«غوغل» تكشف عن منهجية شاملة لقياس الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي

بيانات دقيقة تكشف حجم الطاقة والكربون والمياه

أظهرت بيانات «جيميناي» أن الاستعلام الواحد يستهلك طاقة ومياهاً وانبعاثات أقل بكثير من التقديرات السابقة (غيتي)
أظهرت بيانات «جيميناي» أن الاستعلام الواحد يستهلك طاقة ومياهاً وانبعاثات أقل بكثير من التقديرات السابقة (غيتي)
TT

«غوغل» تكشف عن منهجية شاملة لقياس الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي

أظهرت بيانات «جيميناي» أن الاستعلام الواحد يستهلك طاقة ومياهاً وانبعاثات أقل بكثير من التقديرات السابقة (غيتي)
أظهرت بيانات «جيميناي» أن الاستعلام الواحد يستهلك طاقة ومياهاً وانبعاثات أقل بكثير من التقديرات السابقة (غيتي)

يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره إحدى أكثر التقنيات التحويلية في القرن الحادي والعشرين، لكنه يطرح في المقابل تساؤلات ملحّة حول تكلفته البيئية. فمع انتقال النماذج من ملايين إلى تريليونات المعاملات، تتضاعف الموارد اللازمة لتشغيلها؛ من طاقة وكربون ومياه، لتُصبح موضع نقاش عالمي.

كم من الكهرباء يستهلك استعلاماً واحداً؟ وما حجم الانبعاثات الكربونية الناتجة؟ وكم من المياه تُسحب من موارد محلية تعاني أصلاً ضغوطاً بيئية؟

حتى وقت قريب، كانت الإجابات متناقضة، بين تقديرات مثيرة للذعر وأخرى متفائلة أكثر من اللازم. لكن يبدو أن «غوغل» خطت خطوة مهمة نحو الشفافية، إذ كشفت في جلسة مستديرة هذا الأسبوع، حضرتها «الشرق الأوسط»، عما وصفته بأشمل منهجية حتى الآن لقياس الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي. الجلسة جمعت كلاً من بارثا رانغاناثان نائب الرئيس وزميل هندسي لدى «غوغل»، وسافانا غودمان رئيسة مختبرات «غوغل» للطاقة المتقدمة، وبين تاونسند رئيس قسم البنية التحتية والاستدامة لدى «غوغل». وركزت على الأرقام الحقيقية لعائلة «جيميناي» من النماذج، ضمن إطار يطمح إلى إرساء معايير موحّدة للصناعة.

بارثا رانغاناثان نائب الرئيس وزميل هندسي لدى «غوغل» (غوغل)

من الوعد إلى المسؤولية

في بداية النقاش، أوضح رانغاناثان أن «الذكاء الاصطناعي في (غوغل) ليس جديداً، بل هو جزء من كل منتجات الشركة»، ويعد أنه مع تضخم حجم النماذج إلى تريليونات المعاملات، يزداد معها العبء الحاسوبي وكذلك المسؤولية البيئية، وشبّه الموقف الراهن بالمخاوف التي رافقت بدايات البحث على الإنترنت، وأضاف: «عندما ظهرت محركات البحث لأول مرة، كان هناك قلق من استهلاكها المفرط للطاقة. لكن (غوغل) استجابت بتركيز على الكفاءة، ومع الوقت تراجعت تلك المخاوف. نحن الآن في مرحلة مشابهة مع الذكاء الاصطناعي».

الأرقام خلف استعلامات «جيميناي»

البيانات التي كشفتها الشركة أظهرت صورة أوضح. فالاستعلام الوسيط في «جيميناي» يستهلك 0.24 واط/ساعة من الطاقة، ويصدر عنه 0.03 غرام من مكافئ ثاني أكسيد الكربون. وللتقريب، تعادل هذه الأرقام كمية الكهرباء اللازمة لمشاهدة التلفاز لمدة تقل عن تسع ثوانٍ.

تعلّق سافانا غودمان قائلة: «هذه النتائج أقل بكثير من عدة تقديرات عامة. والأهم أن (غوغل) نجحت خلال الأشهر الـ12 الماضية في خفض استهلاك الطاقة لكل استعلام بمقدار 33 مرة، وتقليل البصمة الكربونية بمقدار 44 مرة، مع تحسين جودة الاستجابات». هذه القفزات لم تكن نتاج تحسينات طفيفة، بل نتيجة ما تسميه «غوغل»، «النهج الكامل المتكامل» (Full-Stack Approach)، الذي يغطي العتاد والبرمجيات والبنية التحتية.

سافانا غودمان رئيسة مختبرات «غوغل» للطاقة المتقدمة (غوغل)

لماذا تهم المنهجية؟

أحد أبرز أسباب التضارب في النقاش العام هو غياب إطار موحد للقياس. كثير من الدراسات تركّز على استهلاك الشرائح أثناء العمليات الحسابية النشطة فقط، لكنها تتجاهل الديناميكية الكاملة للنظام.

