بين الروتيني وصراعات النفوذ... البرهان يجري تغييرات قيادية واسعة

محلل عسكري يرى فيها «جسّ نبض لمدى تأثير الإسلاميين داخل الجيش السوداني»

هيئة أركان الجيش السوداني الجديدة ويتوسطها قائد الجيش (فيسبوك)
هيئة أركان الجيش السوداني الجديدة ويتوسطها قائد الجيش (فيسبوك)
TT

بين الروتيني وصراعات النفوذ... البرهان يجري تغييرات قيادية واسعة

هيئة أركان الجيش السوداني الجديدة ويتوسطها قائد الجيش (فيسبوك)
هيئة أركان الجيش السوداني الجديدة ويتوسطها قائد الجيش (فيسبوك)

أصدر القائد العام للقوات المسلحة السودانية، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، سلسلة قرارات شملت تشكيل رئاسة جديدة لهيئة الأركان، وترقيات وإحالات للتقاعد لعدد من كبار الضباط، إلى جانب قرار آخر بإخضاع القوات المساندة للجيش لقانون القوات المسلحة.

وتبدو القرارات من حيث الشكل «روتينية» تحدث وفقاً للتقاليد الإدارية والتنظيمية للجيش السوداني كل عام، إلا أن توقيت القرارات وحجمها والثقل القتالي الكبير للضباط المحالين للتقاعد كل هذا يجعل من فصلها عن سياقات الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين أكثر تعقيداً، إن لم يكن مثيراً للشكوك. وتطرح القرارات تساؤلاً أساسياً، حول ما إن كانت روتينية، أو أنها ترتبط بصراعات النفوذ داخل قيادة الجيش، وإبعاد ضباط يخشى أن يثير بقاؤهم في القيادة صراعات أو مواقف «سياسية»، تشكل خطراً على وحدة الجيش، والإتيان بموالين للقيادة.

البرهان في منطقة المصورات التراثية شمال البلاد (فيسبوك)

وبحسب البيانات الرسمية التي صدرت تباعاً عن القيادة العامة الأحد والاثنين، فقد أبقى قائد الجيش على الفريق أول ركن محمد عثمان الحسين الحسن في منصب رئيس هيئة الأركان، فيما تم تعيين نواب لرؤساء الأركان للإمداد والتدريب والإدارة والعمليات، إلى جانب تغييرات في مواقع قيادية بسلاح الجو والدفاع الجوي والاستخبارات برتب اللواء وغيرها، كما تمت إحالة عدد من الضباط الكبار على التقاعد بعد ترقيتهم إلى رتبة فريق أول.

ورغم أن الجيش أكد أن هذه الإجراءات روتينية وتتم وفقاً لقانون القوات المسلحة ولوائح الخدمة، فإن توقيتها وحجمها أثارا نقاشاً واسعاً، فالخبير الأمني اللواء المعتصم عبد القادر أكد أن الإحالات روتينية، «لكن لأنها تراكمت لثلاث سنوات لأسباب مختلفة، بدا العدد كبيراً ومثيراً للانتباه».

وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحرب مثلت اختباراً حقيقياً لقدرات الجيش، لذلك جاءت هذه الإحالات والترقيات مختلفة عن الأوضاع العادية، لكنها لن تؤثر على سير العمليات، إذ إن مَن أُحيلوا أخفقوا أو أنهم من رتب غير مؤثرة ميدانياً»، مضيفاً أن «مثل هذه القرارات تمنع التكلس في الوحدات، وتوقف التذمر وسط الرتب الأصغر المتطلعة للترقيات، وهذا حقها».

مبنى تضرر بشدة جراء المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أ.ف.ب)

لكن اللواء المتقاعد كمال إسماعيل ورئيس المكتب التنفيذي لـ«التحالف الوطني السوداني» ذهب أبعد من ذلك، واعتبر قرارات البرهان بمثابة «جس نبض لتأثير الإسلاميين داخل الجيش»، مؤكداً أن «معظم الضباط الذين أُحيلوا للتقاعد محسوبون على تيار الإخوان المسلمين».

وقال اللواء إسماعيل لـ«الشرق الأوسط» إن «ضغوطاً غربية وأميركية لعبت دوراً في هذه القرارات لمنع عودة الإسلاميين إلى الحكم»، وحذر من أن غياب السند العسكري القوي للبرهان قد يقود إلى «كارثة».

