كبيراً من الأشخاص يرفعون صوراً إلى هذه التطبيقات، التي تحقق للشركات المطوّرة لها نحو 36 مليون دولار سنوياً، بناءً على بيانات حركة المرور لمجموعة من المواقع.

ورغم أن القوانين الجديدة قد تجعل من الصعب على المعتدين مشاركة الصور المزيفة، فإن الضرر قد وقع بالفعل لكثير من الضحايا.

في الربيع الماضي، أبلغ طلاب في إحدى المدارس الثانوية شمال شرقي ولاية أيوا، مسؤولي المدرسة أن طلاباً آخرين استخدموا تطبيقات «المُعرّيات» لتوليد صور عارية مزيّفة لهم. وفي الوقت نفسه تقريباً، طرح مشرعون في ولاية مينيسوتا، بعد حوادث مشابهة هناك، مشروع قانون يستهدف الشركات التي تقدم تطبيقات أو مواقع «المُعرّيات».

ويعني ذلك كله للآباء أن المعتدين يمكنهم نسخ صورة لطفل من حسابك على وسائل التواصل الاجتماعي، ورفعها إلى تطبيق «مُعرّي». أو إذا كانوا على مقربة جسدياً، يمكنهم التقاط صورة للطفل ثم رفعها إلى الأداة. وفي الوقت الذي لا توجد وسيلة لمنع السيناريو الثاني، فإنه يمكن تجنب السيناريو الأول بعدم نشر صور أطفالك على الإنترنت.

الحسابات الخاصة وأعياد ميلاد الأطفال

* الحسابات الخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي ليست حلاً مثالياً. يمكن للآباء الراغبين بمشاركة صور أطفالهم على منصات التواصل الاجتماعي، تقليل المخاطر بشكل كبير عبر نشر الصور فقط على حساب يُسمح للأصدقاء المقربين وأفراد العائلة برؤيته. ومع ذلك، يظل هذا الحل محدوداً. فقد يكون أحد متابعي «إنستغرام» الذي يملك حق الوصول إلى ملفك الشخصي هو الجاني، كما ذكرت سارة غاردنر، مؤسسة مبادرة «هيت» ـ مجموعة مناصرة لسلامة الطفل. وأضافت: «مجرد امتلاكك لحساب خاص لا يعني أن شخصاً تعرفه لن يلتقط صورك ويفعل بها شيئاً ضاراً».

* حفلات أعياد الميلاد لا تخلو من المخاطر. إلى جانب عمليات التزييف العميق المُستخدمة في الذكاء الاصطناعي، لا تزال هناك تهديدات تقليدية يجب أخذها في الاعتبار، مثل سرقة الهوية.

قد تبدو حفلة عيد ميلاد طفل حدثاً مهماً يستحق النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن حتى هذا النوع من المشاركة التي تبدو بريئة قد يُعرّض الأطفال لأذى في المستقبل.

في هذا الصدد، قالت ليا بلانكيت، مؤلفة كتاب «التشارك» (Sharenthood)، الذي يتناول مشاركة معلومات الأطفال عبر الإنترنت، إن صور حفلة عيد الميلاد قد تكشف عن يوم وسنة ميلاد الطفل بالضبط ـ معلومات يُمكن دمجها مع بيانات أخرى جمعها المتسللون من خلال خروقات الأمن السيبراني لارتكاب سرقة الهوية.

ورغم أن هذا قد يبدو مستبعداً، تكشف الأرقام أن سرقات الهوية التي تشمل القاصرين ارتفعت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2021 و2024، مع تعرض هويات ما يقرب من 1.1 مليون طفل للسرقة سنوياً، بحسب لجنة التجارة الفيدرالية. (هذا تذكير جيد لجميع الآباء والأمهات بضرورة تجميد بطاقات أطفالهم الائتمانية).

طرق أقل خطورة

ولأي والد يفكر في نشر صور أطفاله، من المفيد أن يسأل: ما الفائدة المنتظرة؟

إن تطبيقات التواصل الاجتماعي، مثل «إنستغرام» و«سناب شات» و«تيك توك»، أدوات سهلة الاستخدام لمشاركة الصور ومقاطع الفيديو الرائعة، بكفاءة مع شريحة واسعة من الأشخاص الذين نهتم لأمرهم. ومع ذلك، يبقى المستفيد الحقيقي شركات التواصل الاجتماعي نفسها، التي تجمع البيانات لتحسين منتجاتها حتى تتمكن من حث الناس، بمن فيهم أطفالنا، على الاستمرار في استخدامها. وهناك طرق أقل خطورة لمشاركة صور أطفالنا. من جهتي، تتمثل طريقتي المفضلة في إرسال صور ابنتي إلى بعض الأصدقاء والأقارب عبر رسائل نصية مشفرة. ويشارك بعض الآباء ألبومات صور عائلية مع مجموعة صغيرة من الأشخاص الذين يستخدمون خدمات الإنترنت مثل iCloud من Apple وGoogle Photos.

