لماذا تُكرر إسرائيل استهداف مجمع ناصر الطبي في غزة؟

المشفى الوحيد الذي يعمل بكل أقسامه جنوب القطاع

TT

لماذا تُكرر إسرائيل استهداف مجمع ناصر الطبي في غزة؟

فلسطينيون يفرون عقب غارة جوية إسرائيلية استهدفت مجمع ناصر الطبي في خان يونس جنوب قطاع غزة الاثنين (إ.ب.أ)
فلسطينيون يفرون عقب غارة جوية إسرائيلية استهدفت مجمع ناصر الطبي في خان يونس جنوب قطاع غزة الاثنين (إ.ب.أ)

عادت القوات الإسرائيلية مجدداً لاستهداف مجمع ناصر الطبي الواقع في غرب خان يونس جنوب قطاع غزة، وهو الأمر الذي تكرر لأكثر من مرة منذ بدء الحرب الإسرائيلية على القطاع قبل عامين تقريباً، لكنها قتلت هذه المرة 20 شخصاً بينهم 5 صحافيين.

وقتل الجيش الإسرائيلي، في غارته على مجمع ناصر الطبي، صباح الاثنين، 5 صحافيين منهم مصورة الشقيقة «إندبندنت عربية» الزميلة مريم أبو دقة، فضلاً عن زملاء آخرين متعاونين مع وكالتي «رويترز» و«أسوشييتد برس»، وقناة «الجزيرة».

ويعد مجمع ناصر الطبي المنشأة الطبية الوحيدة التي يعمل جميع أقسامها في منطقة جنوب القطاع منذ عدة أشهر، وذلك بعد أن أخرجت الغارات الإسرائيلية مستشفى غزة الأوروبي الواقع شرق خان يونس عن العمل من جديد في أعقاب عملية عسكرية استهدفته.

دفع نحو التهجير

وتسعى إسرائيل إلى دفع معظم سكان غزة إلى النزوح نحو أقصى الجنوب قرب رفح المتاخمة للحدود المصرية لإحكام سيطرتها على غالبية مناطق القطاع وتهجير الفلسطينيين.

وتتواجد فعلياً القوات الإسرائيلية على بعد نحو 2 إلى 3 كيلومترات على أبعد تقدير من مجمع ناصر الطبي، الأمر الذي يطرح العديد من الأسئلة حول مزاعمها المتكررة بأنها تقصف أهدافاً مشبوهة، وهو أمر أكدته وسائل إعلام عبرية نقلاً عن مصادر عسكرية بزعم أن «هجوم الاثنين» نُفذ بسبب «رصد حركة مشبوهة».

اغتيالات في الغرف الطبية

منذ بدء الحرب، تعرض المجمع الطبي الأكبر في جنوب قطاع غزة لقذائف مدفعية وإطلاق نار من قبل الدبابات والطائرات المسيّرة الإسرائيلية خلال العمليات البرية التي كانت تنفذها في المدينة خلال هذه الحرب؛ ما أدى لمقتل العديد من الفلسطينيين بينهم سيدة حامل بعد استهداف قسم الولادة فيه نهاية عام 2023.

فلسطينيون أصيبوا خلال تلقي مساعدات غذائية من منظمة مدعومة أميركياً وإسرائيلياً يتلقون العلاج على أرض مجمع ناصر الطبي في خان يونس 19 يوليو الماضي (أ.ب)

كما اقتحمت القوات الإسرائيلية مجمع ناصر الطبي في شهر فبراير (شباط) 2024، وحولته إلى ثكنة عسكرية، حققت فيها مع الأطباء والممرضين والمرضى من الجرحى وغيرهم ممن تبقوا داخله بعد حصاره لأكثر من شهر في تلك الفترة.

