ما الذي يحول دون وصول الرواية السعودية إلى الشاشة؟

غياب كُتّاب السيناريو أصغر المشاكل وأقلها تأثيراً

ما الذي يحول دون وصول الرواية السعودية  إلى الشاشة؟
TT

ما الذي يحول دون وصول الرواية السعودية إلى الشاشة؟

ما الذي يحول دون وصول الرواية السعودية  إلى الشاشة؟

على النقيض ممن يعتقدون بوجود ما يسمونها «أزمة كُتّاب سيناريو»، أرى أن عدم وجودهم لن يكون أبداً حجراً تتعثر به الرواية المحلية فيمنع وصولها إلى الشاشة.

والاعتقاد بأنه العائق لرحلتها إلى دور السينما هو، من وجهة نظري، محض تبسيط وتسطيح لما هو معقد، ونتيجة لضبابية الرؤية لوضع صناعة الأفلام في بلادنا.

إن تأخر صنع أفلام «مبنية» على روايات محلية مسألة تكتنفها مشكلات وصعوبات عدة، ليس منها غياب كُتّاب السيناريو، وإذا كان لا بد من اعتباره كذلك، فهو بالتأكيد أصغر المشكلات، وأقلها تأثيراً؛ لأنها ببساطة مشكلة قابلة للحل وبأكثر من طريقة.

فالفراغ الناشئ عن هذا الغياب المفترض يمكن ملؤه بكُتّاب سيناريو أكفاء وذوي خبرة من البلدان العربية مثلاً، مثلما استعانت، وتستعين، هذه البلاد، مثل كل البلدان في العالم، بخبرات وكفاءات أجنبية بتخصصات في جميع المجالات.

باختصار، هذه ليست قضية محورية في رأيي، كما سأوضح فيما يلي:

«شارع الأعشى»... مثلاً

في هذا السياق أذكر أن مسلسل «شارع الأعشى» أفضل وأحدث مثال ذي صلة بالموضوع، حين استعانت «إم بي سي» بالخبرات والكفاءات التركية في مشروع ترجمة رواية الكاتبة بدرية البشر «غراميات شارع الأعشى» إلى مسلسل درامي، فوقعت عقداً بين «إم بي سي ستوديوز» وشركة «آي يابم الشرق الأوسط للإنتاج الإعلامي» التركية.

وكان ثمة خيار آخر أمام «إم بي سي»، وأمام غيرها من مؤسسات الإنتاج، وهو الاكتفاء بالتعاقدات المباشرة مع كُتّاب سيناريو عرب أو أجانب من دون الدخول في تعاقدات شراكة عندما لا يكون ذلك ضرورياً.

وتقدم «إم بي سي» مثالاً جديداً بإنتاجها فيلماً مبني على رواية الروائي أسامة المسلم «جحيم العابرين»، الذي يجري تصويره الآن، كتب السيناريو الروائي المسلم نفسه، وإخراج المخرجة هناء العمير.

ومن جمعية الأدب المهنية يأتي مثالٌ آخر، يدعم الرأي أن عدم وجود كاتب سيناريو ليس هو المشكلة، كما يثبت أن هنالك كُتّاب سيناريو سعوديين يستحقون منحهم فرصة الاعتماد عليهم والثقة بهم، منهم الثلاثة الذين كلفتهم جمعية الأدب بكتابة سيناريوهات من ثلاث روايات: «وجوه الحوش» لحسين علي حسين، و«ابنة ليليت» لأحمد السماري، و«الحفائر حفرة الجبل» لخالد النمازي.

أعتقد أن دور الجمعية ينتهي عند هذا الحد، وإذا وُفِّقَت في تسويق مشروعها على مُنِّتجٍ قادرٍ على، وراغبٍ في، تنفيذ السيناريوهات الثلاثة، سيكون ذلك إنجازاً كبيراً يُسَجَّل لها.

لكن هذه الاختراقات المنفردة، لا تعني الخروج النهائي من نفق المشاكل والصعوبات التي تؤخر مشاهدة روايات سعودية على الشاشة. فثمة حقائق يبدو جلياً غيابُها عن الأذهان.

حقائق سينمائية منسية

خلال محادثات مع ثلاثة من الأسماء البارزة والوازنة في صناعة الأفلام المحلية، محادثات أشبه ما تكون بالمقابلات غير المُنَظمَّة (غير المُعدَّة)، تكشفت عدة حقائق منسية، أو يجرى تجاهلها وسط غمرة الحماس والاندفاع، اللافت للنظر بقوته، في المطالبة بنقل الرواية المحلية إلى الشاشة.