توضح غودمان أن منهجية شركتها تأخذ في الحسبان الطاقة الديناميكية للنظام كاملاً، بما في ذلك الأجهزة الخاملة اللازمة للموثوقية، واستخدام وحدة المعالجة المركزية والذاكرة، إلى جانب استهلاك مراكز البيانات من تبريد وتوزيع للطاقة. من دون هذه العناصر، تكون الصورة ناقصة ومتفائلة أكثر من اللازم.

من خلال نشر هذه المنهجية، تهدف «غوغل» ليس فقط إلى إظهار تقدمها، بل أيضاً إلى دفع الصناعة نحو توحيد المعايير. وكما قال رانغاناثان: «مع قوة الحوسبة الكبيرة تأتي مسؤولية بيئية كبيرة، والمسؤولية تبدأ بالشفافية».

المياه... البعد المُغفل

رغم أن الطاقة والكربون يستحوذان عادة على الأضواء، فإن استهلاك المياه في مراكز البيانات يمثل بُعداً لا يقل أهمية. فحسب «غوغل»، يستهلك الاستعلام الوسيط في «جيميناي» 0.26 ملليلتر فقط من المياه، أي ما يعادل خمس قطرات. وأوضح بين تاونسند أن الحديث عن المياه لا يمكن فصله عن الطاقة والكربون في سياق إدارة مراكز البيانات.

وتعتمد استراتيجية «غوغل» على هدف تعويض 120 في المائة من المياه العذبة، بما يعني إعادة كمية تفوق ما تستهلكه، إلى جانب استخدام المياه المعاد تدويرها أو غير الصالحة للشرب في ربع مقراتها، وإجراء دراسات هيدرولوجية محلية لتحديد الأنسب بين التبريد بالمياه أو الهواء. كما يشير تحليل الشركة إلى أن المراكز المبردة بالمياه تقلل استهلاك الطاقة، بالتالي الانبعاثات بنسبة تصل إلى 10 في المائة مقارنة بالتبريد بالهواء.

لكن القضية لا تقتصر على البنية التحتية فقط. فحسب ما كشفه متحدث باسم «غوغل»، كثيراً ما تكتشف الشركة أثناء تقييماتها لمخاطر المياه أن بعض الموارد المتاحة عبر أطراف محلية غير مستدامة بيئياً، ما يجعل استخدامها غير ملائم. وأردف: «كثير من المجتمعات حول العالم، حتى في أوروبا الغربية، تفتقر إلى بيانات دقيقة عن صحة مستجمعات المياه. نحن نستكشف الآن كيف يمكن دمج خبرتنا في الهيدرولوجيا وإدارة الموارد المائية مع أدوات النماذج اللغوية الضخمة لمساعدة المجتمعات على فهم حجم مواردها المائية ومساراتها المستقبلية. «بهذا، تضع (غوغل) الذكاء الاصطناعي في موقع مزدوج: مستهلك للموارد من جهة، وأداة لإدارتها بشكل أكثر استدامة من جهة أخرى».

تناولت الجلسة أهمية إدارة استهلاك المياه في مراكز البيانات وربط الذكاء الاصطناعي بدور جديد كأداة لإدارة الموارد المائية (غيتي)

ميزة «النهج الكامل»

تشرح «غوغل» أن تحقيق هذه القفزات في الكفاءة لم يكن وليد خطوة واحدة، بل نتيجة استراتيجية متعددة المستويات تبدأ من العتاد وصولاً إلى البنية التحتية. فقد طورت الشركة وحدات معالجة خاصة «TPU»، بينها النسخة الأحدث «Ironwood» التي تعد أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة بمقدار 30 مرة مقارنة بالمعالجات التقليدية. وإلى جانب العتاد، اعتمدت الشركة على تقنيات مثل Accurate Quantized Training» (AQT)»، والتفسير التخميني لتقليل العبء الحسابي دون التأثير على الجودة.

أما تصميم النماذج فاعتمد على بنية (ترانسفورمر) «Transformer» ومفهوم (ميكستشر أوف إكسبيرتس) «Mixture-of-Experts» وآليات التفكير الهجين، ما سمح بتحقيق مكاسب في الكفاءة تصل إلى مائة مرة. وتضاف إلى ذلك آليات تشغيل مثل التجميع واسع النطاق والتحويل الفوري للأحمال لتقليل استهلاك الأجهزة الخاملة. أما على صعيد مراكز البيانات، فقد سجلت «غوغل» معدل كفاءة استخدام طاقة عالمي (PUE) يبلغ 1.09، وهو من الأفضل في القطاع. وتتكامل هذه الجهود مع أهداف تشغيل خالٍ من الكربون على مدار الساعة، وتعويض المياه العذبة، إلى جانب اتفاقات مرنة مع مزوّدي الطاقة في ولايات أميركية مثل إنديانا وتينيسي.

وكما قال رانغاناثان: «من الخرسانة إلى السحابة، كل طبقة من البنية التحتية إلى الرقائق إلى النماذج، تضيف مكاسب تدريجية. وعندما تجتمع، تصنع القفزات الكبيرة التي نشهدها».

