وداد حلواني وقضية مفقودي الحرب اللبنانية: الغياب وثيقة مسرحية

السيرة الفردية تتحوَّل شهادة على جرح جماعي عمَّقه الانتظار

المسرح يُعيد فتح ملف المفقودين... الجرح النازف (الشرق الأوسط)
المسرح يُعيد فتح ملف المفقودين... الجرح النازف (الشرق الأوسط)
TT

وداد حلواني وقضية مفقودي الحرب اللبنانية: الغياب وثيقة مسرحية

المسرح يُعيد فتح ملف المفقودين... الجرح النازف (الشرق الأوسط)
المسرح يُعيد فتح ملف المفقودين... الجرح النازف (الشرق الأوسط)

اختار «المعهد العربي للمرأة» في «الجامعة اللبنانية الأميركية» أن يُكرِّم رمزاً مُلهماً للصمود. امرأة حملت وجعها الخاص وحوّلته إلى نضال جماعي. إنها وداد حلواني، الناشطة والمؤسِّسة لـ«لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان»؛ والصوت الذي أصرَّ على أن يبقى حيّاً رغم محاولات الطمس والإسكات. وفي كلمة ألقتها رئيسة المعهد، ميريام صفير، قبل العرض المسرحي، أوضحت أنّ الأمسية تحيّة لنساء أحدثن فرقاً في مسيرة العدالة والمساواة. نساء يقُدن التغيير بثبات وإصرار، يُقدّمهن المعهد المُحتَفل بذكرى 52 عاماً على تأسيسه، عبر أعمال فنّية تُضيء على دروبهن المُكلّلة بالأشواك والرجاء.

ميريام صفير تُكرّم نساء يقُدن التغيير بثبات وإصرار (الشرق الأوسط)

المسرحية التي احتضنها مسرح «الإروين هول» حملت عنوان «وداد: النملة يلّي عم تحفر بالصخر»، من إخراج لينا أبيض وتمثيل كريستين شويري وإبراهيم خليل. جلست وداد نفسها بين المقاعد، تُشاهد بعضاً من قصتها وقد تحوّلت إلى حكاية على الخشبة. لكن الحكاية لم تكن حكايتها وحدها، إذ شكَّلت مرآة لآلاف النساء اللواتي خُطف لهنّ أبٌ أو زوجٌ أو أخٌ أو ابنٌ أو عزيز في الحرب، فوجدن أنفسهن يتقاسمن قدراً جماعياً، بلا وداع ولا قبر يُسكِّن اللوعة.

عدنان، الزوج الغائب، أدّى دوره إبراهيم خليل من وراء الستار، صوتاً بلا جسد وحضوراً عبر الغياب. اختارت لينا أبيض حصره في النبرة لتُكثّف الإحساس بالفقد. تميَّز إخراجها بقدرة واعية على تجنُّب الميلودراما، إذ اختارت الاقتصاد في الوسائل التعبيرية، فتركت للفراغات أن تتكلّم، وللصمت أن يُعلن ثقله، وللمكان أن يروي بعض الحكاية بالملامح والإيحاء: الكراسي المُعلّقة، الأرض المكسوَّة بأوراق ذابلة، المسافة الفاصلة بين وداد وصوت زوجها الغائب؛ كلّها عناصر جسَّدت غياباً أثقل من أيّ حضور. المسرح بدا مثل بيت مشقوق، نصفه قائم ونصفه منهار، كأنّ المُشاهد مدعوّ إلى العيش داخل ذاكرة متصدِّعة لا يمكن ترميمها.

المسرحية تختصر صلابة امرأة تعاند النسيان (الشرق الأوسط)

هذا الاختيار البصري ليس زخرفة أو عنصر ديكور، فهو أداة نقدية تُضيء على المعنى الأعمق: أنّ الفقد لا يُرى ولا يُلمس، لكنه يُحيط بنا من كلّ جانب. ومن هنا جاء الأثر على المتلقي مُضاعفاً: لم يشاهد حكاية من الخارج، وإنما عاش داخلها، فأحسَّ ببرودة الغياب وبطول الانتظار. فالإخراج تقاسم التجربة الداخلية لوداد مع الجمهور، ليُصبح كل متفرّج شريكاً في حمل ذاكرة جماعية لا تخصّها وحدها لكونها تخصُّ وطناً بأسره.

