إسرائيل تعلن مدينة غزة «منطقة قتال خطيرة» تمهيداً لعملية الاحتلال

استعادت جثتي رهينتين... وباشرت عمليات مكثفة بالقصف الجوي والمدفعي والتفجيرات

فلسطينيات يبكين أقارب لهن قُتلوا بالقصف الإسرائيلي خارج مستشفى «الشفاء» بمدينة غزة الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطينيات يبكين أقارب لهن قُتلوا بالقصف الإسرائيلي خارج مستشفى «الشفاء» بمدينة غزة الجمعة (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تعلن مدينة غزة «منطقة قتال خطيرة» تمهيداً لعملية الاحتلال

فلسطينيات يبكين أقارب لهن قُتلوا بالقصف الإسرائيلي خارج مستشفى «الشفاء» بمدينة غزة الجمعة (أ.ف.ب)
فلسطينيات يبكين أقارب لهن قُتلوا بالقصف الإسرائيلي خارج مستشفى «الشفاء» بمدينة غزة الجمعة (أ.ف.ب)

حدَّد الجيش الإسرائيلي، صباح الجمعة، مدينة غزة، «منطقة قتال خطيرة»، في خطوة تمهِّد بشكل أساسي لتوسيع عمليته العسكرية في المدينة، التي تشهد حدودها الجنوبية والشمالية عمليات مكثَّفة بالقصف الجوي والمدفعي، والتفجيرات باستخدام الروبوتات المفخَّخة التي تهزُّ أرجاء المدينة، التي باتت تشهد عمليةً تمهيديةً قبيل بدء احتلالها لاحقاً.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، بناء على تعليمات المستوى السياسي، تعليق الهدنة الإنسانية التكتيكية المؤقتة التي بدأها قبل نحو شهر في المناطق الغربية من مدينة غزة، ووسط القطاع، وصولاً إلى مواصي خان يونس جنوب القطاع، وذلك لمدة 10 ساعات يومياً، مبيناً أن قرار التعليق فقط يشمل مدينة غزة، بوصفها «منطقة قتال خطيرة».

وكانت هذه الهدنة خُصِّصت؛ بهدف إدخال مواد إنسانية إلى السكان في قطاع غزة، لكنها على الواقع لم تغيِّر من حقيقة استمرار الهجمات الإسرائيلية، التي كانت تنفذ بشكل مركز فيها، إلى جانب استهداف منتظري المساعدات بإطلاق النار نحوهم وقتل وإصابة العشرات منهم يومياً.

فلسطينية تحمل جثمان طفلها قرب «مستشفى الشفاء» بمدينة غزة الجمعة (إ.ب.أ)

ويتزامن ذلك مع تجديد الجيش الإسرائيلي، أوامر الاستدعاء لأكثر من 20 ألف جندي احتياط يقاتلون في غزة، ويتمركز جزء منهم على حدودها، بينما سيتم الأحد البدء بإرسال أوامر لعشرات الآلاف من الجنود للاستدعاء من جديد، وسط مخاوف من رفض المئات منهم للعودة إلى القتال بغزة، كما ذكرت صحيفة «هآرتس» العبرية.

وتعول إسرائيل على استدعاء 80 ألف جندي إسرائيلي للقتال إلى جانب الفرق النظامية، في مدينة غزة؛ بهدف السيطرة عليها عسكرياً لاحتلالها بالكامل، في إطار خطة تهدف بشكل أساسي إلى الضغط على «حماس» لتسليم ما لديها من مختطفين، ونزع سلاحها، بينما سيتم العمل على إجلاء نحو 950 ألف نسمة من الفلسطينيين في المدينة إلى جنوب القطاع، خلال العملية التي ستشارك فيها من 4 إلى 6 فرق عسكرية نظامية واحتياطية، وستستمر من 5 أشهر إلى 6.

فلسطيني يبكي طفلاً قتيلاً في «مستشفى الشفاء» بمدينة غزة الجمعة (إ.ب.أ)

ووفقاً لصحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، فإن الجيش الإسرائيلي سيبدأ الأسبوع المقبل الطلب من سكان مدينة غزة مغادرتها إلى جنوب القطاع، قبل السيطرة عسكرياً عليها، مرجحةً أن يبقى في المدينة نحو 200 ألف غزي ستفرض إسرائيل عليهم حصاراً خانقاً.