من تلك الحقائق، والتي تكرر ذكرها أثناء مناقشة الموضوع، هي أن الوقت مبكر جداً، حتى على مجرد مناقشة موضوع الروايات المحلية والسينما، ناهيك عن قضية «ترجمتها» للشاشة.

ويؤكدون أنه موضوع سابق لأوانه لأنه حتى هذه اللحظة لا يمكن القول إن لدينا شركات إنتاج سينمائي مستقلة، أي متخصصة في الإنتاج السينمائي فقط، وقادرة، في الوقت نفسه، على الاستثمار فيه.

فالشركات الموجودة الآن هي شركات إعلانات في الأساس، بعضها انطلق من اليوتيوب، ودخلت مجال الإنتاج التلفزيوني والسينمائي حينما سنحت لها الفرص؛ بيد أنها لم تجرؤ على المغامرة بالتخصص في الإنتاج السينمائي كونه غير مأمون العواقب على الأقل مرحلياً، فقد يؤدي إلى تكبدها خسائر مالية، وربما الإغلاق. الإعلانات هي المجال الحيوي اقتصادياً ومصدر الدخل المأمون والمربح.

«نتفليكس» ومستثمرون

يقول أحد السينمائيين إن في المملكة عدداً كبيراً من شركات الإعلان، يبدأ بعضها خوض تجربة الإنتاج التلفزيوني أو السينمائي عندما تتوفر لديها الإمكانات المالية.

والحقيقة أن كل الشركات لديها الرغبة في خوض التجربة، لكن الفرص لا تتهيأ للجميع، كما أن المستثمرين قليلون. لكن هذه لا يعني انسداد الطريق تماماً أمامها، إذ استطاع البعض منها اجتذاب مستثمرين لتمويل مشاريعها لأنها أصبحت شركات معروفة، أو دخلت في شراكات إنتاج، كما فعلت المجموعة السعودية للإنتاج والتمويل «تلفاز11» بتعاقدها مع «نتفليكس».

ويتفق السينمائيون الثلاثة على أن شراكات مربحة كهذه تمنح شركات الإنتاج القدرة على شراء حقوق ملكية روايات، شريطة فهم الروائيين لطريقة البيع والتعاقد، ولا يقل عن ذلك أهميةً تجنب المغالاة والمبالغة، فاعتقاد بعض الروائيين أن صناعة الأفلام المحلية تدر أموالاً طائلة - والواقع ليس كذلك - وأن رواياتهم كفيلة بذاتها لجعل الأفلام المبنية عليها عظيمة يدفعهم - الاعتقاد - إلى طلب مبالغ خيالية، لا تتناسب منطقياً مع حجم مبيعات ومقروئية رواياتهم الذي لا يستطيعون تقديم أرقام وإحصاءات تثبته، وتبرر مبالغتهم في اشتراط الأثمان الباهظة لروايات قد لا يكون عدد قرائها كبيراً كما يعتقدون أو يتوهمون. كما أن التكلفة العالية لا تنتهي عند حقوق الملكية، فتوظيف كاتب سيناريو للاشتغال على رواية يستغرق وقتاً طويلاً ويشكل عبئاً مالياً إضافياً كبيراً.

صعوبات أخرى وراء الأكمة

لقد سلَّط المتحدثون الضوء على الجانب الأهم للقضية، الذي لن يُرى من دون الانخراط، أو هل أقول التورط، في صناعة الأفلام. بالإضافة، إن وراء الأكمة ما وراءها، ومما وراءها صعوبات سيكشف عرضها أن تحويل الروايات إلى أفلام ليس سهلاً، فوجود المال والرغبة لدى أي شركة إنتاج سيضعها في مواجهة صعوبات لا يستهان بها، في مقدمتها صعوبة اختيار الروايات التي تراهن على انتهائها أفلاماً تحقق اختراقات عظيمة عند شباك التذاكر. سيكون الاختيار صعباً للغاية؛ إذ ستجد نفسها في مواجهة عدد كبير من الروايات «القديمة» والجديدة.

