مخاوف أزمة سياسية جديدة تضع اقتصاد فرنسا في مهب الريح

تضرُّر الأصول جراء احتمال خسارة الحكومة في تصويت مفاجئ على الثقة

رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو يتحدث في مؤتمر صحافي لتقديم إرشادات الموازنة في 25 آغسطس (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو يتحدث في مؤتمر صحافي لتقديم إرشادات الموازنة في 25 آغسطس (إ.ب.أ)
TT

مخاوف أزمة سياسية جديدة تضع اقتصاد فرنسا في مهب الريح

رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو يتحدث في مؤتمر صحافي لتقديم إرشادات الموازنة في 25 آغسطس (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو يتحدث في مؤتمر صحافي لتقديم إرشادات الموازنة في 25 آغسطس (إ.ب.أ)

تزداد المخاوف في فرنسا من دخولها في دوامة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، مع تصويت حاسم على الثقة قد يؤدي إلى سقوط حكومة الأقلية بقيادة رئيس الوزراء فرنسوا بايرو. ومع تراجع الأسواق المالية وارتفاع تكاليف الاقتراض، يلوح في الأفق شبح أزمة اقتصادية جديدة، الأمر الذي دفع وزير المالية الفرنسي نفسه إلى التحذير من خطر تدخل محتمل لصندوق النقد الدولي في حال انهيار الحكومة. يكشف هذا المشهد عن تحديات عميقة تواجهها فرنسا، حيث يجد بايرو نفسه في مواجهة جبهة معارضة موحَّدة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، مما يضع مصير خططه المالية الطموحة على المحك.

وكان رئيس الوزراء فرنسوا بايرو، فاجأ البلاد، يوم الاثنين، بإعلانه أنه طلب من الرئيس إيمانويل ماكرون عقد جلسة نيابية استثنائية في الثامن من سبتمبر (أيلول) للتصويت على الثقة بحكومته، وذلك على خلفية تقليص موازنته، البالغ 43.8 مليار يورو. وقال يوم الاثنين: «إذا لم تكن هناك أغلبية، فستسقط الحكومة». وهو ما أثار صدمةً قبل أسبوعين من موعد عودة النواب إلى العمل.

رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا بايرو يغادر بعد مؤتمر صحافي لتقديم إرشادات الموازنة (إ.ب.أ)

يُراهن بايرو على أن المُشرِّعين سيتفقون على الأقل على أن الوضع المالي المُزري في فرنسا بحاجة إلى تصحيح، لكن يبدو أن الحظوظ مُتقاربة ضدّ هذا الوسطي المُخضرم. وقد تعهد قادة كلٍّ من حزب «فرنسا المُتمردة» اليساري المتطرف، وحزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، بمَن فيهم مارين لوبان، بدعم إسقاط الحكومة. ولكي يبقى رئيس الوزراء في منصبه، يحتاج إلى تصويت الاشتراكيين لدعم حكومته بدلاً من الامتناع عن التصويت، وهو احتمال استبعده زعيم الحزب أوليفييه فور في مقابلة مع صحيفة «لوموند». ولا يزال حزب «يسار الوسط» غاضباً من بايرو بعد انهيار محادثات إصلاح نظام التقاعد في وقت سابق من هذا العام. حتى إن جان لوك ميلينشون، من حزب «فرنسا المتمردة» اليساري المتشدد، ذهب إلى أبعد من ذلك، قائلاً إن على الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه أن يرحل. وكتب ميلينشون على منصة «إكس»: «يجب على إيمانويل ماكرون الرحيل. إنه المسؤول عن الأزمة».

مؤسس حزب «فرنسا المتمردة» الفرنسي اليساري جان لوك ميلينشون يلقي كلمة خلال أحد مؤتمرات الحزب الصيفية (أ.ف.ب)

كان من المتوقع أن يواجه بايرو تصويتاً على الثقة في وقت لاحق من العملية التشريعية. وبدعوته إلى هذا التصويت قبل العودة الرسمية للبرلمان الفرنسي إلى العمل، وقبل يومين فقط من الإغلاق الوطني المقرر في 10 سبتمبر، اختار بايرو فعلياً التعجيل بمصيره ومواجهة خطر انهيار الحكومة بشكل مباشر، وفق موقع «بوليتيكو».

