اكتشاف علمي: تطور جيني يُميّز الدماغ البشري

أقسام فريدة بالجينوم البشري تساهم في تطور السمات المتميزة للإنسان وكذلك الاضطرابات الصحية لديه

اكتشاف علمي: تطور جيني يُميّز الدماغ البشري
TT

اكتشاف علمي: تطور جيني يُميّز الدماغ البشري

اكتشاف علمي: تطور جيني يُميّز الدماغ البشري

ما الذي يجعل الدماغ البشري استثنائياً مقارنةً بأقرب أقاربه في عالم الحيوان؟ إنه سؤالٌ حيّر العلماء والفلاسفة والمهتمين على مر القرون. والآن يعتقد باحثون في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة أنهم ربما وجدوا جزءاً مهماً من الإجابة، ويكمن في جزء صغير، لكنه قوي، من الحمض النووي.

أقسام فريدة في الجينوم البشري

يركز هذا الاكتشاف على «المناطق المُسرّعة بالإنسان accelerated regions (HARs) human»، وهي أقسام فريدة من الجينوم البشري تطورت بمعدل أسرع بكثير من معظم التسلسلات الجينية الأخرى. وقد تراكمت في هذه المناطق أعداد كبيرة بشكل غير عادي من التغييرات منذ انفصال البشر عن الشمبانزي قبل نحو 5 ملايين سنة.

ولطالما اشتبه العلماء في أن «المناطق المُسرّعة بالإنسان» قد تكون أساسية في تطور السمات البشرية الفريدة، مثل اللغة المعقدة، وحل المشكلات المتقدم، والإدراك الاجتماعي المتقدم. كما رُبط بعض «المناطق المُسرّعة بالإنسان» بحالات مثل التوحد؛ مما يجعلها موضوعاً بحثياً مهماً.

مفتاح جيني خاص

وفي دراستهم الأخيرة المنشورة بمجلة «ساينس أدفانسيس (Science Advances)» يوم 13 أغسطس (آب) 2025، ركز فريق البحث على جين «إتش إيه آر 123 (HAR123)»، وعلى عكس «الجين النموذجي» لا يُشفّر هذا الجين بروتيناً، بل يعمل مُعزّزاً نسخياً، وهو نوع من «التحكم الجيني في الحجم» الذي يُنظّم سلوك الجينات الأخرى. حيث إن المُعزّزات تُحدّد الجينات التي يجري تفعيلها، ومدى قوة تنشيطها، وفي أي مراحل نموّ يجري التعبير عنها.

ووفقاً للباحثين، يبدو أن الجين «إتش إيه آر 123 (HAR123)» هذا يلعب دوراً حيوياً في نمو الدماغ، وتحديداً في تكوين «الخلايا السلفية العصبية». وهذه هي الخلايا «البادئة» في المراحل المبكرة التي تتطور في النهاية إلى نوعين رئيسيين من خلايا الدماغ، هما «الخلايا العصبية» التي تنقل المعلومات وتُعالجها، و«الخلايا الدبقية» التي تدعم الخلايا العصبية وتحميها.

«المرونة الإدراكية»

وما يجعل الجين أكبر إثارةً للإعجاب هو أنه يؤثر على نسبة «الخلايا العصبية» إلى «الخلايا الدبقية» التي تتطور من هذه «الخلايا السلفية». وهذا التوازن الدقيق ضروري لوظائف الدماغ السليمة. فمن خلال ضبط هذه النسبة بدقة يبدو أنه يُسهم في قدرة بشرية متقدمة تُعرف «بالمرونة الإدراكية (cognitive flexibility)» وهي المهارة العقلية التي تُمكّننا من تكييف تفكيرنا والتخلص من الأفكار القديمة واستبدال معارف جديدة بها.