في هذا المشهد الذي يُشبه بيتاً خلعته الحرب من جذوره، وقفت كريستين شويري لتُجسّد وداد. بدا أداؤها في البداية مُتردّداً، كأنها لم تُمسك تماماً نبض الشخصية، غير أنها مع تصاعد الأحداث راحت تتملّك الدور شيئاً فشيئاً، حتى وصلت إلى ذروة الوجع.

الانتظار يلتهم الأعمار ووجعه أبلغ من الموت نفسه (الشرق الأوسط)

قوة المسرحية في انضباطها العاطفي وقدرتها على إظهار التحمُّل والمثابرة، من دون إنكار لحظات الانكسار. جمعت بين العاطفة والوقائع، لتُقدّم صورة شاملة عن مسيرة وداد ومعها مسار نضال ممتدّ لنساء عديدات. تخطَّت القصة كونها شخصية رغم أنها تحكي عن شخص؛ وهذه كانت إحدى نقاط تميُّز العرض. فمن خلال سيرة واحدة، أضاء على قضية وطنية، ومن خلال امرأة واحدة، حمل صرخة جماعة.

المسرحية نبشت في ذاكرة الحرب، فأعادت إلى الخشبة رائحة البارود ونكهة الدم والذعر. بيَّنت الماضي أبعد من كونه خلفية للأحداث، فهو جوهرها وسببها، إذ شكّل غياب الأحبّة جرحاً مفتوحاً لعائلات بأكملها. وفي قلب هذه المأساة، وُضعت وداد حلواني: زوجة خُطِف شريك حياتها ولم يعُد، وأمّ لولدَيْن كبُرا على كذبة مؤقتة تقول إنّ والدهما سيعود، قبل أن تصفعهما الحقيقة ذلك الصَفْع المُدوّي.

وظلَّ شعور الفقد مُخيّماً على المسرحية من بدايتها حتى نهايتها، مؤكداً هدفها المزدوج: التشديد على نُبل القضية، وإظهار قسوة التجربة الإنسانية التي عاشتها عائلات المفقودين. وقدَّمت وداد، على الخشبة كما في الواقع، درساً في الصلابة البشرية التي تولد من الخذلان. لم يعُد وجعها ملكها وحدها، فصار مشتركاً، وشهادتها تحوّلت إلى عزاء جماعي ودعوة للتماسُك ورفع الصوت في وجه النسيان.

ذاكرة تتكلّم بصوت الفنّ (الشرق الأوسط)

حتى الرائحة كان لها دور في العرض، فتجلَّت بكونها أثراً أخيراً للغائبين. رائحة ثيابهم والأماكن التي مرّوا بها، كأنها الحضور الوحيد المُمكن. ومعها، بدت ثيمة الانتظار أكثر وضوحاً: انتظار يأكل الأيام مثل السوس، ينهش العُمر ببطء أقسى من الموت نفسه، لأنه يُبقي الأمل حيّاً ولو كاذباً. الانتظار هنا حالة وجودية وليس وليد الظرف، يختصر مأساة وداد وكلّ مَن شاركها المصير المُشابه.

في النهاية، يخرج المُشاهد بوعي أعمق. تجنَّبت المسرحية التعاطُف العابر أو البكائية، فحوَّلت القصة إلى موقف، والوجع إلى شهادة، والمسرح إلى منبر يُعيد فتح الجرح لئلا يُطمَر بالتراب. ولعلّ إنجازها الأكبر هو أنها، من خلال وداد حلواني، أعادت التأكيد أنّ ذاكرة الحرب ليست صفحات من الماضي، فهي صرخة حاضرة في وجدان بلد لم يُنصف ضحاياه بعد.