وتسببت تلك العملية بإخراج المشفى عن الخدمة، ثم انسحبت القوات الإسرائيلية بعد تخريبه في نهاية شهر مارس (آذار) 2024، قبل أن يعاد تأهيله تدريجياً من قبل وزارة الصحة بغزة، ومنظمة الصحة العالمية وجهات دولية، واستأنف عمله بشكل شبه كامل بداية عام 2025.

لكن في شهر مارس الماضي، وجهت إسرائيل طائرة انتحارية نحو غرفة طبية داخل مجمع ناصر الطبي، استهدفت إسماعيل برهوم عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» والذي كان يعاني من جروح خطيرة بعد استهدافه قبل أيام من ذلك الهجوم في خيمة شمال خان يونس، ما أدى لمقتله حينها واثنين من مرافقيه أحدهما كان مصاباً في المحاولة الأولى ذاتها.

ومع تجدد العمليات الإسرائيلية في خان يونس، منذ شهر مايو (أيار) الماضي، وتعمق العمليات إلى وسط وأطراف غرب المدينة، أجبرت قوات الاحتلال السكان المقيمين قرب مجمع ناصر الطبي على النزوح، وصنفته منطقةً حمراء (أي منطقة عمليات) يمنع الوصول إليها، فيما طلبت من المجمع البقاء للعمل بشكل اعتيادي، ومع ذلك فقد طالته عدة قذائف وإطلاق نيران من الطائرات المسيّرة.

المشفى الوحيد

خلال فترات خروج مجمع ناصر الطبي عن العمل، كان مستشفى غزة الأوروبي يعمل بديلاً له، لكنه هو الآخر خرج عن الخدمة مرتين بفعل العمليات الإسرائيلية، آخرها قبل 3 أشهر، وما زال في منطقة توصف بأنها «عسكرية مغلقة».

فلسطينيون يتفقدون موقع غارة جوية للجيش الإسرائيلي على المستشفى الأوروبي في خان يونس مايو الماضي (أ.ب)

ويبدو أن قوات الاحتلال لا تنوي الانسحاب من نطاق مستشفى غزة الأوروبي كما أشارت تقارير في وسائل إعلام عبرية بذلك؛ بهدف إعادة تأهيله بالتعاون مع منظمات أممية لخدمة سكان مدينة غزة الذين سيتم إجبارهم على النزوح لاحقاً، كما ذكرت إذاعة الجيش الإسرائيلي، يوم السبت الماضي.

ومنذ شهر مايو الماضي، بعد خروج مستشفى غزة الأوروبي عن الخدمة، بات مجمع ناصر المشفى الوحيد المتكامل الذي يخدم بكل أقسامه سكان جنوب قطاع غزة، الذين يقدر عددهم بأكثر من 730 ألف نسمة، غالبيتهم نازحون من شرق المدينة، وجزء آخر من مناطق أخرى فيها، وسكان آخرون من رفح.

وتتواجد بعض المستشفيات الميدانية في منطقة مواصي خان يونس ومحيطها، إلا أن الخدمات فيها تعتبر أقل بكثير مما يقدمه مجمع ناصر الطبي.

مزاعم بلا إثبات

ومنذ بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تعمدت القوات الإسرائيلية استهداف مستشفيات قطاع غزة، منها مجمع الشفاء الطبي الأكبر في القطاع (شمال القطاع)، وغيره، بحجة أنها تستخدم من قبل «حماس» وأسفلها أنفاق.

مرضى الفشل الكلوي أمام مجمع الشفاء الطبي الذي تعرض لضربات إسرائيلية مدمرة في مدينة غزة يوم الأول من يوليو الماضي (أ.ب)

ولم تثبت إسرائيل مزاعمها سواء في مجمع ناصر الطبي أو مجمع الشفاء، ومستشفيات أخرى، فيما تبين أن هناك أنفاقاً تجاور مستشفى غزة الأوروبي شرق خان يونس واغتيل فيها خلال شهر مايو الماضي، القائد البارز في «كتائب القسام»، محمد السنوار، الشقيق الأصغر لقائد «حماس» الراحل يحيى السنوار.