نافذة على التطور البشري

ومن أبرز جوانب الدراسة تسليطها الضوء على الاختلافات بين البشر والشمبانزي على المستوى الجزيئي. فعندما قارن العلماء النسخة البشرية من جين «إتش إيه آر 123 (HAR123)» بنظيرتها لدى الشمبانزي، وجدوا أن المتغيرين أحدثا تأثيرات مميزة في «الخلايا الجذعية» و«خلايا السلائف العصبية» المزروعة في المختبر. وقد تُساعد هذه الاختلافات في تفسير بعض التغيرات الهيكلية والوظيفية الجذرية التي حدثت في الدماغ البشري خلال التطور.

وقد أوضح الدكتور مايلز ويلكنسون، أحد كبار مؤلفي الدراسة من قسم التوليد وأمراض النساء وعلوم الإنجاب ومعهد الطب الجينومي بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو الأميركية، أن هذا العمل «يُقدم لمحة نادرة عن الآليات الجينية التي ربما ساهمت في تشكيل جنسنا البشري». وقال: «تشير نتائجنا إلى أن التغيرات الجينية الصغيرة نسبياً يمكن أن تكون لها آثار كبيرة على نمو الدماغ وربما على القدرات الإدراكية».

فهم اضطرابات الدماغ

وقد تكون لهذا البحث آثار عملية على فهم اضطرابات النمو العصبي وربما علاجها، إلى جانب رؤاه التطورية؛ إذ ينطوي كثير من الحالات، بما في ذلك «اضطراب طيف التوحد»، على اضطرابات في نمو خلايا الدماغ والتواصل. ومن خلال دراسة «إتش إيه آر 123 (HAR123)» والمناطق الأخرى المُسرّعة بشرياً، قد يكتشف العلماء طرقاً جديدة لاختلال هذه العمليات ويحددون أهدافاً علاجية محتملة.

مع ذلك، ينبه الباحثون إلى أن نتائجهم ليست سوى البداية، فقد أُجريت الدراسة باستخدام نماذج خلوية مختبرية، وهناك حاجة إلى مزيد من العمل لتأكيد دور الجين «إتش إيه آر 123 (HAR123)» في الكائنات الحية. وقال الدكتور كون تان، المؤلف المشارك من معهد الطب الجينومي بجامعة كاليفورنيا سان دييغو بالولايات المتحدة الأميركية، إنه لا يزال أمامهم الكثير لتعلمه بشأن التأثيرات الجزيئية الدقيقة لـ«إتش إيه آر 123 (HAR123)»؛ حيث إنه خيط مثير للاهتمام ولكنه يتطلب متابعة دقيقة.

الطريق إلى الأمام

وغالباً ما يُوصف الدماغ البشري بأنه البنية الأشد تعقيداً في الكون المعروف، وإن فهم جزء صغير فقط من كيفية تشكله يمكن أن يُعمّق معرفتنا بما يجعلنا ما نحن عليه. فقد يكون «إتش إيه آر 123 (HAR123)» أحد العوامل الوراثية الكثيرة التي ساهمت معاً في نشوء القدرات المعرفية المذهلة لجنسنا البشري، من اختراع الأدوات وإبداع الفن، إلى بناء المدن واستكشاف الفضاء.

ويعزز هذا المسار البحثي أيضاً فكرة أن التغيرات التطورية لا تأتي دائماً من جينات جديدة تماماً. ففي بعض الأحيان يكمن السر في تعديل «إعدادات» الجينات التي نتشاركها بالفعل مع الأنواع الأخرى؛ مما يؤدي إلى تغيير نشاطها بمهارة لإحداث تأثيرات عميقة.

وتُمثل دراسة جامعة كاليفورنيا خطوةً إلى الأمام في الإجابة عن أحد أكبر الأسئلة إلحاحاً لدى البشرية. وتشير الدراسة إلى أن جذور قدراتنا العقلية قد لا تكمن في تعديلات جينية واسعة النطاق، بل في تغييرات صغيرة ومُستهدفة بدقة في كيفية تنظيم جيناتنا الحالية.

ومع استمرار العلم في كشف أسرار حمضنا النووي، تُذكرنا نتائج كهذه بأن قصة تفرد الإنسان مُدوّنة بأدق التفاصيل البيولوجية التي ربما شكّلت أعظم الإنجازات البشرية.


