وداد حلواني وقضية مفقودي الحرب اللبنانية: الغياب وثيقة مسرحية

السيرة الفردية تتحوَّل شهادة على جرح جماعي عمَّقه الانتظار

المسرح يُعيد فتح ملف المفقودين... الجرح النازف (الشرق الأوسط)
المسرح يُعيد فتح ملف المفقودين... الجرح النازف (الشرق الأوسط)
TT

وداد حلواني وقضية مفقودي الحرب اللبنانية: الغياب وثيقة مسرحية

المسرح يُعيد فتح ملف المفقودين... الجرح النازف (الشرق الأوسط)
المسرح يُعيد فتح ملف المفقودين... الجرح النازف (الشرق الأوسط)

اختار «المعهد العربي للمرأة» في «الجامعة اللبنانية الأميركية» أن يُكرِّم رمزاً مُلهماً للصمود. امرأة حملت وجعها الخاص وحوّلته إلى نضال جماعي. إنها وداد حلواني، الناشطة والمؤسِّسة لـ«لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان»؛ والصوت الذي أصرَّ على أن يبقى حيّاً رغم محاولات الطمس والإسكات. وفي كلمة ألقتها رئيسة المعهد، ميريام صفير، قبل العرض المسرحي، أوضحت أنّ الأمسية تحيّة لنساء أحدثن فرقاً في مسيرة العدالة والمساواة. نساء يقُدن التغيير بثبات وإصرار، يُقدّمهن المعهد المُحتَفل بذكرى 52 عاماً على تأسيسه، عبر أعمال فنّية تُضيء على دروبهن المُكلّلة بالأشواك والرجاء.

ميريام صفير تُكرّم نساء يقُدن التغيير بثبات وإصرار (الشرق الأوسط)

المسرحية التي احتضنها مسرح «الإروين هول» حملت عنوان «وداد: النملة يلّي عم تحفر بالصخر»، من إخراج لينا أبيض وتمثيل كريستين شويري وإبراهيم خليل. جلست وداد نفسها بين المقاعد، تُشاهد بعضاً من قصتها وقد تحوّلت إلى حكاية على الخشبة. لكن الحكاية لم تكن حكايتها وحدها، إذ شكَّلت مرآة لآلاف النساء اللواتي خُطف لهنّ أبٌ أو زوجٌ أو أخٌ أو ابنٌ أو عزيز في الحرب، فوجدن أنفسهن يتقاسمن قدراً جماعياً، بلا وداع ولا قبر يُسكِّن اللوعة.

عدنان، الزوج الغائب، أدّى دوره إبراهيم خليل من وراء الستار، صوتاً بلا جسد وحضوراً عبر الغياب. اختارت لينا أبيض حصره في النبرة لتُكثّف الإحساس بالفقد. تميَّز إخراجها بقدرة واعية على تجنُّب الميلودراما، إذ اختارت الاقتصاد في الوسائل التعبيرية، فتركت للفراغات أن تتكلّم، وللصمت أن يُعلن ثقله، وللمكان أن يروي بعض الحكاية بالملامح والإيحاء: الكراسي المُعلّقة، الأرض المكسوَّة بأوراق ذابلة، المسافة الفاصلة بين وداد وصوت زوجها الغائب؛ كلّها عناصر جسَّدت غياباً أثقل من أيّ حضور. المسرح بدا مثل بيت مشقوق، نصفه قائم ونصفه منهار، كأنّ المُشاهد مدعوّ إلى العيش داخل ذاكرة متصدِّعة لا يمكن ترميمها.

المسرحية تختصر صلابة امرأة تعاند النسيان (الشرق الأوسط)

هذا الاختيار البصري ليس زخرفة أو عنصر ديكور، فهو أداة نقدية تُضيء على المعنى الأعمق: أنّ الفقد لا يُرى ولا يُلمس، لكنه يُحيط بنا من كلّ جانب. ومن هنا جاء الأثر على المتلقي مُضاعفاً: لم يشاهد حكاية من الخارج، وإنما عاش داخلها، فأحسَّ ببرودة الغياب وبطول الانتظار. فالإخراج تقاسم التجربة الداخلية لوداد مع الجمهور، ليُصبح كل متفرّج شريكاً في حمل ذاكرة جماعية لا تخصّها وحدها لكونها تخصُّ وطناً بأسره.

