بين الروتيني وصراعات النفوذ... البرهان يجري تغييرات قيادية واسعة

محلل عسكري يرى فيها «جسّ نبض لمدى تأثير الإسلاميين داخل الجيش السوداني»

هيئة أركان الجيش السوداني الجديدة ويتوسطها قائد الجيش (فيسبوك)
هيئة أركان الجيش السوداني الجديدة ويتوسطها قائد الجيش (فيسبوك)
TT

بين الروتيني وصراعات النفوذ... البرهان يجري تغييرات قيادية واسعة

هيئة أركان الجيش السوداني الجديدة ويتوسطها قائد الجيش (فيسبوك)
هيئة أركان الجيش السوداني الجديدة ويتوسطها قائد الجيش (فيسبوك)

أصدر القائد العام للقوات المسلحة السودانية، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، سلسلة قرارات شملت تشكيل رئاسة جديدة لهيئة الأركان، وترقيات وإحالات للتقاعد لعدد من كبار الضباط، إلى جانب قرار آخر بإخضاع القوات المساندة للجيش لقانون القوات المسلحة.

وتبدو القرارات من حيث الشكل «روتينية» تحدث وفقاً للتقاليد الإدارية والتنظيمية للجيش السوداني كل عام، إلا أن توقيت القرارات وحجمها والثقل القتالي الكبير للضباط المحالين للتقاعد كل هذا يجعل من فصلها عن سياقات الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين أكثر تعقيداً، إن لم يكن مثيراً للشكوك. وتطرح القرارات تساؤلاً أساسياً، حول ما إن كانت روتينية، أو أنها ترتبط بصراعات النفوذ داخل قيادة الجيش، وإبعاد ضباط يخشى أن يثير بقاؤهم في القيادة صراعات أو مواقف «سياسية»، تشكل خطراً على وحدة الجيش، والإتيان بموالين للقيادة.

البرهان في منطقة المصورات التراثية شمال البلاد (فيسبوك)

وبحسب البيانات الرسمية التي صدرت تباعاً عن القيادة العامة الأحد والاثنين، فقد أبقى قائد الجيش على الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين الحسن في منصب رئيس هيئة الأركان، فيما تم تعيين نواب لرؤساء الأركان للإمداد والتدريب والإدارة والعمليات، إلى جانب تغييرات في مواقع قيادية بسلاح الجو والدفاع الجوي والاستخبارات برتب اللواء وغيرها، كما تمت إحالة عدد من الضباط الكبار على التقاعد بعد ترقيتهم إلى رتبة فريق أول.

ورغم أن الجيش أكد أن هذه الإجراءات روتينية وتتم وفقاً لقانون القوات المسلحة ولوائح الخدمة، فإن توقيتها وحجمها أثارا نقاشاً واسعاً، فالخبير الأمني اللواء المعتصم عبد القادر أكد أن الإحالات روتينية، «لكن لأنها تراكمت لثلاث سنوات لأسباب مختلفة، بدا العدد كبيراً ومثيراً للانتباه».

وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحرب مثلت اختباراً حقيقياً لقدرات الجيش، لذلك جاءت هذه الإحالات والترقيات مختلفة عن الأوضاع العادية، لكنها لن تؤثر على سير العمليات، إذ إن مَن أُحيلوا أخفقوا أو أنهم من رتب غير مؤثرة ميدانياً»، مضيفاً أن «مثل هذه القرارات تمنع التكلس في الوحدات، وتوقف التذمر وسط الرتب الأصغر المتطلعة للترقيات، وهذا حقها».

مبنى تضرر بشدة جراء المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أ.ف.ب)

لكن اللواء المتقاعد كمال إسماعيل ورئيس المكتب التنفيذي لـ«التحالف الوطني السوداني» ذهب أبعد من ذلك، واعتبر قرارات البرهان بمثابة «جس نبض لتأثير الإسلاميين داخل الجيش»، مؤكداً أن «معظم الضباط الذين أُحيلوا للتقاعد محسوبون على تيار الإخوان المسلمين».

