وداد حلواني وقضية مفقودي الحرب اللبنانية: الغياب وثيقة مسرحية

السيرة الفردية تتحوَّل شهادة على جرح جماعي عمَّقه الانتظار

المسرح يُعيد فتح ملف المفقودين... الجرح النازف (الشرق الأوسط)
المسرح يُعيد فتح ملف المفقودين... الجرح النازف (الشرق الأوسط)
TT

وداد حلواني وقضية مفقودي الحرب اللبنانية: الغياب وثيقة مسرحية

المسرح يُعيد فتح ملف المفقودين... الجرح النازف (الشرق الأوسط)
المسرح يُعيد فتح ملف المفقودين... الجرح النازف (الشرق الأوسط)

اختار «المعهد العربي للمرأة» في «الجامعة اللبنانية الأميركية» أن يُكرِّم رمزاً مُلهماً للصمود. امرأة حملت وجعها الخاص وحوّلته إلى نضال جماعي. إنها وداد حلواني، الناشطة والمؤسِّسة لـ«لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان»؛ والصوت الذي أصرَّ على أن يبقى حيّاً رغم محاولات الطمس والإسكات. وفي كلمة ألقتها رئيسة المعهد، ميريام صفير، قبل العرض المسرحي، أوضحت أنّ الأمسية تحيّة لنساء أحدثن فرقاً في مسيرة العدالة والمساواة. نساء يقُدن التغيير بثبات وإصرار، يُقدّمهن المعهد المُحتَفل بذكرى 52 عاماً على تأسيسه، عبر أعمال فنّية تُضيء على دروبهن المُكلّلة بالأشواك والرجاء.

ميريام صفير تُكرّم نساء يقُدن التغيير بثبات وإصرار (الشرق الأوسط)

المسرحية التي احتضنها مسرح «الإروين هول» حملت عنوان «وداد: النملة يلّي عم تحفر بالصخر»، من إخراج لينا أبيض وتمثيل كريستين شويري وإبراهيم خليل. جلست وداد نفسها بين المقاعد، تُشاهد بعضاً من قصتها وقد تحوّلت إلى حكاية على الخشبة. لكن الحكاية لم تكن حكايتها وحدها، إذ شكَّلت مرآة لآلاف النساء اللواتي خُطف لهنّ أبٌ أو زوجٌ أو أخٌ أو ابنٌ أو عزيز في الحرب، فوجدن أنفسهن يتقاسمن قدراً جماعياً، بلا وداع ولا قبر يُسكِّن اللوعة.

عدنان، الزوج الغائب، أدّى دوره إبراهيم خليل من وراء الستار، صوتاً بلا جسد وحضوراً عبر الغياب. اختارت لينا أبيض حصره في النبرة لتُكثّف الإحساس بالفقد. تميَّز إخراجها بقدرة واعية على تجنُّب الميلودراما، إذ اختارت الاقتصاد في الوسائل التعبيرية، فتركت للفراغات أن تتكلّم، وللصمت أن يُعلن ثقله، وللمكان أن يروي بعض الحكاية بالملامح والإيحاء: الكراسي المُعلّقة، الأرض المكسوَّة بأوراق ذابلة، المسافة الفاصلة بين وداد وصوت زوجها الغائب؛ كلّها عناصر جسَّدت غياباً أثقل من أيّ حضور. المسرح بدا مثل بيت مشقوق، نصفه قائم ونصفه منهار، كأنّ المُشاهد مدعوّ إلى العيش داخل ذاكرة متصدِّعة لا يمكن ترميمها.

المسرحية تختصر صلابة امرأة تعاند النسيان (الشرق الأوسط)

هذا الاختيار البصري ليس زخرفة أو عنصر ديكور، فهو أداة نقدية تُضيء على المعنى الأعمق: أنّ الفقد لا يُرى ولا يُلمس، لكنه يُحيط بنا من كلّ جانب. ومن هنا جاء الأثر على المتلقي مُضاعفاً: لم يشاهد حكاية من الخارج، وإنما عاش داخلها، فأحسَّ ببرودة الغياب وبطول الانتظار. فالإخراج تقاسم التجربة الداخلية لوداد مع الجمهور، ليُصبح كل متفرّج شريكاً في حمل ذاكرة جماعية لا تخصّها وحدها لكونها تخصُّ وطناً بأسره.

