ما الذي يحول دون وصول الرواية السعودية إلى الشاشة؟

غياب كُتّاب السيناريو أصغر المشاكل وأقلها تأثيراً

ما الذي يحول دون وصول الرواية السعودية  إلى الشاشة؟
TT

ما الذي يحول دون وصول الرواية السعودية إلى الشاشة؟

ما الذي يحول دون وصول الرواية السعودية  إلى الشاشة؟

على النقيض ممن يعتقدون بوجود ما يسمونها «أزمة كُتّاب سيناريو»، أرى أن عدم وجودهم لن يكون أبداً حجراً تتعثر به الرواية المحلية فيمنع وصولها إلى الشاشة.

والاعتقاد بأنه العائق لرحلتها إلى دور السينما هو، من وجهة نظري، محض تبسيط وتسطيح لما هو معقد، ونتيجة لضبابية الرؤية لوضع صناعة الأفلام في بلادنا.

إن تأخر صنع أفلام «مبنية» على روايات محلية مسألة تكتنفها مشكلات وصعوبات عدة، ليس منها غياب كُتّاب السيناريو، وإذا كان لا بد من اعتباره كذلك، فهو بالتأكيد أصغر المشكلات، وأقلها تأثيراً؛ لأنها ببساطة مشكلة قابلة للحل وبأكثر من طريقة.

فالفراغ الناشئ عن هذا الغياب المفترض يمكن ملؤه بكُتّاب سيناريو أكفاء وذوي خبرة من البلدان العربية مثلاً، مثلما استعانت، وتستعين، هذه البلاد، مثل كل البلدان في العالم، بخبرات وكفاءات أجنبية بتخصصات في جميع المجالات.

باختصار، هذه ليست قضية محورية في رأيي، كما سأوضح فيما يلي:

«شارع الأعشى»... مثلاً

في هذا السياق أذكر أن مسلسل «شارع الأعشى» أفضل وأحدث مثال ذي صلة بالموضوع، حين استعانت «إم بي سي» بالخبرات والكفاءات التركية في مشروع ترجمة رواية الكاتبة بدرية البشر «غراميات شارع الأعشى» إلى مسلسل درامي، فوقعت عقداً بين «إم بي سي ستوديوز» وشركة «آي يابم الشرق الأوسط للإنتاج الإعلامي» التركية.

وكان ثمة خيار آخر أمام «إم بي سي»، وأمام غيرها من مؤسسات الإنتاج، وهو الاكتفاء بالتعاقدات المباشرة مع كُتّاب سيناريو عرب أو أجانب من دون الدخول في تعاقدات شراكة عندما لا يكون ذلك ضرورياً.

وتقدم «إم بي سي» مثالاً جديداً بإنتاجها فيلماً مبني على رواية الروائي أسامة المسلم «جحيم العابرين»، الذي يجري تصويره الآن، كتب السيناريو الروائي المسلم نفسه، وإخراج المخرجة هناء العمير.

ومن جمعية الأدب المهنية يأتي مثالٌ آخر، يدعم الرأي أن عدم وجود كاتب سيناريو ليس هو المشكلة، كما يثبت أن هنالك كُتّاب سيناريو سعوديين يستحقون منحهم فرصة الاعتماد عليهم والثقة بهم، منهم الثلاثة الذين كلفتهم جمعية الأدب بكتابة سيناريوهات من ثلاث روايات: «وجوه الحوش» لحسين علي حسين، و«ابنة ليليت» لأحمد السماري، و«الحفائر حفرة الجبل» لخالد النمازي.

أعتقد أن دور الجمعية ينتهي عند هذا الحد، وإذا وُفِّقَت في تسويق مشروعها على مُنِّتجٍ قادرٍ على، وراغبٍ في، تنفيذ السيناريوهات الثلاثة، سيكون ذلك إنجازاً كبيراً يُسَجَّل لها.

لكن هذه الاختراقات المنفردة، لا تعني الخروج النهائي من نفق المشاكل والصعوبات التي تؤخر مشاهدة روايات سعودية على الشاشة. فثمة حقائق يبدو جلياً غيابُها عن الأذهان.