مواجهة المخاوف

كثيراً ما يُصوَّر الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي بصورة مبالغ فيها، مع ادعاءات مثل أن «الاستعلام الواحد يعادل قيادة سيارة لمسافة 1000 ميل». لكن «غوغل» رفضت هذه المقارنات.

ويذكر رانغاناثان أن «البيانات تُظهر أن الانبعاثات الكربونية في الواقع صغيرة للغاية. نريد أن نستبدل الخوف بالحقائق».

وتضيف غودمان: «رغم أن استعلامات (جيميناي) محدودة الأثر، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي يتوسع بسرعة. لذلك يجب أن تسبق الكفاءة حجم الطلب. في تقرير الاستدامة مطلع العام، أظهرنا تحسناً في الكفاءة بنسبة 20 في المائة، وهو ما يساعدنا بالفعل على البقاء في الطليعة».

تُظهر تقديرات مستقلة أهمية خطوة «غوغل» في هذا التوقيت. فحسب بيانات بحثية (Graphic News 2023)، قد تصبح مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي مسؤولة عن نسبة متزايدة من الانبعاثات الكربونية عالمياً، مع احتمال أن تتجاوز بصمتها الكربونية قطاع الطيران في السنوات القليلة المقبلة. ففي عام 2023 مثّل الطيران نحو 2.5 في المائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون عالمياً، بينما ساهمت مراكز البيانات بنسبة أقل لكنها في مسار تصاعدي حاد.

اللافت أن «غوغل» لا تكتفي بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر كفاءة، بل توظفه أيضاً أداةً لتعزيز الاستدامة في قطاعات أخرى. وأوضح رانغاناثان أن الشركة تستخدم الذكاء الاصطناعي لنمذجة وتقليل «خطوط التكاثف» (Contrails) التي تشكلها الطائرات وتحتجز الحرارة، وقال: «يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة الطيارين على تجنّب المسارات التي تولد هذه السحب، ما يقلل من الأثر المناخي للطيران».

نحو معايير وتعاون

هل ستعتمد شركات أخرى منهجية «غوغل»؟ تجيب غودمان: «هذه هي المرة الأولى التي نعرض فيها منهجيتنا علناً. ردود الفعل الأولية كانت إيجابية، ونأمل أن يتم تبنيها عبر الصناعة والأوساط الأكاديمية».

ويضيف رانغاناثان: «لا يوجد اليوم إجماع على كيفية قياس البصمة البيئية للذكاء الاصطناعي. مساهمتنا هي تقديم منهجية شاملة وصارمة علمياً. ونأمل أن تُحفّز حواراً أوسع ومقاييس موحدة عبر القطاع».

لن يُقاس مستقبل الذكاء الاصطناعي فقط بذكاء مخرجاته، بل أيضاً باستدامة مدخلاته. وفي هذا السياق، ترسل «غوغل» رسالة واضحة: الكفاءة لم تعد خياراً، بل ضرورة.


مقالات ذات صلة

«غوغل» و«أبل» تبرمان صفقة ذكاء اصطناعي لنماذج جيميناي

تكنولوجيا باتت منصة «غوغل» للذكاء الاصطناعي «جيميناي» Gemini AI تضم 650 مليون مستخدم شهرياً (رويترز)

«غوغل» و«أبل» تبرمان صفقة ذكاء اصطناعي لنماذج جيميناي

أعلنت شركة «ألفابت» أنها أبرمت ​صفقة مدتها عدة سنوات مع شركة «أبل» تقضي باعتماد الجيل التالي من هواتف آيفون على ‌نماذج جيميناي التابعة ‌لـ«غوغل».

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
تكنولوجيا رجل يسير أمام شعار شعار «غوغل» (أ.ف.ب)

«غوغل» تزيل بعض ملخصات الذكاء الاصطناعي بسبب معلومات صحية زائفة

أزالت «غوغل» بعض ملخصاتها الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بعد أن كشف تحقيق عن تعرض المستخدمين لخطر الضرر بسبب معلومات خاطئة ومضللة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد يمثل انتعاش «ألفابت» في وول ستريت المرة الأولى منذ 2019 التي تتفوق فيها على «أبل» من حيث القيمة السوقية (رويترز)

«ألفابت» تتجاوز «أبل» وتصبح ثاني أكبر شركة في العالم

تجاوزت شركة «ألفابت»، الشركة الأم لـ«غوغل»، شركة «أبل» المصنعة لهواتف آيفون لتصبح ثاني أكبر شركة في العالم من حيث القيمة السوقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مطالب بحذف منصة «إكس» وروبوت الدردشة الآلية «غروك» المدمج بها (رويترز)

أعضاء بمجلس الشيوخ الأميركي يطالبون «أبل» و«غوغل» بإزالة منصة «إكس» بسبب صور جنسية