في هذا المشهد الذي يُشبه بيتاً خلعته الحرب من جذوره، وقفت كريستين شويري لتُجسّد وداد. بدا أداؤها في البداية مُتردّداً، كأنها لم تُمسك تماماً نبض الشخصية، غير أنها مع تصاعد الأحداث راحت تتملّك الدور شيئاً فشيئاً، حتى وصلت إلى ذروة الوجع.

الانتظار يلتهم الأعمار ووجعه أبلغ من الموت نفسه (الشرق الأوسط)

قوة المسرحية في انضباطها العاطفي وقدرتها على إظهار التحمُّل والمثابرة، من دون إنكار لحظات الانكسار. جمعت بين العاطفة والوقائع، لتُقدّم صورة شاملة عن مسيرة وداد ومعها مسار نضال ممتدّ لنساء عديدات. تخطَّت القصة كونها شخصية رغم أنها تحكي عن شخص؛ وهذه كانت إحدى نقاط تميُّز العرض. فمن خلال سيرة واحدة، أضاء على قضية وطنية، ومن خلال امرأة واحدة، حمل صرخة جماعة.

المسرحية نبشت في ذاكرة الحرب، فأعادت إلى الخشبة رائحة البارود ونكهة الدم والذعر. بيَّنت الماضي أبعد من كونه خلفية للأحداث، فهو جوهرها وسببها، إذ شكّل غياب الأحبّة جرحاً مفتوحاً لعائلات بأكملها. وفي قلب هذه المأساة، وُضعت وداد حلواني: زوجة خُطِف شريك حياتها ولم يعُد، وأمّ لولدَيْن كبُرا على كذبة مؤقتة تقول إنّ والدهما سيعود، قبل أن تصفعهما الحقيقة ذلك الصَفْع المُدوّي.

وظلَّ شعور الفقد مُخيّماً على المسرحية من بدايتها حتى نهايتها، مؤكداً هدفها المزدوج: التشديد على نُبل القضية، وإظهار قسوة التجربة الإنسانية التي عاشتها عائلات المفقودين. وقدَّمت وداد، على الخشبة كما في الواقع، درساً في الصلابة البشرية التي تولد من الخذلان. لم يعُد وجعها ملكها وحدها، فصار مشتركاً، وشهادتها تحوّلت إلى عزاء جماعي ودعوة للتماسُك ورفع الصوت في وجه النسيان.

ذاكرة تتكلّم بصوت الفنّ (الشرق الأوسط)

حتى الرائحة كان لها دور في العرض، فتجلَّت بكونها أثراً أخيراً للغائبين. رائحة ثيابهم والأماكن التي مرّوا بها، كأنها الحضور الوحيد المُمكن. ومعها، بدت ثيمة الانتظار أكثر وضوحاً: انتظار يأكل الأيام مثل السوس، ينهش العُمر ببطء أقسى من الموت نفسه، لأنه يُبقي الأمل حيّاً ولو كاذباً. الانتظار هنا حالة وجودية وليس وليد الظرف، يختصر مأساة وداد وكلّ مَن شاركها المصير المُشابه.

في النهاية، يخرج المُشاهد بوعي أعمق. تجنَّبت المسرحية التعاطُف العابر أو البكائية، فحوَّلت القصة إلى موقف، والوجع إلى شهادة، والمسرح إلى منبر يُعيد فتح الجرح لئلا يُطمَر بالتراب. ولعلّ إنجازها الأكبر هو أنها، من خلال وداد حلواني، أعادت التأكيد أنّ ذاكرة الحرب ليست صفحات من الماضي، فهي صرخة حاضرة في وجدان بلد لم يُنصف ضحاياه بعد.