ويرى مراقبون أن التغييرات الأخيرة «لا يمكن فصلها عن صراع أوسع داخل الجيش بين أجنحة متعددة، من بينها ضباط محسوبون على الإسلاميين ظلوا يتمتعون بنفوذ داخل المؤسسة العسكرية منذ عهد الإنقاذ».

وتذهب بعض التقديرات إلى أن الإحالات «تهدف إلى إبعاد هذا التيار تحديداً من مواقع القرار، في ظل ضغوط دولية وإقليمية لإعادة الجيش إلى موقع أكثر مهنية وحياداً».

عناصر كتيبة قوات المهام الخاصة التابعة للجيش السوداني في الولاية الشمالية (أ.ف.ب)

أما قرار البرهان بإخضاع جميع القوات المساندة للجيش، بما فيها التشكيلات المستقلة، لقانون القوات المسلحة لتصبح تحت إمرة القيادة العسكرية في مختلف المناطق، فقد أثار هو الآخر جدلاً واسعاً.

وحذر اللواء المتقاعد إسماعيل من أن يقود قرار الإخضاع لمواجهات داخلية، بقوله: «هذه التشكيلات لا تلتقي على هدف واحد، بعضها يقاتل من أجل أهداف سياسية أو من أجل السلطة والثروة، مثل كتائب البراء بن مالك الإسلامية، وبعض الحركات المسلحة، وهي لن تقبل بالعمل تحت منظومة الجيش»، وتابع: «غياب وحدة القيادة والسيطرة قد يفتح الباب أمام صدامات محتملة بين هذه المجموعات».

أما القيادي في تحالف «صمود» ورئيس «حزب البعث السوداني» كمال بولاد فاعتبر وضع القوات المساندة تحت قانون الجيش «خطوة في الاتجاه الصحيح»، مشترطاً أن «تقترن بإصلاحات في المؤسسة العسكرية، تهدم ثقافة تسييسها»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «سياسة التسييس أضرت بكل القوات النظامية، مثلما أضرت بمستقبل السودانيين طيلة حقبة الإنقاذ وما قبلها».

عناصر من «المقاومة الشعبية السودانية» المؤيدة للجيش في القضارف شرق السودان (أ.ف.ب)

ووفقاً لمحللين آخرين، يُخشى حدوث مواجهات مسلحة داخلية بين بعض التشكيلات، مثل «كتائب البراء» أو فصائل من الحركات المسلحة، التي قد ترفض الخضوع، ما يفتح الباب لصدام مع الجيش، أو أن تؤدي لتفكك التحالفات المؤقتة، خصوصاً أن الكثير من هذه القوات يقاتل تحت شعارات سياسية أو بحثاً عن مكاسب، وقد ينسحب أو يتمرد إذا شعر بفقدان استقلاليته.

ويقول المراقبون أيضاً إنه «يمكن أن تؤدي محاولات فرض القانون بالقوة على هذه القوات إلى تعميق الشكوك من محاولات عسكرة المشهد السياسي، بدلاً من تقليصه، خاصة إذا تم تفسيره على أنه إبعاد لتيارات معينة مثل الإسلاميين والموالين لهم، ما قد يزيد حدة الاستقطاب داخل الوحدات التي تقاتل بصف الجيش».

دبابتان متضررتان أمام مبنى البنك المركزي السوداني في الخرطوم (رويترز)

ويخلص هؤلاء إلى أن قرارات البرهان تحمل وجهين: «فهي من ناحية إجراءات تنظيمية كانت مؤجلة وتراكمت لسنوات، ومن ناحية أخرى هي خطوة سياسية لإعادة تشكيل قيادة الجيش، وتوحيد مركز القرار العسكري، بما يتناسب مع الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، ومع توازنات القوى الداخلية والخارجية، بما في ذلك ملف الإسلاميين في المؤسسة العسكرية».