مقالات ذات صلة

المشرق العربي أنقاض مبانٍ دُمرت في القصف الإسرائيلي خلال عامين من الحرب... مدينة غزة يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)

مقتل 3 قياديين في «الجهاد الإسلامي» و«حماس» بغارات إسرائيلية على قطاع غزة

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأربعاء)، اغتيال قيادي في حركة «الجهاد الإسلامي» وقياديَين في حركة «حماس» في غارات على قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أطفال يمرون بجوار الخيام والملاجئ المؤقتة في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة أمس (أ.ف.ب) p-circle

عشرات القتلى والجرحى في القصف الإسرائيلي على غزة

أعلن مسؤولو الصحة في قطاع غزة، الأربعاء، مقتل 23 مواطناً وإصابة العشرات بنيران إسرائيلية، منذ فجر اليوم في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب الطفل الفلسطيني إياد أحمد نعيم الربايعة البالغ من العمر ثلاث سنوات والذي استشهد جراء قصف زورق حربي إسرائيلي على خيام النازحين في المواصي بخان يونس (د.ب.أ)

قتيلان أحدهما طفل عمره ثلاث سنوات بنيران الجيش الإسرائيلي في غزة

 قتل فلسطيني وأصيب آخرون، اليوم الاثنين، برصاص القوات الإسرائيلية شمال قطاع غزة، كما قتل طفل في خان يونس جراء قصف خيام النازحين جنوب القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا معبر رفح من الجانب المصري (رويترز)

تشغيل معبر رفح... اختبار ميداني لمسار «اتفاق غزة»

بعد نحو 3 أشهر من بدء اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تم الإعلان عن فتح الجانب الفلسطيني من معبر رفح الحدودي مع مصر، وسط تشديدات إسرائيلية بشأن آلية العبور.

محمد محمود (القاهرة )

فرنسا تحقق بعد ورود اسم دبلوماسي عمل بالأمم المتحدة في ملفات إبستين

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (إ.ب.أ)
TT

فرنسا تحقق بعد ورود اسم دبلوماسي عمل بالأمم المتحدة في ملفات إبستين

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (إ.ب.أ)

تحرّك وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو لفتح تحقيق بشأن دبلوماسي تواصل مع جيفري إبستين وأفاد مبعوث آخر بأنه خضع لتحقيق عندما كان في الأمم المتحدة للاشتباه بتصفحه مواقع إلكترونية تنشر مواد إباحية على صلة بالأطفال.

وتعد القضية المرتبطة بالدبلوماسي فابريس أيدان الأخيرة التي تهزّ فرنسا على وقع نشر وزارة العدل الأميركية ملفات جديدة على صلة بالتحقيق بشأن إبستين المدان بجرائم جنسية.

وقال بارو لشبكة «آر تي إل» اليوم (الأربعاء): «عندما علمت بالأمر شعرت بالهلع».

وأفاد، في منشور على «إكس»، أمس، بأنه سيحيل الاتهامات لأيدان إلى الادعاء العام وسيطلق تحقيقاً داخلياً بشأن «سكرتير الشؤون الخارجية» الذي قال إنه «حالياً في إجازة لأسباب شخصية ويشغل مناصب في القطاع الخاص».

عُثر على إبستين مشنوقاً في السجن عام 2019 بينما كان بانتظار محاكمة جديدة بتهم الاتجار الجنسي بقاصرات.

وأظهر بحث أجرته «وكالة الصحافة الفرنسية» في الملفات بأن أيدان تبادل رسائل البريد الإلكتروني مع إبستين منذ عام 2010 عندما كان الأول، بحسب تقارير في الإعلام الفرنسي، يعمل لدى الأمم المتحدة في نيويورك.