مقالات ذات صلة

ماريا الدويهي: أتوق إلى السينما وأحلم بدور مسرحي جريء

يوميات الشرق مع زميلتها جوليا قصار خلال تسلمها جائزة «مونو» لأفضل ممثلة مسرحية (ماريا الدويهي)

ماريا الدويهي: أتوق إلى السينما وأحلم بدور مسرحي جريء

تستعد الممثلة والكاتبة والمخرجة والأستاذة الجامعية ماريا الدويهي لعمل مسرحي جديد مع المخرج والكاتب يحيى جابر، سيكون امتداداً لمسرحية «القرنة البيضا».

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق العرض الألماني «Children of today» (إدارة المهرجان)

«القاهرة للمسرح التجريبي» يراهن على الحرية في تناول القضايا الإنسانية

يشارك في الدورة الجديدة 16 عرضاً تمثل 14 دولة، ضمن برنامج يجمع بين المسرح الدرامي والرقص المعاصر والمسرح الحركي والبصري ومسرح الدمى والعروض متعددة الوسائط

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أمير اليماني يحصد جائزة أفصل مخرج (إدارة المهرجان)

أمير اليماني: «متولي وشفيقة» يُعيد محاكمة بطل الحكاية الشعبية

عدّ أمير اليماني الدورة الـ19 من أصعب دورات «المهرجان القومي للمسرح»، لقوة العروض المتنافسة في المسابقة.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق «الملك لير» في موسمه الجديد يصل إلى 200 ليلة عرض (وزارة الثقافة المصرية)

«الملك لير» يكشف الستار عن إيرادات قياسية بالمسرح المصري

كشف العرض المسرحي «الملك لير» عن إيرادات قياسية في المسرح المصري، بعد إعلان «البيت الفني للمسرح» أن إيرادات العرض تجاوزت 6 ملايين جنيه.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق نال «جائزة لجنة التحكيم للشباب» ضمن «جوائز المونو للمسرح» (سامر حنا)

سامر حنا: «جائزة المونو» ستُغيّر تاريخ المسرح في لبنان

يرى سامر حنا أنه منذ عام 2019، تاريخ تخرّجه في أكاديمية الفنون، شَعَرَ أكثر من مرة بالإحباط والخذلان...

فيفيان حداد (بيروت)

«آلاف فُقدوا... وآلاف يُفتقَدون»: جدارية في بيروت ترسم وجع الانتظار

على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)
على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)
TT

«آلاف فُقدوا... وآلاف يُفتقَدون»: جدارية في بيروت ترسم وجع الانتظار

على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)
على جدار بيروت... للغياب ملامح (الشرق الأوسط)

من أسفل مبنى بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بيروت، يحتاج المرء إلى أن يبتعد قليلاً كي يرى الإنسان. تتجمَّع مئات المربّعات الملوَّنة فوق الجدار، ويخرج منها وجه وهيئة بشرية تبدوان لوهلة واضحتين. لكنْ ما إنْ يقترب حتى يبدأ كلّ شيء في التفتُّت. الوجه الذي ظنَّ أنه أمسك بملامحه يعود ألواناً متناثرة، والإنسان الذي كان هناك منذ ثوانٍ يصبح عصياً على التحديد.

الفقد أن يبقى المكان وينقصه صاحبه (الشرق الأوسط)

هذه المسافة بين أن ترى شخصاً ثم تفقده هي الفكرة التي اختارها الفنان الغرافيتي سبازونو لجدارية المفقودين التي كشفت عنها اللجنة الدولية للصليب الأحمر في منطقة الحمرا. وتحت الصورة، تختصر عبارة ما عجزت عقود عن إغلاقه: «آلاف فُقدوا، وآلاف يُفتَقدون». فالاختفاء يحدُث مرة، أما الافتقاد فيتكرَّر بلا توقُّف.