في النهاية، أُدرك أن كل هذا قد يكون معركة خاسرة، فمثلاً تنشر الكثير من المدارس صور أطفالها على مواقع التواصل الاجتماعي لإظهار استمتاعهم بوقتهم... ومن بينهم صور أولادنا.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

في معرض «المنتجات الاستهلاكية»… هل تجاوزت تقنيات الصحة مفهوماً أوسع للعافية؟

تكنولوجيا شهد المعرض آلاف المنتجات الاستهلاكية توزعت في مختلف المعارض وقاعات الفنادق في لاس فيغاس بأكملها (أ.ب)

في معرض «المنتجات الاستهلاكية»… هل تجاوزت تقنيات الصحة مفهوماً أوسع للعافية؟

تبرز تقنيات الصحة بوصفها قطاعاً ناضجاً ينتقل من الأجهزة القابلة للارتداء إلى حلول وقائية منزلية شاملة، جامعة الذكاء الاصطناعي وسهولة الاستخدام لمراقبة العافية.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص تنسيق النماذج أصبح ضرورياً خصوصاً في بيئات المؤسسات التي تتطلب حلولاً متخصصة حسب القطاع (أدوبي)

خاص هل يلبّي نموذج «الذكاء الاصطناعي الواحد» متطلبات عالم متعدد الأجهزة؟

ينتقل الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على نموذج واحد إلى أنظمة ذكية متعددة تعمل بتنسيق عبر الأجهزة من خلال نظام «كيرا» من «لينوفو».

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد جناح «أرامكو الرقمية» في ملتقى الحكومة الرقمية (أرامكو)

«أرامكو الرقمية» تستعد لإطلاق الشبكة الصناعية الوطنية في السعودية

تعتزم «أرامكو الرقمية» إطلاق شبكتها الوطنية للاتصال الصناعي في النطاق الترددي 450 ميغاهرتز، المصممة لتمكين خدمات اتصال صناعية آمنة وعالية الاعتمادية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا في «CES 2026» الشركات لا تتنافس على السرعة… بل على من يقدّم أفضل تجربة ذكاء اصطناعي متكاملة (رويترز)

في لاس فيغاس... كيف تحوَّلت الحواسيب المحمولة إلى أجهزة ذكاء اصطناعي متكاملة؟

هيمنت الحواسيب الأصلية بالذكاء الاصطناعي على معرض «CES 2026» في مدينة لاس فيغاس مع أجهزة تعتمد التخصيص والسياق.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد العاصمة السعودية الرياض (واس)

التكنولوجيا المالية تقود إعادة تشكيل المنظومة الاقتصادية السعودية

يلعب قطاع التكنولوجيا المالية (فنتك) بالسعودية دوراً محورياً في مسار التحول الاقتصادي ودعم مستهدفات «رؤية 2030» الهادفة إلى تنويع الاقتصاد

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«غوغل» تزيل بعض ملخصات الذكاء الاصطناعي بسبب معلومات صحية زائفة

رجل يسير أمام شعار شعار «غوغل» (أ.ف.ب)
رجل يسير أمام شعار شعار «غوغل» (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تزيل بعض ملخصات الذكاء الاصطناعي بسبب معلومات صحية زائفة

رجل يسير أمام شعار شعار «غوغل» (أ.ف.ب)
رجل يسير أمام شعار شعار «غوغل» (أ.ف.ب)

أزالت «غوغل» بعض ملخصاتها الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بعد أن كشف تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» عن تعرض المستخدمين لخطر الضرر بسبب معلومات خاطئة ومضللة.

وقالت الشركة إن ملخصاتها المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي لتقديم لمحات سريعة عن المعلومات الأساسية حول موضوع أو سؤال معين، «مفيدة» و«موثوقة»، لكن بعض هذه الملخصات، التي تظهر في أعلى نتائج البحث، قدمت معلومات صحية غير دقيقة، مما عرَّض المستخدمين لخطر الضرر.