وحذَّرت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) من أن تكثيف العملية العسكرية الإسرائيلية في مدينة غزة يعرِّض نحو مليون شخص لخطر النزوح القسري مجدداً.

وقالت الوكالة الأممية، عبر منصة «إكس»، إن «أي تصعيد إضافي في مدينة غزة مع وجود المجاعة هناك سيفاقم المعاناة ويدفع مزيداً من الناس نحو الكارثة».

وعلى الأرض، تتمركز القوات الإسرائيلية على أطراف حيي الزيتون والصبرة جنوب مدينة غزة، وتقوم بعمليات نسف كبيرة للمنازل من خلال استخدام الروبوتات المتفجرة، بينما توجد قوات أخرى في بلدة جباليا البلد، وتقوم بعمليات مماثلة فيها، وفي منطقة جباليا النزلة وأطراف منطقة أبو إسكندر في حي الشيخ رضوان شمال المدينة، وهي مناطق اضطر سكانها للنزوح منها إلى غرب المدينة.

ويأتي ذلك في إطار عملية تمهيدية تهدف لتدمير ما تبقَّى من مدينة غزة، كما تؤكد كثير من المصادر الفلسطينية، وهو ما أظهرته صور أقمار اصطناعية حديثة تظهر أنه منذ الثامن من أغسطس (آب) الحالي، وحتى الخامس والعشرين من الشهر نفسه، تم تدمير معظم مناطق حي الزيتون جنوب المدينة بفعل هذه الروبوتات المتفجرة.

دبابة إسرائيلية تسير بمحاذاة حدود قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

انتشال جثتي رهينتين

وفي سياق عملياته بغزة، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه بالتعاون مع جهاز الأمن العام «الشاباك»، انتشل جثة رهينة من داخل القطاع، دون أن يحدد مكان العملية، مكتفياً بالإشارة إلى انتشال متعلقات لرهينة أخرى وتجري محاولة تشخيصها، بينما ذكرت «القناة الـ12» العبرية أن هناك فعلاً جثة ثانية انتُشلت من المكان نفسه، وهو ما أكده مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لاحقاً.

وبيَّن أن الجثة الأولى تعود للمستوطن إيلان فايس (55 عاماً) من سكان مستوطنة بئيري، الذي حدد مقتله منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بينما أشارت القناة العبرية إلى أن الجثة الثانية هي لمختطف آخر معروف عنه أنه قُتل سابقاً.

مروحية إسرائيلية طراز «أباتشي» تطلق بالونات حرارية خلال تحليقها فوق قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

ونقلت القناة عن مصدر أمني قوله إن عملية استعادة الجثتين كانت معقدة جداً، وأنها نجحت بفضل جهد استخباراتي ميداني كبير، بينما قال مراسل القناة بغلاف غزة، إنه تمَّ الوصول للجثتين من خلال التحقيق مع فلسطينيين اعتُقلوا أخيراً من القطاع.

ورجَّحت بعض المنصات الإعلامية الإسرائيلية غير الرسمية أن الجثة الثانية تعود لجندي، في حين يبدو أنه قُتل خلال هجوم السابع من أكتوبر، واختُطف جثمانه لداخل القطاع.

وتعهّد مكتب نتنياهو، في بيان باسمه، بالعمل على إعادة جميع المختطفين، الأحياء والأموات.

دخان فوق قطاع غزة جراء القصف الإسرائيلي الجمعة (أ.ف.ب)

تواصل الغارات

وتتزامن هذه التطورات، مع استمرار الغارات الجوية في مناطق متفرقة من قطاع غزة، ومن بينها مدينة غزة، ما خلَّف منذ ساعات الفجر، وحتى الظهيرة نحو 50 قتيلاً، من بينهم 8 من منتظري المساعدات، بالإضافة إلى عشرات المصابين.

وكما جرت العادة، فإن من بين الغارات التي تحصل يومياً، استهداف خيام النازحين في مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة، التي تدعو إسرائيل سكان مدينة غزة بالنزوح إليها، ما خلَّف منذ فجر اليوم مقتل 10 على الأقل في الغارات الجوية على المواصي.