ويبدو في بعض الرسائل أن أيدان أرسل وثائق وتقارير من الأمم المتحدة إلى إبستين الذي أقر في 2008 بذنبه في تهمة حض قاصر على الدعارة وقضى 13 شهراً من عقوبة مدتها 18 شهراً.

وفي رسالة أخرى تعود إلى عام 2016، أرسل إبستين لأيدان رابطاً لمدونة عن إقالة الأمم المتحدة «دبلوماسياً فرنسياً شاباً» بعدما خلص تحقيق لمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) في 2013 إلى أنه تصفّح مواقع تتضمن انتهاكات جنسية للأطفال.

ونقل كل من موقع «20 مينتس» الإخباري و«ميديابارت» للتحقيقات، الثلاثاء، عن مصادر قولها إن هذا الرجل كان أيدان.

ولم تتمكن الوكالة بعد من الاتصال مع أيدان للحصول على تعليق. وبدا اليوم أنه حذف حسابه على «لينكد إن».

لكن جيرار أرو، ممثل فرنسا لدى الأمم المتحدة حينها، أفاد الوكالة بأنه أُبلغ «من جهاز الأمن في الأمم المتحدة بأن (إف بي آي) أرسل له تقريراً يفيد بأن أيدان دخل مواقع إلكترونية تنشر مواد إباحية متعلقة بالأطفال».

وأفاد أرو بأن التقرير كشف أنه تصفّح هذه المواقع «بشكل متكرر». وقال: «اتصلت فوراً بباريس وأمر بإعادة أيدان إلى فرنسا».

وذكر موقع «ميديابارت» أن أيدان عمل في الأمم المتحدة من عام 2006 حتى 2013.

وأكدت مجموعة «إنجي» التي عمل لديها مؤخراً، أمس، أنها أقالته.

ودفع نشر ملفات إبستين مؤخراً الوزير الفرنسي السابق جاك لانغ للاستقالة من رئاسة معهد العالم العربي في باريس.


مصادر درزية: ضغط أهلي يجبر «الحرس الوطني» على فتح طريق دمشق – السويداء

دخلت الأربعاء 11 قافلة مساعدات إنسانية إلى المحافظة من خلال منظمة الهلال الأحمر العربي السوري. وحملت القافلة إمدادات متنوّعة تشمل مواد غذائية أساسية ووقوداً عبر صهاريج مازوت بالإضافة إلى مستلزمات إيواء من فرشات وبطانيات (محافظة السويداء)
دخلت الأربعاء 11 قافلة مساعدات إنسانية إلى المحافظة من خلال منظمة الهلال الأحمر العربي السوري. وحملت القافلة إمدادات متنوّعة تشمل مواد غذائية أساسية ووقوداً عبر صهاريج مازوت بالإضافة إلى مستلزمات إيواء من فرشات وبطانيات (محافظة السويداء)
TT

مصادر درزية: ضغط أهلي يجبر «الحرس الوطني» على فتح طريق دمشق – السويداء

دخلت الأربعاء 11 قافلة مساعدات إنسانية إلى المحافظة من خلال منظمة الهلال الأحمر العربي السوري. وحملت القافلة إمدادات متنوّعة تشمل مواد غذائية أساسية ووقوداً عبر صهاريج مازوت بالإضافة إلى مستلزمات إيواء من فرشات وبطانيات (محافظة السويداء)
دخلت الأربعاء 11 قافلة مساعدات إنسانية إلى المحافظة من خلال منظمة الهلال الأحمر العربي السوري. وحملت القافلة إمدادات متنوّعة تشمل مواد غذائية أساسية ووقوداً عبر صهاريج مازوت بالإضافة إلى مستلزمات إيواء من فرشات وبطانيات (محافظة السويداء)

أجبر ضغط المجتمع المحلي في محافظة السويداء جنوب سوريا، «قوات الحرس الوطني»، على إعادة فتح طريق دمشق – السويداء، ذهاباً وإياباً أمام المدنيين والقوافل التجارية وشاحنات المساعدات الإنسانية، وفق مصادر محلية درزية.

