في عصر الذكاء الاصطناعي على الآباء التريّث بنشر صور أطفالهم

«برامج التعرية» توظف وجوه الصغار في عروض إباحية على الإنترنت

في عصر الذكاء الاصطناعي على الآباء التريّث بنشر صور أطفالهم
TT

في عصر الذكاء الاصطناعي على الآباء التريّث بنشر صور أطفالهم

في عصر الذكاء الاصطناعي على الآباء التريّث بنشر صور أطفالهم

على امتداد عقود، انخرط الآباء والأمهات في نقاشات حول مخاطر وفوائد نشر صور أطفالهم عبر الإنترنت ـ منذ تاريخ ظهور مواقع مشاركة الصور تقريباً. غير أنه مع اندماج شبكات التواصل الاجتماعي في نسيج المجتمع، أصبح ما يُعرف بـ«المشاركة» بمثابة العرف السائد. وبحسب دراسات عديدة، فإن ربع الآباء فقط لا يشاركون صور أطفالهم على الإنترنت، انطلاقاً من مخاوف من أن يقدم المتحرشون عبر الإنترنت أو الشركات، على جمع بياناتهم الشخصية.

التخوف من برامج «التعرية»

غير أن آباءً مثلي انضموا إلى معسكر «الامتناع التام عن النشر» بسبب تهديد أحدث: تطبيقات يمكنها تلقائياً توليد صور عارية مزيّفة لأي شخص باستخدام وجهه، عبر الذكاء الاصطناعي التوليدي: التكنولوجيا التي تشغّل برامج الدردشة الشهيرة.

ما يزيد الأمر تعقيداً أن هذه التطبيقات، التي يطلق عليها اسم «المُعرّيات» nudifier apps، بسيطة ورخيصة ويمكن لأي شخص استخدامها، وبعضها يقدّم نسخاً تجريبية مجانية.

وقد ألقيتُ من جانبي نظرة على بعضٍ منها. واتضح أنه يجري استخدام هذه التطبيقات على نطاق واسع من قبل طلاب في المدارس. وفيما يخص الضحايا، فإن وجود صور عارية مولدة اصطناعياً لهم على الإنترنت، كان صادماً لهم بالقدر نفسه كما لو كانت الصور حقيقية. ورغم أن قانوناً فيدرالياً جديداً يجرّم نشر الصور العارية المزيّفة من دون موافقة أصحابها، فإنه لا يوجد ما يمنع الأشخاص من استخدام تطبيقات «المُعرّيات» التي انتشرت بكثرة عبر الإنترنت. وبالفعل تجني عشرات المواقع من هذا النوع ملايين الدولارات سنوياً.

في هذا السياق، قال ألكسيوس مانتزارليس، مؤسس منصة «إنديكيتر» التكنولوجية، التي أجرت تحقيقاً بخصوص 85 موقعاً من هذه المواقع: «إنها (البرامج) في كل مكان. أي طفل لديه وصول إلى الإنترنت يمكن أن يكون ضحية أو جانياً».

وبالإضافة إلى صور الذكاء الاصطناعي المزيّفة، هناك مخاطر أخرى على صلة بنشر الصور ـ مثل احتمال كشف المعلومات الشخصية الحساسة الخاصة بالصغار أمام أشخاص يحملون نوايا سيئة ـ قد تدفع الآباء للتوقف عن نشر صور أطفالهم.

ولتوضيح الأمر، فإن قرار نشر الصور العائلية من عدمه يظل اختياراً شخصياً. وعليه، فإن هذا المقال ليس بأية حال إدانة للآباء الذين ينشرون صور أطفالهم.

حقائق عن تزييف الصور

لكن دعونا نشرح هنا لما يجب أخذه في الاعتبار عند نشر صور الأطفال على الإنترنت.

* انتشار الصور المزيفة العميقة (Deepfakes). في الواقع، فإن الصور العارية المزيّفة لأشخاص حقيقيين ليست بالأمر الجديد. على مدى سنوات، كانت تطبيقات تعديل الصور مثل «أدوبي فوتوشوب» قادرة على تعديل الصور لتبدو واقعية. غير أنه بسبب الوقت والمهارة المطلوبين لإنشاء تزييف مقنع، غالباً ما كان الضحايا من المشاهير.

