هل نجحت إسرائيل في إقناع دول أفريقية باستقبال الفلسطينيين؟

مصر قالت إن اتصالاتها مع البلدان المحتملة تؤكد «عدم قبول» المخطط

منظر عام لخيام تؤوي نازحين فلسطينيين في منطقة مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
منظر عام لخيام تؤوي نازحين فلسطينيين في منطقة مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

هل نجحت إسرائيل في إقناع دول أفريقية باستقبال الفلسطينيين؟

منظر عام لخيام تؤوي نازحين فلسطينيين في منطقة مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
منظر عام لخيام تؤوي نازحين فلسطينيين في منطقة مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع بداية تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة في يناير (كانون الأول) بكلماتٍ تحث على إخراج الفلسطينيين من أراضيهم إلى دولتي مصر والأردن، قبل أن ترفضا بشدة، لينتقل بحث أميركا مع حليفتها إسرائيل عن دول أخرى، كان من بينها بحسب تسريبات إعلامية ليبيا وإثيوبيا، وجنوب السودان والصومال.

بالتزامن مع إخلاءات جبرية للسكان في غزة، سبقها بنحو أسبوع إقرار خطة إسرائيلية لاحتلال القطاع كاملاً، كثفت حكومة بنيامين نتنياهو محادثاتها مع بعض البلدان، لاستضافة الغزيين، قبل أن تعلن الخارجية المصرية، في بيان صحافي، الأحد، عقب اتصالات قالت إنها أجرتها مع الدول المحتملة «رفضهم ذلك الخيار».

وهذا ما أكده لـ«الشرق الأوسط» برلماني ليبي، قائلاً إن المساعي الإسرائيلية والأميركية «فشلت» في تغيير موقف حكومتي الشرق والغرب الرافض لقبول تهجير فلسطينيين من غزة، مؤكداً أنه «لا انقسام ليبي حول هذا الشأن».

فيما تحفظ مصدر مطلع في إقليم أرض الصومال، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، على وجود محادثات من عدمه بشأن استقبال فلسطينيين بالإقليم، واكتفي بالقول إنه «لم يصل أي طلب رسمي بشأن ذلك».

شاب فلسطيني ينعى أحد أقاربه الذي قُتل في غارة إسرائيلية غرب جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مخاوف تزداد

لم يصدر تعقيب إسرائيلي على النفي المتكرر من البلدان المحتملة، غير أنه على أرض الواقع بغزة ثمة مخاوف من «تحضيرات تجري بناءً على توجيهات المستوى السياسي لنقل المدنيين من مناطق القتال إلى جنوب قطاع غزة (المتاخم لحدود مصر)، ابتداءً من الأحد مع توفير الخيم ومعدات المأوى (للنازحين)»، وفق ما أعلن المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي، في منشور السبت على منصة «إكس».

تلك التجهيزات عدّتها «حماس»، في بيان الأحد، «موجة جديدة من عمليات التهجير لمئات الآلاف تحت عناوين ترتيبات إنسانية».

ويرى نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية ومساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة أن بدء الإخلاءات بغزة للجنوب يثير تساؤلات حول إمكانية أن يكون ذلك بدايةً لتنفيذ مخطط التهجير نحو سيناء المتاخمة للحدود، أو دفع الفلسطينيين تحت تصعيد احتلال القطاع للتهجير صوب الدول المحتملة بتسهيلات إسرائيلية، مؤكداً أن هذه التحضيرات ستواجه بصمود الموقف الفلسطيني وموقف مصري وعربي ودولي رافض.

فتيان فلسطينيون يبحثون عن حطب لاستخدامه للتدفئة بجوار مبانٍ مدمّرة في حي التفاح بمدينة غزة (أ.ف.ب)

مخطط إسرائيلي مستمر

تشير صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، في تقرير، السبت، إلى أن المعلومات المتوفرة تكشف عن مساع إسرائيلية لتنفيذ ذلك المخطط، متحدثةً عن «مقاومة مصرية قوية للضغوط الأميركية الإسرائيلية لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، ونشوب مشادات كلامية بين المسؤولين المصريين والإسرائيليين جراء ذلك».

وفقاً للمصدر ذاته، «تواصل مسؤولون إسرائيليون مع نظرائهم في 6 دول وأقاليم، منها ليبيا وجنوب السودان وأرض الصومال وسوريا، بشأن استقبال الفلسطينيين».