وفي إحدى الحالات التي وصفها الخبراء بأنها «خطيرة» و«مقلقة»، قدمت «غوغل» معلومات زائفة حول اختبارات وظائف الكبد الحاسمة، مما قد يجعل مرضى الكبد الخطير يعتقدون خطأً أنهم أصحاء.

ووجدت صحيفة «الغارديان» أن كتابة عبارة «ما هو المعدل الطبيعي لاختبارات الدم للكبد» تُظهر عدداً هائلاً من الأرقام، مع القليل من السياق، ودون مراعاة جنسية المريض أو جنسه أو عرقه أو عمره.

وفي سياق متصل، قال خبراء إن ما تُصنّفه خدمة «نظرة عامة على نتائج فحوصات الكبد» من «غوغل» على أنه طبيعي قد يختلف اختلافاً كبيراً عما يُعتبر طبيعياً في الواقع. وقد تؤدي هذه الملخصات إلى اعتقاد المرضى المصابين بأمراض خطيرة خطأً بأن نتائج فحوصاتهم طبيعية، مما يدفعهم إلى عدم حضور مواعيد المتابعة الطبية.

بعد التحقيق، أزالت الشركة خدمة «نظرة عامة على نتائج فحوصات الكبد» من نتائج البحث عن «ما هو النطاق الطبيعي لفحوصات الدم الخاصة بالكبد» و«ما هو النطاق الطبيعي لفحوصات وظائف الكبد».

وقال متحدث باسم «غوغل»: «لا نُعلّق على عمليات الإزالة الفردية من نتائج البحث. في الحالات التي تُغفل فيها خدمة «نظرة عامة على نتائج فحوصات الكبد» بعض السياق، نعمل على إجراء تحسينات شاملة، كما نتخذ الإجراءات اللازمة وفقاً لسياساتنا عند الاقتضاء».

وقالت فانيسا هيبديتش، مديرة الاتصالات والسياسات في مؤسسة «بريتيش ليفر ترست» الخيرية المعنية بصحة الكبد: «هذا خبر ممتاز، ويسرّنا أن نرى إزالة خدمة (نظرة عامة على نتائج فحوصات الكبد) من (غوغل) في هذه الحالات»، وتابعت: «مع ذلك، إذا طُرح السؤال بطريقة مختلفة، فقد تُعرض نتائج مُضللة من الذكاء الاصطناعي، ولا نزال قلقين من أن تكون المعلومات الصحية الأخرى التي يُنتجها الذكاء الاصطناعي غير دقيقة ومُربكة».

وجدت صحيفة «الغارديان» أن كتابة عبارات مُختلفة قليلاً عن الاستعلامات الأصلية في «غوغل»، مثل «النطاق المرجعي لاختبار وظائف الكبد» أو «النطاق المرجعي لاختبار وظائف الكبد»، تُؤدي إلى ظهور نتائج مُضللة من الذكاء الاصطناعي. وقد أعرب هيبديتش عن قلقه البالغ حيال ذلك.

وأفادت الصحيفة: «يُعدّ اختبار وظائف الكبد مجموعة من تحاليل الدم المُختلفة. إن فهم النتائج والخطوات التالية أمر مُعقد ويتطلب أكثر بكثير من مُقارنة مجموعة من الأرقام، لكن نتائج الذكاء الاصطناعي تُقدِّم قائمة بالاختبارات بخط عريض، مما يُسهّل على القراء إغفال أن هذه الأرقام قد لا تكون صحيحة بالنسبة لاختبارهم، بالإضافة إلى ذلك، لا تُحذّر نتائج الذكاء الاصطناعي من أن الشخص قد يحصل على نتائج طبيعية لهذه الاختبارات بينما يُعاني من مرض كبدي خطير ويحتاج إلى رعاية طبية مُستمرة. هذا التطمين الزائف قد يكون ضاراً للغاية».

إلى ذلك، أعلنت «غوغل»، التي تستحوذ على 91 في المائة من سوق محركات البحث العالمية، أنها تُراجع الأمثلة الجديدة التي قدمتها لها صحيفة «الغارديان».

وقال هيبديتش: «إنّ ما يُقلقنا أكثر هو التركيز على نتيجة بحث واحدة، فبإمكان (غوغل) ببساطة إيقاف ميزة (نظرة عامة على الذكاء الاصطناعي) لهذا السبب، لكن هذا لا يُعالج المشكلة الأكبر المتعلقة بهذه الميزة في مجال الصحة».