في هذا المشهد الذي يُشبه بيتاً خلعته الحرب من جذوره، وقفت كريستين شويري لتُجسّد وداد. بدا أداؤها في البداية مُتردّداً، كأنها لم تُمسك تماماً نبض الشخصية، غير أنها مع تصاعد الأحداث راحت تتملّك الدور شيئاً فشيئاً، حتى وصلت إلى ذروة الوجع.

الانتظار يلتهم الأعمار ووجعه أبلغ من الموت نفسه (الشرق الأوسط)

قوة المسرحية في انضباطها العاطفي وقدرتها على إظهار التحمُّل والمثابرة، من دون إنكار لحظات الانكسار. جمعت بين العاطفة والوقائع، لتُقدّم صورة شاملة عن مسيرة وداد ومعها مسار نضال ممتدّ لنساء عديدات. تخطَّت القصة كونها شخصية رغم أنها تحكي عن شخص؛ وهذه كانت إحدى نقاط تميُّز العرض. فمن خلال سيرة واحدة، أضاء على قضية وطنية، ومن خلال امرأة واحدة، حمل صرخة جماعة.

المسرحية نبشت في ذاكرة الحرب، فأعادت إلى الخشبة رائحة البارود ونكهة الدم والذعر. بيَّنت الماضي أبعد من كونه خلفية للأحداث، فهو جوهرها وسببها، إذ شكّل غياب الأحبّة جرحاً مفتوحاً لعائلات بأكملها. وفي قلب هذه المأساة، وُضعت وداد حلواني: زوجة خُطِف شريك حياتها ولم يعُد، وأمّ لولدَيْن كبُرا على كذبة مؤقتة تقول إنّ والدهما سيعود، قبل أن تصفعهما الحقيقة ذلك الصَفْع المُدوّي.

وظلَّ شعور الفقد مُخيّماً على المسرحية من بدايتها حتى نهايتها، مؤكداً هدفها المزدوج: التشديد على نُبل القضية، وإظهار قسوة التجربة الإنسانية التي عاشتها عائلات المفقودين. وقدَّمت وداد، على الخشبة كما في الواقع، درساً في الصلابة البشرية التي تولد من الخذلان. لم يعُد وجعها ملكها وحدها، فصار مشتركاً، وشهادتها تحوّلت إلى عزاء جماعي ودعوة للتماسُك ورفع الصوت في وجه النسيان.

ذاكرة تتكلّم بصوت الفنّ (الشرق الأوسط)

حتى الرائحة كان لها دور في العرض، فتجلَّت بكونها أثراً أخيراً للغائبين. رائحة ثيابهم والأماكن التي مرّوا بها، كأنها الحضور الوحيد المُمكن. ومعها، بدت ثيمة الانتظار أكثر وضوحاً: انتظار يأكل الأيام مثل السوس، ينهش العُمر ببطء أقسى من الموت نفسه، لأنه يُبقي الأمل حيّاً ولو كاذباً. الانتظار هنا حالة وجودية وليس وليد الظرف، يختصر مأساة وداد وكلّ مَن شاركها المصير المُشابه.

في النهاية، يخرج المُشاهد بوعي أعمق. تجنَّبت المسرحية التعاطُف العابر أو البكائية، فحوَّلت القصة إلى موقف، والوجع إلى شهادة، والمسرح إلى منبر يُعيد فتح الجرح لئلا يُطمَر بالتراب. ولعلّ إنجازها الأكبر هو أنها، من خلال وداد حلواني، أعادت التأكيد أنّ ذاكرة الحرب ليست صفحات من الماضي، فهي صرخة حاضرة في وجدان بلد لم يُنصف ضحاياه بعد.


مقالات ذات صلة

ليال الغصين وجوليان شعيا في «البائسة»: عرض يُلاحق سقوط فانتين

يوميات الشرق امرأة تمشي نحو سقوطها بصوت مكسور (صور المخرجة)

ليال الغصين وجوليان شعيا في «البائسة»: عرض يُلاحق سقوط فانتين

خرج كثيرون من الصالة بعيون دامعة، وهذا يكفي للقول إنّ الرهان على فانتين أصاب مكانه.