مقالات ذات صلة

«إيزيس لمسرح المرأة» يراهن على تجارب نسائية عابرة للحدود

يوميات الشرق عرض «شنب البنات» للمعهد العالي للفنون المسرحية (إدارة المعهد)

«إيزيس لمسرح المرأة» يراهن على تجارب نسائية عابرة للحدود

يستعيد مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» في دورته الرابعة سيرة الفنانة المصرية الراحلة سناء جميل.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق تتناول المسرحية غياب الحوار والتواصل لدى الشباب (جنى أبي غصن)

«يلّا أنماتش» مسرحية رومانسية ترفيهية تلامس هواجس الجيل الجديد

سبق أن شاركت جنى أبي غصن في أكثر من عمل مسرحي، بينها «سباحة بالهوا»، و«سجن النساء»، و«شهرزاد»...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق المخرج التونسي يتسلَّم جائزة أفضل مخرج بحفل ختام «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي» (إدارة المهرجان)

الطاهر عيسى: «لا موضة» صرخة ضد المباهاة التي فرضتها العولمة

قال المخرج التونسي الطاهر عيسى، مخرج العرض المسرحي «لا موضة- Show Off»، إن عرضه يعكس حالة التداخل الثقافي التي يعيشها الإنسان المعاصر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق حصد العرض على إشادات نقدية عدة (إدارة المهرجان)

فيرا بولياكوفا - ماكي تعيد اكتشاف عالم بوشكين من بوابة الحب الأول

منحت المخرجة البيلاروسية فيرا ألكساندروفنا بولياكوفا - ماكي كل شخصية رئيسية أغنية خاصة تكشف مشاعرها من دون الاستعانة بكلمات بوشكين.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أداء حركي مميّز في العرض (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)

«بماذا يحلم الناجون؟»... أحياء يحملون آثار الكارثة

تبدو الشخصيات كأنها كائنات فقدت بوصلة الطريق وهي تبحث عن المعنى والهوية...

رشا أحمد (القاهرة )

باريس: عرض أكثر من 280 قطعة من مقتنيات بريجيت باردو في مزاد

معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
TT

باريس: عرض أكثر من 280 قطعة من مقتنيات بريجيت باردو في مزاد

معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)
معرض تمهيدي لمقتنيات شخصية لبريجيت باردو في دار «دروو» بباريس (أ.ف.ب)

تُعرَض في باريس، اليوم الاثنين، مجموعة من المقتنيات الشخصية للممثلة الفرنسية الراحلة بريجيت باردو، في مزاد يستعيد محطات من حياةِ واحدة من أشهر نجمات السينما الفرنسية في القرن العشرين، ويكشف جانباً من تفاصيل حياتها بعيداً عن الأضواء التي رافقتها خلال عقود من الشهرة، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار مزادات «ميلون» إن أكثر من 280 قطعة من مقتنيات باردو ستُطرَح للبيع، بينها تماثيل صغيرة ودُمى محشوة وتذكارات شخصية وأغراض استخدمتها في حياتها اليومية. وتأتي المعروضات من عقارات كانت تملكها الممثلة في سان تروبيه، ولا مادراج، ولا جاريج، إضافة إلى شقتها الباريسية في شارع رو دو لا تور.

ومِن أبرز القطع المعروضة آلة كاتبة من ماركة «أوليفيتي»، استخدمتها باردو في كتابة الجزء الثاني من مذكراتها، إلى جانب أحذية باليه من علامة «ريبيتو»، وصور وتذكارات ومجموعة من الأغراض الشخصية الصغيرة التي تعكس تفاصيل من حياتها الخاصة.

وتتراوح القيمة التقديرية للقطع بين 20 يورو و10 آلاف يورو، في حين تقل قيمة معظم المعروضات عن 100 يورو. وتذهب عائدات المزاد إلى مؤسسة بريجيت باردو، وإلى ابنها الوحيد نيكولا-جاك شارييه.