وكشف بايرو، الشهر الماضي، عن خطط إنفاق طموحة للعام المقبل تهدف إلى خفض عجز موازنة 2026 إلى 4.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ومنع انهيار اقتصادي على غرار ما حدث في اليونان. وأثار أحد مستشاري الحكومة احتمال وضع فرنسا تحت إشراف صندوق النقد الدولي، أو «الترويكا» وهي المؤسسات الثلاث التي فرضت إجراءات التقشف خلال أزمة منطقة اليورو، إذا لم تُتخذ أي إجراءات.

ويوم الثلاثاء، لمَّح وزير المالية الفرنسي، إريك لومبارد، إلى وجود خطر يَفرض على صندوق النقد الدولي التدخل في الاقتصاد في حال سقوط حكومة بايرو. وصرّح لومبارد لإذاعة «فرنس إنتر»: «نحن في خضمّ المعركة». وأضاف أنه «ليس مستسلماً على الإطلاق» لخسارة حكومة بايرو تصويت الثقة.

وزير المالية الفرنسي إريك لومبارد (أ.ف.ب)

وعندما سُئل عن تعليقات سياسيين آخرين بأن انهيار حكومة بايرو قد يؤدي إلى اضطرار صندوق النقد الدولي إلى التدخل في الشؤون المالية لفرنسا، أجاب لومبارد: «هذا خطر واقع أمامنا». وأضاف: «إنه خطر نود تجنبه، وخطر يجب علينا تجنبه، لكن لا أستطيع الجزم بأنه غير موجود».

وأوضح لومبارد أن الحكومة لا تزال تأمل في التوصُّل إلى اتفاق في اللحظة الأخيرة مع المعارضة، ولكن من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، أوضح قادة الأحزاب أن ذلك غير مرجح.

ردة فعل الأسواق

وقد تسبَّبت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الاقتراض الفرنسية لـ10 سنوات إلى 3.53 في المائة، مقتربة من أعلى مستوى لها بعد أزمة منطقة اليورو، الذي سُجِّل في مارس (آذار). وبلغ سعر الفائدة الإضافي على سندات الخزانة الألمانية القياسية نحو 0.8 نقطة مئوية، قريباً من ذروته خلال الأزمة السياسية العام الماضي.

وانخفض مؤشر «كاك 40» للأسهم القيادية في البلاد بنسبة 2.2 في المائة في التعاملات المبكرة يوم الثلاثاء، مضافاً إليه انخفاض بنسبة 1.5 في المائة يوم الاثنين. قال بيتر شافريك، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي الأوروبي في «آر بي سي كابيتال ماركتس» لصحيفة «فاينانشال تايمز»: «الخطر الذي يلوح في السوق هو أنه في حال سقوط الحكومة مجدداً، سيدخل البلد في حالة جمود تام، ولن تكون هناك أي فرصة لمعالجة العجز».

كما تضرَّرت الأسهم المحلية بشكل خاص. وانخفضت أسهم بنك «سوسيتيه جنرال» الفرنسي بنسبة 3.5 في المائة.

وشهدت الأزمة السياسية المتصاعدة في فرنسا تقارب تكاليف اقتراضها مع تكاليف اقتراض إيطاليا في الأشهر الأخيرة، لأول مرة منذ الأزمة المالية العالمية. وقال وزير المالية الفرنسي إن تكاليف اقتراض فرنسا ستتجاوز تكاليف اقتراض إيطاليا «في غضون 15 يوماً» إذا خسرت الحكومة التصويت. صباح الثلاثاء، ضاقت الفجوة أكثر، حيث انخفض عائد سندات الحكومة الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى 0.1 نقطة مئوية فقط أقل من عائد سند الحكومة الإيطالية.

وصرَّح نيكولاس ترينداد، كبير مديري المحافظ الاستثمارية في شركة «أكسا» لإدارة الاستثمارات، بأنه يتوقع أداءً أضعف من أداء سندات الحكومة الفرنسية، لأن «احتمال انهيار الحكومة قد ارتفع بشكل حاد، حيث أشارت أحزاب المعارضة الرئيسية إلى أنها ستصوت ضد حكومة بايرو». وأضاف أن تنصيب رئيس وزراء جديد «لن يغير الحسابات البرلمانية»، لذا فإن أي ضبط مالي حقيقي «سيظل صعب التنفيذ للغاية». وقال إن إجراء انتخابات مبكرة «سيُعرض اليمين المتطرف لخطر الحصول على أغلبية مطلقة هذه المرة».