فاطمة عبد الله (بيروت)
خاص الممثلة ندى أبو فرحات والمخرج إيلي كمال (صوَر كمال)

خاص ندى أبو فرحات وإيلي كمال... شراكةٌ على مسرح الحياة

بين إيلي كمال وندى أبو فرحات شراكة مزدوجة. هما زوجان، والفنّ ثالثُهما. منذ اللقاء الأول في تصوير فيلم عام 2012 حتى مسرحيتهما الجديدة، يوازيان بين الحب والفن.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

في عمل مسرحي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

«حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق جانب من عرض «متولي وشفيقة» (وزارة الثقافة)

المسرح المصري لاستعادة بريقه بعروض شبابية ومغامرات «تراثية»

يسعى المسرح المصري إلى استعادة بريقه عبر عروض مسرحية تراهن على الشباب وعلى المغامرات التراثية.

محمد الكفراوي (القاهرة )

منى زكي تعود للدراما من بوابة «الخيانة الزوجية»

منى زكي تعود للدراما بعد سنوات (صفحتها على «فيسبوك»)
منى زكي تعود للدراما بعد سنوات (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

منى زكي تعود للدراما من بوابة «الخيانة الزوجية»

منى زكي تعود للدراما بعد سنوات (صفحتها على «فيسبوك»)
منى زكي تعود للدراما بعد سنوات (صفحتها على «فيسبوك»)

تعود الفنانة منى زكي لـ«الشاشة الصغيرة»، مجدداً بعد غياب 3 سنوات، من خلال المسلسل الدرامي «طالع نازل»، الذي يطرح قضية «الخيانة الزوجية»، خلال أحداثه التي تقع في 10 حلقات، أسوة بالتوجه الذي اعتمده صنّاع مسلسلات منذ سنوات، خصوصاً في دراما المنصات.

ويعد مسلسل «طالع نازل»، الذي يشارك في بطولته محمد شاهين، ومريم الخشت، وميمي جمال، التعاون الثالث الذي يجمع منى زكي بالمخرج هاني خليفة بعد تعاون سينمائي سابق من خلال فيلمَي «سهر الليالي»، الذي عُرض مطلع الألفية الجديدة، و«رحلة 404»، الذي عُرض قبل عامين.

الفنانة مريم الخشت التي تشارك في بطولة العمل الذي يجمعها بمنى زكي لأول مرة، ويشهد على التعاون الثالث لها مع المخرج هاني خليفة، بعد مسلسلَي «ليالي أوجيني»، و«بدون سابق إنذار»، أكدت أن «الإطار العام للعمل لا يدور حول (الخيانة الزوجية) بمعناها الواضح، بل إن القصة متشعبة ومعالجتها مختلفة».

وأضافت مريم الخشت لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكننا الوقوف عند شخصية بعينها في العمل لنقول هي السبب، أو هي وراء الصراع، بل بإمكان الجمهور التماس العذر لجميع الشخصيات في مواقف معينة لا يُحسدون عليها. وفي حال وضع المشاهد نفسه بداخل إطارها، فلن يستطيع الحكم على غيره بالسلب أو الإيجاب».

ونوّهت مريم الخشت بأن مسلسل «طالع نازل»، في مراحل تصويره النهائية، وأن العمل مع منى زكي كان «أمنية كبيرة»، بالنسبة لها، وتحققت، وستكون علامة مهمة في مشوارها، مضيفة: «فريق العمل المحترف يحمّلني مسؤولية صعبة، إلى جانب أن وجودي فرصة وضعتني في مكانة مميزة على خريطة الدراما عامة».

الفنانة مريم الخشت تشارك في مسلسل «طالع نازل» (صفحتها على «فيسبوك»)

وعن رأيه في عودة منى زكي للدراما التلفزيونية مجدداً بعد غياب، وتعاونها مع المخرج هاني خليفة لأول مرة بالدراما، أكد الكاتب والناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن، أن «منى زكي اسم قادر على جذب الجمهور، بعد تقديمها أخيراً عدداً من المسلسلات التلفزيونية التي حققت نجاحاً لافتاً».