كانت باردو، التي تُوفيت في 28 ديسمبر (كانون الأول) 2025 عن 91 عاماً، قد صنعت شهرتها في خمسينات وستينات القرن الماضي، وأصبحت واحدة من أبرز الوجوه النسائية في السينما الفرنسية. وجاءت انطلاقتها العالمية خصوصاً مع فيلم «وخلق الرب المرأة» في عام 1956، من إخراج روجيه فاديم، الذي منحها حضوراً لافتاً على الشاشة وجعل اسمها معروفاً خارج فرنسا.

وخلال مسيرتها السينمائية، شاركت باردو في عشرات الأفلام؛ من بينها «الحقيقة» و«الاحتقار» للمخرج جان-لوك غودار، إلى جانب أعمال كوميدية ودرامية رسخت صورتها بوصفها واحدة من أبرز نجمات السينما الأوروبية في تلك المرحلة.

لكن باردو قررت، في سن مبكرة نسبياً، الابتعاد عن صناعة السينما، مُنهية مسيرتها الفنية وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها، لتتجه، بصورة متزايدة، إلى الدفاع عن حقوق الحيوانات. وفي عام 1986، أسست مؤسسة تحمل اسمها، كرّست جهودها لحماية الحيوانات ومناهضة إساءة معاملتها.

ويمنح المزاد الحالي فرصة لجمهور السينما وهواة جمع التذكارات للاطلاع على مقتنيات مرتبطة بمراحل مختلفة من حياة باردو؛ من سنوات الشهرة السينمائية، إلى حياتها الخاصة ونشاطها في مجال الرفق بالحيوان. وبين آلة كاتبة وأحذية باليه وصور وتذكارات بسيطة، تستعيد القطع المعروضة جانباً شخصياً من حياة نجمة بقي حضورها مرتبطاً بتاريخ السينما الفرنسية، حتى بعد مغادرتها الشاشة.


«أحبك... وأتركك» فيلم سويسري يختبر صمود الصداقة أمام الاضطراب النفسي

عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
TT

«أحبك... وأتركك» فيلم سويسري يختبر صمود الصداقة أمام الاضطراب النفسي

عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)

ليست كل الأفلام الوثائقية تُولد من فكرة سينمائية، فبعضها يخرج من قلب تجربة شخصية يصعب على أصحابها فهمها قبل روايتها، ومن بينها الوثائقي السويسري «أحبك... وأتركك» (I LOVE YOU, I LEAVE YOU)، للمخرج السويسري موريس فرايبورغهاوس، الذي يقترب من الاضطراب ثنائي القطب عبر أكثر زواياه حساسية، ليس من منظور المريض وحده، بل من منظور الصديق الذي يقف عاجزاً وهو يشاهد شخصاً يعرفه منذ سنوات طويلة يتبدل أمام عينيه.

لا ينشغل الفيلم الذي عرض في «مهرجان لوكارنو السينمائي» بسويسرا بتفسير المرض أو البحث عن أسبابه، بقدر ما يتأمل أثره في العلاقات الإنسانية، حيث تصبح الصداقة امتحاناً يومياً، ويتحول السؤال الأكثر إلحاحاً إلى: كيف يمكن الوقوف إلى جوار من نحب، من دون أن نصادر حريته أو نفقده في الوقت نفسه؟

تنطلق أحداث الفيلم مع الموسيقي السويسري - الأنغولي دينو برانداو، الذي يعود إلى أنغولا، مسقط رأس والده، بعد أكثر من 15 عاماً من الغياب، لإحياء حفل موسيقي، غير أن الرحلة، التي تبدأ بوصفها عودة إلى الجذور واستعادة لجزء من هويته العائلية، تتحول تدريجياً إلى مواجهة مع أسئلة الانتماء والذاكرة، قبل أن تقوده إلى نوبة هوس جديدة تقلب حياته رأساً على عقب.