هذا التواصل الإسرائيلي مع دول بالمنطقة لهذا المقصد، تكرر الأشهر الماضية، كان أحدثه تأكيد ثلاثة مصادر مطلعة لـ«رويترز» الجمعة أن جنوب السودان وإسرائيل تناقشان اتفاقاً لإعادة توطين الفلسطينيين بجوبا، رغم نفي وزارة الخارجية في جنوب السودان في بيان قبل يومين آنذاك صحة ذلك.

وفي يوليو (تموز) الماضي، نقل موقع «أكسيوس» الأميركي عن مصادر لم يسمِّها قولها إن رئيس الموساد، ديفيد برنياع، أبلغ واشنطن بانفتاح إثيوبيا وإندونيسيا وليبيا على استقبال فلسطينيين من غزة، واقترح تقديم حوافز لتلك الدول، قبل أن تنفي لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الليبي صحة قبولها بذلك، رافضةً في بيان الزج باسم البلاد في تلك المخططات.

وفي مايو (أيار) الماضي، تحدثت قناة «إن بي سي نيوز» الأميركية عن مفاوضات بين إدارة ترمب وليبيا للإفراج عن مليارات الدولارات المجمَّدة لدى واشنطن، مقابل استقبال فلسطينيين، وهو ما نفته السفارة الأميركية في ليبيا، آنذاك.

كما نقلت هيئة البث الإسرائيلية في مارس (آذار) تأكيداً من وزير خارجية إقليم أرض الصومال عبد الرحمن ضاهر باحتمال قبول توطين الغزيين، قبل أن يخرج نافياً وجود محادثات بشأن ذلك في تصريحات لـ«رويترز» آنذاك.

وتحدثت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، ووكالة «أسوشيتد برس» الأميركية، في مارس (آذار) أيضاً عن تواصل أميركي إسرائيلي مع 3 حكومات من شرق أفريقيا هي السودان والصومال وإقليم أرض الصومال، لاستقبال الفلسطينيين.

وقال وزير الخارجية الصومالي آنذاك، أحمد معلم فقي، إن بلاده لم تتلق أي مقترح من هذا القبيل، وترفض رفضاً قاطعاً، وسبق أن أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان أكثر من مرة رفض تهجير الفلسطينيين.

نازحون فلسطينيون يتجهون نحو موقع إنزال جوي للمساعدات الإنسانية في مخيم البريج وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

مفسراً أسباب التوجه الإسرائيلي لتلك الدول، يقول الخبير في الشؤون الأفريقية عبد الناصر الحاج إن «العرض الإسرائيلي برمته لا يصلح تفسيره إلا تحت عنوان الابتزاز السياسي لدول أرهقتها أوضاعها الداخلية وتقلباتها بين الفوضى والحروب، فأضحى بعضها لا يبالي من فتح أراضيها مسرحاً لجريمة ضد الإنسانية».

ويرى حليمة أيضاً أن تركيز إسرائيل على تلك الدول يعود لاعتبارات مرتبطة بالظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يمكن أن تقدم بسببها إغراءات للحكومات لدفعها لقبول مخطط التهجير، كما في إثيوبيا والصومال وجنوب السودان، بخلاف إقليم أرض الصومال الذي يسعى لاعتراف دولي، وينتظر أي صفقات في هذا الصدد، مشدداً على أن نجاح إسرائيل مرتبطٌ بخضوع أي دولة للضغوط التي تمارس عليها.

وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع وزير الخارجية الليبي عبد الهادي الحويج إلا أنه لم يرد، وأجاب عضو مجلس النواب الليبي محمد عامر العباني، قائلاً: «ليبيا غير منقسمة لا في الشرق ولا الغرب على رفض تنفيذ مخطط ترمب وإسرائيل للتهجير»، مقراً باحتمال «صحة طرح عرض هذه المقترحات على ليبيا، ومعها إغراءات لمساعدة الليبيين للخروج من أزمتهم السياسية، والإفراج عن الأموال المجمدة»، غير أنه يؤكد أن «الموقف الليبي كما علم كان رافضاً دائماً».

ويرى العباني في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن اختيار أميركا وإسرائيل لدول كالصومال وليبيا وجنوب السودان وغيرها لتهجير الفلسطينيين يعود إلى وجود مشكلات سياسية ونزاعات بها، ويمكن محاولة إغرائها لقبول الفلسطينيين، خصوصاً وأن الدول المستقرة لن تقبل بهذه المخططات، متوقعاً فشل تلك الخطط وعدم قبولها بالمنطقة.