طالب 3 أعضاء ديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأميركي شركتي «أبل» و«غوغل» بإزالة منصة «إكس» وروبوت الدردشة الآلية «غروك» المدمج بها من متاجر التطبيقات الخاصة بهما.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا  عدد مستخدمي «جي ميل» يتراوح بين 1.5 مليار ومليارَي مستخدم (شاترستوك)

«غوغل» تتيح تغيير عنوان البريد الإلكتروني دون فقدان رسائله

«غوغل» تطور خاصية تتيح للمستخدم تغيير عنوان بريده الإلكتروني على «جي ميل» دون فقدان رسائله.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)

دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
TT

دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)

أعاد التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي طرح أسئلة قديمة متجددة حول الأتمتة ومستقبل العمل. فمن تطوير البرمجيات إلى إنتاج المحتوى، باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي تُظهر قدرات لافتة في الاختبارات البحثية والمعايير التقنية. لكن فجوة أساسية ما زالت قائمة تتعلق بقدرة هذه الأنظمة على تنفيذ أعمال حقيقية ذات قيمة اقتصادية، كما هي مطلوبة في سوق العمل الفعلي.

دراسة جديدة تسعى للإجابة عن هذا السؤال عبر إطار قياس مبتكر يُعرف باسم «مؤشر العمل عن بُعد» (Remote Labor Index – RLI)، وهو أول معيار تجريبي يقيس بشكل منهجي قدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على أتمتة مشاريع عمل متكاملة مأخوذة من أسواق العمل الحر الحقيقية. وتأتي النتائج مفاجئة، وأكثر واقعية مما توحي به كثير من السرديات المتداولة حول قرب الاستغناء عن الوظائف البشرية.

ما بعد المعايير الاصطناعية

تركز معظم اختبارات الذكاء الاصطناعي الحالية على مهام محددة أو معزولة ككتابة شيفرات قصيرة أو الإجابة عن أسئلة تقنية أو تصفح الإنترنت أو تنفيذ أوامر حاسوبية مبسطة. ورغم أهمية هذه المعايير، فإنها غالباً لا تعكس التعقيد والتكامل والغموض الذي يميز العمل المهني الحقيقي.

من هنا جاء تطوير «مؤشر العمل عن بُعد»، الذي لا يختبر مهارات منفصلة، بل يقيس قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع كاملة من البداية إلى النهاية، تماماً كما تُسند إلى محترفين يعملون لحساب عملاء حقيقيين. وتشمل هذه المشاريع مجالات مثل التصميم والهندسة المعمارية وإنتاج الفيديو وتحليل البيانات وتطوير الألعاب وإعداد الوثائق وغيرها من أشكال العمل عن بُعد التي تشكل جوهر الاقتصاد الرقمي المعاصر. وبهذا، تنقل الدراسة النقاش من مستوى القدرات النظرية إلى مستوى الأداء الفعلي القابل للقياس في السوق.

نتائج المؤشر تظهر أن الذكاء الاصطناعي ما زال عاجزاً عن أتمتة معظم مشاريع العمل عن بُعد بمستوى مهني مقبول (غيتي)

قياس مؤشر العمل عن بُعد

تتكون قاعدة بيانات المؤشر من 240 مشروع عمل حر مكتمل، يحتوي كل مشروع على ثلاثة عناصر رئيسية هي وصف تفصيلي للمهمة والملفات المدخلة اللازمة لتنفيذها ومخرجات نهائية أنجزها محترفون بشريون باعتبارها مرجعاً قياسياً. ولم تكتفِ الدراسة بالمخرجات فقط، بل جمعت أيضاً بيانات عن الوقت والتكلفة اللازمين لتنفيذ كل مشروع. وقد استغرق إنجاز المشروع الواحد، في المتوسط، نحو 29 ساعة من العمل البشري، بينما تجاوزت بعض المشاريع حاجز 100 ساعة. وتراوحت تكاليف المشاريع بين أقل من 10 دولارات وأكثر من 10 آلاف دولار، بإجمالي قيمة تتجاوز 140 ألف دولار وأكثر من 6 آلاف ساعة عمل فعلي.

ويعكس هذا التنوع والتعقيد المتعمد طبيعة العمل الحقيقي، بعيداً عن المهام المبسطة أو المتخصصة.

تقييم أداء الذكاء الاصطناعي

اختبر الباحثون عدة نماذج متقدمة من وكلاء الذكاء الاصطناعي باستخدام عملية تقييم بشرية دقيقة حيث مُنحت الأنظمة نفس أوصاف المشاريع والملفات التي حصل عليها المحترفون، وطُلب منها إنتاج مخرجات كاملة. ثم قام مقيمون مدربون بمقارنة نتائج الذكاء الاصطناعي بالمخرجات البشرية المرجعية، مع التركيز على سؤال جوهري يتعلق بمدى قبول العميل الحقيقي لهذا العمل باعتباره مكافئاً أو أفضل من عمل محترف بشري.