ورحّبت سو فارينغتون، رئيسة منتدى معلومات المرضى، الذي يُعنى بنشر المعلومات الصحية المبنية على الأدلة للمرضى والجمهور والعاملين في مجال الرعاية الصحية، بإزالة الملخصات، لكنها أعربت عن استمرار مخاوفها، وأضافت: «هذه نتيجة جيدة، لكنها مجرد خطوة أولى نحو الحفاظ على ثقة الجمهور في نتائج بحث (غوغل) المتعلقة بالصحة. لا تزال هناك أمثلة كثيرة على تقديم (غوغل) لمعلومات صحية غير دقيقة من خلال ميزة (نظرة عامة على الذكاء الاصطناعي)».

ومن جانبها، رحَّبت سو فارينغتون، رئيسة منتدى معلومات المرضى، الذي يُعنى بنشر المعلومات الصحية القائمة على الأدلة للمرضى والجمهور والعاملين في مجال الرعاية الصحية، بإزالة الملخصات، لكنها أعربت عن استمرار مخاوفها. وقالت: «هذه نتيجة جيدة، لكنها مجرد خطوة أولى نحو الحفاظ على ثقة الجمهور في نتائج بحث (غوغل) المتعلقة بالصحة. لا تزال هناك أمثلة كثيرة على استخدام (غوغل) لتقنية الذكاء الاصطناعي لتقديم معلومات صحية غير دقيقة»، وأضافت فارينغتون أن ملايين البالغين حول العالم يُعانون بالفعل من صعوبة الوصول إلى معلومات صحية موثوقة.

وأوضحت «غوغل» أن ملخصات الذكاء الاصطناعي لا تظهر إلا في نتائج البحث التي تتمتع فيها بثقة عالية بجودة الإجابات. وأضافت الشركة أنها تقيس وتراجع باستمرار جودة ملخصاتها عبر فئات معلوماتية متنوعة.

وفي مقال نُشر في مجلة محركات البحث، قال الكاتب البارز مات ساذرن: «تظهر ملخصات الذكاء الاصطناعي أعلى نتائج البحث المصنفة. وعندما يتعلق الأمر بالصحة، تُؤخذ الأخطاء بعين الاعتبار بشكل أكبر».


في معرض «المنتجات الاستهلاكية»… هل تجاوزت تقنيات الصحة مفهوماً أوسع للعافية؟

شهد المعرض آلاف المنتجات الاستهلاكية توزعت في مختلف المعارض وقاعات الفنادق في لاس فيغاس بأكملها (أ.ب)
شهد المعرض آلاف المنتجات الاستهلاكية توزعت في مختلف المعارض وقاعات الفنادق في لاس فيغاس بأكملها (أ.ب)
TT

في معرض «المنتجات الاستهلاكية»… هل تجاوزت تقنيات الصحة مفهوماً أوسع للعافية؟

شهد المعرض آلاف المنتجات الاستهلاكية توزعت في مختلف المعارض وقاعات الفنادق في لاس فيغاس بأكملها (أ.ب)
شهد المعرض آلاف المنتجات الاستهلاكية توزعت في مختلف المعارض وقاعات الفنادق في لاس فيغاس بأكملها (أ.ب)

أثناء التجول في أروقة معرض المنتجات الاستهلاكية (CES 2026) في لاس فيغاس، بات من الواضح أن تقنيات الصحة لم تعد مجرد فئة جانبية بين شاشات عملاقة وهواتف قابلة للطي. دورة هذا العام شهدت حضوراً لافتاً لأجهزة وأنظمة تسعى إلى فهم صحة الإنسان ومراقبتها وتحسينها، بدءاً من تقييم شامل للجسم خلال ثوانٍ، وصولاً إلى تتبع الهرمونات، ودمج مؤشرات العافية في منتجات يومية.

وعلى الرغم من تشكيك بعض خبراء التكنولوجيا والصحة في مدى دقة هذه المنتجات، وتحذيرهم من أمور لها علاقة بخصوصية البيانات، ولا سيما في ظل تخفيف الحكومة الاتحادية اللوائح التنظيمية، فإن اللافت هذا العام ليس عدد أجهزة الصحة المعروضة فحسب، بل نضج الفكرة الكامنة خلفها.

فيما يلي أبرز ما استوقف انتباه «الشرق الأوسط» في فئة تقنيات الصحة خلال المعرض.