وأضاف عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «باعتبار أن المسلسل سوف يتم عرضه على منصات، فإننا سنرى منى زكي لأول مرة في هذا الوسيط المهم بعيداً عن موسم رمضان، كما أن جمهورها سيرى ثنائية فنية مميزة مع هاني خليفة، بعد تقديمهما تجارب مختلفة من قبل في السينما»، متوقعاً أن يقدما للجمهور تجربة مغايرة، و«المؤشرات تقول إنه سيكون عملاً مختلفاً، لكن النتيجة ستتضح بعد العرض بالتأكيد»، على حد تعبيره.

وبخلاف «طالع نازل» ناقشت مسلسلات مصرية عدة، بمعالجات مختلفة، قضية «الخيانة الزوجية»، والتي عادة ما تكون جاذبة لشريحة كبيرة من الناس، وفق نقاد ومتابعين، مثل مسلسلات «لأعلى سعر»، و«وتر حساس»، و«حرب أهلية»، و«علاقة مشروعة»، وغيرها.

الكاتبة والناقدة الفنية المصرية الدكتورة آمال عثمان، قالت إن «عودة منى زكي إلى الدراما بعد غياب سنوات، ليست مجرد عودة فنية عادية، بل تبدو خطوة محسوبة تعكس حرصها على اختيار أعمال تترك أثراً حقيقياً وتضيف إلى رصيدها الفني، لا مجرد حضور موسمي عابر».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «منى زكي واحدة من أهم نجمات جيلها، ونجحت على مدار سنوات في بناء مكانة خاصة تقوم على التنوع والرهان على الأدوار الصعبة، لذلك تصبح عودتها إلى الدراما حدثاً فنياً يثير الفضول، خصوصاً مع مشروع يحمل عناصر جذب فنية وإنسانية واضحة».

وأشارت آمال عثمان إلى أن «التعاون الأول درامياً بين منى زكي وهاني خليفة يمنح المشروع حالة من الترقب؛ لأننا نتحدث عن مخرج يمتلك حساً بصرياً وإنسانياً مختلفاً، وفنانة تعرف كيف تختار أدوارها بعناية، وأتمنى أن يوازن المسلسل بين تحقيق معادلتَي النجاح الفني والجماهيري».

وعن مناقشة العمل قضية «الخيانة الزوجية»، رغم تكرارها درامياً، قالت آمال عثمان: «القيمة الحقيقية لن تكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تفكيكها نفسياً واجتماعياً، وزاوية التناول والمعالجة الدرامية، وقدرة العمل على تجاوز الإثارة السطحية نحو أسئلة أكثر عمقاً عن العلاقات والهشاشة الإنسانية، والتحولات داخل الأسرة الحديثة».


السعودية تدشن أحدث مضخات الإنسولين الذكية 

لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)
لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)
TT

السعودية تدشن أحدث مضخات الإنسولين الذكية 

لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)
لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)

وسط تسارع عالمي في معدلات الإصابة بمرض السكري، كشفت جلسات مؤتمر تدشين أحدث مضخات الإنسولين الذكية في العاصمة الرياض عن أرقام مقلقة، تضع السعودية في المرتبة التاسعة عالمياً من حيث انتشار المرض، في وقت تتجه فيه السعودية إلى توسيع استثماراتها في تقنيات الرعاية الصحية الحديثة لتحسين جودة حياة المرضى وتعزيز التحكم بالمرض.

وشهد المؤتمر الذي عُقد في «إنتركونتيننتال» تدشين جهاز «أومني بود 5» لأول مرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحضور نخبة من أطباء وخبراء السكري من مختلف دول العالم، لمناقشة أحدث التطورات التقنية والعلاجية المرتبطة بإدارة داء السكري، إلى جانب استعراض تجارب سريرية وتطبيقات عملية للتقنيات الذكية الحديثة.