المقياس الأساسي في الدراسة هو «معدل الأتمتة» أي النسبة المئوية للمشاريع التي نجح الذكاء الاصطناعي في إنجازها بمستوى احترافي مقبول. كما استخدمت الدراسة نظام تصنيف شبيهاً بنظام «إيلو» لإجراء مقارنات دقيقة بين النماذج المختلفة، حتى في الحالات التي لم تصل فيها أي منها إلى مستوى الأداء البشري.

الأتمتة ما زالت محدودة جداً

على الرغم من التطورات الكبيرة في قدرات التفكير والتعامل متعدد الوسائط، تكشف النتائج أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية ما تزال بعيدة عن أتمتة العمل عن بُعد بشكل واسع. فقد بلغ أعلى معدل أتمتة تحقق 2.5 في المائة فقط، أي أن أقل من ثلاثة مشاريع من كل مائة وصلت إلى مستوى مقبول مقارنة بالعمل البشري. وتتحدى هذه النتيجة الافتراض السائد بأن التحسن في المعايير التقنية يعني بالضرورة قدرة فورية على استبدال العمل البشري. فحتى النماذج المتقدمة القادرة على كتابة الشيفرات أو توليد الصور والنصوص، غالباً ما تفشل عندما يُطلب منها دمج مهارات متعددة، أو الالتزام بتفاصيل معقدة أو تسليم ملفات متكاملة بجودة احترافية.

مستقبل العمل القريب يتجه نحو دعم الإنتاجية البشرية بالذكاء الاصطناعي بدلاً من استبدال الوظائف بالكامل (شاترستوك)

تعثر الذكاء الاصطناعي... ونجاحه

يكشف التحليل النوعي لأسباب الفشل عن مشكلات متكررة، أبرزها أخطاء تقنية أساسية مثل ملفات تالفة أو غير قابلة للاستخدام أو صيغ غير صحيحة أو مخرجات ناقصة وغير متسقة. وفي حالات أخرى، كانت المشاريع مكتملة شكلياً لكنها لا ترقى إلى المستوى المهني المتوقع في سوق العمل الحر.

في المقابل، رصدت الدراسة مجالات محدودة أظهر فيها الذكاء الاصطناعي أداءً أفضل نسبياً، لا سيما في المهام التي تتركز على معالجة النصوص أو توليد الصور أو التعامل مع الصوت كبعض أعمال التحرير الصوتي والتصميم البصري البسيط وكتابة التقارير وتصور البيانات المعتمد على الشيفرة البرمجية. وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي يلعب بالفعل دوراً داعماً في بعض أنواع العمل، وإن لم يصل بعد إلى مرحلة الأتمتة الكاملة.

قياس التقدم دون تهويل

رغم انخفاض معدلات الأتمتة المطلقة، يُظهر المؤشر تحسناً نسبياً واضحاً بين النماذج المختلفة. فتصنيفات «إيلو» وهي نظام رياضي لتقييم الأداء النسبي، تشير إلى أن الأنظمة الأحدث تتفوق بشكل منهجي على سابقاتها، ما يعني أن التقدم حقيقي وقابل للقياس، حتى وإن لم يترجم بعد إلى إنجاز مشاريع كاملة. وتكمن قيمة «مؤشر العمل عن بُعد» في كونه أداة طويلة الأمد لمتابعة التطور، بعيداً عن التوقعات المبالغ فيها أو الأحكام الثنائية.

تشير نتائج الدراسة إلى أن الاستغناء الواسع عن العاملين في وظائف العمل عن بُعد ليس وشيكاً في الوقت الراهن. وبدلاً من ذلك، يُرجّح أن يكون الأثر القريب للذكاء الاصطناعي متمثلاً في تعزيز الإنتاجية على مستوى المهام، لا استبدال الوظائف بالكامل.

وسيظل الحكم البشري والقدرة على الدمج وضبط الجودة عناصر مركزية في العمل المهني. ومع ذلك، تحذر الدراسة من أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن تقنيات الأتمتة السابقة؛ إذ يسعى إلى محاكاة قدرات معرفية عامة. وإذا تمكنت الأنظمة المستقبلية من سد الفجوة التي يكشفها المؤشر دون التكيّف المصطنع معه، فقد تكون الآثار على سوق العمل أعمق بكثير.

خط أساس جديد للنقاش

لا تدّعي هذه الدراسة التنبؤ بالمستقبل، لكنها تقدم خط أساس علمي وعملي لفهم موقع الذكاء الاصطناعي اليوم. ومن خلال ربط التقييم بعمل حقيقي وتكلفة فعلية ومعايير مهنية واقعية، تضع إطاراً أكثر دقة لنقاشات الأتمتة والعمل. ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، ستصبح أدوات مثل «مؤشر العمل عن بُعد» ضرورية للفصل بين التقدم الحقيقي والضجيج الإعلامي، وضمان أن يُبنى النقاش حول مستقبل العمل على الأدلة لا الافتراضات.


بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
TT

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

نحن نتحدث يومياً دون أن نفكر كثيراً في مقدار ما تكشفه أصواتنا عنّا. فإلى جانب الكلمات التي نختارها، يحمل الصوت إشارات دقيقة عن هويتنا قد تكشف معلومات صحية وخلفيات ثقافية وحالات عاطفية، ومستوى التعليم وربما حتى ميولاً فكرية. وحتى وقت قريب، كان هذا الإدراك يقتصر على الحدس البشري؛ إذ يمكننا غالباً أن نميّز تعب صديق أو سعادته أو توتره من نبرة صوته فقط. لكن اليوم، باتت الأنظمة الحاسوبية قادرة على فعل ذلك وأكثر بدقة متزايدة.

ويحذّر باحثون في تقنيات الكلام واللغة من أن هذه القدرات تمثل تحدياً حقيقياً للخصوصية. فالصوت لم يعد مجرد وسيلة لإعطاء الأوامر للمساعدات الرقمية أو أداة للحوار، بل أصبح وعاءً غنياً بالمعلومات الشخصية التي تستطيع الخوارزميات الحديثة استخراجها، غالباً دون علم المتحدث أو موافقته.

لماذا يُعد الصوت بيانات شخصية؟

عندما نتحدث، لا تنتقل الرسالة اللغوية وحدها. فإيقاع الكلام ودرجة الصوت والتوقفات بين الكلمات وأنماط التنفس والخصائص الصوتية الأخرى، جميعها تحمل طبقات متعددة من المعلومات الشخصية. ويشير خبراء تقنيات الكلام إلى أن هذه المعلومات مدمجة مباشرة في الإشارة الصوتية نفسها، أي أنها تُفصح تلقائياً عن صاحبها بمجرد التحدث، دون أي نية واعية للكشف عنها.

وتستطيع هذه الخصائص الصوتية أن تعكس مؤشرات تتعلق بالصحة الجسدية أو النفسية، مثل الإرهاق أو مشكلات في الجهاز التنفسي. كما يمكن أن تشير إلى خلفية المتحدث الثقافية أو الجغرافية من خلال اللهجة ونمط النطق. إضافة إلى ذلك، تحمل الأصوات دلائل عاطفية تُمكّن الأنظمة المتقدمة من استنتاج ما إذا كان الشخص متوتراً أو هادئاً أو متحمساً أو مضطرباً. ولهذا، يُصنَّف الصوت ضمن فئة البيانات البيومترية أي البيانات الشخصية العميقة، الفريدة غالباً، والتي يصعب تغييرها أو استبدالها.

وبسبب هذه الحساسية، تُعامل البيانات الصوتية في العديد من التشريعات الحديثة باعتبارها بيانات محمية. ففي الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يمكن أن يندرج الصوت ضمن البيانات البيومترية الخاضعة لقواعد صارمة بموجب اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، ما يستلزم توفير ضمانات إضافية والحصول على موافقة صريحة في كثير من الحالات.

تحليل الصوت يطرح مخاطر تتعلق بالخصوصية قد تمتد إلى التوظيف والتأمين والتسويق والمراقبة (شاترستوك)

مخاطر الإفراط في كشف المعلومات

تثير القدرة على استخراج سمات شخصية من الصوت مخاوف تتجاوز مسألة الراحة أو التخصيص. فمع تطور تقنيات تحليل الصوت وانتشارها، قد تمتد آثارها إلى مجالات حساسة في حياة الأفراد. فقد تُستخدم الاستنتاجات المستخلصة من أنماط الكلام يوماً ما للتأثير في قرارات التوظيف أو تقييمات التأمين إذا أسيء استخدامها. كما يمكن للمعلنين استغلال الإشارات العاطفية أو السلوكية المستخلصة من الصوت لتقديم رسائل تسويقية شديدة الاستهداف، وربما ذات طابع تلاعبي.

وتتفاقم المخاطر مع احتمالات سوء الاستخدام، مثل المراقبة غير المشروعة أو التحرش أو تتبع الأفراد دون علمهم. ورغم أن هذه السيناريوهات ليست شائعة على نطاق واسع بعد، يؤكد الباحثون أن سرعة تطور التكنولوجيا تستدعي دق ناقوس الخطر مبكراً، قبل أن تصبح هذه الممارسات أمراً واقعاً يصعب احتواؤه.

قياس ما يكشفه صوتك

أحد التحديات الأساسية في حماية خصوصية الصوت هو فهم مقدار المعلومات التي يحتويها تسجيل صوتي واحد. ولهذا يعمل الباحثون على تطوير أدوات وأساليب لقياس مدى قابلية ربط عيّنة صوتية بسمات تعريفية محددة. وتهدف هذه المقاييس إلى تحديد مدى سهولة نسب الصوت إلى شخص بعينه أو إلى فئة ضيقة من الأشخاص، اعتماداً فقط على الخصائص الصوتية.

وتُعد هذه الأدوات ضرورية لتصميم أنظمة تراعي الخصوصية منذ البداية. فإذا تمكن المطورون من تقدير مستوى المخاطر المرتبطة بتسجيل صوتي معين، يصبح بإمكانهم اتخاذ قرارات مدروسة بشأن كيفية تخزينه أو معالجته أو مشاركته. ويدعم هذا التوجه مفهوم «الخصوصية بحكم التصميم»؛ حيث تُؤخذ المخاطر المحتملة في الحسبان قبل طرح التكنولوجيا للاستخدام الواسع.