وبعد ذلك، جاءت تطبيقات «المُعرّيات» المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، لتغير قواعد اللعبة. اليوم، المسيء يحتاج فقط لزيارة أحد المواقع ورفع صورة لضحاياه. وغالباً ما تقبل هذه التطبيقات الدفع عبر البطاقات الائتمانية أو العملات الرقمية، مقابل «رموز» افتراضية تُستخدم لإنتاج الصور العارية المزيّفة.

وحديثاً، اعتُبر نشر الصور المزيفة العميقة جريمة فيدرالية، عندما وقّع الرئيس دونالد ترمب «قانون الإزالة» (Take It Down Act) ـ مشروع قانون، يجرّم «الانتقام الإباحي»، بما في ذلك الصور العارية غير المصرح بها، والصور المولّدة بالذكاء الاصطناعي. ورغم أن القانون يُلزم منصات التواصل الاجتماعي بحذف الصور المخالفة، فإنه لا يمنع الشركات من طرح تطبيقات توليد هذه الصور.

* تطبيقات التعرية بين الحظر والانتشار. من جهتها، تحظر شركات معنية بشبكات التواصل الاجتماعي، مثل «سناب» و«تيك توك» و«ميتا»، الإعلان عن تطبيقات «المُعرّيات» على منصاتها، كما شرعت بعض الولايات في مناقشة تشريعات تحظر على الشركات تقديم هذه التطبيقات. ومع ذلك، فإنه حتى إذا حدث ذلك، فإن تنفيذ الحظر سيكون صعباً، بالنظر إلى أن الكثير من مطوري هذه التطبيقات يعملون من خارج البلاد.

بمعنى آخر، يمكن لأي شخص بسهولة استخدام تطبيق «مُعرّي» على صورة طفل والاحتفاظ بها، دون أن يعرف أحد.

وقد قدم أحد المواقع التي فحصتها طريقة للقيام بتجربة مجانية لتجريد شخص من ملابسه رقمياً في صورة واحدة، ثم عرض اشتراكاً بقيمة 49 دولاراً شهرياً، مقابل 600 نقطة (أي نحو 8 سنتات للصورة الواحدة). كما أتاح التطبيق للمستخدمين إنشاء رسوم متحركة إباحية.

في هذا الصدد، أوضح مانتزارليس أن عدداً كبيراً من الأشخاص يرفعون صوراً إلى هذه التطبيقات، التي تحقق للشركات المطوّرة لها نحو 36 مليون دولار سنوياً، بناءً على بيانات حركة المرور لمجموعة من المواقع.

ورغم أن القوانين الجديدة قد تجعل من الصعب على المعتدين مشاركة الصور المزيفة، فإن الضرر قد وقع بالفعل لكثير من الضحايا.

في الربيع الماضي، أبلغ طلاب في إحدى المدارس الثانوية شمال شرقي ولاية أيوا، مسؤولي المدرسة أن طلاباً آخرين استخدموا تطبيقات «المُعرّيات» لتوليد صور عارية مزيّفة لهم. وفي الوقت نفسه تقريباً، طرح مشرعون في ولاية مينيسوتا، بعد حوادث مشابهة هناك، مشروع قانون يستهدف الشركات التي تقدم تطبيقات أو مواقع «المُعرّيات».

ويعني ذلك كله للآباء أن المعتدين يمكنهم نسخ صورة لطفل من حسابك على وسائل التواصل الاجتماعي، ورفعها إلى تطبيق «مُعرّي». أو إذا كانوا على مقربة جسدياً، يمكنهم التقاط صورة للطفل ثم رفعها إلى الأداة. وفي الوقت الذي لا توجد وسيلة لمنع السيناريو الثاني، فإنه يمكن تجنب السيناريو الأول بعدم نشر صور أطفالك على الإنترنت.