دبابة قرب حدود قطاع غزة جنوب إسرائيل الجمعة (أ.ف.ب)

وبحسب وزارة الصحة بغزة، فإن ما وصل إلى مستشفيات القطاع خلال الـ24 ساعة الأخيرة (من ظهيرة الخميس إلى الجمعة)، 59 قتيلاً، و224 إصابة، ما يرفع حصيلة العدوان الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى 63025 قتيلاً و159490 إصابة، منهم 11178 قتيلاً، و47449 مصاباً، منذ الثامن عشر من مارس (آذار) الماضي بعد استئناف إسرائيل الحرب عقب وقف مؤقت لإطلاق النار استمرَّ نحو شهرين.

فيما وصل 23 قتيلاً و182 إصابة من ضحايا المساعدات، ليرتفع الإجمالي إلى 2203 قتيلاً وأكثر من 16228 إصابة، منذ نهاية مايو (أيار) الماضي مع افتتاح نقاط التوزيع الأميركية.

عربات عسكرية إسرائيلية في قطاع غزة قرب الحدود مع جنوب إسرائيل الجمعة (أ.ف.ب)

الوضع الإنساني

إنسانياً، ما زالت الأوضاع متدهورة بفعل سرقة ونهب المساعدات الإنسانية التي تدخل بكميات محدودة، ولا تصل لمستحقيها بفعل فرض إسرائيل إجراءات معينة، منها منع تأمين هذه المساعدات في مخازن المنظمات الدولية لتوزيعها على السكان، بحجة منع «حماس» من السيطرة عليها.

وسجَّلت وزارة الصحة بغزة، 5 حالات وفاة نتيجة المجاعة وسوء التغذية خلال الـ24 ساعة الماضية (من ظهيرة الخميس إلى الجمعة)، ليرتفع العدد الإجمالي لضحايا المجاعة وسوء التغذية إلى 322، منهم 121 طفلاً.

وأشارت إلى أنه منذ إعلان تصنيف المجاعة في قطاع غزة من قِبل مجلس (IPC) الأممي، بتاريخ 22 أغسطس 2025، سُجِّلت 44 حالة وفاة، منهم 6 أطفال.

 

 


مقالات ذات صلة

61 مليون طن من الركام... مهمة شاقة لإزالة آثار الحرب في غزة

المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في غزة (رويترز)

61 مليون طن من الركام... مهمة شاقة لإزالة آثار الحرب في غزة

تواجه فرق الإغاثة بقطاع غزة مهمة شاقة لإزالة نحو 61 مليون طن من الركام الذي خلّفته الحرب في ظل وجود جثامين وذخائر غير منفجرة

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي رجل يقف فوق مبنى ينظر إلى خيام فلسطينيين نازحين في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: 12 خرقاً إسرائيلياً لوقف إطلاق النار في غزة منذ فجر اليوم

ارتكبت القوات الإسرائيلية، منذ فجر اليوم السبت، 12 خرقاً جديداً لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، شملت قصفاً مدفعياً وإطلاق نار مكثفاً.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الخليج قطر أكدت أن مساعداتها للشعب الفلسطيني بالتنسيق مع إسرائيل والشركاء الدوليين (الخارجية القطرية)

قطر ترفض «مزاعم» تقديم أموال لـ«حماس»

شدَّدت قطر على رفضها القاطع لتقرير أوردته مجلة أميركية بشأن تقديم أموال لحركة «حماس» في قطاع غزة، استند إلى معلومات ووثائق مزورة ولا تمت للحقيقة بصلة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (الرئاسة المصرية)

مصر وأميركا لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة

لقاء مصري أميركي على مستوى رئاسي استخباراتي عالي المستوى، احتضنته القاهرة وسط تصعيد بمنطقة الشرق الأوسط، وأزمات متواصلة بالسودان وقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة)
خاص رجال الدفاع المدني يخمدون حريقاً في سيارة أُصيبت بغارة إسرائيلية بمدينة غزة السبت (رويترز)

خاص «حبوب مخدرة» تُسقط متخابراً مع إسرائيل في غزة

كثير من المتخابرين الفلسطينيين سقطوا في شَرَك التخابر لصالح المخابرات الإسرائيلية، بسبب حاجتهم إلى المال، ولكن غالبيتهم بسبب تعاطيهم المواد المخدرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

61 مليون طن من الركام... مهمة شاقة لإزالة آثار الحرب في غزة

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في غزة (رويترز)
فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في غزة (رويترز)
TT

61 مليون طن من الركام... مهمة شاقة لإزالة آثار الحرب في غزة

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في غزة (رويترز)
فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في غزة (رويترز)

تواجه فرق الإغاثة في قطاع غزة مهمة شاقة لإزالة نحو 61 مليون طن من الركام الذي خلّفته الحرب، في ظل وجود جثامين يُعتقد أنها لا تزال مدفونة تحت الأنقاض، إلى جانب الذخائر غير المنفجرة والمباني المتضررة التي قد تنهار في أي لحظة.

وحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية، تقدر الأمم المتحدة أن التخلص من الجزء الأكبر من الركام قد يستغرق بين 7 و10 سنوات ويكلف مليارات الدولارات، ما يجعل العملية واحدة من أكبر عمليات إزالة الأنقاض في التاريخ الحديث.

«نحاول إفراغ البحر بملعقة»

في حي تل الهوى بمدينة غزة، يعمل مهندسو الأمم المتحدة على فتح الطرق التي أغلقتها أكوام الحجارة وبقايا المنازل والمتاجر المدمرة. ووصف المهندس أحمد عليان، الذي يعمل ضمن فريق تابع لبرنامج الأغذية العالمي (WFP) حجم المهمة قائلاً: «أشعر وكأننا نحاول إفراغ البحر باستخدام ملعقة».

وحسب جاكو سيلييرز، الممثل الخاص لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في فلسطين، فإن كمية الركام المقدرة في غزة تبلغ 61 مليون طن، أي ما يقارب 20 ضعف كمية الركام الناتجة عن جميع الحروب في العالم خلال السنوات الـ18 الماضية.

ورغم مرور أكثر من عامين على بدء عمليات الإزالة، لم يتم التخلص سوى من نحو 907 آلاف طن، مع إعادة تدوير أكثر من 300 ألف طن، وهو ما يمثل نحو 1.5 في المائة فقط من إجمالي الركام.

مبانٍ مدمرة في قطاع غزة (رويترز)

الركام يخفي آلاف الجثامين

ولا تقتصر صعوبة المهمة على ضخامة كمية الركام، إذ تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى احتمال وجود ما بين 8 آلاف و10 آلاف جثمان لا تزال مدفونة تحت الأنقاض.

وقالت نهال أبو حسن، وهي من أعضاء فريق برنامج الأغذية العالمي: «الركام في بعض المناطق لا يمثل مجرد أنقاض بالنسبة إلى الناس، بل يمثل حياتهم وذكرياتهم بالكامل. وفي بعض الحالات، قد تكون هناك جثامين لا تزال تحت الركام، ولهذا فإن إزالته قضية شديدة الحساسية بالنسبة إلى الأسر والمجتمعات».

وتعمل الجهات الأممية بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر على تحديد أماكن وجود الجثث وترتيب أولويات انتشالها.

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمرها القصف الإسرائيلي في شمال قطاع غزة (رويترز)

قنابل غير منفجرة ومبانٍ مهددة بالانهيار

وتواجه فرق إزالة الأنقاض خطر الذخائر غير المنفجرة المنتشرة بين الركام وعلى الطرق. ولذلك تنسق فرق الأمم المتحدة مع الجهات المختصة بإزالة الألغام ومنظمات دولية لتحديد المناطق الخطرة ووضع علامات تحذيرية قبل بدء العمل.

وإلى جانب خطر المتفجرات، قد تحتوي الأنقاض على مواد خطرة أخرى، بما في ذلك مادة الأسبستوس، التي يمكن أن تشكل خطراً صحياً جسيماً عند استنشاق أليافها، في حين تشكل المباني المتضررة جزئياً خطراً إضافياً، إذ قد تنهار بصورة مفاجئة بعد عودة السكان إليها.

إعادة تدوير الركام لسد احتياجات السكان

مع صعوبة إدخال المعدات ومواد البناء إلى القطاع، بدأت الجهات الأممية في إعادة استخدام الركام بدلاً من التخلص منه بالكامل. ويجري فرز الأنقاض لإزالة المعادن وقضبان الحديد، ثم تُكسّر الكتل الخرسانية إلى أحجام أصغر لاستخدامها في إصلاح الطرق وردم الحفر ورفع الخيام والملاجئ عن مياه الأمطار والصرف الصحي.

ويعتمد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على سبع كسارات صخور موجودة أصلاً في غزة، بسبب عدم القدرة على إدخال معدات جديدة.