جاء ذلك بعد أن أغلق «الحرس الوطني» التابع لشيخ العقل حكمت الهجري الطريق لمدة أربعة أيام ومنع المدنيين في السويداء من التوجه إلى دمشق؛ الأمر الذي أثار «استياءً عاماً» بين أهالي السويداء، لأنه تسبب في تزايد تفاقم الأزمة الاقتصادية والمعيشية في المحافظة وتعطّل مصالح الأهالي.

وأكدت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، أن حافلات نقل المدنيين توجهت صباح الأربعاء، من مدينة السويداء إلى دمشق، بينما دخلت الحافلات وقوافل شاحنات المساعدات القادمة من دمشق إلى السويداء.

وأظهرت مقاطع فيديو بثتها وسائل إعلام محلية عودة الحركة المرورية للسيارات المدنية وحافلات نقل المدنيين على الطريق في الاتجاهين ذهاباً وإياباً، ومقاطع أخرى لقافلة مساعدات مؤلفة من 31 شاحنة تحمل مساعدات إنسانية و502 طن من الدقيق وهي متجهة إلى مدينة السويداء. وأكدت شبكة «الراصد» الإخبارية، وصول شاحنات الطحين إلى السويداء، والبدء بتوزيعها على الأفران.

المصادر المحلية الدرزية، وفي تصريحها، ذكرت أنه ليس لديها حتى الآن معلومات دقيقة عن خلفيات موافقة «الحرس الوطني» على إعادة فتح الطريق، لكنها أعربت عن اعتقادها بأن الأمر تم نتيجة «الضغط الأهلي الداخلي والتجار على الهجري وجماعته بعد تزايد تفاقم الأزمة الاقتصادية والمعيشية في مدينة السويداء، خصوصاً انقطاع مادة الطحين وتوقف الأفران، إضافة إلى حدوث مشاكل كبيرة أخرى بسبب إغلاق الطريق».

محافظ السويداء مصطفى البكور (سانا)

محافظ السويداء، مصطفى البكور، شكر المجتمع المَحلّي والنقابات في السويداء على موقفهم الوطني المسؤول، والجريء بالضغط المتواصل لدفع «اللجنة الغير قانونية» وما يُسمى «الحرس الوطني» لفتح الطريق أمام المدنيين ورفع المعاناة عنهم.

وأكد البكور في منشور على حساب المحافظة في «تلغرام»، تطلعه إلى أن يظلَّ للمجتمع المَحلّي في السويداء صوته الحرّ وكلمته الشجاعة في مواجهة كل ما يمسّ مصالح أبناء المحافظة أو يعرّض كرامتهم وحقوقهم للخطر.

وأغلق «الحرس الوطني» ومساء السبت الماضي معبر «أم الزيتون» على طريق دمشق – السويداء، ومنع خروج المدنيين من المحافظة ذات الأغلبية الدرزية إلى العاصمة السورية، بما في ذلك الطلاب الجامعيين والمسافرين، وذلك عقب مقتل أربعة مدنيين من قرية المتونة بريف السويداء الشمالي. وقد أعلنت السلطات السورية أنها أوقفت عنصراً في قوى الأمن الداخلي للاشتباه به في إطلاق النار على الضحايا.

مصادر محلية في السويداء لـ«الشرق الأوسط»، أكدت أن إغلاق الطريق أثار موجة «استياء عام» في أوساط الأهالي؛ لأنه تسبب في حدوث أزمة خبز خانقة، وارتفاعاً خيالياً في عموم الأسعار، إضافة إلى تعطّل مصالح الكثيرين، وتعريض مستقبل الطلاب الجامعيين للخطر بمنعهم كباقي المدنيين من الخروج إلى دمشق لتقديم الامتحانات.