حقائق سينمائية منسية

خلال محادثات مع ثلاثة من الأسماء البارزة والوازنة في صناعة الأفلام المحلية، محادثات أشبه ما تكون بالمقابلات غير المُنَظمَّة (غير المُعدَّة)، تكشفت عدة حقائق منسية، أو يجرى تجاهلها وسط غمرة الحماس والاندفاع، اللافت للنظر بقوته، في المطالبة بنقل الرواية المحلية إلى الشاشة.

من تلك الحقائق، والتي تكرر ذكرها أثناء مناقشة الموضوع، هي أن الوقت مبكر جداً، حتى على مجرد مناقشة موضوع الروايات المحلية والسينما، ناهيك عن قضية «ترجمتها» للشاشة.

ويؤكدون أنه موضوع سابق لأوانه لأنه حتى هذه اللحظة لا يمكن القول إن لدينا شركات إنتاج سينمائي مستقلة، أي متخصصة في الإنتاج السينمائي فقط، وقادرة، في الوقت نفسه، على الاستثمار فيه.

فالشركات الموجودة الآن هي شركات إعلانات في الأساس، بعضها انطلق من اليوتيوب، ودخلت مجال الإنتاج التلفزيوني والسينمائي حينما سنحت لها الفرص؛ بيد أنها لم تجرؤ على المغامرة بالتخصص في الإنتاج السينمائي كونه غير مأمون العواقب على الأقل مرحلياً، فقد يؤدي إلى تكبدها خسائر مالية، وربما الإغلاق. الإعلانات هي المجال الحيوي اقتصادياً ومصدر الدخل المأمون والمربح.

«نتفليكس» ومستثمرون

يقول أحد السينمائيين إن في المملكة عدداً كبيراً من شركات الإعلان، يبدأ بعضها خوض تجربة الإنتاج التلفزيوني أو السينمائي عندما تتوفر لديها الإمكانات المالية.

والحقيقة أن كل الشركات لديها الرغبة في خوض التجربة، لكن الفرص لا تتهيأ للجميع، كما أن المستثمرين قليلون. لكن هذه لا يعني انسداد الطريق تماماً أمامها، إذ استطاع البعض منها اجتذاب مستثمرين لتمويل مشاريعها لأنها أصبحت شركات معروفة، أو دخلت في شراكات إنتاج، كما فعلت المجموعة السعودية للإنتاج والتمويل «تلفاز11» بتعاقدها مع «نتفليكس».

ويتفق السينمائيون الثلاثة على أن شراكات مربحة كهذه تمنح شركات الإنتاج القدرة على شراء حقوق ملكية روايات، شريطة فهم الروائيين لطريقة البيع والتعاقد، ولا يقل عن ذلك أهميةً تجنب المغالاة والمبالغة، فاعتقاد بعض الروائيين أن صناعة الأفلام المحلية تدر أموالاً طائلة - والواقع ليس كذلك - وأن رواياتهم كفيلة بذاتها لجعل الأفلام المبنية عليها عظيمة يدفعهم - الاعتقاد - إلى طلب مبالغ خيالية، لا تتناسب منطقياً مع حجم مبيعات ومقروئية رواياتهم الذي لا يستطيعون تقديم أرقام وإحصاءات تثبته، وتبرر مبالغتهم في اشتراط الأثمان الباهظة لروايات قد لا يكون عدد قرائها كبيراً كما يعتقدون أو يتوهمون. كما أن التكلفة العالية لا تنتهي عند حقوق الملكية، فتوظيف كاتب سيناريو للاشتغال على رواية يستغرق وقتاً طويلاً ويشكل عبئاً مالياً إضافياً كبيراً.

صعوبات أخرى وراء الأكمة

لقد سلَّط المتحدثون الضوء على الجانب الأهم للقضية، الذي لن يُرى من دون الانخراط، أو هل أقول التورط، في صناعة الأفلام. بالإضافة، إن وراء الأكمة ما وراءها، ومما وراءها صعوبات سيكشف عرضها أن تحويل الروايات إلى أفلام ليس سهلاً، فوجود المال والرغبة لدى أي شركة إنتاج سيضعها في مواجهة صعوبات لا يستهان بها، في مقدمتها صعوبة اختيار الروايات التي تراهن على انتهائها أفلاماً تحقق اختراقات عظيمة عند شباك التذاكر. سيكون الاختيار صعباً للغاية؛ إذ ستجد نفسها في مواجهة عدد كبير من الروايات «القديمة» والجديدة.