وقالت نهال أبو حسن: «لا يمكن مقارنة هذه المواد بالمواد الطبيعية المستخدمة عادةً في رصف الطرق. جودتها أقل، ومن الصعب التعامل معها، لكن لا يوجد بديل. هذه الحلول فرضها علينا الواقع الذي نعيشه».


إسرائيل تمحو الذاكرة السياسية لجنوب لبنان بتدمير البيوت الأثرية

دارة يوسف بك الزين في كفر رمان (أرشيف سعد الزين)
دارة يوسف بك الزين في كفر رمان (أرشيف سعد الزين)
TT

إسرائيل تمحو الذاكرة السياسية لجنوب لبنان بتدمير البيوت الأثرية

دارة يوسف بك الزين في كفر رمان (أرشيف سعد الزين)
دارة يوسف بك الزين في كفر رمان (أرشيف سعد الزين)

لم يمنع القصف اليومي لمحيط مدينة النبطية وبلدة كفر رمان من أن تطلق عائلة آل الزين ورشة لترميم «ما تستطيع ترميمه» من منزل يوسف بك الزين الذي تضرر بفعل غارات إسرائيلية مكثفة قبل أشهر. يرى أحفاد أشهر عائلة سياسية في النبطية أن الحفاظ على الإرث هو فعل تحدٍّ لإسرائيل التي تمحو الآثار والذكرى من الأرض، وتسعى للقضاء على المنازل التاريخية ذات العمارة الخاصة والبيوت السياسية والمعالم الحضرية والتاريخية في جنوب لبنان بكافة أشكالها.

منزل عبد العزيز الزين قبل تدميره (أرشيف سعد الزين)

وخلال الحربين الواسعتين اللتين شنتهما إسرائيل على جنوب لبنان، قضت الغارات والتفجيرات على عشرات المعالم التراثية، وطالت البيوت السياسية التي توثق بعمارتها ومكتباتها حقبات من تاريخ جبل عامل السياسي في القرنين الماضيين. ففي مدينة النبطية وحدها، دمر القصف الإسرائيلي 147 منزلاً يتراوح عمرها بين 80 سنة و110 سنوات، وبعضها توسع من منازل بُنيت قبل 200 عام، وهي ممتلكات تراثية عائدة لزعامات محلية، ووزراء ونواب مروا في النبطية ومحيطها خلال العقود الماضية. كما شمل التدمير بيوتاً سياسية في محيط النبطية، من بينها دارة آل الأسعد في بلدة الطيبة، وجُرِفَ معها الكثير من البيوت القديمة، بحسب ما يقول ناشطون محليون، منها مثلاً دارة خليل العبدالله في الخيام، أحد أبرز القيادات التاريخيّة في المنطقة، والتي شُيدت عام 1862.

منزل عبد العزيز الزين: دور ثقافي

منزل يوسف بك الزين، الذي أصيب بأضرار كبيرة جداً بفعل القصف الإسرائيلي، يكاد يكون من آخر المعالم التراثية والشواهد العمرانية المتبقية في منطقة النبطية، بعد تدمير دارة عبد العزيز الزين التي تحولت في السنوات الماضية إلى حاضرة ثقافية في المنطقة، ووسّعها نجله الدكتور سعد الزين لإحياء النشاطات الثقافية والشعبية.

يقول الدكتور سعد الزين لـ«الشرق الأوسط»: «منزل عائلتي (دارة عبد العزيز الزين) يتجاوز عمره الثمانين عاماً. دمرت غارة إسرائيلية المنزل بشكل كامل، وقضت على كل معالمه ليست العمرانية فقط، بل على دور المنزل الثقافي». وشرح الطبيب أن المنزل كان مساحة لاستضافة وإقامة نشاطات ثقافية واجتماعية منذ عام 2000 على الأقل، وكان أنشأ فيه متحفاً صغيراً يوثق تاريخ جبل عامل، وقد «صار مقصداً ثقافياً في المنطقة»، ثم خضعت الدارة لتوسعة لجهة الحدائق والديوانية، وهي من جوهر البناء الجنوبي في لبنان، وباتت معروفة في السنوات الأخيرة بـ«منزل سعد الزين».