كُشفت الجدارية بالتزامن مع اليوم العالمي للعمل الإنساني، وقبيل اليوم العالمي للمفقودين والمخفيين قسراً في 30 أغسطس (آب) الحالي. وحضر المناسبة ممثّلون عن لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، والهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى جانب شخصيات وفنانين وإعلاميين وشركاء في القضية.

مربّعات تتّحد لتصنع ملامح الغياب (الشرق الأوسط)

يقوم العمل الفنّي على خدعة بصرية مؤلمة في معناها. من بعيد، تبدو الهيئة البشرية شبه مُكتملة، كأنّ الذاكرة استطاعت أخيراً جَمْع أجزاء الشخص الغائب. ومع الاقتراب، تفقد الملامح تماسكها وتتحوّل إلى وحدات لونية منفصلة، فتنسحب الصورة من العين في اللحظة التي تعتقد فيها أنها أصبحت في متناولها.

في الرؤية المرافقة للعمل، يصبح هذا التحوّل صورة لتجربة عاشتها عائلات كثيرة في لبنان. فالأثر يظهر والرواية تُسمَع ومعلومة تفتح باباً، ثم يعود اليقين إلى التلاشي. وما بدا قريباً من الوضوح يستحيل مرة أخرى حالة ضبابية.

عيون شابّة ترسم انتظاراً سبقها بسنوات (الشرق الأوسط)

والجدارية مختلفة وفق موقع الناظر منها. تحتاج إلى المسافة كي ترى الشخص، وتحتاج إلى القُرب كي تدرك أنك عاجز عن رؤيته كلّياً. وقد أنجزها الفنان مُستلهماً مشروعاً شارك فيه طلّاب التصميم الغرافيكي في الجامعة اللبنانية الأميركية، دعتهم خلاله اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى قراءة قصص المفقودين وتحويلها إلى صور. وجاءت الأعمال الطلابية كأنها مسودات متعدّدة للغياب، لكلّ منها لغتها مع احتفاظ الوجع بحدّته.

في أحد الرسوم، اختارت آية لبّان السؤال اللبناني الأكثر التصاقاً بالقضية: «وينن؟». سؤال حملته أمهات وزوجات وأبناء على مدى سنوات، وبقي أطول عمراً من كثير من الأجوبة التي وُعدوا بها. الأعمال جميعها لا تتعامل مع المفقود على أنه رقم في ملف منسيّ. تُعيده إلى حقيبته وقميصه ومسبحته وكرسيه، وإلى أفراد عائلته الذين ما زالوا يتركون له مكاناً في حياتهم.

وداد حلواني أمام حكاية تعرفها منذ عقود (الشرق الأوسط)

هذا المعنى حملته رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان وداد حلواني، التي أعادت خلال المناسبة التذكير بمسيرة تمتدّ على نحو 4 عقود ونصف العقد من المطالبة بمعرفة مصير الأحبّة. وترى أنّ حقّ العائلات في المعرفة يتجاوز أصحاب القضية، فهو حقّ إنساني يرتبط بقدرة المجتمع على مواجهة ماضيه والتعلُّم منه، وعلى منع تكرار ما حدث.

كلمة حلواني تستعيد تاريخاً صنعته العائلات قبل أن تصنعه المؤسّسات. فالقضية بقيت حيّة لأنّ أمهات وزوجات وأبناء رفضوا أن يتحوّل غياب أحبّائهم إلى صفحة مطويّة، وحملوا الصور والأسماء والأسئلة من شارع إلى آخر، ومن اعتصام إلى آخر، طوال سنوات تغيَّر خلالها لبنان مرات كثيرة وبقي الانتظار على حاله.

جيل جديد يحمل سؤالاً أقدم منه (الشرق الأوسط)

من جهته، أشار رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسراً القاضي جوزف سماحة إلى الصعوبات والمعضلات التي تعترض عمل الهيئة، وإلى أهمية تعاون الجهات الرسمية والعاملين في المجالات العامة والاجتماعية والإنسانية في لبنان وخارجه. ورأى أنّ تنسيق هذه الجهود يُشكل دعماً أساسياً لمهمّة البحث عن مصيرهم.