مصدر هذه الصعوبة الأولية هو خلو المشهد الأدبي والثقافي من المعطيات والمؤشرات التي تساعد صُنّاع الأفلام على اختيار الروايات التي يرونها ملائمة.

تمثل قوائم الروايات/ الكتب الأكثر مبيعاً، رغم كل التحفظات التي تحيط بها والانتقادات التي تستهدفها، عاملاً يساعد على الاختيار. إن وجود رواية ما على أكثر من قائمة، ولمدة طويلة، يثير الطمأنينة والثقة بها، وينبئ بنجاح مشروع ترجمتها إلى فيلم.

قد لا يحقق المشروع النجاح المأمول، أو حتى نصف النجاح، غير أن الاختيار لم يكن في الأساس ممكناً من دون تلك القوائم، غير المتوفرة لصُنّاع الأفلام في بلادنا.

المراجعات والجوائز

يؤدي النقد الصحافي، أو المراجعات «reviews»، دوراً مهماً في التعريف والترويج للروايات الجديدة.

وفي بلاد كبلادنا التي يصدر فيها عدد كبير من الروايات سنوياً، يتعذر على صُنّاع الأفلام وغيرهم متابعة ومعرفة، ناهيك عن قراءة، كل ما يصدر، من دون صفحات وملاحق المراجعات التي تختصر عليهم وقت وجهود البحث عمّا يبتغون.

إن الإشادات النقدية والتوصيات بقراءتها فيما يُعرف بـ«rave reviews» عامل حاسم في عملية الاختيار. وتشكل الجوائز الأدبية عاملاً مهماً آخر.

هنالك عوامل أخرى تسهم في تذليل صعوبة البحث والاختيار، ولكنها لا تتوفر في كل رواية جديدة مثل شهرة وشعبية المؤلف، الانتشار الواسع ورواج رواياته السابقة، فوزه بجوائز، أو فوز روايات سابقة له بجوائز، أو «النجاح الجماهيري» لفيلم مبني على إحدى رواياته السابقة. كل هذه العوامل لا يتوفر معظمها في حالة واحد من كُتّاب الرواية الأدبية في واقعنا الأدبي والثقافي.

الوحيد الذي تتوفر معظم هذه المعطيات في حالته، هو الروائي أسامه المسلم، وهذا يفسر شراء «إم بي سي ستوديوز» حقوق روايته «جحيم العابرين» لترجمتها إلى فيلم بنفس العنوان، مُراهنةً على نجاح فيلمها جماهيرياً، كما راهنت على نجاح مسلسل «شارع الأعشى» الذي كلف إنتاجه (52.5) مليون ريال وفقاً لـ«ويكبيديا».

كشّافة كتب وكشّافة أدبيون

في غياب العوامل والظروف المذكورة سالفاً، ليس على المنتج الراغب في، أو يشعر بالحاجة، إلى ترجمة رواية محلية إلى فيلم، سوى الاعتماد على الذات والأخذ بأي وسائل تمكنه من اختيار الروايات المناسبة. ولعل توظيف كشّافة كتب/ كشّافة أدبيين

«book scouts/literary scouts» و«دراماتورغية» كمستشارين، خطوة في اتجاه أحد الحلول، رغم ما تعنيه من ازدياد الأعباء المالية عليه. فكم عدد الكشّافة والدراماتورغية الذين يلزمه توظيفهم للبحث والتنقيب في القديم والجديد عن رواية واحدة فقط؟

الوقت مبكر، كما قال السينمائيون آنفاً، على مطالبة صُنّاع الأفلام بتحويل الرواية السعودية إلى فيلم. سيفعلون ذلك عندما يشعرون بالحاجة، مع توفر الإمكانات والظروف المساعدة على إنجازه.

* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م

محمد أمير ناشر النعم
ثقافة وفنون «مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».