منزل عبد العزيز الزين بعد تدميره (أرشيف سعد الزين)

وإثر قصف المنزل الكبير أصيبت «دارة آل الزين» الملاصقة بأضرار بدورها. تلك الدارة كانت مركز زعامة سياسية واجتماعية تمتد لأكثر من مائة عام، وأُنشئت (الدارة) قبل 150 عاماً، وسكنها الوالي العثماني في القرن التاسع عشر قبل أن تنتقل ملكيتها إلى آل الزين، ويسكنها يوسف بك الزين.

المدافن لم تسلم

كان الزين دخل الندوة البرلمانية بعد إعلان لبنان الكبير في عام 1924، وباتت عائلته إحدى أبرز العائلات السياسية في جبل عامل في القرن الماضي، ولم ينقطع تمثيلها في البرلمان حتى عام 2018.

يقول الدكتور سعد الزين: «دارة يوسف بك الزين تضررت بشكل فادح، وطالت الأضرار السقف والساحة ومدافن العيلة، بما فيها مدفن يوسف بك. الآن نعمل على ترميم المنزل بشكل حثيث وسريع، ليعود صالحاً ويبقى شاهداً على حقبة سياسية، بالنظر إلى أن العائلة هي من العائلات المؤسسة في جبل عامل، وحاضرة على المستوى الثقافي والتنموي والمجتمعي، وهو دور متواصل ومستمر معي ومع عمي». ويرى الزين أن القضاء على البيوت السياسية والمعالم الحضرية والتاريخية «يستهدف محو الآثار والذكرى من الأرض كي يقطع اللبناني العلاقة ببيته وأرضه وإرثه».

دارة آل العبدالله في الخيام قبل تدميرها... وشُيدت في الداخل ضمن طراز حجر «العقد» (متداولة)

تدمير متعمَّد وممنهج

تجمع الفعاليات الثقافية والاجتماعية في مدينة النبطية على أن ما جرى خلال حربَي 2024 و2026 هو عملية «تدمير ممنهج للذاكرة من دون أي مبرر فعلي»؛ فالقصف والتدمير المركّز لبيوت عريقة تقف تاريخياً على النقيض السياسي مع «حزب الله»، ينفي ما يزعمه الجيش الإسرائيلي من أن القصف يطول منشآت الحزب ومقراته فقط.

وكان لافتاً جداً في هذا السياق تدمير منزل مؤسس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي» النائب السابق حبيب صادق في بلدة الكفور، الواقعة غرب النبطية.

ويعدّ صادق من أشهر الناشطين السياسيين والثقافيين في الجنوب، وكان عضواً في البرلمان في دورة عام 1992، وكان من أبرز المؤرخين للانتهاكات الإسرائيلية بحق الجنوب منذ أربعينيات القرن الماضي، وشجع على إصدار مؤلفات تبناها «المجلس الثقافي»، وجمع في مسيرته تجربة سياسية، إضافة إلى كونه أديباً وشاعراً ومفكراً.

منزل عدنان الشريف في النبطية قبل تدميره (أرشيف كامل جابر)

مخطوطات توثق الانتهاكات

يقول رئيس فرع النبطية في «المجلس الثقافي» كامل جابر لـ«الشرق الأوسط»: «بعد تدمير منزل حبيب صادق في مدينة الخيام في عام 1977، ووقوع المنطقة تحت الاحتلال حتى عام 2000، واضطرار العائلة للإقامة بين بيروت ومدينة النبطية، كان هناك إصرار لدى العائلة على بناء منزل خارج المدينة يشبه منازل الجنوبيين؛ بمعنى أن يكون فيه حديقة تحيط بها أشجار الصنوبر، وتزهر فيها الورود».

منزل حبيب صادق بعد تدميره بغارة إسرائيلية في أغسطس 2026 (متداولة)

ويضيف جابر: «اهتم صادق بديوانية في أسفل المنزل، أودع فيها الكثير من مخطوطاته التي كان يقدمها عبر برامج إذاعية متعددة، وكتابات من الستينيات والسبعينيات، وأنشأ مكتبات ضخمة في الديوانية تتضمن كتباً ومخطوطات وسائر الإرث الثقافي»، مشيراً إلى أن صادق «كان من أبرز الفعاليات الثقافية التي ألّفت ونشرت إصدارات وكتباً عن الجنوب، تؤرخ الانتهاكات وأشكال الاحتلال الإسرائيلي للجنوب، سواء من المطامع بالمياه أو الجغرافيا أو غيرهما، وأصدر دراسات تظهر الإساءة للجنوب عبر الاحتلال».