مقالات ذات صلة

احتجاجات الطلاب تهز فرنسا قبل الرئاسيات

أوروبا جانب من المواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن في باريس يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)

احتجاجات الطلاب تهز فرنسا قبل الرئاسيات

اتهم رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، الثلاثاء، اليسار الراديكالي بالسعي إلى إثارة الفوضى قبل الانتخابات الرئاسية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تقرير إخباري طلاب المدارس الثانوية الفرنسية يتجمعون أمام مدرسة ليسيه صوفي جيرمان الثانوية في باريس (رويترز)

تقرير إخباري من الإنفاق السخي إلى «قنبلة الديون»... فرنسا أمام اختبار مالي وسياسي حاسم

تجد فرنسا نفسها أمام واحدة من أصعب أزماتها المالية منذ عقود، بعدما تحوّلت سنوات الإنفاق الحكومي المرتفع إلى عبء متزايد على المالية العامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)

خاص فرنسا أمام ثلاثية صعبة: اقتصاد متعثر وديون وشارع غاضب

بين اقتصاد يكاد يتوقف عن النمو، ومالية عامة تستنزفها الديون، وشارع يستعيد لغة الاحتجاج، تجد فرنسا نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد.

ميشال أبونجم (باريس)
الاقتصاد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره المخيم الصيفي «مختبر الجمهورية» في مدينة سينس جنوب شرق باريس في 29 أغسطس (أ.ف.ب)

فرنسا أمام معركة موازنة 2027... السندات عند أعلى مستوياتها منذ 2008

دخلت فرنسا أسبوعاً حاسماً على الصعيدين المالي والسياسي، مع اجتماع رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو وحكومته لبحث موازنة عام 2027.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تحليل إخباري الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحضور مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرفه في قصر الإليزيه (أرشيفية - أ.ف.ب)

تحليل إخباري فرنسا أمام معركة مالية محفوفة بالمخاطر قبل الانتخابات الرئاسية

تواجه فرنسا في الأشهر المقبلة واحدة من أكثر معارك الموازنة تعقيداً في السنوات الأخيرة، مع استعداد حكومة رئيس الوزراء لطرح موازنة 2027 أمام برلمان منقسم.

«الشرق الأوسط» (باريس)

انخفاض عوائد السندات الألمانية مع توجُّه المستثمرين إلى الملاذات الآمنة

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

انخفاض عوائد السندات الألمانية مع توجُّه المستثمرين إلى الملاذات الآمنة

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

انخفضت عوائد السندات الحكومية الألمانية (Bunds)، المعيار المرجعي لمنطقة اليورو، يوم الخميس، مع توجه المستثمرين إلى الأصول الآمنة عقب تراجع حاد في أسهم التكنولوجيا، بالتزامن مع انخفاض مماثل في عوائد سندات الخزانة الأميركية.

وتعرضت أسهم التكنولوجيا لضغوط بيعية قوية، فيما شهدت أسواق الائتمان اضطرابات، مع اصطدام الرهانات المكثفة على مراكز البيانات وغيرها من البنى التحتية للذكاء الاصطناعي بواقع صعب في ظل ارتفاع أسعار الفائدة.

وانخفض عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المعيار المرجعي في منطقة اليورو، بمقدار 6.5 نقطة أساس إلى 3.40 في المائة. وتراوحت هذه العوائد بين 3.40 و3.50 في المائة تقريباً منذ بداية الشهر الحالي.

وفي أسواق السلع، تراجعت أسعار النفط بأكثر من 1 في المائة، وسط موازنة المستثمرين بين مخاطر الإمدادات والجهود الأميركية الرامية إلى خفض تكاليف شحن النفط من خلال تخفيف العقوبات المفروضة على ما يُعرف بـ«الأسطول الموازي» (Shadow Fleet).

كما انخفض عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، بمقدار 4 نقاط أساس إلى 3.06 في المائة.

وتشير تسعيرات أسواق المال إلى توقعات بارتفاع سعر الفائدة على الودائع إلى 3.21 في المائة بحلول أواخر عام 2027، مقارنة بمستواه الحالي البالغ 2.50 في المائة، وإلى 2.73 في المائة بحلول ديسمبر (كانون الأول).