رفض مصري صارم

المسار الرافض لتهجير الفلسطينيين، أكدته القاهرة، وأفادت الخارجية المصرية، الأحد، بأن بلادها «تابعت بقلق بالغ ما تردد خلال الآونة الأخيرة حول وجود مشاورات إسرائيلية مع بعض الدول لقبول تهجير الفلسطينيين»، لافتاً إلى أن «اتصالاتها مع (تلك) الدول أفادت بعدم قبولها لتلك المخططات المستهجنة»، مجددة «رفض القاهرة القاطع لأي مخططات إسرائيلية لتهجير الشعب الفلسطيني»، ودعوتها كافة دول العالم لعدم التورط في هذه الجريمة التي تشكل جريمة حرب وتطهيراً عرقيّاً».

ومنذ وصوله للسلطة في يناير (كانون الثاني) يطرح ترمب فكرة تهجير الفلسطينيين وسط رفض مصري أردني عربي، وكرر في تصريحات متكررة، لا سيما في أشهر فبراير (شباط) ومارس (آذار) المسعى ولم يلق تأييداً علنياً من دول ذات صلة.

ومثل مصر والأردن، يرفض قادة الدول العربية وكذلك قادة بالعالم فكرة نقل سكان غزة إلى أي دولة، ويقول الفلسطينيون إن ذلك سيكون بمثابة «نكبة» أخرى كالتالي حدثت 1948 عندما أجبر مئات الآلاف على النزوح.

ويرى حليمة أن الموقف المصري والعربي قوي، ويرفض أي تهديد للأمن القومي وأي تصفية للقضية الفلسطينية، وسيستمر على هذا النحو، مما يزيد فرص رفض مخطط التهجير وسط الرفض الدولي له.

ويعتقد الحاج أن «إسرائيل ستفشل في هذا المسعى، مهما تماهت هي وواشنطن في تقديم كل الإغراءات الممكنة لمثل هذه الدول، لأسباب أخرى إضافية مرتبطة بعدم وجود بيئة مستقرة لهذا الاستقبال أو قبول شعبي لهذه الأطروحات مما يزيد الأعباء على الأنظمة، وقد يجعلها تدفع فاتورة كبيرة بخلاف رفض عربي ودولي واسعين».


مقالات ذات صلة

«لجنة إدارة غزة» لوضع خطة مناسبة لإدخال مواد الإغاثة إلى القطاع

شمال افريقيا جانب من إسعاف المصابين الفلسطينيين بواسطة «الهلال الأحمر المصري» الاثنين (هيئة الاستعلامات المصرية)

«لجنة إدارة غزة» لوضع خطة مناسبة لإدخال مواد الإغاثة إلى القطاع

أشاد شعث بالكفاءة العالية التي شاهدها في «مستشفى العريش العام»، واصفاً الخدمات الطبية وتجهيزات استقبال الجرحى والمصابين الفلسطينيين بأنها «ممتازة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي خيام تؤوي الفلسطينيين النازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة ومتضررة بشدة في غزة (أ.ف.ب)

أزمة نزع سلاح «حماس» تُعمق مخاوف تعثر «اتفاق غزة»

أعاد تحفظ لرئيس حركة «حماس» في الخارج، خالد مشعل، بشأن نزع سلاح الحركة في قطاع غزة، تساؤلات عن تداعياته.

محمد محمود (القاهرة )
العالم متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

استخدمت الشرطة بمدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم، مع متظاهرين مشاركين بمَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
شؤون إقليمية مبانٍ مدمرة في مخيم جباليا للاجئين بشمال غزة (أ.ف.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي يقتل أربعة «مسلّحين» خرجوا من نفق في رفح

قال الجيش الإسرائيلي، الاثنين، إنه قتل أربعة مسلحين فلسطينيين عند خروجهم من نفق في رفح بجنوب قطاع غزة، متهماً إياهم بأنهم كانوا يطلقون النار على جنود إسرائيليين

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت خلال مؤتمر صحافي في قاعدة كيريا العسكرية بتل أبيب (أرشيفية - رويترز)

غالانت يشن هجوماً شرساً على نتنياهو ويتهمه بالكذب

انطلقت عاصفة حادة من ردود الفعل الغاضبة عقب تصريحات أدلى بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتوالت الاتهامات عليه بالكذب

نظير مجلي (تل أبيب)

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.