وزيرا خارجية الأردن وسوريا والمبعوث الأميركي توم برّاك خلال مؤتمر صحافي بدمشق أعلنت فيه «خريطة طريق السويداء» في سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)

وتوجهت الاتهامات «الحرس الوطني»، بـ«الاستثمار» في عملية قطع الطريق، عبر احتكاره للمواد الأساسية إذ ارتفع سعر لتر البنزين من 10 آلاف إلى أكثر من 40 ألف ليرة سورية.

وبما يدلل على صحة الاتهامات، نقلت مواقع إلكترونية عن مصادر خاصة، ليل الاثنين، أن عدداً من سائقي القوافل التجارية تعرَّضوا للاعتداء بالضرب والشتائم ذات الطابع الطائفي، من قِبل عناصر تابعة لـ«الحرس الوطني» على حاجز أم الزيتون.

وعلى أثر الحادث، أوقفت قوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية السورية مرور القوافل التجارية مؤقتاً؛ حفاظاً على سلامة السائقين في ظل الوضع الأمني المتوتر.

استعراض عسكري لمقاتلين من «الحرس الوطني» بمدينة السويداء 26 سبتمبر 2025 (متداولة)

ويسيطر الهجري و«الحرس الوطني» على أجزاء واسعة من السويداء، ضمن السعي لما أسموه «دولة باشان» التي يخططون لإقامتها في المحافظة بدعم من إسرائيل، بعد رفضهم «خريطة الطريق» التي تم الإعلان عنها من دمشق بدعم أميركي وأردني سبتمبر (أيلول) الماضي، وكذلك مبادرات للحل أطلقها لاحقاً المحافظ البكور.

وحسب مصادر درزية محلية مطلعة، «لا يزال الهجري متمسكاً بمواقفه»، على الرغم من الموقف الدولي والإقليمي الداعم بقوة لموقف الحكومة السورية والرافض لمشاريع الانفصال والتقسيم، كذلك النجاح الكبير، الذي حققه الجيش الحكومي السوري في شمال وشرق البلاد بمواجهة «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، وتفكيك «الإدارة الذاتية» التي أقامها الأكراد هناك.

وشددت المصادر على أن «لا خيار أمامنا سوى التوجه لدمشق، وأي توجه أخر لا أمل فيه، ومن يراهن على الانفصال، رهانه خاسر غير قابل للحياة».


«أغروهم بالمال للرجوع إلى مصر»... صدمة إسرائيلية من العائدين إلى غزة

TT

«أغروهم بالمال للرجوع إلى مصر»... صدمة إسرائيلية من العائدين إلى غزة

فلسطيني يحمل طفلة بينما يصل الفلسطينيون القادمون من معبر رفح الحدودي إلى مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 9 فبراير الحالي (رويترز)
فلسطيني يحمل طفلة بينما يصل الفلسطينيون القادمون من معبر رفح الحدودي إلى مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 9 فبراير الحالي (رويترز)

أكدت مصادر سياسية وحقوقية في تل أبيب أن السلطات الإسرائيلية مصدومة من العدد الهائل من الفلسطينيين الراغبين بالعودة إلى قطاع غزة (نحو 80 ألفاً)، رغم ما حل به من دمار؛ ووفق تقارير إسرائيلية، وشهادات لبعض العائدين، فإن «إجراءات عقابية قاسية يتم تنفيذها ضدهم»، وكذلك «تم عرض فكرة الحصول على أموال للرجوع إلى مصر، أو التخابر مع السلطات الإسرائيلية».

وقالت هذه المصادر إن السلطات الإسرائيلية «تُعد للعائدين سلسلة محطات تعذيب، تصل إلى حد تعصيب عيونهم، ووضع الأغلال في أيديهم، وشتمهم، وتهديدهم، وتسليمهم لعناصر في الميليشيات الفلسطينية المسلحة التابعة لها، والذين يمارسون بحقهم التعذيب.