الصوت ليس وسيلة تواصل فقط بل يحمل أيضاً بيانات شخصية عميقة تكشف الصحة والحالة النفسية والخلفية الثقافية (شاترستوك)

كيف يمكن حماية خصوصية الصوت؟

لا يدعو الخبراء إلى التخلي عن تقنيات الصوت، بل إلى تقليل التعرض غير الضروري للمعلومات الشخصية. ومن بين أكثر الاستراتيجيات فعالية تقليص كمية البيانات الصوتية الخام التي يتم مشاركتها. فبدلاً من إرسال تسجيلات كاملة، يمكن للأنظمة استخراج الحد الأدنى من المعلومات اللازمة لأداء مهمة محددة كتحويل الكلام إلى نص، ثم التخلص من بقية البيانات.

كما تُعد المعالجة المحلية للصوت خطوة مهمة في هذا السياق. فعندما يُحلل الصوت مباشرة على الجهاز، بدلاً من إرساله إلى خوادم سحابية بعيدة، تقل فرص إساءة الاستخدام أو الاعتراض أو الاستغلال الثانوي للبيانات. ويمنح هذا النهج المستخدمين قدراً أكبر من التحكم فيما يغادر أجهزتهم ومتى.

وتلعب الضوابط الفيزيائية والبيئية دوراً مكملاً. فالتقنيات التي تُظهر بوضوح متى يكون التسجيل نشطاً، أو التي تحصر التقاط الصوت في نطاقات محددة، أو تتطلب تفعيلاً مقصوداً من المستخدم، تساعد في منع التسجيل العرضي أو الخفي. ومجتمعةً، تسهم هذه الإجراءات في جعل التفاعل الصوتي مقصوداً لا متطفلاً.

الثقة والشفافية وتجربة المستخدم

الخصوصية ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي قضية نفسية أيضاً. فمجرد الشعور بالمراقبة قد يؤثر في سلوك الأفراد وطريقة تعبيرهم عن أنفسهم. ويحذّر الباحثون من أن الإحساس الدائم بالرصد سواء أكان حقيقياً أم متوهماً، يمكن أن يقوّض الشعور بالكرامة والاستقلالية.

ومن هنا تبرز أهمية الشفافية؛ إذ ينبغي إبلاغ المستخدمين بوضوح متى يتم تسجيل أصواتهم، وما نوع المعلومات التي قد تُستخلص، وكيف ستُستخدم هذه البيانات. فالأنظمة التي تقدم إشارات واضحة وتحكماً مفهوماً في إعدادات الخصوصية تكون أقدر على كسب ثقة المستخدمين من تلك التي تعمل بصمت في الخلفية.

مستقبل مسؤول لتقنيات الصوت

توفر التقنيات المعتمدة على الصوت فوائد لا يمكن إنكارها، بدءاً من أدوات الوصول لذوي الإعاقة، مروراً بالحوسبة دون استخدام اليدين، ووصولاً إلى تفاعل أكثر طبيعية بين الإنسان والآلة. غير أن تعاظم حضور هذه التقنيات في الحياة اليومية يفرض مسؤولية متزايدة لحماية البيانات الصوتية.

ويواصل الباحثون تطوير أساليب لقياس المعلومات الشخصية الكامنة في الصوت وتقليلها والتحكم بها. وفي الوقت ذاته، يتعين على المطورين وصنّاع السياسات والمصممين العمل معاً لضمان تطور أطر الخصوصية بالتوازي مع الابتكار. فالتحدي ليس في إسكات التكنولوجيا، بل في ضمان أن تكون أصواتنا حين نتحدث مصدر تمكين لنا، لا بوابة لانتهاك خصوصيتنا.


«تيك توك» تحذف نحو 3.9 مليون محتوى مخالف في السعودية نهاية 2025

تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)
تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)
TT

«تيك توك» تحذف نحو 3.9 مليون محتوى مخالف في السعودية نهاية 2025

تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)
تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)

أظهر أحدث بيانات منصة «تيك توك» أن المملكة العربية السعودية كانت من بين أكثر الأسواق نشاطاً في تطبيق سياسات السلامة الرقمية خلال الربع الثالث من عام 2025، مع حذف ما يقرب من 3.9 مليون مقطع فيديو لمخالفتها إرشادات المجتمع؛ في مؤشر على تشديد الرقابة الاستباقية على المحتوى داخل المنصة.

ووفق تقرير إنفاذ إرشادات المجتمع الصادر عن «تيك توك» للفترة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول) 2025، بلغ معدل الحذف الاستباقي في السعودية 99.2 في المائة، فيما أُزيل نحو 96.7 في المائة من المحتوى المخالف خلال أقل من 24 ساعة، ما يعكس سرعة الاستجابة وفعالية أنظمة الإشراف المعتمدة داخل المملكة.