وقال اللواء إسماعيل لـ«الشرق الأوسط» إن «ضغوطاً غربية وأميركية لعبت دوراً في هذه القرارات لمنع عودة الإسلاميين إلى الحكم»، وحذر من أن غياب السند العسكري القوي للبرهان قد يقود إلى «كارثة».

ويرى مراقبون أن التغييرات الأخيرة «لا يمكن فصلها عن صراع أوسع داخل الجيش بين أجنحة متعددة، من بينها ضباط محسوبون على الإسلاميين ظلوا يتمتعون بنفوذ داخل المؤسسة العسكرية منذ عهد الإنقاذ».

وتذهب بعض التقديرات إلى أن الإحالات «تهدف إلى إبعاد هذا التيار تحديداً من مواقع القرار، في ظل ضغوط دولية وإقليمية لإعادة الجيش إلى موقع أكثر مهنية وحياداً».

عناصر كتيبة قوات المهام الخاصة التابعة للجيش السوداني في الولاية الشمالية (أ.ف.ب)

أما قرار البرهان بإخضاع جميع القوات المساندة للجيش، بما فيها التشكيلات المستقلة، لقانون القوات المسلحة لتصبح تحت إمرة القيادة العسكرية في مختلف المناطق، فقد أثار هو الآخر جدلاً واسعاً.

وحذر اللواء المتقاعد إسماعيل من أن يقود قرار الإخضاع لمواجهات داخلية، بقوله: «هذه التشكيلات لا تلتقي على هدف واحد، بعضها يقاتل من أجل أهداف سياسية أو من أجل السلطة والثروة، مثل كتائب البراء بن مالك الإسلامية، وبعض الحركات المسلحة، وهي لن تقبل بالعمل تحت منظومة الجيش»، وتابع: «غياب وحدة القيادة والسيطرة قد يفتح الباب أمام صدامات محتملة بين هذه المجموعات».

أما القيادي في تحالف «صمود» ورئيس «حزب البعث السوداني» كمال بولاد فاعتبر وضع القوات المساندة تحت قانون الجيش «خطوة في الاتجاه الصحيح»، مشترطاً أن «تقترن بإصلاحات في المؤسسة العسكرية، تهدم ثقافة تسييسها»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «سياسة التسييس أضرت بكل القوات النظامية، مثلما أضرت بمستقبل السودانيين طيلة حقبة الإنقاذ وما قبلها».

عناصر من «المقاومة الشعبية السودانية» المؤيدة للجيش في القضارف شرق السودان (أ.ف.ب)

ووفقاً لمحللين آخرين، يُخشى حدوث مواجهات مسلحة داخلية بين بعض التشكيلات، مثل «كتائب البراء» أو فصائل من الحركات المسلحة، التي قد ترفض الخضوع، ما يفتح الباب لصدام مع الجيش، أو أن تؤدي لتفكك التحالفات المؤقتة، خصوصاً أن الكثير من هذه القوات يقاتل تحت شعارات سياسية أو بحثاً عن مكاسب، وقد ينسحب أو يتمرد إذا شعر بفقدان استقلاليته.

ويقول المراقبون أيضاً إنه «يمكن أن تؤدي محاولات فرض القانون بالقوة على هذه القوات إلى تعميق الشكوك من محاولات عسكرة المشهد السياسي، بدلاً من تقليصه، خاصة إذا تم تفسيره على أنه إبعاد لتيارات معينة مثل الإسلاميين والموالين لهم، ما قد يزيد حدة الاستقطاب داخل الوحدات التي تقاتل بصف الجيش».