وفي سوق السندات الأوروبية، استقر فارق العائد بين السندات الفرنسية (OATs) والسندات الألمانية عند نحو 142 نقطة أساس، بعدما بلغ 158.67 نقطة أساس في أوائل أكتوبر (تشرين الأول)، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2011.

أما فارق العائد بين السندات الإيطالية ونظيرتها الألمانية، فاتسع بمقدار 3 نقاط أساس إلى 111 نقطة أساس، بعدما بلغ 129.74 نقطة أساس في وقت سابق من هذا الشهر، وهو أوسع مستوى له منذ أبريل (نيسان) 2025.


هل تعيد مخاوف الذكاء الاصطناعي السندات الحكومية إلى دور الملاذ الآمن؟

كلمتا «الذكاء الاصطناعي» و«إيه آي» ولوحة مفاتيح ويد روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
كلمتا «الذكاء الاصطناعي» و«إيه آي» ولوحة مفاتيح ويد روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

هل تعيد مخاوف الذكاء الاصطناعي السندات الحكومية إلى دور الملاذ الآمن؟

كلمتا «الذكاء الاصطناعي» و«إيه آي» ولوحة مفاتيح ويد روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
كلمتا «الذكاء الاصطناعي» و«إيه آي» ولوحة مفاتيح ويد روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

دفع الاستيقاظ المفاجئ والمؤلم من حالة الهوس بالذكاء الاصطناعي، التي غذّتها التمويلات القائمة على الديون، المستثمرين إلى التخارج من الأسهم والتوجه نحو السندات الحكومية، التي تبدو أنها تستعيد مكانتها ملاذاً آمناً وأداةً للتحوط من تقلبات أسواق الأسهم والائتمان.

وعلى مدى معظم فترات العام، لم توفر السندات سوى حماية محدودة؛ إذ دفعت الضغوط التضخمية تكاليف الاقتراض إلى مستويات لم تشهدها منذ عقود، مما دفع المستثمرين إلى البحث بحذر عن بدائل استثمارية أخرى، مثل صناديق التحوط وتنويع الأصول، وفق «رويترز».

لكن يوم الأربعاء، حدث ما لم يكن متوقعاً؛ إذ سجلت سندات الخزانة الأميركية وغيرها من السندات الحكومية ارتفاعاً حاداً، رغم صدور بيانات أميركية أظهرت أن التضخم جاء أعلى من المتوقع، مما أبقى احتمال رفع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة خلال العام قائماً.

ويتمثل مصدر القلق الأكبر لدى المستثمرين حالياً في مدى قدرة الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد في وقت قريب، لا سيما في ظل ارتفاع التضخم، فضلاً عن المدة التي ستظل فيها الشركات قادرة على تأمين التمويل في ظل تكاليف رأس المال الحالية.

وفي الوقت نفسه، بدأت أسواق الائتمان تظهر مؤشرات على تصاعد الضغوط، مع وصول تكلفة التأمين ضد تعثر بعض الشركات المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي إلى مستويات قياسية.

وقال براشانت نيوناها، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في مؤسسة «تي دي سيكيوريتيز»: «إن المفاجأة المتمثلة في ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك الأميركي، وما أعقبها من صعود في أسعار السندات، يتعارضان تماماً مع المنطق المعتاد».

وأضاف: «التفسير الأكثر منطقية هو أن التراجع في قطاع الذكاء الاصطناعي يؤدي إلى خفض توقعات النمو، مما يجعل السندات أداة للتحوط من تراجع الأسهم».

ويوم الخميس، انخفض العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بمقدار 8.4 نقطة أساس إلى 5.105 في المائة، مسجلاً أدنى مستوى له في ثلاثة أسابيع، ومتراجعاً عن أعلى مستوى له منذ 24 عاماً، الذي بلغه في الأسبوع السابق. كما انخفض العائد على السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات بمقدار 6.5 نقطة أساس إلى 2.93 في المائة، وهو أدنى مستوى له منذ 10 سبتمبر (أيلول). وارتفعت العقود الآجلة للسندات الألمانية (Bunds) والفرنسية (OATs) بنسبة 0.7 في المائة.

وتراجعت التوقعات بشأن اتخاذ إجراءات نقدية وشيكة، بعدما قالت ماري دالي، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، إن الحاجة إلى مزيد من رفع أسعار الفائدة تظل قائمة، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى عدم وجود ضرورة لاتخاذ أي إجراء خلال اجتماع 27 و28 أكتوبر (تشرين الأول).