الحسابات الخاصة وأعياد ميلاد الأطفال

* الحسابات الخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي ليست حلاً مثالياً. يمكن للآباء الراغبين بمشاركة صور أطفالهم على منصات التواصل الاجتماعي، تقليل المخاطر بشكل كبير عبر نشر الصور فقط على حساب يُسمح للأصدقاء المقربين وأفراد العائلة برؤيته. ومع ذلك، يظل هذا الحل محدوداً. فقد يكون أحد متابعي «إنستغرام» الذي يملك حق الوصول إلى ملفك الشخصي هو الجاني، كما ذكرت سارة غاردنر، مؤسسة مبادرة «هيت» ـ مجموعة مناصرة لسلامة الطفل. وأضافت: «مجرد امتلاكك لحساب خاص لا يعني أن شخصاً تعرفه لن يلتقط صورك ويفعل بها شيئاً ضاراً».

* حفلات أعياد الميلاد لا تخلو من المخاطر. إلى جانب عمليات التزييف العميق المُستخدمة في الذكاء الاصطناعي، لا تزال هناك تهديدات تقليدية يجب أخذها في الاعتبار، مثل سرقة الهوية.

قد تبدو حفلة عيد ميلاد طفل حدثاً مهماً يستحق النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن حتى هذا النوع من المشاركة التي تبدو بريئة قد يُعرّض الأطفال لأذى في المستقبل.

في هذا الصدد، قالت ليا بلانكيت، مؤلفة كتاب «التشارك» (Sharenthood)، الذي يتناول مشاركة معلومات الأطفال عبر الإنترنت، إن صور حفلة عيد الميلاد قد تكشف عن يوم وسنة ميلاد الطفل بالضبط ـ معلومات يُمكن دمجها مع بيانات أخرى جمعها المتسللون من خلال خروقات الأمن السيبراني لارتكاب سرقة الهوية.

ورغم أن هذا قد يبدو مستبعداً، تكشف الأرقام أن سرقات الهوية التي تشمل القاصرين ارتفعت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2021 و2024، مع تعرض هويات ما يقرب من 1.1 مليون طفل للسرقة سنوياً، بحسب لجنة التجارة الفيدرالية. (هذا تذكير جيد لجميع الآباء والأمهات بضرورة تجميد بطاقات أطفالهم الائتمانية).

طرق أقل خطورة

ولأي والد يفكر في نشر صور أطفاله، من المفيد أن يسأل: ما الفائدة المنتظرة؟

إن تطبيقات التواصل الاجتماعي، مثل «إنستغرام» و«سناب شات» و«تيك توك»، أدوات سهلة الاستخدام لمشاركة الصور ومقاطع الفيديو الرائعة، بكفاءة مع شريحة واسعة من الأشخاص الذين نهتم لأمرهم. ومع ذلك، يبقى المستفيد الحقيقي شركات التواصل الاجتماعي نفسها، التي تجمع البيانات لتحسين منتجاتها حتى تتمكن من حث الناس، بمن فيهم أطفالنا، على الاستمرار في استخدامها. وهناك طرق أقل خطورة لمشاركة صور أطفالنا. من جهتي، تتمثل طريقتي المفضلة في إرسال صور ابنتي إلى بعض الأصدقاء والأقارب عبر رسائل نصية مشفرة. ويشارك بعض الآباء ألبومات صور عائلية مع مجموعة صغيرة من الأشخاص الذين يستخدمون خدمات الإنترنت مثل iCloud من Apple وGoogle Photos.

في النهاية، أُدرك أن كل هذا قد يكون معركة خاسرة، فمثلاً تنشر الكثير من المدارس صور أطفالها على مواقع التواصل الاجتماعي لإظهار استمتاعهم بوقتهم... ومن بينهم صور أولادنا.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

خاص يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يرى باحثون أن صعود الذكاء الاصطناعي السيادي يعيد تشكيل خريطة الحوسبة العالمية في ظل تحوّلٍ من نموذج السحابة المشتركة إلى سيطرة معمارية على البيانات والموارد.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تطبيقات استوديو «أبل» للمبدعين (أبل)