دبابتان متضررتان أمام مبنى البنك المركزي السوداني في الخرطوم (رويترز)

ويخلص هؤلاء إلى أن قرارات البرهان تحمل وجهين: «فهي من ناحية إجراءات تنظيمية كانت مؤجلة وتراكمت لسنوات، ومن ناحية أخرى هي خطوة سياسية لإعادة تشكيل قيادة الجيش، وتوحيد مركز القرار العسكري، بما يتناسب مع الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، ومع توازنات القوى الداخلية والخارجية، بما في ذلك ملف الإسلاميين في المؤسسة العسكرية».


مقالات ذات صلة

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)

الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

أكد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الاثنين، أن الفظائع التي ارتُكبت خلال استيلاء «قوات الدعم السريع» على الفاشر في السودان تُعدّ «كارثة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)

بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

كان جبارة البشير وعائلته يجوبون صحراء ​السودان بإبلهم وماشيتهم، ويتنقلون بحرية بين الأسواق ومصادر المياه والمراعي الخضراء.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

السودان يعود إلى منظمة «إيغاد» بعد عامين من خروجه منها

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق إفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)

«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

حذَّر مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، اليوم (الأحد)، من أن النظام الصحي في السودان يتعرَّض لهجمات مجدداً.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.

 


حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
TT

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

أَطلعت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، على مجريات لجان «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية، في وقت يشهد تصاعداً في «صراع الشرعية» بين مجلسي النواب والدولة.

واستقبل القائد العام تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري والوفد المرافق لهما، يوم الاثنين، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي.

ونقلت القيادة العامة أن المشير أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقالت إن تيتيه عرضت عليه إحاطة حول ما أجرته لجان «الحوار المهيكل» من نقاشات وحوارات تهدف إلى تشكيل خريطة طريق تقود لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

المشير خليفة حفتر يلتقي المبعوثة الأممية هانا تيتيه في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

وأضاف مكتب حفتر أن الطرفين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور لدعم خطوات البعثة الأممية في ليبيا، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

في غضون ذلك، دخل «صراع الشرعية» في ليبيا مرحلة جديدة بين مجلسي «النواب» و«الدولة» حول إدارة المؤسسات السيادية، بعدما اتهم رئيس «الأعلى للدولة» محمد تكالة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باستخدام «ألاعيب متكررة لإرباك المشهد عبر إصدار قوانين وقرارات أحادية».

ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد القوانين، بل امتد ليعمّق الانقسام حول مفوضية الانتخابات ومجلس القضاء، وسط تحذيرات شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية من مغبة الانحياز.

وجاءت الاتهامات التي وجّهها تكالة إلى صالح في تصريحات تلفزيونية، مساء الأحد، مشيراً إلى إصدار صالح قوانين أو قرارات قبل لقاءاتهما الرسمية، ومن ذلك إصداره قانوناً وصفه بأنه «معيب» بإنشاء المحكمة الدستورية؛ وقال إنه طالب صالح من قبل بعدم إصدار أي قوانين أو قرارات قبل لقائهما، لأن ذلك «يربك المشهد».

ودافع تكالة عن انتخاب مجلسه منفرداً، رئيس وأعضاء مجلس إدارة للمفوضية العليا للانتخابات، باعتباره تطبيقاً لـ«اتفاق أبو زنيقة»، أحد الاتفاقات المبرمة بناءً على «اتفاق الصخيرات» الموقّع في المغرب نهاية 2015.

وتابع: «نحن نسعى للتغيير في المفوضية من أجل التطوير وتصحيح مسارها بإعادة تشكيلها؛ والتصحيح الحقيقي فيها هو الذي لا يترك مجالاً للطعن في أي انتخابات مستقبلاً»، لافتاً إلى أن اللجنة الاستشارية التي تضم خبراء قانون أوصت بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وأن أعضاءها رأوا أن المفوضية بهذه الوضعية لن تستطيع أن تدير عملية انتخابية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية أخذت برأي اللجنة الاستشارية واقترحته في الأمم المتحدة بوصفه جزءاً من «خريطة الطريق»، موضحاً أن رئيس مجلس النواب تراجع عن مسألة تغيير مجلس المفوضية بسبب قوة قاهرة ضغطت عليه، وقال إن مجلس المفوضية السابق كان من المفترض إقالته منذ 2021 عندما فشل في إجراء الانتخابات.