لافتة تحمل عبارة «الذكاء الاصطناعي» خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي الصين (رويترز)

تراجع زخم الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي

يبقى السؤال المطروح أمام المستثمرين، الذين لا يزالون يشعرون بالقلق إزاء التقلبات الحادة في أسعار الفائدة، هو ما إذا كانت الأصول التي تضررت جراء ارتفاع مستويات الدين السيادي والتضخم قادرة على توفير ملاذ آمن في حال شهدت أسواق الأسهم مزيداً من التراجع.

وكانت عوائد سندات الخزانة الأميركية قد سجلت أكبر ارتفاع فصلي لها منذ عام 1994 خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول).

وقال داميان بوي، استراتيجي المحافظ الاستثمارية في شركة «ويلسون لإدارة الأصول» في سيدني: «بدأ الارتباط بين السندات والأسهم يتفكك بوضوح. ففي العادة، تحقق أسهم النمو أداءً جيداً عندما تنخفض عوائد السندات، لكن ما حدث الليلة الماضية هو أن الأداء الضعيف لأسهم النمو دفع المستثمرين إلى التوجه نحو السندات باعتبارها ملاذاً آمناً، مما أدى بدوره إلى انخفاض عوائدها».

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، خفّض معهد «بلاك روك للاستثمار» تصنيفه للأسهم الأميركية إلى «محايد»، مشيراً إلى التقلبات المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي، في حين رفع تصنيفه لسندات الخزانة الأميركية، مع تفضيل السندات قصيرة الأجل.

وتزايدت حدة موجة التراجع خلال الأيام الماضية، في ظل تصاعد مخاوف المستثمرين بشأن الإنفاق على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتركزت عمليات البيع في أسواق الأسهم العالمية على أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، التي قادت صعود الأسواق إلى مستويات قياسية خلال السنوات الأخيرة. وفي كوريا الجنوبية، هبط مؤشر «كوسبي»، وهو المؤشر الأهم الذي يعبر عن ثورة الذكاء الاصطناعي، بنسبة 8 في المائة، مسجلاً خسائر للجلسة السابعة على التوالي.

كما انخفض مؤشر «فيلادلفيا لأشباه الموصلات» بنسبة 4.3 في المائة يوم الأربعاء، مسجلاً تراجعاً للجلسة السادسة على التوالي، في أطول سلسلة خسائر له منذ مايو (أيار) 2025.

وقال كينيث غوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في شركة «يو أو بي كيه هيان»: «بدأ المستثمرون يميزون بين شركات الذكاء الاصطناعي التي تتمتع بتدفقات نقدية قوية، وتلك التي تعتمد على الديون لتمويل توسعاتها».

وأضاف أن «هذه الموجة قد تمتد أيضاً إلى قطاع الائتمان الخاص». وتُتداول أسهم الشركات التي تقرض شركات التكنولوجيا والاستثمار الجريء بخصومات كبيرة، بينما قد يدفع تزايد الحذر لدى المقرضين إلى إبطاء وتيرة التوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، قبل ظهور أي حالات تعثر في السداد.

وشهد سهم شركة «كور ويف»، المشغّلة لمراكز البيانات، عمليات بيع مكثفة بشكل خاص هذا الأسبوع. وكانت الشركة قد أصدرت سندات بقيمة 22 مليار دولار، إلى جانب قروض بقيمة 26 مليار دولار، وفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن.

وقالت أرمينا روزنبرغ، مديرة المحافظ الاستثمارية في شركة «مينوتور كابيتال»: «يُوجَّه جزء كبير من الإنفاق إلى شركات تقترض لشراء قدرات الحوسبة وتأجيرها لمختبرات الذكاء الاصطناعي، التي لا تحقق حتى الآن أرباحاً كافية لتغطية تكاليفها».

وأضافت: «عندما تصل عوائد سندات (كور ويف) إلى 15 في المائة، يبدأ المستثمرون في التساؤل عما إذا كان العملاء النهائيون سيحققون أرباحاً كافية لمواصلة سداد التزاماتهم خلال السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة».