لماذا يختار بعض صُنّاع المحتوى «أبل»… ويتمسّك المحترفون بـ«أدوبي»؟

«أبل» تراهن على التكامل بين الأجهزة والسرعة والبساطة لصانع المحتوى اليومي، بينما ترتكز «أدوبي» على العمق والمرونة والأدوات الاحترافية للمشاريع المعقّدة.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
تكنولوجيا «نوت بوك إل إم» أداة ذكاء اصطناعي مجانية عظيمة الفائدة

«نوت بوك إل إم» أداة ذكاء اصطناعي مجانية عظيمة الفائدة

يشكل «نوت بوك إل إم» NotebookLM أداة الذكاء الاصطناعي المجانية الأكثر فائدة خلال عام 2025؛ إذ يتميّز بقدرتين رائعتين: أولاً- يمكنك استخدامه للعثور على مجموعة.

جيرمي كابلان (واشنطن)
تكنولوجيا تدعم جميع المتصفحات الإضافات التي تطور من قدراتها عبر نظم التشغيل المختلفة

«جواسيس في متصفحك»: إضافات تعزيز الإنتاجية تتحول إلى كابوس أمني

تُعدّ إضافات المتصفح Browser Extensions اليوم جزءاً لا يتجزأ من تجربة المستخدم الرقمية، حيث تَعِد بتحويل المتصفح البسيط إلى أداة عمل خارقة قادرة على الترجمة .

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا ينتقل الذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي من مرحلة التجارب إلى التشغيل واسع النطاق ليصبح جزءاً من البنية الأساسية لاتخاذ القرارات الحساسة (شاترستوك)

الذكاء الاصطناعي في العمل المصرفي… هل يتحول من أداة مساعدة إلى بنية أساسية؟

يدخل الذكاء الاصطناعي العمل المصرفي بوصفه بنية أساسية، حيث تُدار القرارات آلياً، وتقاس الثقة رقمياً، وتتصاعد تحديات الحوكمة، والبيانات، والاحتيال.

نسيم رمضان (لندن)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
TT

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)
شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات «بتكوين» بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار على عملاء بوصفها مكافآت ترويجية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى موجة بيع حادة على المنصة.

واعتذرت «‌بيثامب» عن ‌الخطأ الذي ‌وقع ⁠أمس ​الجمعة، ‌وقالت إنها استعادت 99.7 في المائة من إجمالي 620 ألف «بتكوين» بقيمة تبلغ نحو 44 مليار دولار بالأسعار الحالية. وقيدت عمليات التداول والسحب ⁠على 695 عميلاً متأثراً بالواقعة في ‌غضون 35 دقيقة ‍من التوزيع ‍الخاطئ أمس.

وأفادت تقارير إعلامية بأن ‍المنصة كانت تعتزم توزيع مكافآت نقدية صغيرة في حدود 2000 وون كوري (1.40 دولار) ​أو أكثر لكل مستخدم في إطار حدث ترويجي، لكن ⁠الفائزين حصلوا بدلاً من ذلك على ألفي «بتكوين» على الأقل لكل منهم.

وقالت «‌بيثامب» في بيان: «نود أن نوضح أن هذا لا علاقة له بقرصنة خارجية أو انتهاكات أمنية، ولا توجد مشاكل في أمن النظام ‌أو إدارة أصول العملاء».


«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
TT

«مدمّر ستارلينك» المحتمل... خطوة تقنية صينية تفتح الباب أمام تعطيل الأقمار الاصطناعية

صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)
صورة مركبة لنموذج قمر اصطناعي مع خلفية لكوكب الأرض (رويترز)

طوّر علماء صينيون مولّد طاقة فائق القوة وصغير الحجم، في خطوة تمهّد الطريق لتطوير أسلحة من الجيل القادم قد تُستخدم يوماً ما ضد أسراب الأقمار الاصطناعية، مثل كوكبة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس»، وذلك وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وخلال السنوات الأخيرة، اكتسبت أسلحة الموجات الدقيقة عالية الطاقة اهتماماً متزايداً بوصفها بديلاً منخفض التكلفة للصواريخ والبنادق التقليدية، نظراً لقدرتها شبه غير المحدودة على إطلاق النبضات.