مقالات ذات صلة

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

شمال افريقيا حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

يعاني كثير من السودانيين صعوبات بالغة في الحصول على الخبز بعد أن أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

توقف المطابخ الخيرية يهدد آلاف الأسر بالجوع في الخرطوم

اضطرت عشرات التكايا (مطابخ خيرية) التي توفر الوجبات لآلاف الأسر في الخرطوم، إلى التوقّف عن العمل كلياً، أو تقليص نشاطها؛ بسبب نقص الدعم من المنظمات والخيِّرين.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان وإلى جانبه آبي أحمد خلال لقاء على هامش قمة «إيغاد» في نيروبي يوليو 2022 (رويترز)

تصعيد دبلوماسي إثيوبي ضد السودان يشعل توترات «القرن الأفريقي»

أجج قرار إثيوبي بإغلاق قنصلية سودانية في مدينة أصوصا الحدودية، حسب تأكيدات مصادر سودانية، التوتر مع دول الجوار.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من الجولة الثالثة لمشاورات آلية (2+2) الاثنين لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

مصر تلوح باتفاقية الدفاع المشترك لعدم تجاوز «الخطوط الحمراء» في السودان

اجتماع رباعي مصري - سوداني جديد احتضنته القاهرة برئاسة وزراء الخارجية والري بالبلدين، وسط توترات مع إثيوبيا غداة شكوى تقدمت بها الخرطوم ضد أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة )

مصر: نجاح عملية إنقاذ وقَطر ناقلة نفط قبالة ساحل العلمين

عملية إنقاذ وقَطر ناقلة نفط بعد تعطُّل محركاتها الرئيسية قبالة ساحل العلمين في شمال مصر(هيئة قناة السويس - «فيسبوك»)
عملية إنقاذ وقَطر ناقلة نفط بعد تعطُّل محركاتها الرئيسية قبالة ساحل العلمين في شمال مصر(هيئة قناة السويس - «فيسبوك»)
TT

مصر: نجاح عملية إنقاذ وقَطر ناقلة نفط قبالة ساحل العلمين

عملية إنقاذ وقَطر ناقلة نفط بعد تعطُّل محركاتها الرئيسية قبالة ساحل العلمين في شمال مصر(هيئة قناة السويس - «فيسبوك»)
عملية إنقاذ وقَطر ناقلة نفط بعد تعطُّل محركاتها الرئيسية قبالة ساحل العلمين في شمال مصر(هيئة قناة السويس - «فيسبوك»)

أعلنت هيئة قناة السويس المصرية، اليوم (الخميس)، نجاح عملية إنقاذ وقَطر ناقلة نفط بعد تَعطُّل محركاتها الرئيسية قبالة ساحل العلمين في شمال البلاد.

وأضافت الهيئة، في بيان، أن الفريق أسامة ربيع رئيس الهيئة أعلن نجاح العملية التي نُفِّذت للناقلة «أليسوم»، وجاءت «ضمن خدماتها الملاحية واللوجستية خارج نطاق المجرى الملاحي للقناة... بعد تَعرُّض المحرِّكات الرئيسية للناقلة لعُطل مفاجئ أمام ساحل العلمين».

https://www.facebook.com/SuezCanalAuthorityEG/posts/في المائةD8في المائةB6في المائةD9في المائة85في المائةD9في المائة86-في المائةD8في المائةAEفي المائةD8في المائةAFفي المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةAAفي المائةD9في المائة87في المائةD8في المائةA7-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA8في المائةD8في المائةADفي المائةD8في المائةB1في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA9-في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةACفي المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةB3في المائةD8في المائةAAفي المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةAEفي المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةAC-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةACفي المائةD8في المائةB1في المائةD9في المائة89-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة85في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةADفي المائةD9في المائة8A-في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة82في المائةD9في المائة86في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةA9-في المائةD9في المائة82في المائةD9في المائة86في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة88في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةB3-في المائةD8في المائةAAفي المائةD9في المائة86في المائةD8في المائةACفي المائةD8في المائةAD-في المائةD9في المائة81في المائةD9في المائة8A-في المائةD9في المائة82/1456642849977062/

وأوضح ربيع أن هيئة قناة السويس «استجابت سريعاً لطلب التوكيل الملاحي سفنكس بتولي الهيئة أعمال القَطر والإنقاذ بعد تعرُّض المحرِّكات الرئيسية للناقلة لعطل مفاجئ أمام ساحل العلمين».

وذكر البيان أن الناقلة وصلت بأمان بعد عملية القَطر التي امتدت 180 ميلاً بحرياً «إلى منطقة غاطس بورسعيد (شمال شرقي مصر) لإتمام أعمال الصيانة والإصلاح اللازمة».

ووفقاً للبيان يبلغ طول الناقلة 182.5 متر، وعرضها 43.5 متر، وحمولتها الكلية 23 ألف طن بغاطس 11.2 قدم.


السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
TT

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

تروي السودانية سوسن محمود في العاصمة السودانية، حيث أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود، أنها باتت توفر مجموع راتبها وراتب زوجها الشهري فقط لشراء الخبز. وتقول سوسن (44 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «الوضع أصبح لا يحتمل. لقد خفضنا كمية الخبز التي نتناولها، وأصبحنا نأكله في وجبة واحدة فقط»، مضيفة: «علينا توفير 900 ألف جنيه شهرياً (88 دولاراً) لشرائه. وهذا تقريباً راتبي وراتب زوجي».

مواطن من أم درمان في رحلته اليومية مع طفليه للحصول على الماء (رويترز)

* مخاوف من انتشار المجاعة

تضاعف سعر رغيف الخبز في العاصمة السودانية من 250 إلى 500 جنيه (من 0,25 سنت من الدولار إلى 0,50 سنت)، خلال الأسبوع الماضي، في ارتفاع غير مسبوق. وباتت عائلات سودانية كثيرة لا تتحمّل تكلفته، فيما تتصاعد التحذيرات الدولية من احتمال انتشار المجاعة في أنحاء البلد، الذي يعاني 20 مليوناً من سكانه من انعدام حاد في الأمن الغذائي. من جهتها، تقول عبير محمد بعد أن اشترت خبزاً من أحد المخابز القليلة، التي لا تزال تعمل في الخرطوم: «في السابق كنّا نأكل الخبز في جميع وجبات اليوم، الآن لا يمكننا ذلك». ويستورد السودان معظم احتياجاته من القمح، الذي يتأثر سعره سريعاً بتدهور العملة المحلية. وخلال الشهر الماضي، سجّلت العملة السودانية تراجعاً بنسبة 25 في المائة أمام الدولار، في انخفاض قياسي ليصل سعر العملة الخضراء إلى أكثر من 10500 جنيه سوداني في ذروة ارتفاعه، قبل أن يستقرّ عند 10200 جنيه الأربعاء. علماً بأن الدولار كان يساوي 500 جنيه قبل الحرب.

يعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة (رويترز)

* غياب الطحين

داخل مخبز يملكه محمد الفاتح في الخرطوم، يخلط العمال الطحين مع الماء والخميرة لتشكيل عجينة سميكة، يقسمونها إلى أقراص مستديرة، ثم يدخلونها الفرن باستخدام ألواح خشبية طويلة، وتتحوّل العجينة في دقائق إلى خبز تقليدي يشكّل جزءاً أساسياً من وجبات السودانيين. يقول الفاتح: «أغلقت مخابز كثيرة لأنه لا يوجد طحين في السوق». ويضيف: «يمكن أن تنتظر ليوم أو يومين كاملين في مركز توزيع (الطحين)، ثم تعود بخفي حُنين». في حي الأزهري بجنوب العاصمة، يجد متوكل أحمد بابكر صعوبة في تشغيل مخبزه، بعد أن تضاعف سعر الطحين، «بالإضافة إلى قطع الكهرباء، ولذلك أصبحنا مضطرين لشراء الوقود للمولد». يقول بابكر: «أغلب الظن سأغلق المخبز. نبيع رغيف الخبز بـ500 جنيه، وهذا أقلّ من تكلفته، لكن لا يمكنني رفع السعر بسبب أوضاع الناس». وتعاني العاصمة الخرطوم ومناطق شرق السودان من انقطاع واسع للتيار، بعد هجمات بمسيّرات استهدفت محطات الكهرباء نهاية الشهر الماضي، وأخرجتها عن العمل.

طفل سوداني يعاني من سوء تغذية حادة داخل أحد المخيمات المخصصة للاجئين السودانيين (رويترز)

وفي أنحاء الخرطوم، عاد السودانيون للاصطفاف خارج المطابخ العامة (التكايا) انتظاراً للوجبات المجانية، بعد أن توقف الكثير منها عن العمل، بعد سيطرة الجيش على العاصمة وإخراج «قوات الدعم السريع» منها في مارس(آذار) 2025. وحذّرت غرفة طوارئ أمبدة في أم درمان بالخرطوم، التي تنسّق عمل التكايا في المنطقة، من اتساع «دائرة الاحتياج لتطول آلاف الأسر والنازحين»، كما حذّرت من «شحّ في المواد الغذائية وغلاء الأسعار، ما يجعل الحصول على وجبة يومية واحدة حُلماً». وبلغت معدّلات الفقر في السودان 80 في المائة، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء، فيما أعلنت الحكومة أنها تستهدف خفض التضخم إلى ما دون 60 في المائة مع نهاية 2026، بعد أن بلغ 99 في المائة العام الماضي.