وجاء المؤتمر بتنظيم «إنسوليت» الشركة المتخصصة في تطوير أنظمة توصيل الإنسولين والتقنيات الذكية الخاصة بإدارة مرض السكري، حيث افتتح الحدث المدير العام للشركة في الشرق الأوسط والأسواق الناشئة، إلى جانب مدير الشركة في السعودية، قبل انطلاق سلسلة من الجلسات العلمية والنقاشية التي تناولت مستقبل رعاية السكري في السعودية والتجارب المبكرة مع جهاز «أومني بود 5».

جانب من جلسات مؤتمر مرض السكري الذي نظّمته «إنسوليت» في «إنتركونتيننتال - الرياض» (تركي العقيلي)

وأوضح محمد آل مهذل، المدير الطبي لمركز السكري والغدد الصماء في مدينة الملك فهد الطبية، لصحيفة «الشرق الأوسط»، أن العالم يواجه اليوم وباءً عالمياً يتمثل في داء السكري والسعودية ليست استثناءً من هذا التحدي الصحي المتصاعد، فنحو 25 في المائة من البالغين في السعودية مصابون بالسكري، فيما تقترب نسبة مماثلة من مرحلة ما قبل السكري، مضيفاً أن «السعودية سجلت قرابة ربع مليون مريض بالسكري من النوع الأول، مع تزايد سنوي في معدلات الإصابة يصل إلى 10 في المائة للنوع الأول مقارنة بـ6 في المائة للنوع الثاني».

وتابع: «ارتفاع معدلات الإصابة لا يقتصر على السعودية فحسب، إنما يشهد العالم بأسره زيادة مستمرة، خاصةً في حالات السكري من النوع الأول لدى الأطفال»، مبيناً أن «الأسباب الدقيقة لا تزال غير معروفة حتى الآن بالرغم من وجود مجموعة نظريات ترتبط بالإصابات الفيروسية وبعض العوامل الغذائية والبيئية المحيطة».

ولفت آل مهذل إلى أن السكري من النوع الثاني يرتبط بعدة عوامل، في مقدمتها الاستعداد الوراثي والعادات الصحية غير السليمة. وأردف: «يسهم قلة النشاط البدني وعدم الالتزام بالغذاء الصحي واضطرابات النوم في زيادة احتمالية الإصابة بالمرض». كما أكد أن السعودية كثفت خلال السنوات الماضية من برامج التوعية والكشف المبكر للحد من تطور حالات ما قبل السكري إلى السكري، إلى جانب التوسع في توفير أحدث العلاجات والتقنيات الطبية، منوهاً بأن «المملكة كانت من أوائل الدول التي تبنت حلول السكري الحديثة، مثل حساسات قياس السكر المستمرة والمضخات الذكية». وقد أسهمت الأجهزة الحديثة بشكل كبير في تحسين التحكم بمستويات السكر، خصوصاً لدى مرضى السكري من النوع الأول، إلى جانب دورها في تحسين جودة الحياة والنوم وتخفيف الأعباء اليومية على المرضى وعائلات الأطفال المصابين.

وكشف المؤتمر أن مريض السكري من النوع الأول يضطر لاتخاذ أكثر من 180 قراراً يومياً يتعلق بصحته وإدارة حالته المرضية، فيما يلجأ نحو 50 في المائة من المرضى إلى تناول وجبات غنية بالكربوهيدرات قبل النوم خوفاً من انخفاض السكر الليلي أو ما يعرف بانخفاض مستوى السكر في الدم، وهي إحدى التحديات التي لا تزال تمثل فجوة علاجية يسعى المختصون إلى تقليصها مستقبلاً رغم التطورات الحالية.

محمد آل مهذل المدير الطبي لمركز السكري والغدد الصماء خلال حديثه لصحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)

وناقش المشاركون أحدث التقنيات القابلة للارتداء والمستخدمة تحت الماء، التي ساعدت مرضى السكري على ممارسة حياتهم اليومية بمرونة أكبر، إلى جانب أنظمة ذكية توفر سهولة التعبئة والتركيب والتحكم، وتضم حاسبات للكربوهيدرات تساعد المرضى على إدارة جرعات الإنسولين بدقة أعلى. ومن أبرز هذه التقنيات جهاز «أومني بود 5»، الذي يعمل عبر نظام آلي ذكي يراقب مستويات السكر بشكل مستمر ويعدل ضخ الإنسولين تلقائياً بناءً على قراءات الغلوكوز، بما يسهم في تحسين التحكم بالسكري وتقليل التقلبات الحادة في مستويات السكر.