مقالات ذات صلة

جينات مقاومة المضادات الحيوية موجودة حتى في الرئتين السليمتين

علوم جينات مقاومة المضادات الحيوية موجودة حتى في الرئتين السليمتين

جينات مقاومة المضادات الحيوية موجودة حتى في الرئتين السليمتين

نحو 35 في المائة من الأصحاء يحملونها رغم عدم وجود أي تاريخ مرضي، أو أعراض تنفسية لديهم

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
يوميات الشرق نتائج الدراسة كشفت عن وجود تقارب جيني واضح مع سكان المنطقة العربية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

«الجينوم المصري» يحدد معدلات الطفرات المسببة لـ13 مرضاً بالبلاد

أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري، الدكتور عبد العزيز قنصوة عن نتائج أضخم دراسة للتسلسل الجيني الكامل.

أحمد حسن بلح (القاهرة)
علوم روابط جديدة بين الجينات… والأمراض والاستجابة للعلاج

روابط جديدة بين الجينات… والأمراض والاستجابة للعلاج

نحو طب «شخصي» أكثر دقة

د. وفا جاسم الرجب
علوم عملية دقيقة لحقن صبغة في شريان جنين للدجاج

كيف تحوّل بيضةَ دجاجة مصنعاً للأدوية؟

استخدام البيض قد يُخفّض تكلفة العلاجات إلى أقل من عُشر تكلفتها الحالية أو أقل

كارل زيمر (نيويورك)
علوم صورة تعبيرية عن الأبحاث حول هندسة إنتاج خلايا مناعية داخل جسم الإنسان

«كريسبر» داخل الجسم: حقنة بسيطة قد تحل محل أعقد علاجات السرطان

نجح لأول مرة في مكافحة أورام الساركوما إضافة إلى اللوكيميا، والورم النخاعي المتعدد

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
TT

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

في الطب، لا تبدأ الحقيقة دائماً بما نراه... بل كثيراً بما لا يُعرض علينا أصلاً، فالأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تحكي القصة كاملة، والخوارزميات، مهما بلغت من ذكاء، لا تُفصح عن حدودها بصراحة.

حين تعتمد أوروبا على الذكاء الاصطناعي

تقرير أوروبي

في هذا السياق، صدر تقرير حديث عن منظمة الصحة العالمية - المكتب الإقليمي لأوروبا، ونُشر رسمياً في 20 أبريل (نيسان) 2026، ليُقدّم أول صورة شاملة عن واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية داخل دول الاتحاد الأوروبي. لا بوصفه وعداً تقنياً، بل محاولة لقياس ما أصبح بالفعل جزءاً من الممارسة الطبية اليومية: مَن يستخدم هذه الأنظمة؟ كيف تُدمج في القرار السريري؟ وإلى أي حد يمكن الوثوق بها؟

ما الذي نقيسه... وما الذي يغيب عنا؟

لكن ما يلفت الانتباه في هذا التقرير، ليس فقط ما كشفه من أرقام بل ما تركه خارج القياس. فبينما يشير إلى أن نحو 64 في المائة من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص، خصوصاً في تحليل الصور الطبية، يظل السؤال الأعمق معلقاً: هل تكفي هذه المؤشرات لفهم ما يحدث فعلاً داخل غرفة القرار الطبي؟

في مقالات سابقة، كان السؤال: مَن يقرر؟ أما اليوم، فقد تغيّر السؤال: ماذا لا نرى؟

بين الانتشار والفهم... فجوة لا تُرى

لم يعد إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المستشفيات تحدياً تقنياً يُذكر؛ فالنماذج قادرة اليوم على تحليل آلاف الصور الطبية في لحظات، واقتراح مسارات تشخيصية بدقة لافتة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة على الاستخدام، بل في القدرة على الفهم: ماذا تفعل هذه الأنظمة حين تعمل؟ وأين تتوقف حدودها؟

تفاوت الجاهزية البشرية والتنظيمية

يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية عن تفاوت واضح بين الدول، لا في توفر التكنولوجيا، بل في جاهزيتها البشرية والتنظيمية؛خصوصاً في مجالات الحوكمة الأخلاقية، وتأهيل الأطباء، وإدارة البيانات. لكن هذا التفاوت الظاهر يخفي وراءه فجوة أعمق، لا تُقاس بسهولة.