ويأتي ذلك ضمن إطار أوسع شهد حذف أكثر من 17.4 مليون مقطع فيديو مخالف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الربع ذاته، شمل مصر والإمارات والعراق ولبنان والمغرب، مع اعتماد متزايد على التقنيات الآلية في رصد المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين.

إشراف استباقي وتكنولوجيا آلية

على المستوى الإقليمي والعالمي، سجل الربع الثالث من 2025 أعلى مستويات الاعتماد على الأنظمة الآلية في تاريخ المنصة، حيث جرى حذف 91 في المائة من المحتوى المخالف باستخدام تقنيات الرصد التلقائي، إلى جانب حذف 99.3 في المائة من المحتوى قبل تلقي أي بلاغات من المستخدمين. كما أزيل 94.8 في المائة من المقاطع المخالفة خلال أقل من 24 ساعة.

وتشير هذه المؤشرات إلى انتقال متزايد في نموذج الإشراف من المعالجة اللاحقة إلى التدخل المبكر، بما يقلص احتمالات تعرض المستخدمين لمحتوى مخالف، ويتيح لفرق السلامة البشرية التركيز على مراجعة الحالات المعقدة وطلبات الاستئناف والتعامل مع الأحداث المتسارعة.

كثفت المنصة إجراءات حماية القُصّر لإزالة حسابات يُشتبه في عودتها لأشخاص دون 13 عاماً على المستوى العالمي (أ.ب)

حماية الفئات العمرية الأصغر

وفي سياق متصل، كثفت «تيك توك» إجراءاتها المرتبطة بحماية القُصّر، إذ حذفت عالمياً أكثر من 22 مليون حساب يُشتبه في عودتها لأشخاص دون سن 13 عاماً خلال الربع الثالث من 2025. ويعكس ذلك تركيز المنصة على ضبط التجارب الرقمية للفئات العمرية الأصغر، بما يشمل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتندرج هذه الجهود ضمن مساعٍ أوسع لتعزيز بيئة رقمية أكثر أماناً، لا سيما في الأسواق ذات القاعدة الشبابية الواسعة، مثل السعودية، حيث يحظى المحتوى الرقمي بتفاعل مرتفع وانتشار واسع.

البث المباشر تحت الرقابة

وشهدت سياسات البث المباشر (LIVE) تشديداً إضافياً خلال الفترة نفسها، إذ علّقت المنصة عالمياً أكثر من 32.2 مليون بث مباشر مخالف، وحظرت 623 ألف مضيف بث مباشر، في إطار تعزيز أدوات الإشراف على هذا النمط من المحتوى عالي التفاعل.

وعلى مستوى المنطقة، أوقفت «تيك توك» بشكل استباقي أكثر من 2.48 مليون بث مباشر في عدد من الدول العربية، ما يعكس توسع تطبيق القرارات الآلية بالتوازي مع التوسع في استخدام خاصية البث المباشر.

الاستئناف واستعادة المحتوى في السعودية

وفيما يتعلق بآليات الشفافية، أظهر التقرير أن السعودية جاءت في المرتبة الثانية إقليمياً من حيث عدد مقاطع الفيديو التي أُعيدت بعد قبول طلبات الاستئناف، بواقع 195711 مقطعاً. وتوضح هذه الأرقام حجم التفاعل مع نظام الاعتراض، ودوره في تحقيق توازن بين الإنفاذ الصارم لسياسات المنصة وضمان حق المستخدمين في مراجعة القرارات.

تفرض «تيك توك» رقابة مشددة على البث المباشر مع تعليق ملايين البثوث المخالفة وحظر عدد كبير من المضيفين (شترستوك)

إنفاذ سياسات تحقيق الدخل

كما واصلت «تيك توك» نشر بيانات متعلقة بسلامة تحقيق الدخل، إذ اتخذت خلال الربع الثالث من 2025 إجراءات شملت التحذير أو إيقاف تحقيق الدخل لأكثر من 3.9 مليون بث مباشر و2.1 مليون صانع محتوى على مستوى العالم، بسبب مخالفات لإرشادات تحقيق الدخل.

وتهدف هذه السياسات إلى دعم المحتوى الآمن والأصيل وعالي الجودة، مع الحد من الممارسات التي قد تستغل البث المباشر لأغراض مخالفة.

الشفافية ركيزة أساسية

ويعكس تقرير الربع الثالث من 2025 اعتماد «تيك توك» المتواصل على نموذج إشراف هجين، يجمع بين التقنيات المتقدمة وخبرات فرق متخصصة في مجالي الثقة والسلامة، في إطار سعيها لتعزيز بيئة رقمية أكثر أماناً في الأسواق الإقليمية، وعلى رأسها السعودية.

وتؤكد المنصة أن نشر تقارير الشفافية بشكل دوري يشكل عنصراً أساسياً في بناء الثقة مع المستخدمين والجهات التنظيمية، في وقت يتزايد فيه الاهتمام العالمي بتنظيم المحتوى الرقمي وحوكمة المنصات الاجتماعية.