وتضمنت برامج المؤتمر جلسات علمية ، من أبرزها جلسة بعنوان «مستقبل رعاية السكري في السعودية والتجارب المبكرة مع (أومني بود 5)» إلى جانب جلسة ناقشت كيفية تحويل الأدلة العلمية إلى ممارسات يومية واقعية للمرضى، كما ضم الحدث عدداً من المصابين بمرض السكري وعائلاتهم، في خطوة هدفت إلى رفع مستوى الوعي وإبراز أثره المباشر في تحسين جودة الحياة اليومية للمصابين، ومن بينهم الطفلة ياسمين الشثري، إحدى أوائل مستخدمي جهاز «أومني بود 5» في السعودية.

وعن أهمية التقنيات الحديثة في الرعاية الصحية، قالت لمى المعقيل، والدة ياسمين، لصحيفة «الشرق الأوسط»، إن « هذه الأجهزة أسهمت بشكل كبير في تقليل المخاوف المرتبطة بالمرض وتعزيز مفهوم الرعاية الذكية»، حيث أصبحت قادرة على التنبؤ بانخفاض مستوى السكر في الدم، إذ تقوم تلقائياً بإيقاف ضخ الإنسولين لتفادي حالات الهبوط، ومن بينها خصائص تعتمد على الحركة والنشاط البدني لتنظيم كمية الإنسولين المرسلة بما يتناسب مع احتياج ابنتها ومراقبة صحتها. وأشادت بدور هذه المؤتمرات المتخصصة في مجال السكري، وأن دورها مهم في رفع الوعي. وأضافت: «هذه المؤتمرات مهمة جداً للمرضى، وليس للممارسين الصحيين فقط، حيث تساعد المرضى وأسرهم على فهم الخيارات المتاحة بصورة أوضح، والتعرف على الفروقات بين أنواع المضخات والأجهزة المختلفة، ما يساعدهم على اتخاذ قرارات مبنية على معرفة ووعي حقيقيين».


آثاريون مصريون ينتفضون ضد «تشويه» بانوراما معبد كلابشة بأسوان

جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)
جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)
TT

آثاريون مصريون ينتفضون ضد «تشويه» بانوراما معبد كلابشة بأسوان

جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)
جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

أبدى عددٌ من الآثاريين المصريين غضبهم وانتفضوا لمشاهِد مُصوَّرة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك عبر وسائل إعلام محلية، تظهر واجهة معبد كلابشة بأسوان (جنوب مصر) وبها مبنيان حديثان للخدمات الخاصة بالموقع الأثري، ما عدَّه متخصصون «تشويهاً» للموقع والبانوراما الخاصة بالمعبد.

وناشدت «حملة الدفاع عن الحضارة المصرية» وزير السياحة والآثار، والأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إزالة هذه «التشوهات»، التي ظهرت في صور وصلت للحملة من مصادر عدة من آثاريين ومرشدين سياحيين وعشاق للحضارة المصرية، وكذلك معالجة آثار الطيور على الأثر، لحرصها على ظهوره بأجمل منظر، وفق بيان نشرته الحملة على «فيسبوك».

ويؤكد الخبير الآثاري الدكتور عبد الرحيم ريحان، رئيس «حملة الدفاع عن الحضارة المصرية»، أن هناك نصوصاً قانونية تجرّم تشويه الآثار، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الصور التي وصلتنا تشير إلى مبانٍ خدمية في بانوراما الأثر، وهو أمر يؤثر سلباً على صورته وشكله أمام الزائرين». وتابع: «حل المشكلات لا يأتي على حساب الأثر، فالمباني الخدمية داخل المباني الأثرية يجب أن تراعي بيئة الأثر نفسه، وألا تتنافر معه، لأنها ستكون جزءاً من بانوراما الموقع».