إنها فجوة معرفية قبل أن تكون تقنية، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل بمنطق الشك الذي اعتاد عليه الطبيب، ولا يعلن عن مناطق ضعفه كما يفعل العقل البشري حين يتردد. إنه يولد إجابات، لكنه لا يكشف عمّا استُبعد من الحساب، ولا عمّا لم يُمثَّل في البيانات أصلاً.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«الصمت الخوارزمي»؛ ليس بوصفه خللاً في الأداء، بل خاصية بنيوية في هذه الأنظمة: فراغ غير مرئي داخل القرار؛ حيث لا يكون الخطأ في ما قِيل، بل فيما لم يُطرح أصلاً.

هل يُقاس الطب بالخوارزميات وحدها؟

في بيئة طبية تتسارع فيها الأنظمة الذكية، يسهل اختزال جودة الرعاية الصحية في مؤشرات الأداء: دقة أعلى، وقت أقل، وقرارات أسرع. غير أن هذا القياس، على أهميته، يظل عاجزاً عن التقاط جوهر القرار الطبي. فالطب لا يقوم فقط على ما يُكتشف، بل على كيفية التعامل مع ما يظل غير محسوم.

الطبيب لا يعمل داخل معادلة مغلقة، بل داخل مساحة مفتوحة من الاحتمالات؛ حيث تُعاد صياغة القرار مع كل معلومة جديدة، ومع كل شك يظهر في الطريق. وهذا ما لا تعكسه المؤشرات الرقمية، ولا تُترجمه النماذج الحسابية بسهولة.

تفاعل الطبيب

التقرير الأوروبي يقيس مدى انتشار الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يقيس كيفية تفاعل الطبيب مع مخرجاته: متى يقبلها؟ ومتى يعيد تفسيرها؟ ومتى يختار أن يتجاوزها؟ هذه اللحظات -التي لا تُسجل في البيانات- هي التي تُشكّل جوهر الممارسة السريرية.

وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: كلما أصبحت الأنظمة أكثر دقة في الإجابة، ازدادت الحاجة إلى عقل قادر على إعادة طرح السؤال.

من يكتب القواعد... الإنسان أم الآلة؟

يُظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن الدول الأوروبية لا تتحرك بإيقاع واحد في تنظيم الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فبعضها صاغ استراتيجيات وطنية واضحة، في حين لا يزال بعضها الآخر في طور البحث عن إطار ينظم ما يتسارع قبل أن يُفهم بالكامل.

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود القوانين، بل بطبيعة ما نحاول تنظيمه. فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة ثابتة يمكن إخضاعها لقواعد جامدة، بل نظام يتعلم ويتغير، وتتشكل مخرجاته من تفاعل معقد بين البيانات والسياق وطريقة الاستخدام.

وهنا تظهر مفارقة تنظيمية عميقة: نحن نكتب قواعد لأنظمة لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها. فالقانون يفترض ثبات السلوك، في حين تقوم هذه الأنظمة على التحول المستمر.

لهذا، لم تعد مساءلة الذكاء الاصطناعي مساءلة تحديد «من أخطأ»، بل فهم كيف تُشكّل القرار أصلاً، ومن أين بدأ مساره. إنها مساءلة لا تبحث فقط في النتيجة، بل في البنية التي أنتجتها، وهذا ما يجعلها أقرب إلى سؤال فلسفي منه إلى إجراء تنظيمي تقليدي.

أوروبا تتقدم... فماذا عن العالم العربي؟

ما يلفت النظر في تقرير منظمة الصحة العالمية ليس فقط ما حققته أوروبا، بل ما يكشفه ضمنياً عن موقعنا نحن في هذه الخريطة المتحركة. ففي العالم العربي، تبدو الصورة غير متجانسة، بل أقرب إلى تفاوت حاد بين دول تقود التجربة، وأخرى لا تزال في بداياتها الأولى.