ميزان «Withings Body Scan 2»

ميزان ذكي لقياس «طول العمر»

حضور طاغٍ في جناح تقنيات الصحة كان لميزان «Withings Body Scan 2»، الذي يُعيد ابتكار ميزان الجسم التقليدي ليصبح محطة تقييم صحي متكاملة. فبدل الاكتفاء بقياس الوزن، يستخدم الجهاز مزيجاً من تقنيات قياس الممانعة القلبية (ICG) وتحليل الطيف بالممانعة الحيوية (BIS) لقياس أكثر من 60 مؤشراً صحياً خلال نحو 90 ثانية فقط، تشمل كفاءة القلب وصحة الخلايا والوظائف الأيضية ومرونة الشرايين ومؤشرات مبكرة لمخاطر القلب والتمثيل الغذائي.

ويقدّم الجهاز ما يُعرف بـ«مؤشر المسار الصحي»، المُصمم لتقدير عدد سنوات الحياة الصحية المتوقعة. ويضم المقبض القابل للسحب أقطاباً متعددة تتيح إنشاء دائرة قياس لكامل الجسم، مع تكامل هادئ مع تطبيق الهاتف الذكي لمتابعة البيانات على المدى الطويل. ويُمثل هذا التوجه انتقالاً واضحاً نحو المراقبة الوقائية المعتمدة على البيانات داخل المنزل، من دون الحاجة إلى سحب دم أو اختبارات جائرة.

اللافت في «Body Scan 2» ليس فقط عدد المؤشرات التي يقيسها، بل اعتماده على وسائل غير جراحية مثل تحفيز تعرّق القدم وتحليل الممانعة لتقدير إشارات صحية معقدة كانت تتطلب سابقاً معدات سريرية. هذا ما يُعزز موقع الموازين الذكية بوصفها أدوات وعي صحي مبكر، لا مجرد ملحقات للياقة البدنية، وقد يشجع المستخدمين على تعديل نمط حياتهم قبل تطور مشكلات صحية كبرى.

ومن المقرر طرح الجهاز تجارياً في منتصف عام 2026، بعد استكمال الموافقات التنظيمية، بسعر يقارب 600 دولار، وهو أعلى من أسعار الموازين الذكية المعتادة، لكنه يعكس نطاق قدراته ونهجه المرتكز على طول العمر.

مرآة «NuraLogix Longevity Mirror» ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي

مرايا «تنظر تحت السطح»

من الابتكارات الصحية اللافتة أيضاً في «معرض المنتجات الاستهلاكية» مرآة «NuraLogix Longevity Mirror»، وهي مرآة ذكية كبيرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تحوّل مسحاً للوجه يستغرق 30 ثانية إلى لمحة شاملة عن الحالة الصحية. تستخدم المرآة تقنيات التصوير البصري لتحليل أنماط تدفق الدم والإشارات الدقيقة في الأوعية الدموية، ما يتيح تقدير مؤشرات، مثل معدل ضربات القلب، وضغط الدم، والعمر الفيزيولوجي، ومخاطر أمراض القلب والحالة الأيضية. وكل ذلك من خلال تحليل تغيّرات طفيفة في تدفق الدم بالوجه.

بعد ذلك، تترجم هذه النتائج إلى «مؤشر طول العمر» يتراوح بين 1 و100، ليمنح المستخدم تصوراً عاماً عن كيفية أداء جسده مقارنة بمساره الصحي المتوقع. ورغم أن المرآة ليست أداة تشخيصية، فإن هذا النهج غير التلامسي يُقدم تجربة أكثر حدسية وتفاعلاً من قراءة أرقام خام على جهاز قابل للارتداء أو ميزان.

تكمن قوة هذه المرآة في دورها الوقائي عبر تشجيع المستخدمين على اتخاذ قرارات نمط حياة مدروسة عند ملاحظة أنماط متكررة عبر عدة مؤشرات صحية. وفي عالم تتسم فيه الفحوصات الطبية الدورية بعدم الانتظام، قد يُسهم وجود «نقطة فحص» صحية في الحمّام أو غرفة النوم في اكتشاف إشارات إنذار مبكرة.