ومع عودته إلى سويسرا، يجد أفراد أسرته وأصدقاؤه أنفسهم أمام واقع شديد التعقيد، وهم يحاولون مساعدته على تجاوز نوبة الهوس وإبعاده عن العودة إلى المستشفى النفسي. ومن خلال تلك الرحلة، يقترب الفيلم من جميع الشخصيات من دون أحكام مسبقة، فلا ينحاز إلى طرف على حساب آخر، ولا يبحث عن بطل أو ضحية، بقدر ما يتتبع الأعباء التي يفرضها المرض على كل من يحيط بالمصاب، حيث يصبح كل قرار، مهما بدا صائباً، قابلاً للتشكيك، ولا تبدو أي إجابة نهائية أو مطمئنة.

المخرج السويسري اعتمد على تجربة شخصية مع أحد أصدقائه (الشركة المنتجة)

ويكشف المخرج السويسري موريس فرايبورغهاوس، في لقاء عبر «زووم» لـ«الشرق الأوسط» عن أن الفيلم بدأ كامتداد لعلاقة صداقة تجمعه بالموسيقي السويسري - الأنغولي دينو برانداو منذ أكثر من 20 عاماً.

ويقول إنهما كبرا معاً، وشهدا محطات كثيرة في حياة كل منهما، بما في ذلك النوبات التي مر بها دينو، وهو ما جعل فكرة تحويل هذه التجربة إلى فيلم قراراً بالغ الحساسية بالنسبة له، لأن الكاميرا هذه المرة كانت ستقترب من صديق يعرفه جيداً، وليس من شخصية يلتقيها من أجل التصوير فقط.

ويضيف أن «المبادرة جاءت من دينو نفسه، بعدما خرج من أحد المستشفيات النفسية، حيث كان يقضي فترة علاج تخللتها أيام من العزل، وما إن استعاد هاتفه الجوال حتى أرسل إلي رسالة قصيرة كتب فيها (حان وقت الجزء الثاني)».

ويوضح أن هذه العبارة لم تكن مفهومة إلا لهما، إذ سبق أن أنجزا قبل أكثر من 10 أعوام فيلماً روائياً قصيراً استوحياه من أول نوبة هوس مر بها دينو، وكانت تلك التجربة محاولة لاستيعاب ما عاشاه معاً أكثر من كونها مشروعاً سينمائياً، لذلك، أدرك فور قراءته الرسالة أن صديقه لا يقترح مجرد فيلم جديد، وإنما يدعوه إلى استكمال حكاية بدأت قبل سنوات، لكن هذه المرة من قلب الواقع، لا عبر إعادة تمثيله.

ويقر فرايبورغهاوس بأنه لم يشارك صديقه حماسه منذ اللحظة الأولى، إذ زاره بعد خروجه من المستشفى، لكنه خرج مقتنعاً بأن دينو لا يزال تحت تأثير نوبة الهوس، وأن أي قرار يتخذه في تلك المرحلة لا يمكن اعتباره تعبيراً كاملاً عن إرادته.

قدم المخرج توثيقاً لمعاناة صديقه من الاضطراب ثنائي القطب (الشركة المنتجة)

ويضيف أن «المشروع تأجل قرابة 6 أشهر، حتى استعاد دينو قدراً من الاستقرار، وعندها فقط بدأ العمل الحقيقي على الفيلم، لكن حتى في تلك المرحلة لم يكن الشكل النهائي قد تبلور بعد، إذ كانت الخطة الأصلية مختلفة تماماً عما شاهده الجمهور لاحقاً».

ويكشف أن تصوره الأول كان يقوم على إعادة بناء النوبة السابقة من خلال مقابلات مع أفراد العائلة والمقربين، والاستعانة بالوثائق الطبية، بحيث يعود الفيلم إلى الماضي ويحاول تفكيكه، غير أن مسار الأحداث فرض اتجاهاً آخر، فبينما كان يجري مقابلات بحثية مع دينو وأسرته، تعرض الأخير لنوبة هوس جديدة، وهو ما دفع الفريق إلى إعادة التفكير في المشروع بأكمله.

ويرى المخرج أن «تلك اللحظة كانت نقطة التحول الحقيقية، لأن الفيلم توقف عن استعادة ما حدث، وبدأ يعيش ما يحدث بالفعل»، مشيراً إلى أن «قرار التصوير جاء استجابة لواقع فرض نفسه على الجميع، ولذلك اكتسب العمل صدقه، لأنه لم يحاول صناعة الدراما، بل وجدها تتكشف أمامه يوماً بعد آخر»، وفق قوله.