المملكة تقود التحول حيث يلتقي الطب بالذكاء

في المقدمة، تبرز المملكة العربية السعودية نموذجاً يقود التحول في الذكاء الاصطناعي الطبي، ضمن رؤية استراتيجية واضحة ترتبط بـ«رؤية السعودية 2030»؛ حيث لم يعد الاستخدام مقصوراً على التجريب، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية في المستشفيات، ومنصات الرعاية الافتراضية، وتحليل البيانات الصحية على نطاق واسع.

تلي السعودية كل من قطر والإمارات العربية المتحدة بخطوات متفاوتة؛ حيث تتشكل منظومات واعدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى التكامل الشامل الذي نشهده في التجربة السعودية.

أما بقية العالم العربي، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الدول، فتتراوح بين مراحل وضع الأسس الأولية للذكاء الاصطناعي الطبي، أو غيابه شبه الكامل عن الممارسة السريرية المنظمة. وهنا لا تكون الفجوة تقنية فحسب، بل فجوة في الرؤية والتخطيط والجاهزية البشرية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسريع التبني فقط، بل في كيفية توجيهه. فالسؤال لم يعد: كم نظاماً نملك؟ بل: كيف نستخدمه؟ ومن يفسر نتائجه؟ وهل الطبيب العربي اليوم مُهيأ ليكون شريكاً في القرار، لا مجرد متلقٍ لمخرجاته؟

ما الذي لا يظهر في التقارير؟

ربما يكون أهم ما كشفه تقرير منظمة الصحة العالمية... هو ما لم يقله صراحة. فبين الأرقام، تختفي تفاصيل لا تُقاس: قلق طبيب شاب أمام توصية لا يفهم آليتها، أو مريض يبدأ موازنة ثقته بين الإنسان والنظام.

هذه المساحات غير المرئية ليست هامشية، بل هي التي تُشكّل جوهر القرار الطبي؛ حيث تتقاطع الدقة مع الشك، والتوصية مع المسؤولية.

الخلاصة: السؤال الذي تغيّر

في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في الطب، بل في مَن يقود القرار حين يلتقي الإنسان بالخوارزمية.

في هذا العصر، لم تعد الأخطاء تختبئ فقط في القرارات الخاطئة، بل في القرارات التي لم تُتخذ، وفيما لم يُعرض أصلاً على طاولة التفكير السريري. ولهذا، لم يعد السؤال: هل أخطأ النظام؟ بل أصبح:

ما الذي لم نره... وكان ينبغي أن يكون جزءاً من القرار؟


«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية، وكذلك عن إجابات لأكبر الألغاز الفيزيائية المتمثلة في المادة والطاقة المظلمتين.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مدير «ناسا» جاريد آيزاكمان قوله أمس (الثلاثاء) من مركز غودارد التابع للوكالة في ولاية ماريلاند (شرق الولايات المتحدة)، إن هذا التلسكوب من الجيل الأحدث «سيوفِّر لكوكب الأرض أطلساً جديداً للكون».

وسيُنقل التلسكوب الذي يتجاوز طوله 12 متراً والمزوَّد ألواحاً شمسية ضخمة إلى فلوريدا، تمهيداً لإرساله إلى الفضاء في أقرب وقت مطلع سبتمبر (أيلول)، بواسطة صاروخ تابع لشركة «سبيس إكس».

وأُطلقت تسمية «رومان» على هذا التلسكوب الذي فاقت تكلفته 4 مليارات دولار، تيمناً بنانسي غريس رومان، إحدى أهم عالمات الفلك الأميركيات، والملقبة بـ«أم هابل»، نسبة إلى تلسكوب «هابل» الشهير التابع لـ«ناسا».

ومن نقطة مراقبة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، سيمسح «رومان» مناطق شاسعة من السماء، بفضل مجال رؤيته الواسع الذي يفوق مجال رؤية «هابل» بأكثر من مائة مرة.