عشرات الآلاف من الزوار في قاعات معرض المنتجات الاستهلاكية في لاس فيغاس (رويترز)

إعادة تصور الاسترخاء والصحة النفسية

ليست كل تقنيات الصحة في المعرض ذات طابع سريري. بعض الابتكارات تُركز على الاستعادة النفسية والبدنية. من بينها كبسولة صحة نفسية بوضعية انعدام الجاذبية، تضع المستخدم في وضع مريح مع تدليك لطيف ومؤثرات صوتية مصممة للمساعدة على الاسترخاء، وتقليل الإجهاد العضلي، ودعم التوازن العاطفي.

يُقال إن هذه التجربة تُستخدم في برامج تعافٍ عسكرية ورياضية، وتمزج بين الراحة الجسدية وتقنيات تخفيف التوتر لتقديم استراحة شاملة وسط صخب المعرض. وتُسلّط هذه الأجهزة الضوء على بُعد آخر من تقنيات الصحة في المعرض: أدوات لا تكتفي بقياس العافية، بل تسعى لتحسين جودة الحياة عبر تخفيف التوتر وتعزيز التعافي.

الأجهزة القابلة للارتداء تتطور

رغم أن الأضواء لا تُسلط عليها دائماً، واصلت الأجهزة القابلة للارتداء وأدوات اللياقة تطورها، مؤكدة أن تقنيات الصحة لا تتخلى عن جذورها. وقد برزت ساعات وأساور ذكية بعمر بطارية أطول، وأنماط تتبع موسعة للتمارين، وتكامل أعمق مع منظومات البيانات الصحية. ولا تزال هذه الأجهزة تلعب دوراً مزدوجاً من حيث تحفيز المستخدمين على النشاط، والعمل بوصفها لوحات متابعة شخصية للصحة.

ومن الأمثلة اللافتة أجهزة تتبع بلا شاشات، تُركز على تحليل البيانات بدل الإشعارات المستمرة، إضافة إلى خواتم ذكية ترصد جودة النوم، وتُغير معدل ضربات القلب، وتشبع الأكسجين، وغيرها من المؤشرات، لتُناسب المستخدمين الراغبين في وعي صحي مستمر دون تشتيت بصري.

ما يُميز تقنيات الصحة في «CES 2026» ليس التكنولوجيا في حد ذاتها فحسب، بل مدى سهولة الوصول إليها. أدوات كانت حكراً على العيادات أو المتخصصين بدأت تدخل المنازل وغرف النوم والحمّامات، بتصاميم وتجارب تُشجع على الاستخدام المنتظم دون إرهاق المستخدم.


هل يلبّي نموذج «الذكاء الاصطناعي الواحد» متطلبات عالم متعدد الأجهزة؟

تنسيق النماذج أصبح ضرورياً خصوصاً في بيئات المؤسسات التي تتطلب حلولاً متخصصة حسب القطاع (أدوبي)
تنسيق النماذج أصبح ضرورياً خصوصاً في بيئات المؤسسات التي تتطلب حلولاً متخصصة حسب القطاع (أدوبي)
TT

هل يلبّي نموذج «الذكاء الاصطناعي الواحد» متطلبات عالم متعدد الأجهزة؟

تنسيق النماذج أصبح ضرورياً خصوصاً في بيئات المؤسسات التي تتطلب حلولاً متخصصة حسب القطاع (أدوبي)
تنسيق النماذج أصبح ضرورياً خصوصاً في بيئات المؤسسات التي تتطلب حلولاً متخصصة حسب القطاع (أدوبي)

خلال العامين الماضيين، دار جزء كبير من نقاشات الذكاء الاصطناعي حول فكرة بسيطة تقوم على اختيار نموذج قوي واحد ووضعه خلف نافذة محادثة وترك المستخدمين يتفاعلون معه. لكن خلال حدث «Tech World» السنوي من «لينوفو» بالتزامن مع «معرض المنتجات الاستهلاكية» في لاس فيغاس، والذي حضرته «الشرق الأوسط»، بات واضحاً أن هذا التصور بدأ يفقد صلاحيته.

المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي لا تتعلق بمساعد واحد أو نموذج واحد يؤدي جميع المهام، بل بقدرة الأنظمة على التنسيق بين نماذج متعددة، وأجهزة مختلفة، ومصادر بيانات موزعة، وسياقات استخدام متغيرة.

يقدّم نظام «كيرا» (Qira) الذي أعلنت عنه «لينوفو» مثالاً عملياً على هذا التحول؛ إذ يعكس انتقال الصناعة من منطق «نموذج واحد لكل شيء» إلى بنية أكثر تعقيداً، يصبح فيها الذكاء الاصطناعي طبقة تنسيق ذكية تعمل في الخلفية.