وتوجه «مركز عدالة» القانوني وجمعية «غيشاه»، وكل منهما مسجل في إسرائيل بوصفهما جمعيتين قانونيتين، إلى كل من وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، والمدعي العام العسكري، العقيد إيلي لبرتوف، والمستشارة القانونية للحكومة، غالي بهرا ميارا، يطلبان إصدار أوامر للجيش الإسرائيلي بالتوقف عن إساءة معاملة الراغبين في العودة إلى قطاع غزة.

فلسطينيون يحملون أغراضاً لأقربائهم الذين عادوا إلى خان يونس عقب فتح معبر رفح 5 فبراير الحالي (أ.ب)

وجاء في الرسالة، التي وقع عليها المحاميان محمد عوض ومنى حداد، أن «هدف إساءة معاملة العائدين هو منع المزيد من الفلسطينيين من العودة إلى القطاع».

احتجاز قسري مع الميليشيات

ويبدو أن السكان العائدين قد تم احتجازهم بشكل قسري من قبل ميليشيات مسلحة تعمل بتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، وتعرضت حياتهم وسلامتهم للخطر، وخضعوا لتحقيقات أمنية مطولة، وهو شرط لعبورهم.

وتشير الشهادات وسلوك الجيش إلى أن هذه الإجراءات لم تهدف فقط إلى إهانة السكان العائدين، بل أيضاً تخويف الذين يريدون العودة إلى قطاع غزة.

مرضى وجرحى فلسطينيون في حافلة استعداداً لمغادرة قطاع غزة لتلقي العلاج عبر معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر في 8 فبراير الحالي (أ.ف.ب)

وبحسب أقوال المحاميين، فإن هذا السلوك مخالف لالتزام إسرائيل بالقانون الدولي. إذ إن الإعلان الدولي لحقوق الإنسان ينص على أن «كل شخص له الحق في مغادرة أي دولة، بما في ذلك دولته، والعودة إليها. هذا الحق مكفول بعدة معاهدات وقعت عليها إسرائيل، بما في ذلك التعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية، والسياسية، واتفاق جنيف، واتفاق مناهضة جريمة الفصل العنصري، وميثاق روما».

وفتح معبر رفح بعد فترة طويلة من الإغلاق أمام حركة مرور محدودة في الاتجاهين، في إطار تنفيذ المرحلة الثانية في اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

رحلة العودة عبر 6 محطات

وقد حاولت إسرائيل فرض معادلة تجعل عدد المغادرين قطاع غزة يفوق عدد العائدين؛ إلا أن مصر رفضت ذلك، واعتبرته محاولة تكريس لخطة تهجير الفلسطينيين، وأصرت على أن يكون عدد المغادرين مساوياً لعدد العائدين.

ووفقاً لبيان صادر عن قوة المراقبة الأوروبية الموجودة في المعبر، فإنه حتى يوم الأحد الماضي عبر 284 شخصاً، نصفهم ذهبوا إلى مصر لتلقي العلاج الطبي الملح، والنصف الثاني دخلوا إلى القطاع.

وحسب إفادات الشهادات التي أدلى بها العائدون، فإنهم يضطرون إلى عبور ست محطات هي: مصر، والسلطة الفلسطينية، وممثلون عن الاتحاد الأوروبي و«ميليشيا أبو شباب» التي تعمل برعاية ودعم إسرائيل، وجنود الجيش الإسرائيلي.

ويمتد مسار رحلة العودة 15 كيلومتراً، يبدأ من معبر رفح، وينتهي عند مستشفى ناصر في خان يونس. وحتى الآن، بدت رحلة متعبة قد تستغرق، حسب الشهادات، تقريباً 24 ساعة، وأحياناً أكثر من ذلك، وتشمل التحقيق، والتأخير، والتهديد، والإهانة، والقيود على إدخال الأموال، والأغراض.