نائب رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في لبنان يان ميسكوك أعاد بدوره تأكيد استمرار عمل اللجنة إلى جانب عائلات المفقودين، بعد عقود من مرافقتها في البحث عن الإجابات، مشيراً إلى أنّ هذا المسار يتواصل بالتعاون مع العائلات ولجنة الأهالي والهيئة الوطنية.

أسماء غابت وظلّت أماكنها دافئة (الشرق الأوسط)

اختيار جدار كبير في الحمرا لهذه القضية يُضيف إلى العمل دلالة. فالمفقود يخرج من الأرشيف والوثيقة والصورة العائلية إلى يوميات المدينة. يراه المارّ إلى عمله والطالب وسائق السيارة، ومَن يعرف الحكاية ومَن وُلد بعد انتهائها بسنوات. مَهمّة الفنّ في هذه الحالة أن يمنع الأثر من الاختفاء.

فنانون وإعلاميون وإنسانيون حضروا من أجل مَن غابوا (الجهة المنظّمة)

لهذا كانت المربّعات التي تتفتَّت منها هيئة الإنسان أكثر تعبيراً من صورة مُكتَملة. ففي قضية المفقودين اللبنانيين، تملك العائلات شذرات كثيرة، من صورة أخيرة وتاريخ ورواية سمعها أحدهم وشاهد رَحَلَ، واسم وَرَدَ في مكان ما. تنقصها القطعة التي تجعل كلّ ذلك حقيقة يمكن الإمساك بها.

مرَّ زمن طويل على اختفاء كثيرين. كَبِرَ أبناؤهم وشاخ آباؤهم ومات بعض الذين انتظروا قبل أن يسمعوا الجواب. ومع ذلك بقيت الأشياء معلَّقة في مكانها، من قميص في خزانة، إلى صورة على جدار واسم في بيت. لهذا تبقى العبارة أسفل الجدارية بعد انتهاء الكلام كلّه: «آلاف فُقدوا، وآلاف يُفتَقدون». كأنّ الغياب مهما طال لا يتعلَّم كيف يصبح ماضياً.


«الاعتقال»... عندما تصبح النزاهة أثمن من ملايين «إل تشابو»

صورة من فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال) (نتفليكس)
صورة من فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال) (نتفليكس)
TT

«الاعتقال»... عندما تصبح النزاهة أثمن من ملايين «إل تشابو»

صورة من فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال) (نتفليكس)
صورة من فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال) (نتفليكس)

في عمق ليلة ثامنة من يناير (كانون الثاني) لعام 2016، لم تكن المكسيك تدري أنها على موعد مع إسدال الستار على واحدة من أكثر المطاردات إثارة في التاريخ الحديث.

خلف كواليس هذا الحدث التاريخي، لم تكن طائرات الهليكوبتر أو القوات الخاصة هي من حسمت المعركة في فصولها الأخيرة، بل كانت دورية شرطة روتينية، وضابطان وجدا نفسهما وجهاً لوجه مع الرجل الذي مرّغ هيبة الدولة في التراب لسنوات، خواكين غوزمان، الشهير بـ«إل تشابو».

الممثلون المكسيكيون نوي هيرنانديز وألفونسو هيريرا وهيكتور كوتسيفاكيس يقفون على السجادة الحمراء فور وصولهم لحضور العرض الأول لفيلم «La Captura» (أو «Facing El Chapo») في مكسيكو سيتي في 18 أغسطس 2026. (أ.ف.ب)

اليوم، تعيد منصة «نتفليكس» إحياء هذه اللحظات الفاصلة عبر فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال)، من بطولة النجم المكسيكي ألفونسو هيريرا ونوي هيرنانديز وهيكتور كوتسيفاكيس.