صورة غير مؤرخة لحبيب صادق في جلسة مع أصدقائه (متداولة)

ومن هذا الجانب، يرى جابر أن استهداف المنزل «هو استهداف لحبيب صادق ودوره وإرثه ومسيرته»، مستبعداً أي أبعاد أمنية لاستهداف المنزل «المغلق والذي يتفقده حارس بشكل يومي».

محو إرث معماري وسياسي

يمثل هذا التدمير جزءاً من خطة القضاء على الإرث الحضري والعمراني والسياسي في مدينة النبطية. بعد حرب عام 2024 نشأت مبادرة من فعاليات المدينة الثقافية، شاركت فيها جمعيات أهلية بالتعاون مع البلدية، لتوثيق المباني التراثية التي دمّرها القصف الإسرائيلي، وتم تحديثها قبل أسبوعين فقط من الكتابة. وتوصل الإحصاء إلى تدمير 147 منزلاً تدميراً كاملاً بحيث لم يبقَ إلا عدد قليل جداً من تلك المنازل.

قصر محمد الفضل في حي الراهبات بالنبطية (أرشيف كامل جابر)

وفي حرب عام 2026 تم تدمير ما تبقى من منزل فضل الفضل في منطقة المنشية، وهو منزل يعود بناؤه إلى أواخر القرن الماضي، وأشرف على تصميمه مهندس مصري، وزاره الجنرال غورو في عشرينيات القرن الماضي إثر زيارته إلى الجنوب عندما كان المفوض السامي الفرنسي في لبنان.

أما منزل النائب السابق محمد بك الفضل، فقد دمرت الغارات التي أصابت محيطه أجزاء كثيرة منه في 2024، وهو منزل يبلغ من العمر مائة وسنتين. ويقول كامل جابر، الذي يوثق الذاكرة عبر جمعية أهلية في النبطية، إن من اشترى المنزل اتخذ قراراً بإعادة ترميمه.

دارة الطبيب بهجت الميرزا في النبطية (أرشيف كامل جابر)

القضاء على الذاكرة الثقافية

ينظر أبناء النبطية إلى أن التدمير يستهدف العمارة التي تؤشر إلى الإرث الثقافي والذاكرة الاجتماعية والسياسية والحضرية للمكان. في النبطية مثلاً، دمرت الغارات الإسرائيلية بشكل كامل دارة الوزير والنائب الراحل رفيق شاهين، كذلك منزل سعيد شاهين والد النائبين والوزيرين غالب وفهمي شاهين. إضافة إلى ذلك، تبرز منازل كانت تعتبر تحفة عمرانية، مثل قصر الدكتور بهجت الميرزا الذي كان يُصنف من أجمل البيوت؛ كون واجهاته كانت تحتوي على منحوتات بالحجر الصخري، وكان الميرزا من أوائل الأطباء في النبطية في القرن العشرين الذين فتحوا منازلهم لتقديم الطبابة للسكان.

دارة سعيد شاهين والد غالب وفهمي شاهين التي دُمرت بالكامل في مدينة النبطية (أرشيف كامل جابر)

كذلك، دُمر منزل محمود شاهين في عام 2026. وهذا المنزل كان بمنزلة مدرسة في القرن الماضي، وهو من البيوت التي بُنيت على آثار بيوت قديمة كانت بُنيت قبل مائتَي عام.

وفي 6 سبتمبر (أيلول) 2026 قضت غارة إسرائيلية على منزل الدكتور عدنان الشريف، وهو تحفة عمرانية شُيّدت قبل مائة عام، كما تم تدمير منزل النائب السابق أنور الصباح، والد مدير شركة «الصباح للإنتاج التلفزيوني» صادق الصباح، وهو منزل بُني على تلة مدينة النبطية مطلع التسعينيات، في حين بقيت دارة العائلة في مدينة النبطية صامدة. كما دمرت الغارات «مستشفى غندور»، أحد أبرز المستشفيات التي قدمت خدمات طبية لمنطقة النبطية خلال فترة الاحتلال منذ الثمانينيات.