مصدر هذه الصعوبة الأولية هو خلو المشهد الأدبي والثقافي من المعطيات والمؤشرات التي تساعد صُنّاع الأفلام على اختيار الروايات التي يرونها ملائمة.

تمثل قوائم الروايات/ الكتب الأكثر مبيعاً، رغم كل التحفظات التي تحيط بها والانتقادات التي تستهدفها، عاملاً يساعد على الاختيار. إن وجود رواية ما على أكثر من قائمة، ولمدة طويلة، يثير الطمأنينة والثقة بها، وينبئ بنجاح مشروع ترجمتها إلى فيلم.

قد لا يحقق المشروع النجاح المأمول، أو حتى نصف النجاح، غير أن الاختيار لم يكن في الأساس ممكناً من دون تلك القوائم، غير المتوفرة لصُنّاع الأفلام في بلادنا.

المراجعات والجوائز

يؤدي النقد الصحافي، أو المراجعات «reviews»، دوراً مهماً في التعريف والترويج للروايات الجديدة.

وفي بلاد كبلادنا التي يصدر فيها عدد كبير من الروايات سنوياً، يتعذر على صُنّاع الأفلام وغيرهم متابعة ومعرفة، ناهيك عن قراءة، كل ما يصدر، من دون صفحات وملاحق المراجعات التي تختصر عليهم وقت وجهود البحث عمّا يبتغون.

إن الإشادات النقدية والتوصيات بقراءتها فيما يُعرف بـ«rave reviews» عامل حاسم في عملية الاختيار. وتشكل الجوائز الأدبية عاملاً مهماً آخر.

هنالك عوامل أخرى تسهم في تذليل صعوبة البحث والاختيار، ولكنها لا تتوفر في كل رواية جديدة مثل شهرة وشعبية المؤلف، الانتشار الواسع ورواج رواياته السابقة، فوزه بجوائز، أو فوز روايات سابقة له بجوائز، أو «النجاح الجماهيري» لفيلم مبني على إحدى رواياته السابقة. كل هذه العوامل لا يتوفر معظمها في حالة واحد من كُتّاب الرواية الأدبية في واقعنا الأدبي والثقافي.

الوحيد الذي تتوفر معظم هذه المعطيات في حالته، هو الروائي أسامه المسلم، وهذا يفسر شراء «إم بي سي ستوديوز» حقوق روايته «جحيم العابرين» لترجمتها إلى فيلم بنفس العنوان، مُراهنةً على نجاح فيلمها جماهيرياً، كما راهنت على نجاح مسلسل «شارع الأعشى» الذي كلف إنتاجه (52.5) مليون ريال وفقاً لـ«ويكبيديا».

كشّافة كتب وكشّافة أدبيون

في غياب العوامل والظروف المذكورة سالفاً، ليس على المنتج الراغب في، أو يشعر بالحاجة، إلى ترجمة رواية محلية إلى فيلم، سوى الاعتماد على الذات والأخذ بأي وسائل تمكنه من اختيار الروايات المناسبة. ولعل توظيف كشّافة كتب/ كشّافة أدبيين

«book scouts/literary scouts» و«دراماتورغية» كمستشارين، خطوة في اتجاه أحد الحلول، رغم ما تعنيه من ازدياد الأعباء المالية عليه. فكم عدد الكشّافة والدراماتورغية الذين يلزمه توظيفهم للبحث والتنقيب في القديم والجديد عن رواية واحدة فقط؟

الوقت مبكر، كما قال السينمائيون آنفاً، على مطالبة صُنّاع الأفلام بتحويل الرواية السعودية إلى فيلم. سيفعلون ذلك عندما يشعرون بالحاجة، مع توفر الإمكانات والظروف المساعدة على إنجازه.

* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

ثقافة وفنون 70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
ثقافة وفنون «ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

«معرض بيروت للكتاب» يعود موحداً وبلغات عدة

عشرة أيام ثقافية جامعة، يعيشها اللبنانيون بفضل «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» في دورته السابعة والستين، الذي ينظمه هذه السنة، «النادي الثقافي العربي».

سوسن الأبطح (بيروت)
كتب الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

الكتاب السياسي في قلب المعركة الثقافية

حقّق كتاب «نهب القرن» للبرلمانية الأوروبية سارة كنّافو، المنتمية إلى حزب «ريكونكيت» اليميني المتطرف، نجاحاً استثنائياً في السوق الفرنسية

أنيسة مخالدي (باريس)

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.