لكن العمل لا يأتي ليمجد إمبراطورية الدم والدموع التي شيدها الكارتيل، بل ليتسلل إلى الشروخ النفسية والمعضلات الأخلاقية العميقة التي واجهها حماة القانون في تلك الليلة الاستثنائية، ملقياً الضوء على الثمن الباهظ للنزاهة في بلاد نهشها الفساد.

من هو «إل تشابو»؟... الأسطورة السامة لكارتيل سينالوا

قبل الغوص في تفاصيل السينما، لا بد من تفكيك ظاهرة خواكين «إل تشابو» غوزمان، الرجل الذي تحول من مزارع فقير في جبال ولاية سينالوا إلى أعتى بارونات المخدرات في العالم بعد سقوط إمبراطورية الكولومبي بابلو إسكوبار.

خواكين غوزمان لويرا المعروف بـاسم إل تشابو (أ.ب)

«إل تشابو»، وتعني (القصير) بالعامية المكسيكية، لم يكن مجرد تاجر مخدرات، بل كان عرّاب شبكة تهريب دولية معقدة امتدت عبر القارات.

اشتهر غوزمان بذكائه الحاد وقسوته المفرطة، لكن ما جعله أسطورة حية في عالم الجريمة المنظمة كان قدرته الخارقة على اختراق منظومة الدولة.

نجح «إل تشابو» في الهروب من السجون المكسيكية شديدة الحراسة مرتين، الأولى عام 2001 عبر عربة لغسيل الملابس، والثانية عام 2015 في عملية هوليوودية عبر نفق حُفر بدقة تحت زنزانته وامتد لأكثر من كيلومتر ونصف الكيلومتر.

سطَّر هذا الهروب الأخير إهانة بالغة للحكومة المكسيكية، وتحول القبض عليه مجدداً إلى مسألة كبرياء وطني ومطلب دولي ملحّ.

حُكم على «إل تشابو» البالغ من العمر 69 عاماً بالسجن مدى الحياة، بالإضافة إلى 30 عاماً، صدر هذا الحكم النهائي الصارم من قِبل محكمة فيدرالية أميركية في نيويورك عام 2019 بعد إدانته بـ10 تهم جنائية كبرى، تشمل إدارة منظمة إجرامية مستمرة (كارتيل سينالوا)، وتوزيع طن من المخدرات على نطاق دولي، وتهم غسل الأموال واستخدام الأسلحة النارية.

ويقبع غوزمان حالياً داخل سجن «إيه دي إكس فلورنس» (ADX Florence) الشهير في ولاية كولورادو، وهو السجن الفيدرالي الأكثر حراسة وتأميناً في الولايات المتحدة والمعروف باسم «جحيم الصخور»، نظراً لاستحالة الهروب منه.

 

كواليس تسبق الشاشة... لقطات «إل تشابو» المسربة تمهد للفيلم

قبل أيام قليلة من عرض الفيلم الذي يروي كواليس سقوط إمبراطور المخدرات، حركت صحيفة «إل يونيفرسال» (El Universal) المكسيكية المياه الراكدة بنشر 3 مقاطع فيديو غير مسبوقة لخواكين «إل تشابو» وثقت اللحظات الأولى لاعتقاله عام 2016.

وتُظهر اللقطات الحصرية المهرب الأخطر وهو يغسل وجهه وشعره الملطخين بالطين داخل غرفة فندق «دوكس» بعد فراره عبر مجاري الصرف الصحي، بينما يوثق مقطع آخر نقله في سيارة ترحيل عسكرية، وهو يسأل عناصر الأمن: «هل ستعاملونني بشكل سيء؟».

كما تضمنت التسريبات حديثاً نادراً يعترف فيه «إل تشابو» ببدء تجارته للمخدرات منذ سن الخامسة عشرة، ويكشف عن توجيهه تعليمات صارمة لأبنائه ورجاله بعدم الدخول في مواجهة مسلحة مع الدولة في حال سقوطه، مما يمنح المشاهدين تمهيداً واقعياً وحياً بالصوت والصورة قبل الغوص في تفاصيل الفيلم الذي بدأ عرضه اليوم.