وقال مهندس الأنظمة في مهمة «رومان» مارك ميلتون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن التلسكوب الجديد سيُرسِل إلى الأرض «11 تيرابايت من البيانات يوميّاً، ما يعني أن كمَّ البيانات التي سيوفِّرها في السنة الأولى وحدها يفوق ما جمعه تلسكوب هابل طوال فترة عمله» منذ دخوله الخدمة قبل 35 عاماً.

وتوقَّعت المسؤولة عن الأنشطة العلمية في «ناسا» نيكي فوكس، أن يتيح «رومان» بفضل عدسته الواسعة الزاوية «اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة»، فضلاً عن «آلاف المستعرات العظمى» أي النجوم الضخمة التي شارفت دورة حياتها نهايتها.

لكنَّ «رومان» يهدف أيضاً إلى دراسة ما هو غير مرئي، أي دراسة المادة والطاقة المظلمتين اللتين يُعتقد أنهما تمثِّلان 95 في المائة من الكون.

وبفضل الأشعة تحت الحمراء، سيتمكَّن «رومان» من رصد الضوء المنبعث من أجرام سماوية قبل مليارات السنين، والعودة بذلك إلى الماضي، لفهم هاتين الظاهرتين الغامضتين بصورة أفضل.


دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
TT

دراسة: دخان حرائق الغابات قد يرفع خطر الإصابة بأنواع من السرطان

جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)
جانب من حرائق غابات في إزمير (إكس)

خلصت دراسة قدمت في اجتماع الجمعية الأميركية لأبحاث السرطان في سان دييغو إلى أن التعرض للدخان الناتج عن حرائق الغابات يرتبط بارتفاع كبير في مخاطر الإصابة بعدة أنواع من السرطان.

وحلل الباحثون بيانات عن انتشار الإصابة بالسرطان من تجربة فحص سرطان البروستاتا والرئة والقولون والمستقيم والمبيض، والتي تتعقب حالات التشخيص الجديدة بالسرطان لدى بالغين في أنحاء الولايات المتحدة ليس لديهم تاريخ سابق من الإصابة بالأورام الخبيثة.

ولتحديد مقدار التعرض لدخان حرائق الغابات، أجرى الباحثون تقييما للجسيمات الدقيقة والكربون الأسود في الجو باستخدام بيانات تلوث الهواء على مستوى سطح الأرض من الأحياء التي يعيش فيها المشاركون، إلى جانب صور الأقمار الصناعية التي ساعدت في حساب عدد الأيام التي تعرضت فيها مناطق إقامتهم للدخان.

ومن بين 91460 مشاركا تم تسجيل بياناتهم بين عامي 2006 و2018، ارتبط التعرض لدخان حرائق الغابات بشكل كبير بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة والقولون والمستقيم والثدي والمثانة والدم، ولكن ليس بسرطان المبيض أو الجلد.

ووجد الباحثون أيضا أن خطر الإصابة بهذه الأنواع من السرطان يزداد مع ارتفاع مستوى تلوث الهواء الناتج عن الحرائق.

وقال رئيس الدراسة تشي تشن وو من مركز السرطان الشامل بجامعة نيو مكسيكو في بيان «الرسالة الرئيسية هي أن دخان حرائق الغابات ليس مجرد مشكلة قصيرة الأمد تتعلق بالجهاز التنفسي أو القلب والأوعية الدموية. فقد ينطوي التعرض المزمن له أيضا على مخاطر الإصابة بالسرطان على المدى الطويل».

وأضاف «من الملحوظ أن زيادة خطر الإصابة بالسرطان قد تحدث حتى عند مستويات منخفضة نسبيا من دخان حرائق الغابات (الجسيمات الدقيقة) التي يتعرض لها السكان عادة».

وأشار وو أيضا إلى أن مصدر ومكونات دخان حرائق الغابات تختلف باختلاف المناطق الجغرافية، وقد تتأثر الصحة أيضا بالمركبات والتحولات الكيميائية التي تحدث للدخان أثناء انتشاره.