والمعاناة الكبرى تكون عند انتهاء الإجراءات على المعبر، وتبدأ عملية الدخول إلى القطاع؛ فهناك تسيطر إسرائيل.

وبحسب شهادات نشرتها صحيفة «هآرتس» اليوم الأربعاء، فإنهم يركبون الحافلات نحو نقطة تفتيش تابعة للجيش الإسرائيلي، والتي تبعد 5 كيلومترات عن شارع صلاح الدين، لكنهم لا يصلون إلى نقطة التفتيش مباشرة، بل يتم توقيفهم في البداية من قبل أعضاء «ميليشيات أبو شباب»، والتي يعتبرها الفلسطينيون مرتزقة مسلحة خاضعة لإسرائيل.

وقد أثار التعاون معها في السابق انتقادات شديدة، حتى من قادة الجيش الإسرائيلي أنفسهم، وفي الأسبوع الماضي أكد مصدر أمنى للصحيفة أن أعضاء الميليشيا يرافقون الغزيين الداخلين إلى القطاع.

وحسب شهادات، ومقاطع مصورة، فإن أعضاء الميليشيا يرافقون الغزيين إلى نقطة التفتيش التي أقامها جيش الاحتلال على مفترق صلاح الدين – موراغ.

مرضى وجرحى فلسطينيون في حافلة استعداداً لمغادرة قطاع غزة لتلقي العلاج عبر معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر في 8 فبراير الحالي (أ.ف.ب)

وقد جمع مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أدلة تفيد بأن المسلحين كبلوا أيدي بعض الغزيين العائدين للقطاع، وقاموا بعصب عيونهم، وتهديدهم، إضافة إلى ذلك جاء أن أعضاء الميليشيا قاموا بتفتيش أمتعة العائدين، وسرقوا ممتلكاتهم الشخصية، وأموالهم.

وتؤكد الصحيفة أن عناصر «أبو شباب» يقومون بتسليم العائدين إلى غزة للجيش الإسرائيلي في نقطة تفتيش تم إنشاؤها حديثاً على الشارع الرئيس، ويسميها الجيش «نكاز رغافيم»، وتوجد في هذه النقطة منذ فترة طويلة قاعدة عسكرية إسرائيلية كبيرة نسبياً، ويستغرق المرور في تلك النقطة بضع ساعات.

هل تأخذون أموالاً وتعودون؟

وبحسب الشهادات التي جمعتها الأمم المتحدة بشأن ما حدث عند نقطة تفتيش الجيش الإسرائيلي، فإن العائدين تحدثوا عن نمط من العنف، والتحقيق المهين، والتفتيش الجسدي المهين، وفي بعض الحالات كانت عيونهم معصوبة، وأيديهم مكبلة.

سيدة فلسطينية أصيبت في يناير 2024 بالرصاص وسافرت إلى مصر للعلاج تجلس مع زوجها وأطفالها في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين شمال غزة في 8 فبراير الحالي بعد عودتها إلى القطاع (أ.ف.ب)

وأفادوا أيضاً بأن الجنود منعوهم من الحصول على العلاج عند حاجتهم إلى ذلك، وحتى من استخدام المراحيض، وجاء أيضاً أن بعض العائدين قالوا إنهم تم سؤالهم إذا كانوا سيوافقون على أخذ الأموال للعودة إلى مصر مع عائلاتهم، وعدم العودة إلى القطاع.

كما شهد آخرون بأنه تم عرض الأموال عليهم كي يصبحوا متخابرين مع الجيش الإسرائيلي.

وبعد عملية التفتيش في تلك المحطة يركب العائدون الحافلات بمرافقة أعضاء برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وعقب ذلك، تجتاز الحافلات الخط الأصفر الفاصل بين القوات الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية الخاصة بسيطرة «حماس»، ومن هناك إلى مستشفى ناصر في خان يونس.