وبعدما عدّ تصريح البعثة الأممية حول تغيير رئاسة المفوضية «نوعاً من المغازلة» لمجلس النواب، شدّد تكالة على أن مجلس الدولة «لم يتجاوز اختصاصاته، ولم يتدخل في أي جزئية إلا بما كفله له الاتفاق السياسي».

وقال إن صلاح الكميشي، الرئيس المنتخب من مجلس الدولة لرئاسة المفوضية، بصدد ترتيب عملية تسلّم منصبه، رغم اعتراض السايح، مشيراً إلى أن الكميشي سيباشر أعماله من داخل مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قريباً، من دون تحديد أي موعد.

الدبيبة مستقبلاً القائم بالأعمال بسفارة السعودية في ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي يوم الاثنين (مكتب الدبيبة)

وعلى صعيد مختلف، قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة إن رئيسها عبد الحميد الدبيبة استقبل القائم بالأعمال بسفارة المملكة العربية السعودية في ليبيا، عبد الله بن دخيل الله السلمي، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات موضع الاهتمام المشترك.

وأضافت الحكومة، الاثنين، أن الدبيبة سلّم، بصفته وزير الدفاع، رسالة موجهة إلى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في إطار دعم وتطوير مسارات التعاون والتنسيق بين البلدَين وتعزيز العلاقات السياسية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان، حسب الحكومة، أهمية مواصلة التواصل والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز الاستقرار ويدعم جهود التعاون العربي.

Your Premium trial has ended


شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
TT

شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)

انتقل الجدل حول وقائع التحرش في مصر إلى مساحة جديدة، تتعدى الوقائع نفسها إلى مواقف المحيطين فيها من الشهود، بعدما أظهر مقطعٌ مصورٌ لفتاة تتهم شاباً بالتحرش بها في حافلة نقل عام بمنطقة المقطم (جنوب القاهرة)، صمتَ بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب ومهاجمة الفتاة، فيما سعى فريقٌ ثالثٌ لمحاولة التهدئة، وسط انتقادات «سوشيالية» وهجوم على مواقفهم.

وأظهر مقطع مصور نشرته فتاة تدعى مريم شوقي على حسابها عبر «فيسبوك»، مساء الأحد، شاباً يقف في الحافلة محاولاً إخفاء وجهه عن الكاميرا أحياناً وإظهاره أحياناً أخرى، قبل إقدامه على الفتاة لمنعها من التصوير، وهي تنهال عليه بالسباب وتتهمه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها، وتستغيث في الفيديو لإنقاذها، وسط صمت من المحيطين. فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط المتهم الذي أنكر ارتكابه الواقعة، قبل أن تتولى النيابة العامة التحقيق.

وفي مقطع آخر، تدخل راكب لمهاجمة مريم منتقداً تصرفاتها، ما شجع الشاب المتهم على الرد، قائلاً لها: «شوفي انتي لابسه إيه»، وهذا ما اعتبره البعض «اعترافاً ضمنياً بالتحرش وتبريره لذلك بملابسها».

وحسب بيان الداخلية المصرية، فإن مقاطع الفيديو التي تم تداولها تظهر اتهام الفتاة لأحد الأشخاص بقيامه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة وتتبعها عقب ذلك إلى داخل أحد أتوبيسات النقل العام.