* «لا وقود»

خارج الخرطوم، يصل جزء كبير من إمدادات القمح على شكل مساعدات إغاثية، غير أن نقص الوقود وارتفاع أسعاره، إضافة إلى قطع الطرق جراء المعارك، يحول دون وصول المساعدات. وقسّمت الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 البلاد إلى مناطق نفوذ، إذ يسيطر الجيش على الخرطوم ومدن وسط السودان وشرقه، بينما تسيطر «قوات الدعم السريع» على كامل إقليم دارفور في الغرب وأجزاء من الجنوب. ويعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة، حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة، حذّرت أيضاً من إمكانية توسّعها إلى ثمانية مدن بحلول عام 2027. وأسهم انخفاض قيمة العملة في تراجع قدرة الخرطوم على شراء الوقود، التي تستورد معظم احتياجاتها منه. يقول الموظف الحكومي ياسر محمد إنه أمضى يومه واقفاً في طابور في الخرطوم من أجل شراء الوقود من دون طائل. مضيفاً: «أقف منذ السادسة صباحاً خارج المحطة، وقد حانت الرابعة ولم أحصل على بنزين، وقد تغيبت عن العمل اليوم».

بلغت معدّلات الفقر في السودان 80 % وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء (رويترز)

وحذّر بيان وزاري وقّع عليه وزراء خارجية أوروبيون وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الأسبوع الماضي من أن أكثر من 19 مليون شخص (أي 41 في المائة من السكان) في السودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بما في ذلك خمسة ملايين يواجهون مستويات طارئة».

في إحدى أسواق أم درمان، حيث بدت حركة البيع والشراء متباطئة، يقول الموردي عوض لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بينما يشتري احتياجاته: «انخفضت القيمة الغذائية للوجبة». ويضيف: «سعر الكيلوغرام من اللحم بات يتراوح بين 50 و70 ألف جنيه (5 إلى 7 دولارات)، وإن كان في استطاعتك في السابق شراء كيلوغرامين من اللحم، فسوف تشتري اليوم 125 غراماً فقط».


إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
TT

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين، بسبب اتهام كل طرف للآخر بدعم خصومه.

ويتهم السودان إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية، في حين تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم المتمردين في منطقة تيغراي بشمال إثيوبيا.

وأثارت الاتهامات المتبادلة، التي ينفيها الطرفان، مخاوف من تداخل الحرب في البلدين، ما ‌قد يؤدي إلى ‌اتساع رقعة الصراع في القرن ​الأفريقي.

وقالت ‌الحكومة ⁠السودانية، ​يوم الأحد، ⁠إنها قدمت شكوى ضد إثيوبيا إلى مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، متهمةً إياها بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها في إطلاق طائرات مسيّرة ملغومة لاستهداف البنية التحتية المدنية في السودان.

ولم يرد ⁠المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي ‌على طلب من «رويترز» ‌للتعليق.

وقال المسؤول الإثيوبي الكبير إن ​بلاده أمرت 6 ‌من موظفي القنصلية السودانية في بلدة أصوصا الحدودية ‌بمغادرة البلاد في غضون 48 ساعة، دون أن يذكر سبب هذا القرار. وطلب المسؤول عدم نشر اسمه نظراً لحساسية الأمر.

وتنفي أديس أبابا مساعدة «قوات الدعم ‌السريع» في السودان.

وكشفت بيانات الأمم المتحدة أن الحرب الأهلية في السودان ⁠أدّت إلى ⁠نزوح أكثر من 14 مليون شخص، وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم منذ اندلاعها في أبريل (نيسان) 2023.

واتهمت إثيوبيا كلاً من السودان ومصر وإريتريا بدعم متمردي تيغراي، الذين شنّوا هجوماً على القوات الحكومية في سبتمبر (أيلول). ونفت الدول الثلاث هذه الاتهامات.

وقال أمجد فريد، مستشار «مجلس السيادة الانتقالي» السوداني للشؤون السياسية والخارجية، إن الحكومة السودانية ملتزمة بحقها ​في الدفاع عن أراضيها، ​لكنها تبذل كل جهد ممكن لتجنب اندلاع حرب مفتوحة مع إثيوبيا.