ولفت إلى «ضرورة التعاون بين الجهات المسؤولة عن هذا الأمر، وبين هيئة التنسيق الحضاري، وأساتذة كليات الهندسة والفنون الجميلة والتطبيقية، قبل تنفيذ أي تدخلات حديثة في محيط الأثر، خصوصاً أنَّه مُسجَّل في قائمة التراث الحضاري باليونيسكو».

صورة لمعبد كلابشة بأسوان أثارت جدلاً (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

ويعدُّ معبد كلابشة من أجمل وأكمل المعابد في النوبة السفلى، وفق وزارة السياحة والآثار. وقد بُني في عهد الإمبراطور الروماني أغسطس (30 ق.م - 14م)، وكُرِّس للمعبود النوبي ماندوليس، وكذلك للمعبودَين المصريَّين القديمَين إيزيس وزوجها أوزيريس. وقد أُدرجت آثار النوبة المصرية، من أبوسمبل إلى فيلة، على قائمة التراث العالمي لـ«اليونيسكو» عام 1979.

وتؤكد أستاذة مساعدة الآثار والتراث الحضاري، الدكتورة مونيكا حنا، أن «هذا البناء الذي انتشر لا يصح، فهو يؤدي إلى ضياع مشهد البانوراما، حتى لو كانت الجزيرة التي يوجد فيها المعبد غير أثرية، لأنَّه تمَّ نقل المعبد إليها بعد تفكيكه».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «البانوراما الخاصة بالمعبد مُشوَّهة جداً، وإن كانت هناك رغبة في بناء حمامات أو مرافق خدمية، فيمكن بناؤها في أماكن أخرى خلف المعبد، أو في المنطقة بشكل عام بطريقة لا تشوه المشهد البانورامي. ولكن ما رأيناه يدل على فقر في الخيال، وفشل في إدارة موقع مهم مُسجَّل على قائمة التراث العالمي».

إحدى لوحات المعبد الداخلية (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

ويتكوَّن معبد كلابشة من صرح يؤدي إلى الفناء المفتوح، يؤدي بدوره إلى قاعة الأعمدة. في حين تقع غرفتان مستعرضتان خلفهما، وهما بمثابة غرفتين للقرابين. وفي نهاية المعبد يوجد قدس الأقداس، حيث احتُفظ بتمثال للمعبود النوبي ماندوليس كما هو المعتاد. وشهد هذا المعبد تأثيرات مختلفة من الحضارات المتعاقبة التي تركت بصمتها عليه في العصر الروماني، وكذلك مع بدايات انتشار المسيحية في مصر، وفق الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار.

ويرى الخبير الآثاري المتخصص في المصريات، أحمد عامر، أن «وجود أبنية حديثة بالقرب من الأثر نفسه بشكل عام لا يجوز قانوناً، نظراً لأنه بمثابة تعدٍ على حرم الأثر، كما أنه يعدُّ تشويهاً بصرياً، لا يتماشى مع طبيعة الأثر والمكان، ولا يليق بالمنطقة الأثرية نفسها».

وقال عامر لـ«الشرق الأوسط»: «إن الصور المتداولة تظهر وجود مبانٍ بالقرب من معبد كلابشة أثارت سخط كثيرين من المتخصصين في علم الآثار بدافع الغيرة على آثار بلدهم، وحرصهم على ظهور آثارها بشكل يليق بمكانتها وحضارتها العظيمة»، مستدركاً: «لكني أعتقد أنَّ هذا المبنى لن يكون بالقرب من المعبد نفسه بالشكل الذي ظهر عليه في الصورة، نظراً لأنَّ الوزارة تعلم جيداً أنَّ مثل هذه الأمور لا تجوز، وتجلب انتقادات».

وتابع عامر: «هذا المبنى في الحقيقة بعيد بشكل كبير عن الأثر نفسه، كما أنه سيُطلَى بطريقة تتماشى مع طبيعة الأثر، وتراعي التناسق في الألوان، بما يتوافق مع الهوية البصرية للمكان. وأعتقد أنَّ المسؤولين عن الموقع سيحرصون على ذلك، لمعرفتهم بقيمة هذا الموقع الأثري المميز».