حرب على التاريخ

لم تكتفِ الغارات الإسرائيلية بتدمير المنازل والقصور، بل شملت المعالم الأثرية في الجنوب؛ فقد تعرضت سوقٌ تعود إلى العصر المملوكي في مدينة النبطية لقصفٍ عنيف أدى إلى تدمير جزء منها. واقتُلِع تاجٌ من أعلى عمود أثري في موقع مُدرَج على قائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) في مدينة صور الساحلية في جنوب لبنان. كما دُمِّر موقع ديني يحمل اسم «شمعون الصفا»، يرتاده المسلمون والمسيحيون على حد سواء في بلدة شمع الجنوبية، كما تم تدمير قلعة شمع الصليبية.

إضافة إلى ذلك، تغيب أي معلومات عن «العين الفوقا» في بلدة الطيبة التي دُمر محيطها في ساحة البلدة، وهي عين لتجميع الماء بُنيت على شكل حلزوني، وتتضمن عناصر معماريّة تتقاطع مع نماذج تعود إلى الحقبتين الرومانيّة والبيزنطيّة، وخضعت لترميم في الحقبة العثمانية.

العين الأثرية في بلدة الطيبة (متداولة)

وقال وزير الثقافة غسان سلامة في تصريح لـ«رويترز» في الشهر الماضي، إن بلدات تاريخية خارج نطاق المنطقة المذكورة تعرضت لغارات جوية مكثفة، من بينها صور والنبطية. وأوضح أن القصف العنيف طال بلدة تبنين، ما أثار مخاوف من أن تكون أضرار لحقت بالقلعة الصليبية هناك. وتابع: «التراث ليس فقط الآثار الرومانية والفينيقية، التراث هو أيضاً الأبنية التراثية، الأماكن الأثرية، الأبنية ذات الوظيفة الثقافية». وأعرب سلامة عن خشيته من أن تمحو الحملة الإسرائيلية تماماً قروناً من التاريخ اللبناني.

وعبَّرت «اليونيسكو» في بيان عن قلقها إزاء وضع مدينة صور، المدرجة على قائمة التراث العالمي والخاضعة للحماية المعززة من قبل المنظمة. وقالت أيضاً إنها «تشعر بقلق بالغ» حيال تقارير تفيد بدمار لحق بقلعة شمع بجنوب لبنان، ووقوع معارك قرب قلعة الشقيف، منددة بما وصفته بـ«هجمات غير قانونية على الممتلكات الثقافية».


العراق يتسلّم المقر الرئيسي للقوات الأميركية في مطار بغداد

أحد عناصر الشرطة العراقية في بغداد (إ.ب.أ)
أحد عناصر الشرطة العراقية في بغداد (إ.ب.أ)
TT

العراق يتسلّم المقر الرئيسي للقوات الأميركية في مطار بغداد

أحد عناصر الشرطة العراقية في بغداد (إ.ب.أ)
أحد عناصر الشرطة العراقية في بغداد (إ.ب.أ)

صرح الناطق الرسمي رئيس خلية الإعلام الأمني بالعراق الفريق سعد معن، بأن تسلم العراق المقر الرئيسي للقوات الأميركية في مطار بغداد الدولي، والاتفاق مع تركيا على انسحاب القوات العسكرية التركية من قاعدة بعشيقة في محافظة نينوى، يؤكدان إمكانية استمرار التعاون الأمني مع الشركاء الدوليين على أساس الاحترام المتبادل وبما يحفظ استقلال القرار العراقي.

وقال معن، في تصريحات لوسائل إعلام حكومية، اليوم (الاثنين): «إن الحكومة باتت صاحبة الكلمة العليا والقرار الخالص في تحديد طبيعة الوجود العسكري والأمني على أراضي البلاد».

وأضاف أن «تعزيز سيادة العراق ووحدة أراضيه إلى جانب إدارته المستقلة لملفه الأمني يشكلان الدعامة الأساسية لاستقرار البلاد ودفع عجلة علاقتها الإقليمية والدولية نحو آفاق أرحب من التعاون المثمر»، وفقاً لما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

ومن المنتظر أن يطوي العراق في الـ30 من الشهر الحالي، صفحة التعاون مع التحالف الدولي لدعم العراق في محاربة «داعش»، وإنهاء هذا الوجود للقوات القتالية، والانتقال إلى علاقات ثنائية تقوم على أساس اتفاقيات ثنائية مع بعض دول التحالف، لدعم برامج التسليح وتدريب القوات الأمنية ورفع جاهزيتها في مواجهة التحديات.