غير أن التحول الأكبر، بحسب فرايبورغهاوس، لم يكن فنياً بقدر ما كان أخلاقياً، فكلما تقدمت مراحل العمل، وجد نفسه يواجه سؤالاً أكثر تعقيداً من أي سؤال سينمائي: هل يحق له أن يكشف هذا القدر من خصوصية أقرب أصدقائه أمام الجمهور؟

ويقول إنه «خلافاً لما قد يعتقده البعض، كنت الشخص الأكثر تردداً داخل المشروع، إذ لم أتوقف عن سؤال دينو إذا ما كان متأكداً من رغبته في إنجاز الفيلم، ثم في عرضه أمام الجمهور، فالتصوير مرحلة يمكن التراجع عنها، أما إطلاق الفيلم فيعني أن الحكاية ستصبح ملكاً للمشاهدين».

ويستعيد فرايبورغهاوس أصعب لحظة واجهها خلال التصوير، مؤكداً أنها لم تكن مرتبطة بصناعة الفيلم بقدر ما كشفت عن هشاشة الحدود الفاصلة بين المخرج والصديق، لافتاً إلى أن المشهد الأكثر قسوة وقع عندما أوقفت الشرطة دينو أمام عينيه خلال إحدى نوبات الهوس، بينما وجد نفسه عاجزاً عن الاقتراب منه أو حتى التدخل لمساعدته، مكتفياً بمراقبة ما يحدث من بعيد.

ويؤكد أن تلك الواقعة دفعته إلى إعادة التفكير في الطريقة التي ينبغي أن تُروى بها القصة، إذ رفض البحث عن صور بديلة أو إعادة تمثيل ما جرى، مفضلاً أن ينقل الحدث كما هو، من خلال نص قصير يظهر على الشاشة، تاركاً للمشاهد مساحة لتخيل تفاصيله، بدلاً من فرض صورة قد تنتقص من صدقه الإنساني.


«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)
جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات المرتبطة بتوقيت إقامة الدورة المقبلة والمتطلبات اللوجستية لاستضافة حدث دولي بهذا الحجم.

وأوضحت المؤسسة أن قرار التأجيل يأتي في إطار حرصها على اختيار التوقيت والظروف الملائمة لتقديم التجربة التي عُرف بها المهرجان، ومواصلة تطويره والبناء على ما حققه خلال دوراته السابقة، بما يعزز حضوره على خريطة المهرجانات السينمائية الدولية.

ومن المقرر أن يعود المهرجان إلى جدة التاريخية في 2027 بدورته السادسة، التي قالت المؤسسة إنها ستقام «برؤية متجددة»، وبرنامج يواصل الاحتفاء بالسينما وصنّاعها من السعودية والمنطقة والعالم.

وفي غضون ذلك، أكدت المؤسسة استمرار برامجها وأنشطتها على مدار العام لدعم صنّاع الأفلام وتعزيز صناعة السينما، من خلال منظومتها التي تضم «صندوق البحر الأحمر» و«معامل البحر الأحمر»، إلى جانب برامج ومبادرات أخرى تستهدف ربط المواهب وصنّاع الأفلام بصناعة السينما الدولية.

وتنطلق في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 برامج المؤسسة الممتدة على مدار العام في «ميدان الثقافة» بجدة التاريخية، الذي سيستضيف عروضاً سينمائية وفعاليات ثقافية وبرامج متخصصة في صناعة الأفلام، على أن تعلن المؤسسة لاحقاً تفاصيل تلك البرامج ومواعيدها عبر قنواتها الرسمية.

وأعربت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي عن تقديرها لصنّاع الأفلام والشركاء والضيوف والجمهور على دعمهم، مؤكدة تطلعها إلى استقبال مجتمع السينما العالمي مجدداً في جدة التاريخية عام 2027.