 

 

ليلة السقوط... نفق الصرف الصحي والدورية المجهولة

 

ينطلق فيلم «La Captura» من كواليس عملية «البجعة السوداء» التي نفذتها قوات مشاة البحرية المكسيكية في مدينة «لوس موتشيس» في الثامن من يناير من عام 2016. وعلى الرغم من المداهمة العنيفة لخبئه، أثبت «إل تشابو» مرة أخرى أنه ثعلب الأنفاق، إذ تمكن من الفرار رفقة نائبه عبر شبكة الصرف الصحي للمدينة، ليخرجا من إحدى البالوعات ويقوما بسرقة سيارة تحت تهديد السلاح.

هنا تحديداً، يترك الفيلم صخب الطائرات والجنود ليركز عدسته على ما حدث على الطريق السريع.

دورية شرطة فيدرالية روتينية ترصد السيارة المسروقة وتوقفها. لم يكن الضابطان يعلمان أن صيدهما الليلة ليس مجرد سارق سيارات عادي، بل هو الرجل الأكثر طلباً على وجه الأرض. في تلك اللحظة، داخل سيارة الدورية، يولد الفيلم درامياً ونفسياً.

صورة من فيلم الإثارة الجديد «La Captura» (الاعتقال) (نتفليكس)

«الفضة أو الرصاص»... الصراع الأخلاقي خلف مقود الدورية

ينتقل العمل ببراعة ليجسد فلسفة الكارتيلات الشهيرة: «Plata o Plomo» (الفضة أو الرصاص... إما أن تقبل الرشوة وإما أن تستقبل رصاصة في الرأس).

داخل السيارة، عرض «إل تشابو» على الضابطين عروضاً يسيل لها اللعاب: قصور، أراضي، وملايين الدولارات التي تضمن تأمين عائلاتهم لأجيال، في مقابل غض الطرف والسماح له بالمرور إلى بر الأمان.

يقدم ألفونسو هيريرا أداءً مشحوناً بالتوتر، يجسد من خلاله الضغط النفسي الهائل الذي يقع على عاتق شرطي بسيط يتقاضى راتباً ضئيلاً.

المخرج لم يختر تقديم الضباط كأبطال خارقين لا يهابون شيئاً، بل أظهرهم كبشر من لحم ودم، يرتجفون خوفاً، يفكرون في مصير زوجاتهم وأطفالهم إذا ما علم الكارتيل بهويتهم، ويحسبون كلفة الرفض التي قد تعني تصفيتهم وتصفية عائلاتهم في غضون ساعات. معركة الصمود الأخلاقي أمام إغراء المال وسلطة الموت.

سينما النزاهة في مواجهة تمجيد الجريمة

تكمن أهمية فيلم «La Captura» في تحويله البوصلة الدرامية، فبينما غمرت المنصات الرقمية الأسواق بمسلسلات تضفي طابعاً رومانسياً أو بطولياً على رجال العصابات على غرار «ناركوس» وغيرها، يأتي هذا العمل ليعيد الاعتبار للجنود المنسيين في الحرب ضد الجريمة.

المادة السردية للفيلم تؤكد أن البطولة الحقيقية في المكسيك لا تكمن في حمل السلاح بقدر ما تكمن في قول «لا» للفساد. لقد قاوم هؤلاء الضباط الإغراء، وقاموا بنقل غوزمان إلى فندق صغير على أطراف الطريق لتأمينه حتى وصول التعزيزات، خوفاً من تعرض مركز الشرطة المحلي للمداهمة من قبل رجال الكارتيل لتخليص زعيمهم.

يأتي فيلم الاعتقال كوثيقة سينمائية مثيرة تكشف عن أن سقوط الإمبراطوريات لا يحتاج دائماً إلى جيوش جرارة، بل قد يكفي لترجيح كفة العدالة وجود رجلين شريفين في المكان والوقت المناسبين، إذ يعتبر تحية درامية سوداوية ومشوقة لرجال اختاروا شرف المهنة، ودفعوا في كثير من الأحيان حياتهم ثمناً للحظة نزاهة عابرة غيرت مجرى التاريخ.