وفي هذا السياق، يُجري باحثون في الولايات المتحدة، وروسيا، والصين على وجه الخصوص، دراسات مكثفة حول إمكانية تطوير هذه التقنية إلى أسلحة طاقة موجهة قادرة على تعطيل الأقمار الاصطناعية.

ويُعدّ تدمير قمر اصطناعي في الفضاء مهمة بالغة التعقيد، إذ من المرجح أن تُخلّف الأسلحة التقليدية كميات كبيرة من الحطام المداري، ما قد يؤدي إلى عواقب غير متوقعة، بما في ذلك تهديد الأقمار الاصطناعية التابعة للدولة المنفذة نفسها.

ومن الناحية النظرية، يمكن لأسلحة الموجات الدقيقة تعطيل الأقمار الاصطناعية مع توليد قدر محدود من الحطام، فضلاً عن إتاحة قدر من «الإنكار المعقول»، وهو ما يمنحها ميزة استراتيجية واضحة.

وتعتمد هذه الأسلحة على مبدأ تخزين الطاقة الكهربائية ثم إطلاقها دفعة واحدة على شكل نبضة قوية، على غرار آلية عمل ملف تسلا.

وتُستخدم هذه النبضة الهائلة من الطاقة في تشغيل مولدات الموجات الدقيقة، التي تعمل بدورها على تعطيل الأنظمة، والأجهزة الإلكترونية.

شاشة تظهر إيلون ماسك وشعار شركة «ستارلينك» (رويترز)

وحتى وقت قريب، كانت غالبية النماذج الأولية لهذه المولدات النبضية ضخمة الحجم، إذ بلغ طولها 10 أمتار على الأقل، ووزنها أكثر من 10 أطنان، ما جعل دمجها في أنظمة الأسلحة الصغيرة أو المتحركة أمراً بالغ الصعوبة.

غير أنّ دراسة حديثة أجراها علماء صينيون من معهد شمال غربي الصين للتكنولوجيا النووية (NINT) أظهرت تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، حيث استخدم الباحثون مادة عازلة سائلة خاصة تُعرف باسم «ميدل 7131»، ما أتاح تحقيق كثافة أعلى لتخزين الطاقة، وعزلاً أكثر قوة، وتقليلاً لفقدان الطاقة، وأسهم في تصميم جهاز أصغر حجماً، وأكثر كفاءة.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة: «من خلال استخدام مادة عازلة سائلة عالية الكثافة للطاقة تُعرف باسم (ميدل 7131)، إلى جانب خط تشكيل نبضات مزدوج العرض، تمكنت الدراسة من تصغير حجم محول تسلا المتكامل، ونظام تشكيل النبضات».

وبحسب الدراسة، يبلغ طول الجهاز الجديد أربعة أمتار فقط (13 قدماً)، ويزن خمسة أطنان، ما يجعله أول جهاز تشغيل صغير الحجم في العالم لسلاح الميكروويف عالي الطاقة.

ويُعرف هذا الجهاز باسم TPG1000Cs، وهو صغير بما يكفي ليُثبت على الشاحنات، والطائرات، بل وحتى على أقمار اصطناعية أخرى، وفقاً لما أفاد به الباحثون.

وأشار الباحثون إلى أن «النظام أظهر استقراراً في التشغيل لمدة دقيقة واحدة متواصلة، حيث جُمعت نحو 200 ألف نبضة بأداء ثابت».

ويؤكد خبراء أن سلاح ميكروويف أرضياً بقدرة تتجاوز 1 غيغاواط (GW) سيكون قادراً على تعطيل وتدمير آلية عمل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية في مدارها بشكل كبير.

وذكر الباحثون، بحسب ما نقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، أن جهاز TPG1000Cs قادر على توليد نبضات كهربائية فائقة القوة تصل إلى 20 غيغاواط.

وتأتي هذه التطورات في وقت نشرت فيه الصين عدداً من الدراسات التي تشدد على ضرورة إيجاد وسائل فعالة لتعطيل أقمار «ستارلينك» الاصطناعية التابعة لرجل الأعمال إيلون ماسك.


الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».