«تي إس إم سي» التايوانية تسجل أرباحاً قياسية للربع السادس على التوالي

شعار شركة «تي إس إم سي» خلال مؤتمر إعلان نتائج الربع الثاني في تايبيه (رويترز)
شعار شركة «تي إس إم سي» خلال مؤتمر إعلان نتائج الربع الثاني في تايبيه (رويترز)
TT

«تي إس إم سي» التايوانية تسجل أرباحاً قياسية للربع السادس على التوالي

شعار شركة «تي إس إم سي» خلال مؤتمر إعلان نتائج الربع الثاني في تايبيه (رويترز)
شعار شركة «تي إس إم سي» خلال مؤتمر إعلان نتائج الربع الثاني في تايبيه (رويترز)

أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة (تي إس إم سي) أكبر شركة في العالم لتصنيع الرقائق المتطورة المستخدمة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، يوم الخميس، تحقيق أرباح قياسية للربع السادس على التوالي، مدفوعة بزيادة الإنفاق على البنية التحتية التكنولوجية.

ويشير المحللون إلى استمرار قوة الطلب على قدرات الشركة في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تقنيتها المتقدمة لتغليف الرقائق، المعروفة باسم «CoWoS».

ودفع هذا الزخم الشركة، التي تُعد الأعلى قيمة سوقية في آسيا والمورد الرئيسي لشركتي «إنفيديا» و«أبل»، إلى مستويات قياسية جديدة، إذ بلغت قيمتها السوقية نحو تريليوني دولار، أي ما يقرب من ضعف القيمة السوقية لمنافستها الكورية الجنوبية «سامسونغ للإلكترونيات».

وقالت «تي إس إم سي» إن صافي أرباحها خلال الربع الممتد من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول) بلغ 763.1 مليار دولار تايواني (23.59 مليار دولار أميركي)، بزيادة نسبتها 69 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، متجاوزاً متوسط توقعات المحللين البالغ 746.3 مليار دولار تايواني، وفقاً لتقديرات «إل إس إي جي سمارت استيميت»، التي تستند إلى آراء 16 محللاً.

وأغلقت أسهم «تي إس إم سي» المدرجة في بورصة تايبيه منخفضة بنسبة 2 في المائة يوم الخميس، قبيل إعلان النتائج، بينما تراجع المؤشر الرئيسي للسوق بنسبة 3.4 في المائة.

وتمثل هذه النتائج أعلى أرباح فصلية تحققها الشركة على الإطلاق، كما تشكل الربع الحادي عشر على التوالي الذي تسجل فيه نمواً في أرباحها. وكانت الشركة قد أعلنت، الأسبوع الماضي، ارتفاع إيراداتها في الربع الثالث بنسبة 50 في المائة على أساس سنوي، متجاوزة توقعات السوق ومسجلة مستوى قياسياً جديداً.

وتستثمر «تي إس إم سي» 265 مليار دولار في بناء مصانع لإنتاج الرقائق في ولاية أريزونا الأميركية، بما في ذلك استثمار إضافي بقيمة 100 مليار دولار كُشف عنه في يوليو.

وفي سبتمبر، ذكرت «رويترز» أن الشركة تدرس استثماراً محتملاً في ولاية تكساس. كما قال إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، الأسبوع الماضي، إن شركاته ستتولى بناء مجمع «تيرافاب» لإنتاج رقائق الذكاء الاصطناعي وتشغيله، مع احتمال أن تستأجر «تي إس إم سي» جزءاً من منشآته.

وخلال مؤتمر إعلان النتائج في يوليو، رفعت الشركة تقديراتها للنفقات الرأسمالية للعام الحالي إلى نطاق يتراوح بين 60 ملياراً و64 مليار دولار، مقارنة بتوقعات سابقة تراوحت بين 52 ملياراً و56 مليار دولار في حدها الأعلى.

من جهتها، قالت شركة «إيه إس إم إل»، أكبر شركة في العالم لتصنيع المعدات المستخدمة في إنتاج أشباه الموصلات المتقدمة ورقائق الذكاء الاصطناعي، يوم الأربعاء، إن عملاءها بدأوا بالفعل تقديم طلبات لعامي 2029 و2030، في إشارة إلى استمرار الطلب طويل الأجل، ما خفف المخاوف بشأن احتمال تراجع زخم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

وارتفعت أسهم «تي إس إم سي» المدرجة في بورصة تايبيه بنسبة 57 في المائة منذ بداية العام، بما يتماشى مع مكاسب السوق التايوانية ككل، التي بلغت 62 في المائة.