«ذيل الحصان»... نبات عاش قبل الديناصورات ونجا من الانقراض

لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)
لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)
TT

«ذيل الحصان»... نبات عاش قبل الديناصورات ونجا من الانقراض

لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)
لا يملك زهرةً تلفت النظر لكنه يملك البقاء (بكسلز)

اسمه «ذيل الحصان»، وهو نبات قد يصمد أمام كلّ شيء. للوهلة الأولى، يبدو مثل فرشاة لتنظيف المرحاض، لكنه أقدم من الديناصورات. ولا يستطيع المرء مقاومة تمرير يده على شعيراته إلى جانب الطريق، حتى لو رمقه المارّة بنظرات مستغربة.

تروي «الغارديان» الحكاية، وتقول إنَّه على جانبي الطريق الريفي يمتدّ بساط من الخضرة الناعمة، كأنَّ المشهد اقتُطع من غابة استوائية؛ خضرة يانعة وسط طبيعة أكلها الجفاف، فصبغها بالبني والأصفر.

يبدو نبات ذيل الحصان الحقلي ناعماً ومنتفشاً، لكن ما إن تلمسه حتى تكتشف خشونته وصلابته. ويمكن استخدام سيقانه مثل فرشاة فعّالة لتنظيف المرحاض؛ فشعيراته غنية بالسيليكون الكاشط، مما يمنحها ملمساً خشناً أشبه بورق الصنفرة. ولعلّ هذا ما يفسر أحد أسمائه الشائعة، «فرشاة الجلي»، إذ كان يُستخدَم قديماً لتنظيف الخشب وتلميع المعادن.

وإذا تعاملتَ معه برفق، فيمكنك فصل ساقه المجوفة ذات العقد عند إحدى وصلاتها، ثم إعادة تركيبها بسهولة، مثل الأنابيب التي كان الأطفال يستخدمونها لبناء الأشكال، فتعود إلى موضعها بانسجام يبعث على الرضا.

ويعود وجود نبات «ذيل الحصان» على الأرض إلى ما قبل ظهور الديناصورات بوقت طويل. وكانت هذه النباتات، التي لا تزهر، عملاقةً في ذلك الزمن، إذ تجاوز ارتفاعها 20 متراً، ويُرجَّح أنَّها كانت من بين النباتات التي تغذَّت عليها الديناصورات آكلة النباتات.

كلّما ضاقت به الأرض وجد تحتها طريقاً آخر (بكسلز)

ولعل بقاءها منذ عصور ما قبل التاريخ ونجاتها من موجات انقراض جماعي خير دليل على قدرتها الاستثنائية على التَّكيُّف والصمود. وهي صفات جعلت منها نباتاً عشبياً شديد النجاح، وإن كان غازياً في بعض المناطق.

وتُفسّر قدرتها على الازدهار رغم شحّ الأمطار في شرق إنجلترا بامتداد جذورها تحت الأرض؛ إذ تمتلك شبكةً واسعةً من الجذامير يمكن أن تتعمّق أمتاراً، بل تمتدّ تحت الطرق أو أساسات المباني. ولهذا يصعب التخلّص منها؛ فهي تنتشر سريعاً عبر الأبواغ، وتمضي في الانتشار خفية تحت سطح الأرض.

ولحُسن الحظ، لا يبدو أنّ هذه الرقعة الصغيرة، في قلب منطقة نائية، تُسبّب أيّ ضرر. فنباتات «ذيل الحصان» لا تؤذي الأشجار، بل يوفر غطاؤها الكثيف مأوى لكائنات لافقارية، من بينها السوس ويرقات ذباب المنشار وأنواع عدّة من العناكب. وأكثر من ذلك، هذا النبات يمكن استخدامه للعناية بالشَّعر ومنحه لمعاناً، بفضل ما يحتويه من سيليكون.