من المحادثة إلى السياق

بدل تقديم «كيرا» بوصفه روبوت محادثة جديداً، تصفه «لينوفو» بأنه شكل من «الذكاء المحيطي»؛ أي نظام حاضر عبر الأجهزة المختلفة، يدرك السياق، ويقرر متى وكيف يتم تفعيل الذكاء الاصطناعي. وخلف هذا الوعد الموجّه للمستخدم، تكمن تحولات تقنية أعمق.

يقول تولغا كورتوغلو نائب الرئيس الأول والمدير التقني في «لينوفو»، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»: «لا نعتقد أن هناك نموذجاً واحداً يمكنه الإجابة عن جميع الأسئلة. هذا ينطبق على الذكاء الاصطناعي الشخصي، وينطبق بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعي في المؤسسات». هذه العبارة تختصر اتجاهاً متزايداً في القطاع؛ إذ لم يعد التحدي يكمن في قوة النموذج بحد ذاته، بل في اختيار النموذج المناسب، وتوجيه المهام إليه، وإدارة التنسيق بين نماذج متعددة تعمل معاً.

تولغا كورتوغلو نائب الرئيس الأول والمدير التقني في «لينوفو» (الشرق الأوسط)

في بدايات «المساعِدات الذكية»، كان الذكاء الاصطناعي يُصمم كوجهة واضحة؛ يفتح المستخدم تطبيقاً محدداً، يكتب سؤالاً، ويحصل على إجابة. وحتى مع تطور النماذج، بقي هذا الهيكل قائماً، مع نقطة دخول واحدة متصلة بعقل واحد. يأتي «كيرا» ليكسر هذا النمط، من خلال التعامل مع الذكاء الاصطناعي كبنية تحتية لا كواجهة. فالنظام، بحسب «لينوفو»، يعمل عبر الحواسيب والأجهزة اللوحية والهواتف الذكية والأجهزة القابلة للارتداء، ويوفر تجربة موحدة حتى وإن اختلف الاسم بين «Lenovo Qira» و«Motorola Qira».

ذكاء متعدد النماذج

ما يجعل هذا ممكناً ليس الاعتماد على نموذج واحد ضخم، بل بناء نظام قادر على الربط بين مزودي نماذج مختلفين، والعمل بسلاسة بين السحابة والمعالجة المحلية على الجهاز، والتكيف مع طبيعة المهمة والسياق والقيود التقنية. ويوضح كورتوغلو أن فكرة «كيرا» تقوم أساساً على الاتصال بعدة مزودي نماذج؛ إذ تُستخدم في السحابة نماذج عامة معروفة، في حين يتم على الجهاز تشغيل نماذج محلية تبدأ أحياناً كنماذج مفتوحة المصدر، ثم تخضع لعمليات تقطير وضغط وضبط لاحق للتدريب، إضافة إلى تحسينات خاصة بالمعمارية التقنية للجهاز.

هذا التمييز ليس تفصيلياً، بل جوهري؛ لأن تشغيل الذكاء الاصطناعي على حاسوب محمول يختلف جذرياً عن تشغيله على هاتف ذكي أو داخل مركز بيانات سحابي، سواء من حيث استهلاك الطاقة أو الذاكرة أو زمن الاستجابة. ولهذا تركّز «لينوفو» على مفهوم التنسيق بدل السعي وراء امتلاك «أذكى نموذج» في السوق.

«كيرا» من «لينوفو» يقدّم الذكاء الاصطناعي بوصفه طبقة تعمل في الخلفية عبر الأجهزة لا مجرد روبوت محادثة داخل تطبيق (الشرق الأوسط)

قائد الأوركسترا الخفي

في طرحها خلال «2026 CES» (معرض المنتجات الاستهلاكية)، تؤكد الشركة أن «كيرا» يعمل كقائد أوركسترا غير مرئي؛ ينسّق بين النماذج المختلفة، ويقرر أيها أنسب لكل مهمة، وأين يجب تنفيذ المعالجة، سواء على الجهاز أو عند «الحافة» أو في السحابة. كما يوازن النظام باستمرار بين دقة النتائج وزمن الاستجابة وتكلفة الحوسبة واستهلاك الطاقة، مع فهم مستمر لسياق المستخدم ونواياه واستمرارية تجربته عبر الأجهزة.