وقالت الداخلية، في بيان، الاثنين، إنه بسؤال الشاكية (موظفة بإحدى الشركات - مقيمة بمحافظة السويس) أقرت بأنها حال خروجها من مقر عملها الكائن بدائرة القسم قام الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو بالتحرش اللفظي بها وتتبعها حال استقلالها أحد أتوبيسات النقل العام. وأنه أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو (عامل - مقيم بمحافظة الدقهلية)، وبمواجهته أنكر ارتكابه الواقعة، أو سابقة تقابله مع المجني عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الشاب المتهم بالتحرش يختبئ من كاميرا الفتاة صاحبة الشكوى (لقطة مثبتة)

واتجه جزء كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المحيطين بالواقعة، خصوصاً الراكب الذي تدخل وهاجم الفتاة، بينما يمسك مسبحة في يده، معتبرين أن مثل هؤلاء «سبب في عدم تجريم التحرش وتوفير حماية للمتحرشين».

واعتبر هذا الفريق أن ما يعكسه الفيديو من سلبية للمحيطين، بل وحماية لـ«المتحرش»، على حد وصفهم، أخطر من التحرش نفسه، إذ يمثل حاضنة مجتمعية تتصالح مع هذه الأفعال، مقابل لوم الضحية، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد بالمطالبة بمحاكمة الشهود.

وشكك آخرون في الرواية كلياً، انطلاقاً من موقف الشهود نفسه، مستبعدين حالة الصمت والتصالح مع خطأ وقع فعلياً من كل الموجودين في الأتوبيس، ومعتبرين أن ذلك الصمت دليل على اختلاق الفتاة للواقعة.

وحذر آخرون من الهجوم على أحد بدعوى التحرش دون تقديم دليل، معتبرين أنه سلاح يمكن أن تستخدمه النساء لتصفية حسابات أو التشهير بمظلومين.

وتنص المادة 306 مكرر أ من قانون العقوبات على «معاقبة كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل (بما في ذلك الاتصالات)، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات، وغرامة مالية بين 100 ألف و300 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً).

وفسر أستاذ علم الاجتماع، وليد رشاد، المعضلة التي يتعرض لها الشهود والمحيطون وقت ارتكاب جريمة ما، سواء بالتدخل أو الصمت، وزيادة التوجه الأخير إلى 3 أسباب؛ الأول الخوف من الجريمة المرتكبة، أي تجنب أن تطوله الجريمة أو الاعتداء، خصوصاً في ظل وهن الروابط المجتمعية الكبيرة حالياً، وهو سبب اجتماعي، أما الثاني فسبب نفسي متعلق بتوجه الفرد نحو الانزواء على ذاته، والانعزال عن المحيط.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن السبب الثالث مرتبطٌ بالتطور التكنولوجي وسعي البعض إلى الحصول على تفاعل أكبر بتصوير الحادثة ونشرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المجتمع أصبح سلبياً بالكامل، فالشخصية المصرية ما زالت تحتفظ بصفاتها المعروفة بإغاثة المظلوم.

أحد التعليقات على «فيسبوك» يحلل رد فعل المحطين بالواقعة محل الاتهام

وسبق أن تعرض شهود عيان في وقائع عديدة للاعتداء، وبعضهم فقد حياته، من أشهرهم الشاب محمود البنا (17 عاماً) الذي قُتل عام 2019 إثر دفاعه عن إحدى الفتيات في محافظة المنوفية، وتحول لبطل شعبي في مصر.

ورفض رشاد التعليق على الواقعة الأخيرة باعتبارها ما زالت قيد التحقيقات، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة وعياً مجتمعياً أكبر تجاه قضية التحرش، وتوجهاً مجتمعياً لفضح الجاني، في تغير عن اعتقاد سابق بأن فضح الجاني سيترتب عليه فضح الضحية، مرجعاً ذلك إلى حملات التوعية التي حدثت على مدار سنوات وصولاً للتطور الإيجابي الحالي.

وظهر الشاب المتهم في مقابلة مع أحد المواقع المحلية، نافياً الاتهامات الموجهة إليه، مشيراً إلى أن «الركاب رأوا عدم فعله شيئاً، وكذلك محصل التذاكر».