يشرح كورتوغلو أن هناك دائماً مفاضلة بين زمن الاستجابة وتكلفة الحوسبة ودقة النتائج، مضيفاً أن «لينوفو» تبني نظاماً يتعلم هذه المفاضلات مع الوقت. فاختيار النموذج لا يتم بشكل ثابت، بل يتطور بناءً على معرفة تراكمية بأداء النماذج المختلفة في مهام محددة، مثل البرمجة أو التحليل أو الترجمة.

باتت القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في اختيار النموذج الأنسب وتحديد مكان التنفيذ لا في قوة النموذج وحده (أدوبي)

التعايش لا الإقصاء

تزداد أهمية هذا النهج في بيئات المؤسسات، حيث تختلف احتياجات القطاعات جذرياً. فالنموذج الذي تحتاجه مؤسسة مالية لإدارة الثروات، لا يشبه النموذج الذي تحتاجه جهة صحية لدعم التشخيص أو إدارة العمليات الطبية. ويتوقع كورتوغلو أن يؤدي ذلك إلى ظهور عدد متزايد من النماذج الصغيرة والمتخصصة، ما يجعل وجود طبقة تنسيق ذكية شرطاً أساسياً للاستفادة من هذا التنوع بدل أن يتحول إلى عبء تقني.

ضمن هذا السياق، لا يسعى «كيرا» إلى استبدال الأدوات الأخرى أو منافستها بشكل مباشر. فعندما سألت «الشرق الأوسط» كورتوغلو عن العلاقة بين «كيرا» وأنظمة مثل «مايكروسوفت كوبايلوت» (Microsoft Copilot)، كان واضحاً في تأكيده على فكرة التعايش. يقول: «(كوبايلوت) و(كيرا) يتعايشان على الأجهزة. هناك بعض التداخل، لكن لدى (كيرا) مزايا فريدة، خاصة في العمل عبر الأجهزة المختلفة وبناء قاعدة معرفية شخصية». الفكرة هنا ليست فرض خيار واحد على المستخدم، بل إنشاء طبقة أعلى تنسّق بين الأدوات المختلفة، بحيث تبقى تجربة الاستخدام موحدة، في حين تدار التعقيدات التقنية خلف الكواليس.

أحد العناصر المحورية في «كيرا» هو مفهوم الذاكرة، ليس بوصفها سجل محادثات فحسب، بل كنظام فهم طويل الأمد يتطور مع الوقت وبموافقة المستخدم. تصف «لينوفو» ذلك بقاعدة معرفة شخصية تجمع التفاعلات والوثائق والاختيارات، وتتيح استمرارية حقيقية بين الأجهزة. ويؤكد كورتوغلو أن التجربة تبقى واحدة، سواء طرح المستخدم سؤاله من الحاسوب أو الهاتف أو جهاز آخر.

«كيرا» صُمم ليتعايش مع أدوات ذكاء اصطناعي أخرى مثل «كوبايلوت» بدل استبدالها أو إقصائها (أدوبي)

دعم اللغة العربية

وخلال لقائه مع «الشرق الأوسط»، أشار كورتوغلو إلى أن دعم اللغة العربية جزء من خطط «كيرا»، مؤكداً أن التوطين لا يقتصر على الترجمة، بل يشمل الاستفادة من نماذج محلية وتطوير القدرات عبر التدريب اللاحق، بالتعاون مع فرق محلية في مناطق مثل الرياض. ويعكس ذلك مرة أخرى قصور فكرة «نموذج عالمي واحد»، مقابل مرونة أنظمة التنسيق التي تسمح بتكييف الذكاء الاصطناعي مع الخصوصيات اللغوية والثقافية.

ورغم استخدام مصطلح «الذكاء المحيطي»، تحرص «لينوفو» على التأكيد أن التحدي الأكبر لا يكمن في جعل الذكاء الاصطناعي حاضراً دائماً، بل في ضبط توقيت تدخله. فالقيمة الحقيقية لا تتحقق إلا عندما يعرف النظام متى يقترح، ومتى يتدخل، ومتى يلتزم الصمت، دون أن يتحول إلى عنصر إزعاج أو تشتيت.

ويبقى نجاح «كيرا» كمنتج مسألة وقت وتجربة واعتماد فعلي. لكن كإشارة إلى اتجاه الصناعة، يعكس هذا الطرح تحولاً واضحاً من المساعدات الأحادية إلى الأنظمة المنسّقة. وفي هذه المرحلة، لم يعد التحدي هو جعل الآلة تجيب، بل جعلها تختار بحكمة.